عن تميم الداري، حديث الجساسة، وسو عند مسلم(1)، وقد قرر ابن كثير والبُلقِيني، أن هذا أجل ما يذكر في رواية الأكابر عن الأصاغر(2)، ثم تابع العراقي على جعله هذا الدليل أصل الباب، العلماء من بعده في شرحهم لألفيته، وغيرها حتى الآن(3).
ومن أدلة العراقي على بعض المسائل من واقع عصره: أنه دلل على أهمية معرفة المحدث بأسماء الرواة بقوله: «ولقد بلغني عن بعض من درس الحديث ممن رأيته، أنه أراد الكشف عن ترجمة أبي الزناد، فلم يهتد إلى معرفة ترجمته من كتب الأسماء، مع كون اسمه معروفًا عند المبتدئين من طلبة الحديث، وهو عبد الله بن ذكوان، وأبو الزناد لقب له، وكنيته أبو عبد الرحمن»(4).
ونلاحظ أنه لما كان في هذا الدليل تعريض بصاحب الواقعة أبهمه العراقي سترًا لحاله، بينما صرح السخاوي بأنه جمال الدين بن هشام، إمام العربية المشهور(5)، أما السيوطي فنقل هذا الدليل عن العراقي ملتزمًا الإبهام مثله(6).
نقد بعض استدلالات العراقي:
ومع هذا، فليس كل ما استدل به العراقي في شرحه مُسَلَّم له، بل ربما--------------------------------------------
(1) (الشرح) للعراقي ج 4/ 60.
(2) انظر (اختصار علوم الحديث)، لابن كثير/ 195 و (محاسن الاصطلاح) للبُلقِيني/ 110 أ.
(3) (فتح المغيث) للسخاوي ج 3/ 175 و (قطر الدرر) / 37 و (التدريب) / 423 كلاهما للسيوطي و (فتح الباقي) للأنصاي 180 و «شرح الترمسي لألفية السيوطي» / 313.
(4) (الشرح) للعراقي ج 4/ 79.
(5) (فتح المغيث) للسخاوي ج 3/ 199.
(6) (التدريب) / 450.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 898)
استدل بما يرد عليه من نفس كلامه، مثال ذلك، أنه ذكر أن المواضع التي رواها مسلم في صحيحه بإسناده المتصل ثم قال عقبها: وراه فلان، ليست من باب التعليق، إنما أراد ذكر من تابع راويه الذي أسنده من طريقه عليه، أو أراد بيان اختلاف في السند، كما يفعل أهل الحديث، وأتبع ذلك بقوله: «ويدل على أنه ليس مقصوده بهذا إدخاله في كتابه، أنه يقع في بعض أسانيد ذلك، من ليس هو في شرط مسلم، كعبد الرحمن بن خالد بن مسافر»(1).
وقد تعقب البقاعي العراقي في هذا، فقال: «قوله: وهذا ليس من باب التعليق، قال شيخنا - يعني ابن حجر - بلى، قد ذكره أصحاب الأطراف في المعلق، ثم أضاف قائلاً: قلت: واستدلاله على ذلك بأنه قد يقع في السند ما ليس من شرطه، يكفي في رد إطلاقه ما قاله بعده، من أن المعلق تارة يكون صحيحًا، وتارة يكون غير صحيح، فالذي جزم به مسلم، لا مانع من إدخاله في مقصود الكتاب، والله أعلم»(2).
ثم نقل الطوخي في حاشيته عن البقاعي هذا الانتقاد وأقره(3)، وهو انتقاد في محله، وإن كان لا يغض من إصابة العراقي في غالب استدلالاته، وأخذ من بعده بها، كما تقدمت أمثلته.
ثانيا: الأمثلة:
وأما بيانه للأمثلة التطبيقية فقد قرر رأيه بشأنها عمومًا، وهو: أن الأنواع--------------------------------------------
(1) (الشرح) ج 29/1.
(2) «النكت الوفية»، للبقاعي/ 48 أ.
(3) (حاشية الطوخي) / 97 أ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 899)
التي تكثر أفرادها وتشتهر، لا ينبغي التوسع في ذكر أمثلتها في كتب القواعد والمصطلحات، وذلك أنه في باب «الأسماء والكنى»، ذكر القسم التاسع، من اشتهر باسمه، دون كنيته، وذكر بعض الأمثلة التي مثل بها ابن الصلاح.
ثم قال: «وفي هذا النوع كثرة لا يحتاج مثله إلى مثال»(1).
فقوله هذا عقب اقتصاره على بعض الأمثلة، يدل على أنه يرى عدم التوسع في التمثيل لمثل هذا.
ومما ترك ابن الصلاح وغيره التمثيل له، ومثل له العراقي في شرحه، القسم الثاني من «أفراد الحديث»، وهو الأحاديث المفردة بالنسبة إلى جهة خاصة، كتقييد الفردية بثقة، أو بلد معين، كمكة، والبصرة، والكوفة، أو يكون الحديث لم يروه من أهل البصرة أو الكوفة مثلا إلا فلان، أو لم يروه عن فلان إلا فلان، ونحو ذلك، فقد قال ابن الصلاح بعد ذكر هذه الأنواع: «ولسنا نطول بأمثلة ذلك، فإنه مفهوم دونها»(2) وتبعه على هذا آخرون، كالنووي(3) وابن كثير(4) والبلقيني(5) وابن الملقن(6).
