واحتجوا في إيجاب الأضحية بحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالأضحية، وأن يُطعم منها الجار والسائل(1). فقالوا: لا يجب أن يُطعَم منها جار ولا سائل.
واحتجوا في إباحة ما ذبحه غاصب أو سارق بالخبر الذي فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دُعِي إلى طعام مع رَهْطٍ من أصحابه، فلما أخذ لقمةً قال: «إني أجد لحمَ شاةٍ أُخِذتْ(2) بغير حقّ» فقالت المرأة: يا رسول الله، إني أخذتُها من امرأة فلان بغير علم زوجها، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُطعم الأسارى(3). وقد خالفوا هذا الحديث، فقالوا(4): ذبيحة الغاصب حلال، ولا تحرم على المسلمين.
واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: «جَرح العَجْماء جُبَار»(5) في إسقاط الضمان بجناية المواشي، ثم خالفوه فيما دلَّ عليه وأُرِيد به، فقالوا: من ركبَ دابةً أو قادها أو ساقها فهو ضامن لما عَضَّتْ بفمها، ولا ضمانَ عليه فيما أتلفَتْ--------------------------------------------
(1) رواه قوام السنة في «الترغيب والترهيب» (393)، من حديث معاذ رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نطعم من الضحايا الجار والسائل والمتعفف. وفي إسناده عبد الرحمن بن أنعم وابن لهيعة متكلم فيهما، والحديث عزاه السيوطي في «الدر المنثور» (6/ 54) إلى ابن أبي شيبة.
(2) «أخذت» ساقطة من ت.
(3) رواه أبو داود (3332) وأحمد (22509) والدارقطني (4763) والبيهقي (5/ 335)، وجوَّد إسناده العراقي، وصححه ابن حجر، ووافقه الألباني. انظر: «التلخيص الحبير» (2/ 256)، و «المغني عن حمل الأسفار» (ص 581)، و «الإرواء» (3/ 196).
(4) ت: «فقال».
(5) رواه البخاري (1499) ومسلم (1710) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 70)
برجلها.
واحتجوا على تأخير القَوَد إلى حين البُرْء بالحديث المشهور أن رجلًا طعن آخر في ركبته بقَرْنٍ، فطلب القَوَد، فقال له(1) رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حتى يبرأ»، فأبى، فأقاده قبل أن يَبْرأ … الحديث(2). وخالفوه في القصاص من الطعنة، فقالوا: لا يُقْتصُّ منها.
واحتجوا على إسقاط الحد عن الزاني بأمة ابنه أو أم ولده بقوله صلى الله عليه وسلم: «أنتَ ومالُك لأبيك»(3)، وخالفوه فيما دلَّ عليه فقالوا: ليس للأب من مال ابنه شيء البتةَ، ولم يبيحوا له من مال ابنه عودَ أَراكٍ فما فوقه، وأوجبوا حَبْسَه في دَينه، وضمانَ ما أتلفَه عليه.
واحتجوا على أن الإمام يكبِّر إذا قال المقيم: «قد قامت الصلاة» بحديث بلال أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبقني بآمين»(4)، وبقول أبي--------------------------------------------
(1) «له» ساقطة من د.
(2) رواه أحمد (7034) من طريق محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ وفيه عنعنة ابن إسحاق وهو مدلس، ورواه الدارقطني (3114) من طريق ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وابن جريج عنعنه ولم يصح سماعه من عمرو بن شعيب، وخالفهما أيوب فرواه مرسلًا وحديثه مخرج عند عبد الرزاق (17988) ومن طريقه الدارقطني (3120). وللحديث شواهد يتقوى بها، وقد صححه الألباني. انظر: «الجوهر النقي» (8/ 68) و «الإرواء» (7/ 298).
(3) تقدم تخريجه.
(4) رواه أبو داود (937) وأحمد (23883) والطبراني (1124)، وصححه الحاكم (1/ 340). واختلف العلماء في وصله وإرساله، ورجح أبو حاتم والدارقطني الإرسال. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (2/ 206) و «فتح الباري» (2/ 263).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 71)
هريرة لمروان(1): [19/ب] «لا تسبقني بآمين»(2). ثم خالفوا الخبر جِهارًا فقالوا: لا يؤمّن الإمام ولا المأموم.
واحتجوا على مسح ربع الرأس بحديث المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسحَ بناصيته وعمامته(3). ثم خالفوه فيما دلَّ عليه فقالوا: لا يجوز المسح على العمامة، ولا أثر للمسح عليها البتةَ؛ فإن الفرض سقط بالناصية، والمسح على العمامة غير واجب ولا مستحبّ عندهم.
واحتجوا لقولهم في استحباب مُساوَقة(4) الإمام بقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما جُعِل الإمام لِيؤتمَّ به»(5)، قالوا: والائتمام به يقتضي أن يفعل مثل فعله سواء. ثم خالفوا الحديث فيما دلَّ عليه، فإن فيه: «فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا أجمعون»(6).
واحتجوا على أن الفاتحة لا تتعيَّن في الصلاة بحديث المسيء في صلاته، حيث قال له: «اقرأْ ما تيسَّر معك من القرآن»(7). وخالفوه فيما دلّ عليه صريحًا في قوله: «ثم اركَعْ حتى تطمئنَّ راكعًا، ثم ارفَعْ حتى تعتدلَ--------------------------------------------
(1) «لمروان» ساقطة من د.
