القسم الثالث: فيما جعل شرطا. شرط عثمان البتي(1) أنه لا يجوز القياس على أصل حتى يقوم الدليل عليه. وشرط المريسي انعقاد الإجماع على أن حكم الأصل معلل، أو التنصيص على عمل العلة(2). وقيل: لا يكون الأصل محصور العدد؛ لأن التخصيص بالذكر ينفي الحكم عما عداه(3).
والكل منقوض بجواز القياس على الأشياء الستة المذكورة في الربا. ولأن الصحابة استعملت القياس بدونها.
الباب الثالث في الفرع
وشرطه: أن يوجد فيه مثل حكم الأصل في الماهية والقدر. ومنهم من شرط العلم بحصول العلة في الفرع(4). وشرط أبو هاشم أن يكون ثبوت الحكم في الفرع جملة حتى يفصله القياس(5). وأدلة القياس تبطلهما. وشرط بعضهم عدم التنصيص على الفرع لقصة معاذ، وهو باطل، إذ قصة معاذ لا تنفي الجواز عند وجود النص. ولأن توارد الأدلة على المدلول الواحد جائز.--------------------------------------------
(1) هو أبو عمرو عثمان بن سليمان البتي الكوفي الفقيه، ثقة قليل الحديث، (تـ 143 هـ). وانظر: «شفاء الغليل» (ص: 640).
(2) انظر: «شفاء الغليل» (ص: 640).
(3) هذا قول أصحاب أبي حنيفة، «أصول السرخسي» (2/ 170 - 171)، و «المبسوط» له (4/ 90)، و «تحفة الفقهاء» لعلاء الدين السمرقندي (1/ 422).
(4) انظر: «المستصفى» (2/ 1003).
(5) انظر: «المعتمد» (2/ 810).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)
خاتمة: قياس التلازم اشتهر في زماننا. ونظمه: لو ثبت الحكم في الفرع، فإن علل بالمشترك بين الأصل والفرع لزم النقض بالأصل، إذ لا حكم. وإن لم يعلل به لزم الترك بالمناسبة مع الاقتران.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)
الكلام في التعادل
المسألة الأولى: منع الكرخي تعادل الأمارتين مطلقا(1). وجوزه آخرون(2). ثم حكم بعضهم فيه بالتخيير(3). وبعضهم بالتساقط(4). والمختار أنه إن وقع في حكمين متنافيين والفعل واحد جاز عقلا، لجواز أن يخبرنا عدل بوجود شيء وعدل بعدمه. لكنه غير واقع شرعا؛ لأن العمل بهما وتركهما محال. وإن عمل بأحدهما دون الآخر، فهو ترجيح بلا مرجح. وعلى التخيير يكون إباحة للفعل والترك، فيكون تعيينا(5)، وقد(6) أبطلناه.
فإن قيل: التخيير ليس بإباحة فيهما مطلقا، بل إن أخذ بأمارة التحريم حرم الفعل، وإن أخذ بأمارة الاباحة أبيح. ثم ما ذكرتم لا يتناول أمارتي الوجوب والتحريم. على أنا نقيس التعادل الخارجي على الذهني.
والجواب عن الأول: أن كلامنا في تعادل الأمارتين على حكمين--------------------------------------------
(1) انظر: «المعتمد» (2/ 853). وقال ابن السمعاني في (القواطع) (3/ 1191): "مذهب الفقهاء أنه لا يجوز اعتدال الأمارات بحال".
(2) هذا مذهب القائلين بتصويب المجتهدين، انظر: «المستصفى» (2/ 1111).
(3) كالقاضي أبي بكر وأبي هاشم الجبائي، انظر: «التلخيص» (3/ 391)، و «المعتمد» (2/ 853).
(4) هذا قول أبي القاسم ابن كج الدينوري الشافعي، انظر: «البحر» (6/ 115).
(5) يعني للإباحة. والعبارة في الأصل مشتبهة.
(6) في الأصل (فقد).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)
متنافيين لشيء واحد لا لشيئين كما ذكرتم. وعن الثاني: لا قائل بالفرق. وعن الثالث: أن المقصود من الأمارات في الخارج التوسل بها إلى المقصود، فإذا لم يكن كان الواضع عابثا، بخلاف الذهني، فإن امتناع التوسل يكون لقصور الذهن.