لكن أبا عبد الله الحاكم، المتقدم على ابن الصلاح، ذكر الأنواع السابقة ومثل لكل منها بمثال(7)، فتبع العراقي مسلكه، وذكر أمثلة بعض الأنواع.--------------------------------------------
(1) «الشرح» للعراقي ج 4/ 83.
(2) «المقدمة» / 115.
(3) انظر «التقريب مع التدريب» / 159.
(4) «اختصار علوم الحديث»، له/ 61.
(5) «محاسن الاصطلاح»، له/ 31 ب، 32 أ.
(6) «المقنع»، له/ 42.
(7) انظر «معرفة علوم الحديث» للحاكم/ 96 وما بعدها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 900)
السالفة من عنده، وبعضها من مصادر أخرى مع التوضيح(1).
ونكتفي هنا بأحد الأمثلة التي ذكرها، حيث قال: «ومثال تقييد الانفراد بالثقة، حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفطر والأضحى بـ (ق)، و «اقتربت الساعة» رواه مسلم وأصحاب السنن من رواية ضمرة بن سعد المازني عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي واقد الليثي عن النبي صلى الله عليه وسلم».
ثم بين العراقي وجه التفرد فقال: «وهذا الحديث لم يروه أحد من الثقات إلا ضمرة، ودلّل لذلك فقال: قال شيخنا علاء الدين التركماني في الدر النقي: مداره على ضمرة، وفسر مراد شيخه بقوله: يريد حديث أبي واقد»، ثم أردف قائلاً: «وإنما قيدت هذا الحديث بقولي: أحد من الثقات؛ لأن الدارقطني رواه من رواية ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وابن لهيعة ضعفه الجمهور»(2). وقد حذا غير واحد من العلماء بعد العراقي حذوه، سواء في شرحهم للألفية أو في غيرها، واعتمدوا على ما ذكره من أمثلة وتوضيح(3).
وهذا يدل على سلامة رأيه ومنهجه في هذا، وتأثيره فيمن بعده. ومن الأمثلة ما زاد فيه على من تقدمه لكونه أفيد، فقد ذكر الحاكم في نوع الحديث المسلسل، ثمانية أمثلة للأحاديث التي يدل تسلسلها على اتصال--------------------------------------------
(1) انظر (فتح المغيث) للعراقي ج 1/ 102 - 104.
(2) و فتح المغيث، للعراقي جـ 1/ 103
(3) انظر: «فتح المغيث» للسخاوي ج 1/ 205 - 207، و (قطر الدرر) / 10 ب و «التدريب» / 159 - 161 كلاهما للسيوطي و (فتح الباقي) للانصاري/ 34 ب، 35 أ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 901)
السند(1)، فذكرها العراقي جميعًا ثم عقب عليها بأن هناك أمثلة أخرى تدل على الاتصال، ولم يذكرها الحاكم، وعد منها خمسة فقال: «كالمسلسل بقولهم: أطعمنا وسقانا، والمسلسل بقولهم: أضافنا بالأسودين التمر والماء والمسلسل بقولهم: أخذ فلان بيدي، والمسلسل بالمصافحة، والمسلسل بقص الأظافر يوم الخميس، ونحو ذلك»(2) وبهذا بلغ مجموع الأمثلة التي ذكرها 12 مثالاً.
ثم أتبعها بقول ابن الصلاح: «إن خير المسلسلات، ما كان فيه دلالة على اتصال السماع، وعدم التدليس، للإشارة بأنه أكثر من ذكر تلك الأمثلة الدالة على الاتصال وعدم التدليس، لهذا السبب، حتى لا يظن إكثاره الأمثلة بدون داع». ويؤيده قول السخاوي: «إن ما يدل على الاتصال هو غاية المقصد من نوع المسلسل هذا»(3).
ومن الأنواع ما توسع العراقي في تتبع أمثلته من عصر الصحابة حتى عصره مع استبعاده لما رآه منتقدا من تمثيل غيره، مثل: «رواية الآباء عن الأبناء»، فقد استبعد منه الأمثلة التي رآها منتقدة مما ذكره ابن الصلاح، ثم أضاف 22 مثالاً آخرين، أولهم أنس بن مالك رضي الله عنه، وذكر أنه روى عن ابن له غير مسمى حديثا واحدًا، واستمر في ذكر الشخص وابنه الذي روى عنه، وعدد الأحاديث التي رواها، حتى قال: وروى قاضي القضاة بدر الدين ابن--------------------------------------------
(1) انظر: «معرفة علوم الحديث» للحاكم/ 29 - 34.