(2) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (1/ 156)، ووصله عبد الرزاق (2639).
(3) رواه مسلم (247) من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.
(4) في هامش ع إشارة إلى أنه كان في الأصل: «مسابقة».
(5) رواه البخاري (378) ومسلم (411) من حديث أنس رضي الله عنه.
(6) قطعة من الحديث السابق.
(7) رواه البخاري (757) ومسلم (397) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 72)
قائمًا، ثم اسجُدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا»(1)، وقوله: «ارجعْ فصَلِّ فإنك لم تصلِّ»(2)، فقالوا: من ترك الطمأنينة فقد صلّى، وليس الأمر بها فرضًا لازمًا، مع أن الأمر بها وبالقراءة سواء في الحديث.
واحتجوا على إسقاط جلسة الاستراحة بحديث أبي حميد(3) حيث لم يذكرها فيه، وخالفوه في نفس ما دلَّ عليه من رفع اليدين عند الركوع والرفع منه.
واحتجوا على إسقاط فرض الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والسلام في الصلاة، بحديث ابن مسعود: «فإذا قلتَ ذلك فقد تمّتْ صلاتك»(4). ثم خالفوه في نفس ما دل عليه، فقالوا: صلاته تامة قال ذلك أو لم يقله.
واحتجوا على جواز الكلام والإمام على المنبر يوم الجمعة بقوله صلى الله عليه وسلم--------------------------------------------
(1) قطعة من الحديث السابق.
(2) قطعة من الحديث السابق.
(3) في وصف صلاة النبي- صلى الله عليه وسلم مخرَّج عند البخاري (828)، ورواه أيضًا أبو داود (963) والنسائي (1262) والترمذي (304) وابن ماجه (1061) وأحمد (23599)، وصححه الترمذي (260) وابن خزيمة (587) وابن حبان (1865).
(4) اختلف فيه هل هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو من كلام ابن مسعود، فروى الحديث أبو داود (970) وأحمد (4006) وأبو داود الطيالسي (273) من قول النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه الدارقطني (1334) وابن حبان وصححه (1962) والبيهقي (2/ 174) أنه من قول ابن مسعود وهو الصواب، ونقل النووي والعراقي الاتفاق على أنها مدرجة. انظر: «علل» الدارقطني (5/ 128) و «الفصل للوصل المدرج في النقل» (1/ 102)، و «شرح التبصرة والتذكرة» للعراقي (1/ 294) و «صحيح أبي داود» - الأم (4/ 121).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 73)
للداخل: «أصلَّيتَ قبل أن تجلس(1) [20/أ] يا فلانُ؟» قال: لا، قال: «قُمْ فاركع ركعتين»(2). وخالفوه في نفس ما دلَّ عليه، فقالوا: من دخل والإمام يخطب جلسَ ولم يصلِّ.
واحتجوا على كراهية رفع اليدين في الصلاة بقوله صلى الله عليه وسلم: «ما بالُهم رافعي أيديهم كأنها أذنابُ خيلٍ شُمْسٍ»(3). ثم خالفوه في نفس ما دلَّ عليه؛ فإن فيه: «إنما يكفي أحدَكم أن يسلِّم على أخيه من عن يمينه وشماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله»(4)، فقالوا: لا يحتاج إلى ذلك، ويكفيه غيره من كلِّ منافٍ للصلاة.
واحتجوا في استخلاف الإمام إذا أحدث بالخبر الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وأبو بكر يصلّي بالناس، فتأخَّر أبو بكر، وتقدَّم النبي صلى الله عليه وسلم فصلّى بالناس(5). ثم خالفوه في نفس ما دلَّ عليه، فقالوا: مَن فعلَ مثل ذلك بطلتْ صلاته، وأبطلوا صلاة من فعلَ مثل فعلِ النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ومن حضر من الصحابة، فاحتجوا بالحديث فيما لم يدلَّ عليه، وأبطلوا العملَ به في نفس ما دلَّ عليه.
واحتجوا لقولهم إن الإمام إذا صلَّى جالسًا لمرضٍ صلَّى المأمومون خلفه قيامًا، بالخبر الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج فوجد أبا بكر يصلّي--------------------------------------------
(1) «قبل أن تجلس» ليست في ت، ع.
(2) رواه البخاري (930) ومسلم (875) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
(3) رواه مسلم (430) من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه.
(4) قطعة من الحديث السابق.
(5) رواه البخاري (684) ومسلم (421) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 74)
بالناس قائمًا، فتقدّم النبي صلى الله عليه وسلم وجلس فصلّى بالناس؛ وتأخر أبو بكر(1). ثم خالفوا الحديث في نفس ما دلّ عليه، وقالوا: إن تأخَّر الإمام لغير حَدَثٍ وتقدَّم الآخر، بطلتْ صلاة الإمامين وصلاة جميع المأمومين.