وإن تعادلت الأمارتان في فعلين متنافيين والحكم واحد جاز، فإن من دخل الكعبة صلى إلى أي جانب شاء ويكون مستقبلا. ولأن إيجاب الفعلين المتنافيين يستدعي إيجابهما على البدل.
واحتجوا بأن التخيير يقتضي إسقاطهما، إذ أمارة كل فعل اقتضت وجوبه مع جواز الإخلال به. جوابه أن المنع من الترك موقوف على عدم الدلالة على قيام غيره مقامه، فلم يكن التخيير مخالفا لمقتضاه.
فرع هذا التعادل إن وقع للمجتهد في عمل نفسه يخير. أو للمفتي خير المستفتي كنفسه. أو للحاكم عين، لتنقطع الخصومة. ولا يمتنع عقلا أن يحكم الحاكم بإحدى الأمارتين مرة ثم يحكم بالأخرى مرة أخرى، كاستقبال القبلة عند استواء الجهات. لكن قوله عليه السلام لأبي بكر(1): «لا تقض(2) بشيء واحد بحكمين مختلفين»(3). يمنع منه. أما قول عمر في مسألة الحمارية: "ذاك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي(4). يجوز أن يكون قضاؤه أولا--------------------------------------------
(1) كذا في الأصل و «المحصول»، والصواب (أبو بكرة).
(2) في الأصل (تقضي).
(3) رواه النسائي (رقم: 5421)، والدارقطني في «السنن» (رقم: 4469)، ولفظه: «لا يقضين أحد في قضاء قضاءين». وأصل الحديث عند البخاري (رقم: 7158)، ومسلم (رقم: 1717). ولكن من غير هذه الزيادة.
(4) رواه عبد الرزاق في «المصنف» (رقم: 19005)، وابن أبي شيبة في «المصنف» =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)
بأمارة ظنها قوية ثم ترجح عنده الثانية.
الثانية: إذا وجد للمجتهد قولان في كتابين، فإن علم التاريخ فالثاني رجوع عن الأول ظاهرا. وإلا وجب نقل القولين من غير ترجيح. وإن وجد في كتاب واحد في مسألة واحدة، فإن عقب أحدهما بتقوية، كقوله: "هذا أولى"، أو فرع عليه، أو عرف له قول في نظير المسألة ولم يكن بينهما فرو جعل قولا له. وإن أطلق، فقد قيل: مقتضاه التخيير(1). وقد أبطلناه. أويكون له فيه قول واحد، وهو التخيير. والحق حمله على توقفه.
أما أقوال الشافعي المختلفة، فأكثرها من القسم الأول والثاني. وهي تدل على علو شأنه وغزارة علمه، لدلالته على اشتغاله أبدا بالبحث. وعلى رجحان دينه، لدلالته على الحق وترك التعصب لمذهبه. والقسم الثالث، فقد قال الشيخ أبو حامد: "لم يوجد للشافعي قولان على هذا الوجه إلا في سبع عشرة"(2).
فيحتمل أن يكونا لغيره، وإنما ذكرهما(3) ليعلم أن الأخذ بأحدهما ليس خرقا للإجماع. ويحتمل أن مراده بالقولين احتمالين ظاهرين حيث ظهر بطلان غيرهما، وسماهما قولين لصلاحيتهما، كما يقال للخمر في الدن: "مسكر".--------------------------------------------
= (رقم: 31097). وانظر: «التاريخ الكبير» للبخاري (2/ 332).
(1) هذا قول القاضي أبي بكر في «التقريب» (ص: 28) [ط الوعي].
(2) انظر: «التبصرة» (ص: 512)، «اللمع» (ص: 309). وفيهما: "القاضي أبو حامد". وهو المروروذي نزيل البصرة. وليس هو الشيخ أبو حامد الإسفراييني. كما نبهت عليه في «المنتخب» (ص: 560).
(3) في الأصل (ذكرناهما).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)
القسم الثاني: في مقدمات الترجيح
المسألة الأولى: الترجيح تقوية طريق على مثلها. والأكثرون جوزوا التمسك به(1). وقال بعضهم: يجب التوقف، أو التخيير عند التعارض(2).
لنا: إجماع الصحابة، حيث قدموا خبر عائشة في التقاء الختانين على ما روى: «الماء من الماء»(3). وقوى علي خبر أبي بكر رضي الله عنهما حيث لم يحلفه. وكان يحلف غيره. وقوى أبوبكر خبر المغيرة في ميراث الجد لما وافقه محمد بن مسلمة(4). ومثله كثير. ولأن ترجيح الراجح متعين عرفا، فيتعين شرعا لما مر.