(2) (فتح المغيث) للعراقي ج 4/14 و «المناهل السلسلة في الأحاديث المسلسلة، لمحمد عبد الباقي اللكنوي» / 10، 11، 21 - 24، 46، 47، 53، 54، 209، 211،
(3): فتح المغيث، للسخاوي ج 3/ 55.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 902)
جماعة عن ابنه قاضي القضاة عز الدين بن جماعة حكاية عجيبة(1).
وقد مشى السخاوي على منهج العراقي، وفصل الحكاية المشار إليها، فقال: أخبرني بها أبو الفتح المراغي حدثنا المصنف - يعني العراقي - لفظا إملاء، أنشدنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة .. الخ(2).
وبهذا وصل العراقي ماضي تطبيق أنواع الرواية بحاضرها في عصره، ومستقبلها لمن بعده، ولعله توسع على النحو المشار إليه في بيان أمثلة هذا النوع، نظرًا لأن العلماء من قبله قد اهتموا به، حتى أفرده الخطيب البغدادي بمؤلف خاص، ذكر السخاوي أنه لطيف الحجم، لكن فيه أمثلة كثيرة(3). ويزيد أهمية تلك الأمثلة العديدة التي ذكرها العراقي في شرحه، أن كتاب الخطيب المشار إليه يعد حاليًا في حكم المفقود، وبذلك نجد فيما ذكره العراقي العزاء والعوض، خاصة وأن في ضبط هذا النوع كما ذكر السخاوي: الأمن من التحريف الناشئ عن كون الإبن أبا(4)، ولهذا تناقل العلماء عن العراقي جميع تلك الأمثلة على كثرتها، سواء في شرحهم لألفيته، أو في غيره، تعميمًا للاستفادة بها(5).
من أمثلة العراقي المنتقدة:
ومن الأمثلة ما ذكره العراقي، ولكن لم يوفق فيه، وذلك نادر لا يغض من--------------------------------------------
(1) «فتح المغيث»، للعراقي ج 4/ 65، 66.
(2) «فتح المغيث» للسخاوي ج 3/ 173.
(3) «فتح المغيث» له ج 3/ 170.
(4) «فتح المغيث» للسخاوي ج 3/ 180.
(5) انظر: «فتح المغيث» للسخاوي ج 3/ 171 - 173، و و تدريب الراوي، للسيوطي/ 432.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 903)
قيمة ما تقدم، كتمثيله للحديث الغريب من الصحيح، بحديث مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا «السفر قطعة من العذاب»(1) ومثل به مرة ثانية أيضًا قبل هذه(2).
وقد اعترض السخاوي على هذا، بأن الغرابة فيه منتقضة برواية أبي مصعب عن عبد العزيز الدَّرَاوَرْدِي، عن سهيل عن أبيه أبي صالح، وهي صحيحة، واستدرك قائلا: «بل وبطريق عصام بن رواد عن أبيه عن مالك عن ربيعة عن القاسم عن عائشة، ولكنها رواية ضعيفة(3)، ويعتبر ما ذكره السخاوي دليلا كافيا في رد تمثيل العراقي بالحديث».
7 - بيان العراقي لآراء العلماء، وموقفه منها، تعبيرًا عن رأيه الخاص، وأثر ذلك فيمن بعده:
اعتنى العراقي في شرحه، ببيان آراء العلماء في قضايا ومسائل المصطلح، ومتعلقاتها، بأجمع وأوضح مما أورده في الألفية، مع تحديد موقفه في الغالب، معبرًا بذلك عن رأيه الخاص، سواء بالإقرار، أو الرد، أو الترجيح، أو التصحيح، أو التضعيف، أو الجمع، أو التوقف، وقد تبين لي من البحث التفصيلي الكامل للشرح: أن الآراء التي تناولها العراقي فيه، إما آراء صرح بها أصحابها، وإما آراء استنبطها غيره، أو استنبطها هو من كلام أصحابها، ومناهجهم وتصرفاتهم العلمية، معتمدًا في ذلك على قواعد للاستنباط قررها خلال الشرح أيضًا، كما شمل تناوله وتمحيصه، آراء المتقدمين، والمتأخرين.--------------------------------------------
(1) «فتح المغيث»، للعراقي ج 4/4.
(2) «الشرح» ج 1/ 52، 53
(3) و «فتح المغيث» للسخاوي ج 3/28.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 904)
حتى عصره، وسجل من آرائه ما ظهر له حتى وقت تأليف الشرح، واستمد من كل ذلك، من جاء بعده من العلماء.
وإليك بعض النماذج التوضيحية لهذا كله: فمن طرق الاستنباط التي قررها وطبقها في بيان الآراء، أن من حكى رأياً أو رأى عملاً لغيره وسكت عليه، فإنه يعتبر قائلاً بالرأي المحكي، وينسب إليه، كما يعتبر قائلاً بالرأي المجيز للعمل الذي أقره.