واحتجوا على بطلان صوم مَن أكل يظنُّه ليلًا فبان نهارًا، بقوله صلى الله عليه وسلم: «إنّ بلالًا يؤذِّن بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابن أم مكتوم»(2). ثم خالفوا الحديث في نفس ما دلّ عليه، فقالوا: لا يجوز الأذان للفجر بالليل، لا في رمضان ولا في غيره. ثم خالفوه من وجه آخر، فإنّ في نفس الحديث: «وكان ابن أمّ مكتوم رجلًا أعمى لا يؤذِّن حتى يقال له: [20/ب] أصبحتَ أصبحتَ»(3)، وعندهم من أكل في ذلك الوقت بطل صومه.
واحتجوا على المنع من استقبال القبلة واستدبارها بالغائط بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تستقبلوا القبلةَ بغائطٍ ولا بولٍ ولا تستدبروها»(4). وخالفوا الحديث نفسه، وجوَّزوا استقبالها واستدبارها بالبول.
واحتجوا على شرط الصوم في الاعتكاف بالحديث الصحيح عن عمر أنه نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلةً في المسجد الحرام، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يوفي بنذره(5). وهم لا يقولون بالحديث؛ فإن عندهم أن نذر الكافر لا ينعقد، ولا يلزم الوفاء به بعد الإسلام.--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (664) ومسلم (418) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2) رواه البخاري (622) ومسلم (1092) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(3) رواه البخاري (617) ومسلم (1092) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(4) رواه البخاري (144) ومسلم (264) من حديث أبي أيوب رضي الله عنه.
(5) رواه البخاري (2032) ومسلم (1656).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 75)
واحتجوا على الردّ(1) بحديث: «تَحُوزُ المرأةُ ثلاثَ مواريثَ: عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنتْ عليه»(2). ولم يقولوا بالحديث في حيازتها مالَ لقيطِها، وقد قال به عمر بن الخطاب(3) وإسحاق بن راهويه(4)، وهو الصواب.
واحتجوا في توريث ذوي الأرحام بالخبر الذي فيه: «التمسوا له وارثًا أو ذَا رحمٍ» فلم يجدوا، فقال: «أعطوه الكُبْرَ(5) من خُزاعة»(6). ولم يقولوا--------------------------------------------
(1) الردّ: صورته أن الميت إن لم يخلِّف وارثًا إلّا ذوي فروض، ولا يستوعب المال، كالبنات والأخوات والجدات، فإن الفاضل عن ذوي الفروض يُردُّ عليهم على قدر فروضهم إلّا الزوج والزوجة. انظر «المغني» (9/ 48).
(2) تقدم تخريجه.
(3) يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة (32228) عن الزهري أن عمر بن الخطاب أعطى ميراث المنبوذ للذي كفله، وإسناده منقطع، وصحَّ بوجه آخر عند عبد الرزاق (13840) عن ابن شهاب قال: حدثني أبو جميلة، أنه وجد منبوذًا على عهد عمر بن الخطاب، فأتاه فاتهمه، فأُثني عليه خيرًا، فقال عمر: هو حر، وولاؤه لك، ونفقته من بيت المال. والأثر علقه البخاري في «صحيحه» بصيغة الجزم (8/ 154) وصححه ابن حزم في «المحلى» (7/ 133). وانظر «فتح الباري» (12/ 39).
(4) انظر: «مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه» (8/ 4389) و «الإجماع» لابن المنذر (ص 76) و «المغني» لابن قدامة (6/ 435).
(5) ع: «الكثر» تصحيف. يقال: هو كُبْر قومه، أي أكبرهم في السنّ أو في الرياسة أو في النسب.
(6) رواه أبو داود (2904) وأحمد (22944)، وفي إسناده جبريل بن الأحمر، وهو مختلف فيه، وحكم ابن كثيرعلى الحديث بالنكارة. انظر: «جامع المسانيد والسنن» (1/ 473) و «ضعيف أبي داود» - الأم (2/ 398).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 76)
به في أن من لا وارثَ له يُعطى مالُه للكُبْر من قبيلته.
واحتجوا في منع القاتل ميراثَ المقتول بخبر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «لا يَرِث قاتل»(1) و «لا يُقتَل مؤمن بكافر»(2). فقالوا بأول الحديث دون آخره(3).
واحتجوا على جواز التيمم في الحضر مع وجود الماء للجنازة إذا خاف فوتها، بحديث أبي جَهْم بن الحارث في تيمُّم النبي صلى الله عليه وسلم لردّ السلام(4). ثم خالفوه فيما دلّ عليه في موضعين: أحدهما أنه تيمَّم بوجهه وكفَّيه دون ذراعَيه، والثاني أنهم لم يكرهوا ردَّ السلام للمُحْدِث، ولم يستحبوا التيمّم لردّ السلام.
واحتجوا في جواز الاقتصار في الاستنجاء على حجرين بحديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب لحاجته، وقال له: «ائتِني [21/أ] بأحجار»، فأتاه بحجرين ورَوثةٍ، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: «هذه رِكْسٌ»(5). ثم خالفوه فيما هو نصٌّ فيه، فأجازوا الاستجمار بالروث، واستدلّوا به على--------------------------------------------
(1) رواه أبو داود (4564) والبيهقي (6/ 220)، والحديث إسناده حسن، وفي الباب أيضًا عن أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهم. انظر: «التلخيص الحبير» (3/ 184) و «الإرواء» (6/ 117).