احتجوا بالقياس على البينات. ولأن قوله عليه السلام: «نحن نحكم بالظاهر»(5)، يلغي زيادة الظن.
جوابه ما ذكرناه قطعي، فلا يعارضه الظني.
الثانية: لا يجوز الترجيح في الأدلة اليقينية، إذ يستحيل تعارضها. ولأن--------------------------------------------
(1) قال الأبياري: "الترجيح مما أجمعت عليه الأمة من حيث الجملة، ولا مبالاة بخلاف من شذ" (التحقيق والبيان) (4/ 194).
(2) انظر: «البرهان» (2/ 1142).
(3) تقدم.
(4) تقدما.
(5) قال السبكي في (الإبهاج) (3/ 1723): "لا أعرفه، وقد سألت عنه شيخنا الحافظ أبا عبد الله الذهبي فلم يعرفه".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)
اليقيني لا يحتمل النقيض، فلا يقبل التقوية.
الثالثة: اشتهر أن العقليات لا يجري الترجيح فيها. والحق أنه إذا جوزنا للعوام التقليد في المعتقدات لم يمتنع.
الرابعة: مذهب الشافعي الترجيح بكثرة الأدلة(1). خلافا لبعضهم(2)، لوجوه:
الأول: أن كثرة الأمارات تقوي الظن، بدليل خبر التواتر. وإلا يلزم اجتماع مؤثران مستقلان على أثر واحد.
الثاني: الغلط والنسيان والكذب على الأكثر أقل.
الثالث: العمل بأقوى الظنين واجب، كالترجيح بقوة الدليل.
احتجوا بالقياس على الفتوى والشهادة، وبترجيح الخبر الواحد على القياسات الكثيرة.
والجواب عن الأول: منع الأصل على رأي في الفتوى(3). وعند مالك في الشهود(4). ثم الفرق أن الشهادة شرعت لقطع الخصومات، والزيادة تطولها. وعن الثاني: أن القياسات إن اتحدت أصولها فهو قياس واحد فلا--------------------------------------------
(1) انظر: «الرسالة» (ص: 281، 284، 373)، و (الأم) (8/ 513)، (10/ 167).
(2) هذا قول عامة أصحاب أبي حنيفة، انظر: «الفصول» (3/ 172)، و «أصول البزدوي» (ص: 463)، «أصول السرخسي» (2/24)، و «الميزان» (ص: 734).
(3) انظر: «المعتمد» (2/ 677).
(4) يعني في ترجيح الشهادة بكثرة العدد، وهذا في رواية مطرف عنه دون ابن القاسم، انظر: «النوادر» لابن أبي زيد (9/35)، و «الجامع لمسائل المدونة» لابن يونس (17/ 501).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)
ترجيح، وإن تعددت رجحناها لما ذكرنا.
الخامسة: إذا تعارض دليلان فالعمل بأحدهما من وجه أولى؛ لأن دلالة اللفظ على جزء مفهومه تابعة لدلالته على كله. وترك التبع أولى من ترك الأصل.
السادسة: إذا تعارض دليلان عامان أو خاصان، فإن كانا معلومين والتاريخ مجهول تساقطا وعمل بغيرهما، لاحتمال نسخ كل واحد بالآخر.
وإن علم التاريخ، فإن اتفقا تخير إن أمكن. وإن اختلفا نسخ المتأخر المتقدم إن أمكن. وإلا عمل بغيرهما.
وإن كانا مظنونين، فحكمه حكم المعلومين، إلا في الترجيح. وإن كان أحدهما معلوما - وهو متأخر -، نسخ المتقدم المظنون، وإلا عمل به لترجيحه.
وإن كان عاما من وجه خاصا من وجه، كقوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} [النساء: 23]، مع قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانكم} [النساء: 3].
فإن علم تقدم أحدهما نسخ الأخير المتقدم إلا أن يكون مظنونا والمتقدم معلوما فحينئذ يرجع إلى الترجيح عند من يقول بأن العام المتأخر ينسخ الخاص المتقدم. أما من لا يقول بهذا، فيليق بمذهبه عدم النسخ في شيء من هذه الأقسام، لاحتمال أن المتأخر هو العام.