مثال الأول: أن ابن الصلاح قال عن الاحتجاج بالحديث المرسل: وقال مسلم في صدر كتابه الصحيح: «المرسل في أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة»، فذكر العراقي هذا، وعقب بقوله: هكذا أطلق ابن الصلاح نقله عن مسلم، ومسلم إنما ذكره في أثناء كلام خصمه الذي رد عليه اشتراط ثبوت اللقاء، فقال: «فإن قال: قلته لأني وجدت رواة الأخبار قديما وحديثا كلهم يروي أحدهم عن الآخر الحديث ولما يُعَايِنُهُ، وما سمع منه شيئًا قط، فلما رأيتهم استجازوا رواية الحديث بينهم هكذا، على الإرسال، من غير سماع والمرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة، احتجت لما وصفت من العلة، إلى البحث عن سماع راوي كل خبر عن راويه … إلى آخر كلامه .. »
ثم اتجه العراقي إلى قارئ كلامه؛ ليشركه معه في هذا البحث والاستنتاج، فقال: «فهذا كما تراه حكاه، أي الإمام مسلم، على لسان خصمه، ولكنه لما لم يَرُدُّ هذا القدر منه حين رد كلامه، كان
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 905)
كأنه قائل به، فلهذا نسبه ابن الصلاح إليه»(1).
وقد أقر العلماء من بعد العراقي تلك الطريقة في الاستنباط، وبيانه لنسبة الرأي إلى الإمام مسلم على ضوئها، وتناقلوا ذلك عنه في شروحهم للألفية، وحواشيهم على شرحه(2)، ومما يدل على إقرار تلك القاعدة عموما، أن العلماء من قبل العراقي ومن بعده، جروا على نسبة القول السابق برد الحديث المرسل، إلى الإمام مسلم مباشرة(3)، كما أنه على أساسها جرى غير واحد من العلماء، في نسبة آراء المتقدمين، إلى من يحكيها عنهم ويقرها من المتأخرين، وبالتالي فإن كل ما حكاه العراقي في شرحه هذا عن غيره وأقره، يعد من آرائه، وسيأتي تصريحه بذلك.
وأما المثال الثاني:
فقد ذكر في جواز الإجازة برواية الحديث للكافر، كما تقدم في بحث الألفية: أن شخصا من الأطباء، ممن رآه هو بدمشق، سمع الحديث في حال يهوديته، على ابن عبد المؤمن الصوري، وكتب اسمه في السماع مع السامعين، وأجاز ابن عبد المؤمن لمن سمع، وهو من جملتهم، وكان السماع والإجازة بحضور الحافظ المزي، وبعض السماع بقراءته، ولأكثر من جزء،--------------------------------------------
(1) «الشرح» ج 1/ 69، 70 مع مقدمة صحيح مسلم 1/30 باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن.
(2) انظر «فتح المغيث» للسخاوي ج 1/ 132، 136 و «فتح الباقي» للأنصاري/ 23 ب، 25 أ و «النكت الوفية» للبقاعي/ 116 ب، 117 أ.
(3) انظر «اختصار علوم الحديث» لابن كثير/ 48 و «المقنع» لابن الملقن/ 29 و «التدريب» / 119 و «قطر الدرر» / 8 أ كلاهما للسيوطي.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 906)
وعقب العراقي على ذلك بقوله: «فلولا أن المزي يرى جواز ذلك، ما أقر عليه(1)، وبهذا استنبط من إقرار المزي لإجازة ابن عبد المؤمن لهذا اليهودي، أنه يرى جواز الإجازة برواية الحديث للكافر حال كفره، على أن يؤدي بعد إسلامه».
وقد أخذ العلماء من بعد العراقي بهذا الرأي، وأقروا استنباطه له، سواء من حيث التقعيد، أو من حيث الاستنتاج، وتناقلوا ذلك عنه(2).
ومن طرق الاستنباط التي قررها واستنتج الآراء على أساسها: فعل الشخص فقد ذكر ابن الصلاح في النوع السابع من أنواع الإجازة، وهو إجازة المجاز، أن الصحيح الذي عليه العمل، جواز ذلك، وذكر من أدلته: أن الفقيه نصر بن إبراهيم المقدسي، كان يروي بالإجازة عن الإجازة، حتى ربما والى في روايته بين إجازات ثلاث(3)، فذكر العراقي ذلك في الألفية(4)، ثم قال في الشرح: إن فعل نصر لذلك، دال على جوازه عنده، ثم أتبع ذلك بذكر فعل بعض العلماء، كما وقف عليه هو بنفسه، تدليلًا على رأيهم، فقال: «قلت: وقد رأيت في كلام غير واحد من الأئمة وأهل الحديث، الزيادة على ثلاث أجائز فرووا بأربع أجائز متوالية، وخمس، وقد روى الحافظ أبو محمد عبد الكريم الحلبي في «تاريخ مصر»، عن عبد الغني بن سعيد الأزدي، بخمس أجائز.--------------------------------------------
(1) (فتح المغيث) للعراقي ج 2/ 74.
(2) انظر (فتح المغيث) للسخاوي ج 2/ 84، 85 و (قطر الدرر) / 21 أ و (التدريب) / 263 كلاهما للسيوطي و (فتح الباقي) للأنصاري 80 أ، ب و (منهج ذوي النظر) للترمسي/ 173.