(2) رواه أبو داود (2751) والترمذي (1413) وحسّنه، وابن ماجه (2659) وأحمد (6662)، وصححه ابن خزيمة (2280).
(3) هما حديثان كما ذكرنا.
(4) رواه البخاري (337)، ورواه مسلم معلقًا (369).
(5) رواه البخاري (156).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 77)
ما لا يدل عليه من الاكتفاء بحجرين.
واحتجوا على أن مسَّ المرأة لا ينقض الوضوء بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم حاملًا أُمامة بنت أبي العاص بن الربيع، إذا قام حملَها وإذا ركع أو سجد وضعَها(1)، ثم قالوا: من صلَّى كذلك بطلتْ صلاته وصلاة من ائتمَّ به.
قال بعض أهل العلم(2): ومن العجب إبطالهم هذه الصلاة وتصحيحهم الصلاة بقراءة {مُدْهَامَّتَانِ} [الرحمن: 64] بالفارسية، ثم يركع قدر نفس، ثم يرفع قدر حدّ السيف، أو لا يرفع بل يخِرُّ كما هو ساجدًا، ولا يضع على الأرض يديه ولا رجليه، وإن أمكن أن لا يضع ركبتيه صحَّ ذلك، ولا جبهته، بل يكفيه وضع رأس أنفه كقدر نفس واحد، ثم يجلس مقدار التشهد، ثم يفعل فعلًا ينافي الصلاة من فُساء أو ضُراط أو ضحكٍ أو نحو ذلك.--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه.
(2) إشارة إلى قصة القفال المروزي (ت 417) مع السلطان محمود الغزنوي، لما صلَّى بين يديه على مذهب أبي حنيفة، فتحوّل السلطان إلى مذهب الشافعي. وقد ساق القفّال نفسُه هذه القصة في «فتاويه» كما في «طبقات الشافعية» للسبكي (5/ 316)، ثم حكاها من بعده الجويني في «مغيث الخلق» (ص 57 - 59) وابن خلكان في «وفيات الأعيان» (5/ 180، 181) والذهبي في «السير» (17/ 486، 487). وشكّك فيها الكوثري وغيره، ونسوا أو تغافلوا أن صاحب القصة هو الذي حكاها أولًا في «فتاويه» ثم ذكرها الجويني وغيره، ولم يلفّقها الجويني، وإنما حكى ما كان معروفًا من أخبار القفال وسبب تحوُّل السلطان من المذهب الحنفي إلى المذهب الشافعي. وليس في كتب التاريخ ما ينفي ذلك، ولا في كتب الفقه الحنفي ما يخالف جواز تلك الصلاة في المذهب. وتصحيح الصلاة بقراءة {مُدْهَامَّتَانِ} بالفارسية مروي عن الإمام أبي حنيفة في «بدائع الصنائع» (1/ 112)، وكذا بقية المسائل.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 78)
واحتجوا على تحريم(1) وطء المَسْبيَّة والمملوكة قبل الاستبراء بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تُوطأ حاملٌ حتى تضعَ، ولا حائلٌ حتى تُستبرأ بحيضة»(2). ثم خالفوا صريحَه فقالوا: إن أعتقها وزوَّجها وقد وطئها البارحةَ حلَّ للزوج أن يطأها الليلة.
واحتجوا في ثبوت الحضانة للخالة بخبر بنت حمزة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بها لخالتها(3). ثم خالفوه فقالوا: لو تزوجت الخالة بغير محرم للبنت كابن عمها سقطت حضانتها.
واحتجوا على المنع من التفريق بين الأخوين بحديث علي في نهيه عن التفريق بينهما(4). ثم خالفوه فقالوا: لا يُردُّ المبيع إذا وقع كذلك، وفي الحديث الأمرُ بردِّه.
واحتجوا على جريان القصاص بين المسلم والذمي بخبر رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم أقادَ يهوديًّا من مسلمٍ لطَمَه(5). ثم خالفوه فقالوا: [21/ب] لا قَوَد في--------------------------------------------
(1) «تحريم» ساقطة من ت.
(2) تقدم تخريجه.
(3) رواه البخاري (2699) من حديث البراء رضي الله عنه.
(4) رواه الترمذي (1284) وابن ماجه (2249) وأحمد (800) من طريق حماد بن سلمة عن الحجاج عن الحكم عن ميمون بن أبي شبيب عنه به، وفي إسناده الحجاج بن أرطاة كثير الخطأ والتدليس، وميمون لم يدرك عليًّا، والحديث له شواهد ومتابعات. قال ابن حجر في «بلوغ المرام» (814): «صححه ابن خزيمة، وابن حبان والحاكم»، وهو في «المستدرك» (2/ 54). وانظر: «مسند أحمد» ط الرسالة (2/ 181 - 182).
(5) رواه الدارقطني (3260) والبيهقي (8/ 31) من حديث ربيعة عن عبد الرحمن بن البيلماني عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا. قال الدارقطني: ابن البيلماني ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله. وقال أبو عبيد: هذا حديث ليس بمسند، ولا يجعل مثله إمامًا يسفك به دماء المسلمين.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 79)
اللطمة والضربة، لا بين مسلمين ولا بين مسلم وكافر.