وإن لم يعلم تقدم أحدهما - وهما معلومان -، لم يرجح أحدهما بقوة الإسناد، بل يرجح بما يرجع إلى الحكم، إذ ليس فيه طرح أحدهما، بخلاف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)
المتعارضين من كل وجه. وإن تساويا(1) خير بينهما.
ويرجح المظنون بالطريقين(2). وإن تساويا(3) خير. ويرجح المعلوم على المظنون لكونه معلوما. فإن ترجح المظنون بما يرجع إلى الحكم فقد يحصل التعارض، وإن لم يترجح فالحكم التخيير.
وإن كان أحدهما عاما والآخر خاصا - وهما معلومان أو مظنونان ـ، نسخ الخاص المتأخر العام المتقدم. وينسخ العام المتأخر الخاص المتقدم عند الحنفية. وعندنا: يبنى عليه. وإن تقارنا خص العام بالخاص إجماعا.
وإن جهل التاريخ، فعندنا يبنى العام على الخاص. وعند الحنفية: يتوقف فيه. ويقدم المعلوم على المظنون وفاقا، إلا إذا كان المظنون خاصا ووردا معا، ففيه اختلاف سبق في باب العموم. والله أعلم.
القسم الثالث: في ترجيح الأخبار
وترجيح الخبر: بكثرة الرواة. [و] بعلو الإسناد؛ لأن قلة الرواة تقلل احتمال الكذب والغلط. وبفقه الراوي، لإمكانه التحفظ عن الخطأ. وقيل(4):
لا يرجح به فيما يروى باللفظ، بل بالمعنى. وبزيادة الفقه؛ لأنه أقدر على التحرز وبعلمه بالعربية. وبزيادة العلم بها، لما ذكرنا. وبكونه صاحب--------------------------------------------
(1) بأن لم يترجح أحدهما على الآخر.
(2) أي: وإن كانا مظنونين رجح أحدهما بالطريقين المتقدمين وهما: قوة الإسناد. وما يرجع إلى الحكم.
(3) أي وإن لم يترجح أحد المظنونين على الآخر …
(4) القائل هو أبو الحسين البصري في «المعتمد» (2/ 677).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)
الواقعة، لزيادة اهتمامه. وبكثرة مجالسته للعلماء والمحدثين، لما سبق.
وبكون طريق روايته أظهر، كمشاهدة زيد الظهر بالبصرة [بالنسبة] إلى مشاهدته وقت السحر ببغداد. وبظهور عدالته. وبمعرفة عدالته بالخبرة، لقوتها. وتزكية من هو أكثر بحثا عن أحوال الناس، أو كان أكثر عددا أو علما أو ورعا. وبما إذا ذكر معدله أسباب عدالته، أو عمل بخبره. وبكون الراوي غير مبتدع. وتيقظه وقلة نسيانه. وبزيادة الضبط وقلة النسيان، فلو كان الأشد ضبطا أكثر نسيانا تعارضا. وبزيادة حفظ الخبر؛ لأن به الحجة. وبجزمه فيما يرويه. وبدوام عقله. وبتعويله على الحفظ دون المكتوب. وبكونه من أكابر الصحابة، أو له منصب يمنعه من الكذب. وبكونه غير مدلس. وبأن لا يكون ذو اسمين يجرح بأحدهما. وبأن لا يكون رجاله ممن تلتبس أسماؤهم بأسماء قوم مجروحين. وبكونه مشهور النسب، أو له اسم واحد، دفعا للتلبيس في الكل. وبكونه لم يرو في الصبا، أو لم يتحمل فيه. وبأن رفع الخبر إلى النبي عليه السلام متفق عليه. وبكونه ينسب الخبر إلى النبي عليه السلام قولا لا اجتهادا، كما قيل: إنه وقع بين يديه عليه السلام فلم ينكر. وبكونه يذكر سبب النزول. وبكونه يروي الحديث بلفظه، لما مر. وبأن يروي حديثا آخر يعضده. ويقدم إنكار راوي الأصل.
ويقدم المسند عند الشافعي. والمرسل عند عيسى بن أبان(1). ويتساويان عند عبد الجبار(2).
لنا: أن عدالة المرسل معلومة للراوي فقط. وعدالة المسند معلومة--------------------------------------------
(1) انظر: «الفصول» للرازي (3/ 146).