(3) (المقدمة) / 189.
(4) ص 197.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 907)
متوالية، في عدة مواضع(1).
وقد تناقل العلماء ذلك عن العراقي، وأخذوا به في استنباطهم للآراء(2).
كذلك قرر العراقي: أنه إذا كان في المسألة أكثر من رأي، وساق ذلك شخص دون أن يصرح بدرجة كل رأي في نظره، فإنه يمكن استنباط ذلك من السياق، فما بدأ به منها، يعتبر مرجحًا عنده على باقيها، وما ثنى به يعتبر أقوى عنده من الثالث، … وهكذا.
مثال ذلك أن ابن الصلاح ذكر ثلاثة آراء في آخر من مات بالمدينة المنورة من الصحابة، وبدأ بذكر الرأي القائل: إنه جابر بن عبد الله، رضي الله عنه(3)، فذكر العراقي الآراء الثلاثة بعكس ترتيب ابن الصلاح لها، بحيث كان هذا الرأي المذكور، ترتيبه الأخير، وساقه قائلاً: «القول الثالث: أن آخرهم موتا بها، أي بالمدينة، جابر بن عبد الله، رواه أحمد بن حنبل عن قتادة، وبه صدر ابن الصلاح كلامه، فاقتضى ترجيحه عنده» ثم كر العراقي بالرد على ما استنتج ترجيح ابن الصلاح له، فقال: «وهو رأي ضعيف؛ لأن السائب مات بالمدينة بلا خلاف، وقد تأخر بعده، أي بعد جابر رضي الله عنه»(4) وبهذا قرر ضعف الرأي القائل بأن جابرًا آخر من مات بالمدينة من الصحابة، رغم أنه مروي عن قتادة وعن غيره من المتقدمين، ورَغْمَ استنتاجه ترجحه عند--------------------------------------------
(1) (الشرح) للعراقي ج 2/ 77.
(2) انظر: (فتح المغيث) للسخاوي ج 2/ 91 و (قطر الدرر) للسيوطي/ 21 أ و (فتح الباقي) للأنصاري 81 ب.
(3) (المقدمة) / 314.
(4) (الشرح) ج 4/48.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 908)
ابن الصلاح من المتأخرين، وقد أيد تضعيفه كما نرى بالدليل، وعندما نقارن، نجد أن البلقيني وابن الملقن(1)، قد أقرا ترجيح ابن الصلاح لهذا الرأي الضعيف، أما السيوطي فنقل تضعيف العراقي له، ودليله، وأقره(2)، وقد طبق العراقي القاعدة المذكورة على نفسه أيضًا، فقرر كما سيأتي: أن ما يُصَدِّرْ به كلامه دون تعقيب عليه، يعتبر راجحًا عنده، وإن لم يصرح بذلك.
ومثال ما جعل العراقي فيه تقديم الرأي، مفيدًا للتقوية فقط: أنه بين آراء العلماء في سن سيدنا علي رضي الله عنه، عند وفاته، وذكر في نهايتها الرأي بأنه كان سنه حينذاك 57 سنة، وقال: وبه صدر ابن قانع كلامه، وقدمه ابن الجوزي والمزي عند حكاية الخلاف(3)، فنلاحظ أنه فرق بين من صدر كلامه بهذا الرأي، فاقتضى ترجيحه عنده، كما تقدم، وبين من قدمه فقط على غيره، ولكن لم يصدر به كلامه، فأشار بالتقديم إلى تقويته فقط عن غيره.
وقرر العراقي أيضا: أنه إذا كان في المسألة أكثر من رأي، فاقتصر الشخص على ذكر رأي واحد منها فقط، فإنه يعتبر جازما بصحته، وإن خالفه غيره، مثال ذلك: أن ابن الصلاح ذكر أن الصحابي الجليل عامر بن الطفيل توفي سنة مائة من الهجرة.
ولم يذكر آراء أخرى(4). فذكر العراقي ذلك في (الشرح)، وعقب عليه بقوله: «كذا جزم به ابن الصلاح» ثم ذكر هو عدة آراء أخرى مخالفة،--------------------------------------------
(1) و محاسن الاصطلاح» / 103 أ، و هـ «المقنع» / 119.
(2) و التدريب:/ 413.
(3) (الشرح) للعراقي ج 4/ 136.
(4) 5 «المقدمة» / 312
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 909)
ومنها ما جزم به غير ابن الصلاح، حيث قال: «وجزم ابن حبان وابن قانع وأبو زكريا بن مندة: أنه أي ابن الطفيل، توفي سنة 107 هـ»(1).
ومثال الآراء التي استنبطها من كلام العلماء، وإن لم يصرحوا بها، قوله عن تعليق الإجازة برواية الشيء المعين، على إرادة المجاز: إن ابن الصلاح وإن لم يصرح بتعليق الإجازة في المعين، فتعليله وبعض أمثلته يقتضي الصحة فيه بعمومه(2).
وقد نقل عنه ذلك السخاوي في شرحه للألفية، وأقره(3).