واحتجوا على أنه لا قصاص بين العبد وسيده بقوله صلى الله عليه وسلم: «من لَطمَ عبدَه فهو حرٌّ»(1). ثم خالفوه فقالوا: لا يعتق بذلك. واحتجوا أيضًا بالحديث الذي فيه: «من مثَّل بعبده عَتَقَ عليه»(2)، فقالوا: لم يوجب عليه القَود. ثم قالوا: لا يعتق عليه.
واحتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه [عن جده](3): «في العين نصفُ الدية»(4). ثم خالفوه في عدة مواضع(5): منها قوله: «وفي العين القائمة السادَّة لموضعها ثلثُ الدية»(6)، ومنها قوله: «في السّن السوداء ثلثُ الدية»(7).--------------------------------------------
(1) رواه مسلم (1657) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(2) تقدم تخريجه.
(3) ما بين المعكوفتين ليس في النسخ. و «عن أبيه» ساقطة من ت، ع.
(4) رواه أبو داود (4564)، وأحمد (7092)، والبيهقي (8/ 91) من طريق محمد بن راشد عنه. والحديث صححه أحمد شاكر في تعليقه على «المسند» (6/ 456).
(5) بعدها في ت، ع زيادة: «منه».
(6) رواه أبو داود (4567)، والنسائي (4840)، وفي «السنن الكبرى» (7015)، والدارقطني (3241)، والحديث حسنه الألباني في «الإرواء» (7/ 328) لكنه قيد ذلك بقوله: «إن كان العلاء حدث به قبل الاختلاط».
(7) رواه النسائي (4840)، وفي «السنن الكبرى» (7015)، وحسنه الألباني في «الإرواء» (7/ 328).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 80)
واحتجوا على جواز تفضيل بعض الأولاد على بعض بحديث النعمان بن بشير، وفيه: «أَشْهِدْ على هذا غيري»(1). ثم خالفوه صريحًا فإن في الحديث نفسه: «إن هذا لا يَصلُح»(2)، وفي لفظ: «إني لا أَشهدُ على جَوْر»(3)، فقالوا: بل هذا يصلُح وليس بجور، ولكل أحدٍ أن يشهد عليه.
واحتجوا على أن النجاسة تزول بغير الماء من المائعات بحديث: «إذا وطئ أحدُكم الأذى بنعلَيْه فإنّ الترابَ لهما طَهورٌ»(4). ثم خالفوه فقالوا: لو وطئ العَذِرةَ بخفَّيه لم يُطهِّرهما التراب.
واحتجوا على جواز المسح على الجبيرة بحديث صاحب الشجَّة(5). ثم خالفوه صريحًا فقالوا: لا يجمع بين الماء والتراب، بل إما أن يقتصر على غسل الصحيح إن كان أكثر ولا يتيمم، وإما أن يقتصر على التيمم إن كان الجريح أكثر ولا يغسل الصحيح.
واحتجوا على جواز تولية أمراء أو حكّام أو متولّين مرتَّبين واحدًا بعد واحدٍ بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أميركم زيد، فإن قُتِل فعبد الله بن رواحة، فإن قتل فجعفر»(6). ثم خالفوا الحديث نفسه فقالوا: لا يصح تعليق الولاية بالشرط،--------------------------------------------
(1) رواه مسلم (1623/ 17) بهذا اللفظ.
(2) رواه مسلم (1624) بهذا اللفظ.
(3) رواه مسلم (1623/ 13) بهذا اللفظ.
(4) رواه أبو داود (385) والطبراني في «الأوسط» (2759)، وصححه ابن خزيمة (292) وابن حبان (1403) والحاكم (1/ 166) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفي الباب عن أبي سعيد وعائشة. انظر: «نصب الراية» (1/ 207).
(5) تقدم تخريجه.
(6) رواه البخاري (4261) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 81)
ونحن نشهد بالله أن هذه الولاية من [22/أ] أصحِّ ولايةٍ على وجه الأرض، وأنها أصحُّ من كل ولاياتهم من أولها إلى آخرها.
واحتجوا على تضمين المُتْلِف ما أتلفَه ويملك(1) هو ما أتلفه بحديث القَصْعة التي كسَرَتْها إحدى أمهات المؤمنين، فردَّ النبي صلى الله عليه وسلم على صاحبة القَصْعة نظيرها(2). ثم خالفوه جهارًا فقالوا: إنما يُضمن بالدراهم والدنانير، ولا يُضمن بالمثل.
واحتجوا على ذلك أيضًا بخبر الشاة التي ذُبحت بغير إذن صاحبها، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يردَّها على صاحبها(3). ثم خالفوه صريحًا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُملِّكها الذابحَ، بل أمر بإطعامها الأُسارى.
واحتجوا في سقوط القطع بسرقة الفواكه وما يُسرِع إليه الفساد بخبر: «لا قطْعَ في ثمرٍ ولا كَثَرٍ»(4). ثم خالفوا الحديث نفسه(5) في عدة مواضع:--------------------------------------------
(1) ع: «وتملكه».
(2) تقدم تخريجه.
(3) تقدم تخريجه.