(2) انظر: «المعتمد» (2/ 677 - 678).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)
للكل فكان أرجح.
احتج: بأن الثقة لا يقول: قال النبي. إلا وهو قاطع بأنه قوله. والجواب: قول الراوي: قال الرسول. لا يمكن حمله على القطع؛ لأنه يقتضي الجزم بصحة خبر الواحد، فوجب حمله على الظن، فالإسناد حينئذ أولى لما سبق.
وإذا قال المرسل: عن النبي. فالأظهر أنه مرجوح؛ لأنه في معنى قوله: روي عن النبي. وقد رجح قوم بالحرية والذكورة، كالشهادة(1). وفيه احتمال.
ويرجح أيضا بكون الآية أو الخبر مدني. وبوروده عند قوة الرسول عليه السلام، فإنها في آخر العمر. وبتأخر إسلام الراوي فيما علم سماعه بعد إسلامه، إن علم موت المتقدم قبل إسلام الآخر، وعلم أن أكثر روايته قبل إسلام المتأخر.
وبالمؤرخ المضيق. وبحصول العلم بسماع أحد المتقاربين في الإسلام بعد إسلامه. والتخفيف مرجح على التغليظ. وقيل: بالعكس(2). والعام الوارد ابتداء راجح [على] الوارد على سبب.
القول في الترجيح باللفظ: فيرجح بفصاحة لفظ الحديث. وقيل: لا يقبل، إذ لا يقوله أفصح العرب. والأصح أنه لا يقدم بزيادة الفصاحة، لتفاوتها. ولا بكونه حقيقة في الاستعمال؛ لأن دلالة المجاز الغالب أظهر.
وبما اتفق على وضعه لمسماه. وبما لا يحتاج إلى إضمار. وبالمفيد بالوضع الشرعي أو العرفي. ويتجه: تقديم اللغوي؛ لأنه إذا لم ينقله الشرع فهو عرفي--------------------------------------------
(1) انظر: «المعتمد» (2/ 678).
(2) انظر: «المحصول» (3/ 1409).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)
شرعي، وذاك شرعي فقط. وبكون أحد المجازين أشبه بالحقيقة. وبأنه لم يدخله التخصيص. وبكثرة دلالته على المقصود. وبما ذكر مع العلة صريحا أو إيماء. وبما إذا نص على الحكم مع اعتبار محل آخر؛ لأنه إشارة إلى وجود علة جامعة. وبما دلالته مؤكدة. وبما كان فيه تنصيص على الحكم مع ذكر المقتضي لضده، لاقتضائه النسخ مرة واحدة. وبما كان مقترنا بتهديد أو بزيادة تهديد. وبما دلالته على الحكم بمنطوقه أو بغير واسطة.
القول في الترجيح بالحكم فيرجح الخبر الذي يقرر حكم الأصل. خلافا لجمهور الأصوليين(1).
• لنا: أن المقرر متأخر، إذ لو تقدم لكان قد ورد حيث لا يحتاج إليه، لاستقلال العقل بمعرفته.
فإن قيل: الناقل يستفاد منه ما لا يعلم إلا منه. ولأن تقدمه على المنفي يقتضي النسخ مرتين، فإذا تأخر اقتضاه مرة واحدة، فكان أولى. الجواب عن الأول: ما ذكر في الدليل. وعن الثاني: أن دلالة الأصل مشروطة بعدم دلالة السمع، فلا يكون الناقل ناسخا له. وأيضا في تقدم المبقي نسخ ما ثبت بدليل العقل والسمع.
وقال القاضي عبد الجبار: هذا ليس من باب الترجيح؛ لأنه قد عمل بالناسخ. قلنا: نحن لا نقطع بالتأخر ليكون نسخا. وقال أيضا(2): إذا كان--------------------------------------------
(1) انظر: «البحر» (6/ 169).
(2) انظر: «المعتمد» (2/ 682).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)
أحد الخبرين نفيا وحكم الآخر إثباتا - وهما شرعيان - تساويا، لو اقتضى العقل الحظر والخبران الحظر والوجوب.
