وكان مجتهدا فيعم كل الاجتهادات، فتقييده بأركان الشرع خلاف الأصل.
الثالث: اجتهد في أخذ الفدى عن أسارى بدر.
احتجوا بوجوه:
الأول: قوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى} [النجم: 3].
الثاني: أنه قادر على معرفة الحكم من الوحي.
الثالث: لو جاز له الاجتهاد لما توقف إلى نزول الوحي، وقد توقف في اللعان والظهار.
والجواب عن الأول: أن الوحي لما دل على العمل بالقياس، فإذا قاس فقد عمل بالوحي.
وعن الثاني: إنما يجتهد إذا لم يجد نصا.
وعن الثالث: إنما كان يتوقف بمقدار ما يعرف أن الوحي ينزل فيه.
الثانية: لا يجوز عليه الخطأ فيما يجتهد فيه. وجوزه قوم بشرط أن لا يقر عليه(1).
لنا: أنا مأمورون باتباعه في الحكم للنص، وذلك ينافي الخطأ.
احتجوا بقوله تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} [التوبة: 43]، وقوله--------------------------------------------
(1) نسبه الخطابي في «أعلام الحديث» (1/ 225) إلى أكثر العلماء. وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق في «شرح اللمع» (2/ 1095).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 348)
تعالى: {قل إنمآ أنا بشر مثلكم} [الكهف: 110]. وقوله عليه السلام: «لو نزل من الله عذاب لما نجا إلا عمر»(1). وهذا يدل على خطئه في أخذ الفدية. وقياسا للقول على الغلط في الفعل.
والجواب: ذكرناه في عصمة الأنبياء.
الثالثة: يجوز الاجتهاد عقلا بحضرة الرسول عليه السلام. ومنهم من منعه عقلا(2). ويجوز في زمانه عند غيبته. ومنع أبو علي وأبو هاشم وقوعه شرعا(3). وأجازه قوم بشرط الإذن(4).
احتج المجوزون عقلا بأنه لا يبعد أن يقول لإنسان: لقد أوحي إلي أن لك الاجتهاد والعمل بظنك.
واحتج المانعون عقلا بأن الاجتهاد قد يقع فيه الخطأ، والنص آمن منه، فسلوكه قبيح عقلا. وجوابه: لما أذن فيه صار آمنا.
واحتج المجوزون شرعا بحديث معاذ، وبأنه عليه السلام حكم سعد بن معاذ في بني قريظة(5).--------------------------------------------
(1) رواه أبو جعفر الطبري في «الجامع» (11/ 283) [ط هجر]، وابن أبي حاتم في «التفسير» (رقم: 9169) من حديث ابن زيد مرسلا.
(2) لم أتبينهم.
(3) انظر: «المجزي» (4/ 291).
(4) هذا قول أبي الخطاب من الحنابلة في «التمهيد» (3/ 423). وظاهر قول أبي بكر الرازي في «الفصول» (4/ 289).
(5) أخرجه البخاري (رقم: 3043)، ومسلم (رقم: 1768) من حديث أبي سعيد الخدري.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)
واحتج منكروه بأنه لم ينقل اجتهادهم في عصره. ولأنهم كانوا يفزعون في الحوادث إليه.
والجواب عن الأول: لعله لم ينقل لقلته. وعن الثاني: أنه خبر واحد فلا يعمل به في مسألة علمية.
الرابعة للاجتهاد شروط:
منها: أن يكون عالما بالاستدلال بالأدلة الشرعية على الأحكام، ومنها في الكتاب: خمسمئة آية، ولا يلزم حفظها. ويندرج فيه معرفة العام والخاص والسبب وظاهر اللفظ وقرائنه ومعناه ومقتضاه لغة وشرعا وعرفا وتقدمه وتأخره.
ومنها: العلم بمواقع الإجماع، لئلا يفتي بخلافه.
ومنها: العلم بأنا مكلفون بالتمسك بالقراءة الأصلية ما لم يصرفها صارف.
ومنها: معرفة شرائط الحد والبرهان. ومعرفة اللغة والنحو والتصريف. وهذا مقدم.