(4) الكثر: جُمّار النخل، وهو شحمه الذي وسط النخلة. والحديث رواه أبو داود (4388) والنسائي (4960) والترمذي (1449) وابن ماجه (2593) وأحمد (15804) وابن حبان وصححه (4466) من حديث رافع بن خديج، وصححه أيضًا ابن الملقن في «البدر المنير» (8/ 657) وابن حجر في «الدراية» (2/ 109). وقد اختلف في وصله وإرساله. وانظر: «التلخيص الحبير» (4/ 121) و «الإرواء» (8/ 72).
(5) لم أجده بهذه الزيادة أعني: «لا قطع في ثمر ولا كثر، فإذا آواه الجرين أو الجران قطع». انظر: «الدراية» لابن حجر (2/ 109).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 82)
أحدها أن فيه: «فإذا آواه إلى الجَرِين ففيه القطع»(1)، وعندهم لا قطْعَ فيه آواه إلى الجرين أو لم يُؤوِه. الثاني: أنه قال: «إذا بلغ ثمنَ المِجَنّ»(2)، وفي «الصحيح»(3) أن ثمن المجنّ كان ثلاثة دراهم، وعندهم لا يقطع في هذا القدر. الثالث: أنهم قالوا: ليس الجرين حرزًا؛ فلو سرق منه تمرًا يابسًا ولم يكن هناك حافظ لم يقطع.
واحتجوا في مسألة الآبق يأتي به الرجل أن له أربعين درهمًا، بخبرٍ فيه أن من جاء بآبقٍ من خارج الحرم فله عشرة دراهم أو دينار(4). وخالفوه جهرةً فأوجبوا أربعين.
واحتجوا على(5) أن خيار الشفعة على الفور بحديث ابن البيلماني: «الشفعة كحلِّ العِقالِ، ولا شُفعةَ لصغيرٍ ولا لغائبٍ، ومن مثّل بعبده فهو حرٌّ»(6). فخالفوا جميع ذلك إلا قوله: «الشفعة كحلِّ العِقال».--------------------------------------------
(1) رواه أبو داود (1710) والنسائي (4957) وابن ماجه (2596) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، والحديث حسنه الترمذي (1289). وانظر: «صحيح أبي داود» - الأم (5/ 394).
(2) ضمن الحديث السابق.
(3) رواه البخاري (6795) ومسلم (1686) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(4) رواه ابن أبي شيبة (22370) من طريق ابن جريج عن عطاء عن عمرو بن دينار أو ابن أبي مليكة وعمرو بن دينار مرسلًا، ورواه البيهقي (6/ 200) من طريق خصيف عن معمر عن عمرو بن دينار عن ابن عمر، وفيه خصيف وهو متكلم فيه، ورجح البيهقي الإرسال على الاتصال.
(5) «على» ليست في د.
(6) رواه ابن ماجه (2500) والبزار (5405) والبيهقي (6/ 108) دون الجزء الأخير، وضعفه البيهقي بمحمد بن عبد الرحمن البيلماني ومحمد بن الحارث، وحكم ابن أبي حاتم بنكارته، وقال ابن حجر: إسناده ضعيف جدًّا. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (4/ 297) و «التلخيص الحبير» (3/ 125). وذكر الزيلعي في «نصب الراية» (4/ 177) أن ابن حزم روى هذا الحديث في «المحلى» من طريق البزار (8/ 17) وزاد فيه «ومن مثل بعبده فهو حر، وهو مولى الله ورسوله، والناس على شروطهم ما وافق الحق»، ثم نقل الزيلعي عن ابن القطان ما يدلُّ أن هذه الزيادة ليست في حديث الشفعة، والظنُّ أن ابن حزم لفّق في حديث واحد، فقال ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (3/ 130): وهذه الزيادة ليست عند البزار في حديث الشفعة، ولكنه أورد حديث العبد بالإسناد المذكور حديثًا، وأورد أمر الشروط حديثًا، وأظن أن ابن حزم لما وجد ذلك كله بإسناد واحد لفّقه حديثًا، وأخذ تشنيعًا على الخصوم الآخذين لبعض ما روي بهذا الإسناد التاركين لبعضه. انتهى.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 83)
واحتجوا على امتناع القَوَد بين الأب والابن والسيد والعبد بحديث: «لا يُقاد والد بولده ولا سيّدٌ بعبده»(1). وخالفوا الحديث نفسه، فإن تمامه: «ومن مثّل بعبده فهو حرّ».
[22/ب] واحتجوا على أن الولد يُلحَق بصاحب الفراش دون الزاني بحديث ابن وليدة زمعة، وفيه: «الولد للفِراش»(2). ثم خالفوا الحديث نفسه صريحًا(3) فقالوا: الأمة لا تكون فراشًا وإنما كان هذا القضاء(4) في أمة،--------------------------------------------
(1) رواه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (5329) والطبراني في «الأوسط» (8657)، وفي إسناده عمر بن عيسى القرشي متكلم فيه. وللحديث شواهد ومتابعات يتقوى بها، دون قوله: «ولا سيد بعبده». انظر: «التنقيح» لابن عبد الهادي (4/ 466) و «الإرواء» (7/ 169، 267).
(2) تقدم تخريجه.
(3) «صريحا» ليست في ت.