وهذا يستقيم على مذهبنا دون مذهب المعتزلة؛ لأن عندهم العقل يستقل بالحكم، للقطع بمشاركة أحد الخبرين حكم العقل ولو من وجه، فيعود الكلام في أن المبقي أرجح أم الناقل؟! فمن رجح الناقل رجح في المثال الأول خبر المقتضي للوجوب؛ لأنه مخالف للحظر من وجهين. ومقتضى خبر الإباحة مخالف من وجه واحد. ومن رجح المبقي رجح مقتضى خبر الإباحة. وكذا القول في المثال الثاني، أما الثالث، فلا ترجيح فيه، إذ كل خبر يشارك حكم العقل من وجه، [و] يخالفه من وجه. وقال الكرخي وجماعة من الفقهاء(1): خبر الحظر راجح على خبر الإباحة. ويتساويان عند أبي هاشم وابن أبان(2).
احتجوا بقوله-عليه السلام: «ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام الحلال»(3). وقوله-عليه السلام: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»(4). ولأن ترك المباح أولى من فعل الحرام؛ لأنه أحوط.--------------------------------------------
(1) انظر: «الفصول» (2/ 296) وما بعدها، (3/ 167)، و «إحكام الفصول» (2/ 761).
(2) انظر: «المعتمد» (2/ 685).
(3) لم أقف عليه مرفوعا، وأخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (رقم: 12772)، من حديث جابر الجعفي عن الشعبي، من كلام عبد الله بن مسعود. قال البيهقي في «السنن الكبير» (13969): "جابر ضعيف، والشعبي عن ابن مسعود منقطع".
(4) أخرجه الترمذي في «السنن» (رقم: 2687) [ط التأصيل]، والنسائي في «المجتبى» (رقم: 5757) [ط التأصيل] من حديث الحسن بن علي. قال أبو عيسى الترمذي: "حديث صحيح".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 340)
قال الكرخي: المثبت للطلاق والعتاق مقدم على النافي لهما، لتأيده بالأصل المنافي لملك اليمين والنكاح(1). وقيل: هما سيان(2).
والنافي للحد مقدم على مثبته عند بعض الفقهاء(3). خلافا للمتكلمين(4)؛ لأن شرعيته على خلاف الأصل. ولأنه يفيد الشبهة فيسقط، للحديث. وقياسا على تعارض البينتين.
القول في الترجيح من خارج: إذا قال بعض أئمة الصحابة أو عمل بخلاف الخبر، أوجب نسخه أو رده عند بعضهم. والشافعي رضي الله عنه يرجح ما ليس كذلك عليه(5). وما عمل به أكثر السلف ممن لا يجب تقليدهم راجح عند عيسى بن أبان(6)، لموافقتهم الصواب ظاهرا. وخبر الواحد فيما تعم به البلوى مرجوح؛ لأنه لو صح لاشتهر. وإذا عارض رجحان الكمية رجحان الكيفية فعلى المجتهد النظر في ترجيح أحدهما. والله أعلم.--------------------------------------------
(1) انظر: «الفصول» (3/ 168 - 169).
(2) قاله القاضي عبد الجبار، «المعتمد» (2/ 684)، والغزالي في «المستصفى» (2/ 1149).
(3) انظر: «الإحكام» للباجي (2/ 759) و «المعتمد» (2/ 683). وانظر: «البحر» (6/ 172).
(4) هما سيان عند القاضي عبد الجبار، «المعتمد» (2/ 683)، والغزالي في «المستصفى» (2/ 1149).
(5) تقدم النظر في هذا المسائل.
(6) انظر: «الفصول» (3/ 164)، و «المعتمد» (2/ 680).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 341)
القسم الرابع: في ترجيح الأقيسة
فيرجح أحد القياسين بتعليل أصله بوصف حقيقي؛ لأن التعليل به متفق عليه. وتعليله بالحكمة أولى من تعليله بالعدم والوصف الإضافي والتقديري والحكم الشرعي، إذ هو تعليل بنفس المؤثر. والعدم أولى من الحكم الشرعي، لكونه أشبه بالأمور الحقيقية، ويحتمل أن يرجح الحكم، لكونه أشبه بالموجود. والتعليل بالعدم أولى من التعليل بالوصف التقديري، لمحذورين: كونه معدوما وإعطاؤه حكم الموجود. وتعليل الموجود [بالموجود] أولى من تعليل العدم بالعدم، والعدم بالوجود، وبالعكس؛ لأنه لا يمكن التعليل إلا بتقدير وجوده، وهو محذور. وتعليل العدمي بالعدمي أولى من القسمين الباقيين، للمشابهة. والتعليل بالحكم أولى من الوصف المقدر، إذ التقدير خلاف الأصل. والعلة المفردة أولى من المركبة، لقلة الاحتمال فيها. وإذا قطعنا بوجود وصفي القياس في الفرع فلا ترجيح؛ لأن القطعيات لا تقبل الترجيح. وكلام أبي الحسين يدل على أنه يقبل(1). وإن كان أحدهما معلوما يرجح على المظنون. وإن كانا ظنيين، فما كان مقدماته أقل كان أولى، لقلة الخطأ فيه. والأولى مقابلة كمية المقدمات بكيفية إفادتها للظن.