ومما يظهر تميز العراقي في الاستنباط: أنه قد يختلف مع غيره فيما يستنبط من كلام الشخص الواحد، إثباتا أو نفيا، فمن ذلك: أن ابن معين قال: «إذا قلت: فلان ليس به بأس، فهو ثقة» فذكر ابن الصلاح: أن كلام ابن معين هذا يقتضي تسويته بين اللفظين، فرد عليه العراقي قائلا: «قلت: ولم يقل ابن معين: إن قولي: ليس به بأس، كقولي: ثقة، حتى يلزم منه التساوي بين اللفظين، إنما قال: إن من قال فيه هذا، فهو ثقة، وللثقة مراتب، فالتعبير عنه بقولهم: ثقة، أرفع من التعبير عنه بأنه لا بأس به، وإن اشتركا في مطلق الثقة، والله أعلم»(4).
لكن الحافظ ابن حجر عارض استنباط شيخه العراقي في هذا، وأقر استنباط ابن الصلاح، فذكر أن قول ابن معين يلزم منه التساوي، فإنه حكم أن هذا--------------------------------------------
(1) (الشرح) ج 4/46.
(2) (الشرح) ج 4/ 71.
(3) (فتح المغيث) له ج 2/ 81.
(4) (الشرح) للعراقي ج 2/39.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 910)
ذاك، فإما أن يكون الموضوع(1)، الذي هو: ليس به بأس، مساويا لـ «ثقة»، أو أخص منه، وعلى كل حال يكون حكمه، حُكمَه(2).
ولكني أرى أن رد ابن حجر غير موفق، حيث قرر أن عبارة ابن معين غير قاطعة في إفادة التساوي، بل تحتمل الدلالة على التساوي، والدلالة على أن: ليس به بأس، أخص، وهو ما ذهب إليه العراقي، وما انتهى إليه ابن حجر من أن حكم اللفظين واحد، لا يعارض ما قرره العراقي، لأنه قرر اشتراكهما في الدلالة على مطلق الثقة، وإن تفاوتا في الدرجة.
ولهذا فإن أبرز تلاميذ ابن حجر نفسه، وغيرهم، لم يتبعوه في هذا، وأخذوا باستنباط العراقي، مع استحسانه وتعزيزه، فنقله السيوطي وأقره(3)، وذكر السخاوي خلاصته واستحسنه(4)، ونقل البقاعي رد شيخه ابن حجر، ثم أعقبه بتعزيز بعض تلاميذه لرأي العراقي(5).
وبهذا يكون استنباط العراقي هو الراجح، وبه يُجمع بين رأي ابن معين، ورأي باقي العلماء القائلين بتفاوت اللفظين.
نقد بعض استنباطات العراقي:
ومما ترجح فيه استنباط غير العراقي: أنه ذكر قول الحاكم في مقدمة (المستدرك على الصحيحين): وأنا أستعين الله تعالى على إخراج أحاديث--------------------------------------------
(1) يقصد «الموضوع» المقابل «للمحمول»، عند المناطقة.
(2) «النكت الوفية» للبقاعي/ 236/ أ.
(3) «التدريب» / 231.
(4) «فتح المغيث» للسخاوي ج 1/ 341.
(5) «النكت الوفية» / 236 أ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 911)
رواتها ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما، ثم قال: «فقوله: بمثلها أي بمثل رواتها، لا بهم أنفسهم، ويحتمل أن يراد بمثل تلك الأحاديث، وإنما تكون بمثلها، إذا كانت بنفس رواتها، وفيه نظر»(1)، أي لأن واقع المستدرك أنه خرج أحاديث لغير رواة الشيخين(2).
وبهذا رجع العراقي أن المراد بالمثلية في كلام الحاكم معناها الحقيقي وهو مشابهة من أخرج له الحاكم، لرجال الصحيحين في الدرجة، بينما رأى ابن الصلاح وابن دقيق العيد والذهبي: أن المثلية في كلام الحاكم أراد بها المعنى المجازي، وهو عين رواة الصحيحين، على حد قولهم: مِثْلُكَ لا يفعل كذا، أي أنت، فقد ذكر ابن الصلاح: أن الحاكم أودع في مستدركه ما أخرج الشيخان عن رواته في كتابيهما، وابن دقيق العيد والذهبي، ينقلان عن الحاكم تصحيحه للحديث على شرط البخاري مثلاً، ثم يعترضان عليه بأن في سنده فلانًا، ولم يخرج له البخاري.
وقد رد العراقي على الثلاثة فقال: (ليس ذلك منهم بجيد، فإن الحاكم صرح في خطبة كتابه المستدرك بخلاف ما فهموه عنه) وذكر … كلام الحاكم، وبيانه أنه ليس المراد بالمثلية فيه نفس الرواة، كما قدمت.
لكن ما فهمه ابن الصلاح ومن معه، من أن المراد بالمثلية نفس رواة الصحيحين، هو الذي اختار رجحانه الحافظ العلائي شيخ العراقي، وأيده بواقع صنيع الحاكم خلال المستدرك، وقرر على أساسه أن يمن أخرج لهم.--------------------------------------------
(1) (الشرح) ج 1/25.