(4) «القضاء» ليست في ت.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 84)
ومن العجب أنهم قالوا: إذا عقد على أمه وابنته وأخته ووطئها لم يُحَدَّ للشبهة، وصارت فراشًا بهذا العقد الباطل المحرَّم، وأم ولده وسُرِّيته التي يطؤها ليلًا ونهارًا ليست فراشًا له.
ومن العجائب أنهم احتجوا على جواز صوم رمضان بنيةٍ يُنشِئها من النهار قبل الزوال بحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل عليها فيقول: «هل من غَداءٍ؟» فتقول: لا، فيقول: «فإني صائم»(1). ثم قالوا: لو فعل ذلك في صوم التطوُّع لم يصحَّ صومه، والحديث إنما هو في التطوع(2) نفسه.
واحتجوا على المنع من بيع المدبَّر بأنه قد انعقد فيه سبب الحرية، وفي بيعه إبطالٌ لذلك، وأجابوا عن بيع النبي صلى الله عليه وسلم المدبَّر(3) بأنه باع خدمته. ثم قالوا: لا يجوز بيع خدمة المدبّر أيضًا.
واحتجوا على إيجاب الشفعة في الأراضي والأشجار التابعة لها بقوله: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شِرْكٍ في رَبْعَةٍ أو حائطٍ(4). ثم خالفوا نصَّ الحديث نفسه، فإن فيه: «ولا يحلُّ له أن يبيع حتى يُؤذِن شريكه، فإن باع ولم يُؤذِنه فهو أحقُّ به»، فقالوا: يحلّ له أن يبيع قبل إذنه، ويحلّ له أن يتحيَّل لإسقاط الشفعة، وإن باع بعد إذن شريكه فهو أحقُّ أيضًا بالشفعة، ولا أثر للاستئذان ولا لعدمه.--------------------------------------------
(1) رواه مسلم (1154) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2) ع: «صوم التطوع».
(3) رواه البخاري (2141) ومسلم (997) من حديث جابر رضي الله عنه
.
(4) تقدم تخريجه. والرَّبْع: المنزل ودار الإقامة، والربعة أخص من الربع. انظر «النهاية» (2/ 189).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 85)
واحتجوا على المنع من بيع الزيت بالزيتون إلا بعد العلم بأن ما في الزيتون من الزيت أقلُّ من الزيت المفرد، بالحديث الذي فيه النهي عن بيع اللحم بالحيوان(1). ثم خالفوه نفسه، فقالوا: يجوز بيع اللحم بالحيوان من نوعه وغير [23/أ] نوعه.
واحتجوا على أن عطية المريض المنجزة كالوصية لا تنفذ إلا في الثلث، بحديث عمران بن حُصين: «أن رجلًا أعتق ستة مملوكين عند موته لا مال له سواهم، فجزَّأهم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء وأقرعَ بينهم، فأعتقَ اثنين وأرقَّ أربعة»(2). ثم خالفوه في موضعين؛ فقالوا: لا يُقرَع بينهم البتةَ، ويعتق من كل واحدٍ سدسُه.
وهذا كثيرٌ جدًّا، والمقصود أن التقليد حكمَ عليكم بذلك، وقادكم إليه قهرًا، ولو حكَّمتم الدليلَ على التقليد لم تقعوا في مثل هذا؛ فإن هذه الأحاديث إن كانت حقًّا وجب الانقياد لها والأخذُ بما فيها، وإن لم تكن صحيحة لم يؤخذ بشيء مما فيها، فأما أن تُصحَّح ويُؤخذ بها فيما وافق قولَ المتبوع، وتُضعَّف أو تُردّ إذا خالفتْ قوله أو تُؤوَّل= فهذا من أعظم الخطأ والتناقض.
فإن قلتم: عارضَ ما خالفناه منها ما هو أقوى منه، ولم يعارض ما وافقناه منها ما يوجب العدولَ عنه واطِّراحَه.
قيل: لا تخلو هذه الأحاديث وأمثالها أن تكون منسوخة أو محكمةً، فإن كانت منسوخة لم يُحتجَّ بمنسوخٍ البتةَ، وإن كانت محكمةً لم يجز--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه.
(2) رواه مسلم (1668) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 86)
مخالفةُ شيء منها البتةَ.
فإن قيل: هي منسوخة فيما خالفناها فيه، ومحكمة فيما وافقناها فيه.
قيل: هذا مع أنه ظاهر البطلان يتضمّن ما لا(1) علمَ لمدَّعيه به، قائلٌ ما لا دليلَ عليه، فأقلُّ ما فيه أن معارضًا لو قَلَبَ عليه هذه الدعوى بمثلها سواءً، لكانت دعواه من جنس دعواه، ولم يكن بينهما فرقٌ، وكلاهما مدَّعٍ ما لا يمكنه إثباته؛ فالواجب اتباع سنن(2) رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحكيمها والتحاكم إليها حتى يقوم الدليل القاطع على نسخ المنسوخ منها، أو تُجمِع الأمة على العمل بخلاف شيء منها، وهذا الثاني محالٌ قطعًا، فإن الأمة ولله الحمد لم تُجمِع على ترك [23/ب] العمل بسنة واحدة، إلا سنةً ظاهرة النسخ معلومٌ للأمة ناسخها، وحينئذٍ يتعيَّن العمل بالناسخ دون المنسوخ، وأما أن تُترك السننُ لقول أحدٍ من الناس فلا، كائنًا من كان، وبالله التوفيق.