القول في الترجيح بما يدل على وجود العلة: فما ثبت عليته بالتنصيص عليه بلفظ لا يحتمل غيره، كقولنا: لعلة كذا، أو لأجل، أو من أجل، أو--------------------------------------------
(1) انظر: «المعتمد» (2/ 847).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 342)
لسبب كذا، فهو مقدم على غيره. وما يحتمل غيره كـ «اللام» و «إن» و «الباء».
و «اللام» مقدم لظهوره في التعليل. وفي «إن» و «الباء» احتمال. وإن ثبتت عليته بإيماء نص مناسب يرجح. وإيماء الدلالة اليقينية راجح. وإيماء الكتاب راجح على إيماء خبر الواحد.
واتفق الجمهور على أن دلالة الإيماء راجحة على دلالة الطرق العقلية، من المناسبة والدوران والسبر. وفيه نظر؛ لأن الإيماء [لا] يدل على العلية بلفظ، بل بواسطة أحد الطرق العقلية. والأصل أرجح من الفرع. وما ثبت عليته بالمناسبة فهو أقوى من الدوران، ويسمى بالمطرد والمنعكس. خلافا لقوم.
* لنا: أن تأثير الوصف في الحكم لمناسبته، لا لدورانه معه، إذ العلية قد توجد بدون الدوران إذا كانت العلة أخص من المعلول. ويوجد الدوران بدون العلية كما تقدم.
احتجوا بأن المطردة المنعكسة(1) أشبه بالعلل العقلية. وجوابه: أن الطرد لا يجب في العلل العقلية.
وإذا تعارضت دلالة المناسبة ودلالة التأثير، فالمناسبة أرجح لما سبق من الإشكال المذكور على التأثير. والسبر إن كان قاطعا في مقدماته تعين العمل به. وإن كان مظنونا فيها أو في بعضها كانت المناسبة راجحة؛ لأنها مستقلة بإنتاج العلية، والسبر ينتجها بعد مقدمات. والمناسبات أقوى من الشبه والطرد، وهذا ظاهر. وترجح المناسبة [التي] من باب الضرورة. ثم التي من--------------------------------------------
(1) بعده في الأصل (العقلية). ولا معنى لها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 343)
باب الحاجة. ثم التي من باب الزينة. ثم الوصف المناسب للحكم نوعه. ونوع الحكم راجح على المناسب نوعه لجنس الحكم. وجنسه لنوع الحكم. وجنسه لجنس الحكم. والثاني والثالث متقاربان وراجحان على الرابع. والجنس الأقرب مقدم على الأبعد. أما المناسبة الجلية - وهي التي يلتفت الذهن إليها في أول سماع الحكم -، كقوله عليه السلام: «لا يقضي القاضي وهو غضبان»(1). فإن الذهن يلتفت عند السماع إلى أن المراد ما يمنع من استيفاء الفكر والمناسبة المؤيدة بغيرها. والتي تناسب من وجهين. والخالية عن المعارضة راجحة. والدوران في صورة واحدة راجح، كصورة العصير؛ لأنه يوجب القطع بأن باقي الصفات الثابتة في الأصول الثلاثة لا تصلح للعلية، وإلا لزم وجود العلة بدون الحكم، بخلاف الدوران في صورتين. والشبه في الصفة راجح على الشبه في الحكم الشرعي؛ لأنه أشبه بالعلل العقلية. والله أعلم.