(2) «حاشية ابن قطلوبغا على شرح العراقي للألفية» / 53 ب.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 912)
الحاكم ممن هم في مرتبة رجال الصحيحين لا أعينهم، قليلون بالنسبة لمن أخرج عنهم، من نفس رجالهما(1).
ولهذا رد ابن حجر على شيخه العراقي انتقاده لما فهمه ابن الصلاح ومن معه عن الحاكم، وقال: «إنهم أجادوا وأصابوا، وأيد ذلك بنحو ما ذكرته عن العلائي، مع إضافات أخرى مرجحة، وتبعه على ذلك تلاميذه وغيرهم»(2).
هذا عن الآراء الاستنباطية ومواقفه منها تعبيرا عن رأيه.
أما الآراء التي صرح بها أصحابها، فمنها ما ذكره وسكت عليه، وبهذا يعتبر مقرا له وقائلا به، حسبما قدمت من قواعد استنباط الآراء التي قررها العراقي بنفسه.
ومنها ما يذكره ويصرح، أو يلمح بتوقفه فيه، مثال ذلك أنه ذكر آراء العلماء من متقدمين ومتأخرين حتى عصره وشيوخه، في الإجازة العامة، وهي التي لا يعين الشيخ فيها المجاز له كقوله: «أجزت لجميع المسلمين» ومجمل ما ذكره، أن بعضهم صحح جوازها، وعليه جمهور المتأخرين، وبعضهم منعها، وبعضهم جوزها، ولكن لم يستعملها بنفسه تورعا، وبعضهم جوزها واستعملها تحملا وأداء، وعقب العراقي على ذلك بعمله ورأيه هو فيها فقال: «وقرأت بها عدة أجزاء على الوجيه عبد الرحمن العوفي، بإجازته العامة من عبد اللطيف بن القبيطي، وأبي إسحق الكاشغري، وابن رواج، والسبط، في آخرين، من البغداديين والمصريين» وأردف قائلا: «وفي--------------------------------------------
(1) و الجواهر والدرر و للسخاوي/ 212 ب.
(2) انظر و «النكت الوفية» للبقاعي/ 40 أ، ب و «التدريب» / 68 و (حاشية الطوخي) 4/ 86 ب، 87 أ
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 913)
النفس من ذلك شيء، وأنا أتوقف عن الرواية بها»، ثم اعتذر عما تلقاه عن شيخه المتقدم فقال: «وأهل الحديث يقولون: إذا كتبت فَقَمش، وإذا حدثت ففتش»(1)، وقد قدمت تفسيره لهذه العبارة من قبل.
وهذا التوقف من العراقي في حكم الإجازة العامة، يعد أنموذجا لآرائه المؤقتة بزمن تسجيلها في هذا الشرح، ثم غيره فيما ألفه بعد ذلك كما سيأتي. ومما ألمح فيه إلى التوقف: أنه ذكر من أمثلة ما يقع مبهما من الأشخاص في الحديث، ما جاء في حديث عقبة بن الحارث قال: «تزوجت امرأة فجاءتنا امرأة سوداء فقالتْ إني قد أرضعتكما» الحديث. ثم ذكر عن ابن بشكوال أن اسم زوجة عقبة التي أبهمها: غنية بنت أبي إهاب بن عزيز بن قيس، وعقب بقوله: «قلت: ووقع في بعض طرق الحديث من رواية إسماعيل بن أمية عن ابن أبي مليكة عن عقبة بن الحارث قال: تزوجت زينب بنت أبي إهاب، فالله أعلم»(2). فقوله عقب سياق الرأيين: فالله أعلم، إشارة إلى توقفه في تحديد الصواب، أو الراجح منهما، وقد ذكرها السخاوي مثله على التوقف أيضًا(3). لكني لاحظت أن ما توقف فيه العراقي من الآراء، خلال الشرح كله قليل جدا بالنسبة لما حدد موقفه منه.
اعتدال العراقي في رأيه، وفي موقفه من الآراء: كما لاحظت أن موقفه عموما يتسم بالاعتدال، فلا يقر التشدد، ولا--------------------------------------------
(1) «الشرح» ج 2/ 67، 68.
(2) و «الشرح»، ج 4/ 132.
(3) و «فتح المغيث» للسخاوي ج 3/ 278.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 914)
التساهل فمن رده لرأي المتشددين، ما ذكره من أن من مذاهب أهل التشديد في الرواية: أنه لابد من ذكر السند في كل حديث، وإن كان الإسناد واحدًا إلى صاحب الكتاب، وعقب على ذلك بقوله: والصحيح أنه لا يحتاج إلى إعادة السند في كل حديث(1).
وقد أقره على هذا السخاوي والأنصاري والسيوطي في شروحهم للألفية(2) ونقله عنه السيوطي في «التدريب»(3).