الوجه العشرون: أن فرقة التقليد قد ارتكبت مخالفةَ أمر الله وأمر رسوله وهَدْي أصحابه وأحوال أئمتهم، وسلكوا ضدَّ طريق أهل العلم:
أما أمر الله فإنه أمر بردّ ما تنازع فيه المسلمون إليه وإلى رسوله، والمقلّدون قالوا: إنما نردُّه إلى من قلَّدناه.
وأما أمر رسوله فإنه صلى الله عليه وسلم أمر عند الاختلاف بالأخذ بسنته وسنة خلفائه الراشدين المهديين(3)، وأمر أن يُتمسَّك بها، ويُعَضّ عليها بالنواجذ(4)،--------------------------------------------
(1) د: «لما».
(2) ت: «سنة».
(3) بعدها في ت: «من بعده».
(4) تقدم تخريجه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 87)
وقال المقلّدون: بل عند الاختلاف نتمسّك بقول من قلّدناه، ونقدِّمه على كل ما عداه.
وأما هَدْي الصحابة فمن المعلوم بالضرورة أنه لم يكن فيهم شخص واحد يقلِّد رجلًا في جميع أقواله، ويخالف من عداه من الصحابة بحيث لا يردُّ من أقواله شيئًا، ولا يقبل من أقوالهم شيئًا، وهذا من أعظم البدع وأقبح الحوادث.
وأما مخالفتهم لأئمتهم فإن الأئمة نَهَوا عن تقليدهم وحذَّروا منه، كما تقدَّم ذكرُ بعضِ ذلك عنهم(1).
وأما سلوكهم ضدَّ طريق أهل العلم فإن طريقهم طلبُ أقوال العلماء وضبطها والنظر فيها وعرضُها على القرآن والسنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقوال خلفائه الراشدين، فما وافق ذلك منها قبلوه، ودانوا الله به، وقضَوا به، وأفتَوا به، وما خالف ذلك منها لم يلتفتوا إليه وردُّوه، وما لم يتبيَّنْ لهم كان عندهم من مسائل الاجتهاد التي غايتها أن تكون سائغةَ الاتباع لا واجبةَ الاتباع، من غير أن يُلزِموا بها أحدًا، ولا يقولوا: إنها الحقُّ دون ما خالفها، هذه طريقة أهل العلم [24/أ] سلفًا وخلفًا.
وأما هؤلاء الخلف فعكسوا الطريق، وقلبوا أوضاعَ الدين، فزيَّفوا(2) كتاب الله وسنة رسوله وأقوال خلفائه وجميع أصحابه، فعرضوها على أقوال من قلَّدوه، فما وافقها منها قالوا لنا وانقادوا له مُذعِنين، وما خالف أقوال متبوعهم منها قالوا: احتجّ الخصم بكذا وكذا، ولم يقبلوه، ولم يدينوا به.--------------------------------------------
(1) (3/ 38).
(2) ع: «فرفضوا».
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 88)
واحتالَ فضلاؤهم في ردِّها بكل ممكن، وتطلَّبوا لها وجوه الحِيَل التي تردُّها، حتى إذا كانت موافقةً لمذاهبهم وكانت تلك الوجوه بعينها قائمةً فيها شنَّعوا على مُنازعِهم، وأنكروا عليه ردَّها بمثل تلك الوجوه بعينها، وقالوا: لا تُردُّ النصوص بمثل هذا. ومَن له همةٌ تسمو إلى الله ومرضاته ونَصْرِ الحق الذي بَعَثَ به رسولَه أين كان ومع من كان، لا يرضى لنفسه بمثل هذا المسلك الوخيم والخُلُق الذميم.
الوجه الحادي والعشرون: أن الله سبحانه ذمّ {الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 32]، وهؤلاء هم أهل التقليد بأعيانهم، بخلاف أهل العلم؛ فإنهم وإن اختلفوا لم يفرِّقوا دينهم ولم يكونوا شِيَعًا، بل شيعة واحدة متفقة على طلب الحق، وإيثارِه عند ظهوره، وتقديمِه على كلّ ما سواه، فهم طائفة واحدة قد اتفقت مقاصدهم وطريقهم؛ فالطريق واحد، والقصد واحد، والمقلّدون بالعكس: مقاصدهم شتَّى، وطُرُقهم مختلفة، فليسوا مع الأئمة في القصد ولا في الطريق.
الوجه الثاني والعشرون: أن الله سبحانه ذمَّ الذين تقطَّعوا أمرهم بينهم زُبرًا، كل حزبٍ بما لديهم فرحون. والزُّبر: الكتب المصنَّفة التي رَغِبوا بها عن كتاب الله وما بعث الله به رسوله، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا [24/ب] أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 51 - 53] فأمر تعالى الرسلَ بما أمر به أُممَهم: أن يأكلوا من الطيبات، وأن يعملوا صالحًا، وأن يعبدوه وحده، ويطيعوا أمره وحده، وأن لا يتفرَّقوا في الدين؛
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 89)