القول في الترجيح بدليل الحكم في الأصل: فما ثبت أصله بدليل قاطع راجح على الظني. وإن كانا قطعيين، فلا ترجيح. وإن كانا ظنيين، فالإجماع أولى من الدلائل اللفظية؛ لأنها تقبل التخصيص والتأويل. وفيه إشكال من حيث أن الإجماع ثبت بها فكان أقوى. وما ثبت أصله بنص راجح على ما ثبت أصله بالقياس؛ لأنه أصل القياس.--------------------------------------------
(1) تقدم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 344)
القول في الترجيح بكيفية الحكم: فالقياس المثبت حكما شرعيا أولى من المثبت لحكم عقلي؛ لأن القياس دليل شرعي، فيجب أن يكون حكمه شرعيا. ولا تعد(1) في استخراج علة شرعية من أصل عقلي، إذا لم يرد الشرع بنقلنا [عنه]. أما إذا كان أحدهما نفيا والآخر إثباتا، وهما شرعيان، فقيل: إنهما يتساويان. وقد [ذكر] نا حكمه في ترجيح الأخبار. والحظر إذا كان عقليا راجح لكونه حظرا، مرجوح لكونه [عقليا]. وقد سبق كيفية النقل عن حكم العقل. والمثبت للعتق والطلاق راجح على النافي. والمسقط للحد راجح على المثبت له. والموجب لزيادة الحكم الشرعي راجح، فيرجح المثبت للندب على المثبت للإباحة. والقياس الوارد على وفق قياس الأصول، أو الحكم المجمع على تعليله، أو الذي شهدت له أصول كثيرة، أو عضده قول صحابي، أو قياس آخر راجح. وما لزم منه محذور كتخصيص عام، أو ترك ظاهر أو ترجيح مجاز على الحقيقة راجح.
القول في الترجيح بمكان العلة: فالعلة المطردة أولى من المخصوصة.
[و] التي تشهد لها أصول كثيرة أولى من المتعدية. [والمتعدية] أولى من القاصرة، للاتفاق عليها وأنكره بعض الشافعية(2)، وقال: إن التعدية فرع الصحة، والفرع لا يقوى الأصل. وجوابه: أنه يدل على قوته.
والتي فروعها أكثر أولى، لكثرة فوائدها. ومنع بعضهم، وقاس على--------------------------------------------
(1) كذا ظهر لي، والرسم محتمل.
(2) كالأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، «البرهان» (2/ 1265). وقواه الغزالي في «المستصفى» (2/ 1158). وانظر: «التلخيص» (3/ 327).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 345)
أعم الخطابين. وجوابه: أن العمل بأعم الخطابين يسقط الأخص، بخلاف ترجيح الأخص. والتي تثبت الحكم في كل الفروع أولى من المثبتة في البعض؛ لأن الدلالة على كل فرد كالدلالة على الكل، لعدم القائل بالفرق، ففيه تكثير الأدلة. والعلة التي ترد الفرع إلى جنسه أولى من التي ترده إلى غير جنسه. والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 346)
الكلام في الاجتهاد
وهو في اللغة: استفراغ الوسع في الفعل. وعند الفقهاء: استفراغه في النظر فيما لا يلحقه لوم مع استفراغه الوسع فيه، في الفروع دون الأصول.
وفيه مسائل:
الأولى: قال الشافعي وأبو يوسف رحمهما الله: يجوز في أحكام الرسول صلى الله عليه وسلم ما يصدر عن اجتهاد(1). ومنع أبو علي وأبو هاشم منه مطلقا(2). وجوز بعضهم في الآراء والحروب فقط(3).
لنا وجوه:
الأول: دخوله عليه السلام في عموم قوله تعالى: {فاعتبروا} [الحشر: 2].
الثاني: قوله عليه السلام: «العلماء ورثة الأنبياء»(4). وإنما يرثوا منه الاجتهاد.--------------------------------------------
(1) نقله عنهما القاضي في «التقريب والإرشاد» (ص: 7 - 8) [ط الوعي]، وأبو الحسين في «المعتمد» (2/ 761 - 762). قال أبو الحسن الواحدي: "الصحيح من مذهب الشافعي: أنهم يقيسون ويجتهدون"، «البسيط في التفسير» (8/ 153).
(2) انظر: «المعتمد» (2/ 761)، و «المجزي» (2/ 302 - 303).
(3) هذا قول أبي عبد الله البصري، وأحد القولين للقاضي عبد الجبار، انظر: «عيون المسائل» للحاكم الجشمي (ص: 247).
(4) رواه أبو داود (رقم: 3641)، والترمذي (رقم: 2682)، وابن ماجه (رقم: 223) من حديث أبي الدرداء. قال الترمذي: "ليس عندي بمتصل".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 347)