ومن تصويبه لعدم التساهل حتى في كتابة الحديث، ما ذكره من أن من رمز في الكتابة إلى اسم راو برمز بدلا من ذكر اسمه، أو بلون مداد، كالأحمر أو الأخضر، فعليه أن يبين المقصود بذلك الرمز في أول الكتاب أو في آخره، ولا يعتمد على حفظه في ذلك، فربما نسي، وأتبع ذلك بقوله: «فالصواب كما قال القاضي عياض: أن لا يتساهل في ذلك ولا يهمله»، وعلل ذلك بقول ابن الصلاح: «إنه قد يقع كتاب هذا الشخص في يد غيره، فيقع في حيرة من رموزه»(4)، أي إذا تساهل وأهمل بيانها.
وهناك أمثلة أخرى، رد فيه الرأي المتساهل ونقد دليله(5)، وأقره من بعده(6).--------------------------------------------
(1) (الشرح) ج 2/ 54.
(2) (فتح المغيث) للسخاوي ج 2/32 و (قطر الدرر)، للسيوطي/ 19 أ و (فتح الباقي)، للأنصاري/ 75 ب.
(3) انظر 246 من التدريب.
(4) (الشرح) ج 3/38، 39.
(5) انظر (الشرح) ج 2/6 - 8.
(6) (فتح المغيث) للسخاوي ج 2/ 277، 278.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 915)
وعلى ضوء هذا المنهج المعتدل بين التساهل والتشدد، تناول العراقي عامة الآراء التي أوردها في الشرح وبين رأيه حيالها.
فمما أورده واستحسنه: أن الرامهرمزي ذكر في التخريج للساقط من كاتب الحديث عند كتابته، أن الأجود أن يخرج من موضع السقط خطا، ويمده حتى يلحق به طرف الحرف الأول من الكلمة الساقطة المكتوبة في الحاشية، فلم يرتض القاضي عياض وابن الصلاح هذا، متعللين بأنه وإن كان فيه بيان، لكن فيه تسخيم وتسويد له، لا سيما إن كثرت الإلحاقات والنقص ولكنهما لم يتعرضا لحالة الإضطرار لإلحاق الساقط في موضع من الحاشية غير مقابل لمكان سقوطه، فنقل العراقي عنهما ما تقدم، وأتبعه بقوله: (قلت فإن لم يكن اللحق قبالة موضع السقوط، بأن لا يكون مقابله خاليا، وكتب اللحق في موضع آخر، فيتعين حينئذ جر الخط إلى أول اللحق، أو يكتب قبالة موضع السقوط: يتلوه كذا وكذا في الموضع الفلاني ونحو ذلك، لزوال اللبس)، ثم قال: وقد رأيت في خط غير واحد ممن يعتمد، اتصال الخط إذا بَعُدَ اللحق عن مقابل موضع النقص، وهو جيد حسن(1)، وقد استمد السخاوي ذلك في شرحه للألفية، وأقر العراقي على استحسانه(2).
ومما بين فيه رأي الجمهور وصححه وصوبه، مع بيان مجمله: الخلاف في أصح كتب الحديث، حيث قرر أن كتاب (صحيح البخاري) أصح من كتاب (صحيح مسلم) عند الجمهور، وعقب بقوله: (وهو الصحيح، وقال النووي إنه الصواب)، ثم بين مجمل رأي الجمهور هذا فقال: والمراد ما--------------------------------------------
(1) (الشرح) ج 3/31، 32.
(2) (فتح المغيث) للسخاوي ج 2/ 174.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 916)
أسنده البخاري دون التعليق والتراجم(1).
وقد أقر العراقي على ذلك العلماء من بعده، كالحافظ ابن حجر في (شرح نخبته)(2) و «مقدمته لفتح الباري»(3)، والبقاعي في (نكته على شرح العراقي) للألفية(4)، والسخاوي في «شرحه للألفية»(5)، والسيوطي في (شرحه للألفية)(6)، و (شرحه لألفيته)(7)، و (لتقريب النووي)(8).
ومما بين فيه رأي الجمهور ورد دليله، ثم صوب غيره، ودلل للتصويب: تحديد الوقت الذي يصح فيه للصغير سماع الحديث، حيث قال: «وفي الوقت الذي يصح فيه السماع نزاع بين العلماء على أربعة أقوال:
أحدهما: ما ذهب إليه الجمهور: أن أقله خمس سنين، وحكاه القاضي عياض في «الإلماع» عن أهل الصناعة».
وقال ابن الصلاح: «هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث المتأخرين، وحجتهم في ذلك، ما رواه البخاري في «صحيحه»، والنسائي، وابن--------------------------------------------
(1) (الشرح) جـ 1/15.
(2) انظر (الشرح مع لقط الدرر) / 43.
(3) انظر هدي الساري مقدمة فتح الباري، جـ 1/20 - 22 الفصل الثاني، في بيان موضعه، والكشف عن مغزاه فيه.
(4) انظر 21 أ منها.
(5) (فتح المغيث) جـ 1/27.
(6) قطر الدرر (2 ب).
(7) 18 ب، وما بعدها.
(8) (42، 43).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 917)