ومنها: معرفة الناسخ والمنسوخ والجرح والتعديل وأحوال الرجال.
وهذا مؤخر. ثم لما عز ذلك في زماننا اكتفي بتعديل الأئمة الذين اتفق الناس على عدالتهم، كالبخاري ومسلم وأمثالهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 350)
الخامسة: الحق جواز الاجتهاد في فن دون فن، ومسألة دون مسألة. خلافا لقوم(1)؛ لأن من عرف ما ورد في الفرائض وأصولها تمكن من الاجتهاد فيها.
السادسة: المجتهد فيه: حكم شرعي لا قاطع فيه. وقال أبو الحسين(2): هو ما اختلف فيه المجتهدون من الأحكام الشرعية. وهو دور.
السابعة: ذهب الجاحظ(3) والعنبري(4) إلى أن كل مجتهد في الأصول مصيب، بمعنى رفع الأثم والخروج عن العهدة. لا بمعنى مطابقة الاعتقاد.
وأنكره الباقون، لوجهين:
الأول: أنه تعالى مكن العقلاء من العلم بهذه المطالب بما وضعه من الأدلة القاطعة عليها فلا يخرجون عن العهدة إلا بالعلم.--------------------------------------------
(1) لم أقف على من منع من تجزؤ الاجتهاد مطلقا. ولكن منهم من قيده في الفرائض دون غيرها. حكي ذلك عن ابن الصباغ، أدب الفتوى لابن الصلاح (ص: 39). وهو ظاهر تصرف أبي الحسين البصري، ومأخذ ذلك عنده: أن "أحكام الفرائض لا تستنبط من غيرها إلا نادرا. والذهاب عن النادر لا يقدح في الاجتهاد "، «المعتمد» (2/ 932).
(2) في «المعتمد» (2/ 988).
(3) انظر: «الشفا» للقاضي عياض (ص: 845).
(4) انظر: «تأويل مختلف الحديث» (ص: 121)، والوصول لابن برهان (2/ 314). واختلف الناس في ما يحمل عليه قوله، انظر: الفصول للرازي (4/ 375)، و «التقريب» (2/ 185)، و «العدة» (5/ 1540)، و «التلخيص» (3/ 335)، و «القواطع» (3/ 1175)، و «البحر» (6/ 236).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 351)
الثاني: أنا نقطع بأنه عليه السلام ذم الكفار على إصرارهم على عقائدهم وقاتلهم عليها، مع القطع بأن العارف المعاند فيهم نادر.
فإن قيل: ماذكرتم باطل باختلاف الخلق في الأديان والعقائد. وقتلهم إنما كان لإصرارهم على ترك التعلم بعد مبالغته عليه السلام في الإرشاد إلى الحق، لا لجهلهم بالحق. على أنا نعلم أن النبي عليه السلام كان يحكم بإسلام من لم يعلم هذه الأدلة والجواب عن شبهات الفلاسفة. ولأن الله تعالى لا يليق بسعة رحمته وكرمه تعذيب من أفنى عمره بالفكر والاجتهاد.
وجواب الجمهور: ادعاء الإجماع على مذهبهم قبل هذا الخلاف(1).
الثامنة: قال جمهور المتكلمين منا(2) ومن المعتزلة(3): كل مجتهد في الأحكام الشرعية مصيب؛ لأنه ليس الله تعالى في الواقعة حكم معين. وقال بعض الفقهاء والمتكلمين: لله في كل واقعة حكم معين، لكن ليس عليه دليل، فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر لاجتهاده(4). وقال كافة--------------------------------------------
(1) انظر ما تقدم من الأصول. ولكن إن حمل قوله على ما ذكر المصنف، فحكاية الاتفاق معارضة بذكر الخلاف، بل بعضهم حكى الإجماع على خلاف ذلك. انظر: «الفصل» لابن حزم (3/ 291)، و «منهاج السنة» لابن تيمية (5/ 84 - 87).
(2) انظر: «المجرد» (ص: ص: 201)، و «التلخيص» (3/ 340)، و «شرح اللمع» (2/ 1048)، و «نكت المحصول» لابن العربي (ص: 523).
(3) انظر: «المعتمد» (2/ 949)، و «المجزي» (4/ 162 - 163). و «عيون المسائل» للجشمي (ص: 243).
(4) لم أظفر بقائله، وقد نسب للشافعي غلطا، كما شرحت ذلك في «المنتخب».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 352)
الفقهاء: عليه دليل ظني، لكن لا تكليف بإصابته لخفائه، فالمخطئ يعذر ويؤجر(1). وقيل: يكلف بطلبه، فإن ظن غيره عمل بظنه، وإلا أثم(2). وقيل: عليه دليل قاطع، فيجب عليه طلبه، فإن أخطأ أثم عند المريسي وحده. وينقض القضاء به عند الأصم وحده(3).
والمختار أن الله تعالى في الواقعة حكما معينا عليه دليل ظني، والمخطئ معذور، ولا ينتقض قضاؤه، لوجهين:
الأول: أن أحد المجتهدين إذا اعتقد رجحان أمارته في نفس الأمر على أمارة خصمه كان اعتقادهما، أو اعتقاد أحدهما خطأ، فيلزم أن كل مجتهد ليس بمصيب بمعنى عدم المطابقة. ولأن الاعتقاد لغير المطابق جهل، وأنه غير مأمور به، فلا يكون إتيانا بالمأمور.
الثاني: لابد للمجتهد من طريق؛ لأن الحكم بالتشهي باطل، فذلك الطريق إن تعين أو ترجح فذاك. وإن وقع تعارض بخبر أو أسقط وطلب غيرهما، فيتعين الحكم على كل تقدير، فمخالفه مخطئ.
فإن قلت: إنما يجب العمل بالراجح لو علمه وعلم رجحانه. وقد يعتقد المجتهد رجحان المرجوح. قلت: مقدار الرجحان ممكن. وإلا لما كلف به.--------------------------------------------
(1) انظر: «الأم» (9/ 77 - 78)، و «القواطع» (3/ 1178)، و «شرح اللمع» (2/ 1049)، و «البحر» (6/ 247)، «الفصول» (4/ 298)، و «أصول البزدوي» (ص: 615 - 616).
(2) نسبه للشافعي جماعة من أصحابه، انظر: «شرح اللمع» (2/ 1046 - 1048)، و «القواطع» (3/ 1181)
(3) انظر: «الفصول» (4/ 295)، و «المعتمد» (2/ 949)، و «المجزي» (4/ 159)، و «عيون المسائل» للجشمي (ص: 243).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)
واستدل من قال أنه لا حكم في الواقعة: أنه لو كان فإما أن يكون عليه دليل، وهو باطل، إذ الحكم بغيره حكم بغير ما أنزل الله، فيكون كفرا أو فسقا، للآية. ومستحقا للعقاب، لتركه المأمور به وإن لم يكن فباطل أيضا؛ لأنه تكليف بما لا يطاق. ولأن المجتهد مأمور بالعمل بغلبة ظنه إجماعا، فيكون كل مجتهد مصيب لإتيانه بالمأمور.
التاسعة: من قال لا حكم في الواقعة، اختلفوا في الأشبه بمعنى أنه وجد ما لو حكم الله بحكم لما حكم إلا به(1)؛ لأن المجتهد طالب، وليس مطلوبه معينا في الواقع، فيكون معينا تقديرا. ولأنه عليه السلام قال: «إذا أخطأ المجتهد فله أجر»(2). ولا حكم واقع بخطئه، فيكون مقدرا.
وجوابه: ما لم يتم عليه دلالة أو أمارة، ولم ينص عليه امتنع كونه مخطئا.
* *
العاشرة: من قال المصيب واحد قال: تصويب الكل يؤدي إلى نزاع لا ينقطع، كما إذا قال المجتهد لزوجته المجتهدة: "أنت بائن". ثم راجعها وأدى اجتهاده جواز الرجعة بالكنايات دون المرأة، فله وطؤها، ولها الامتناع.--------------------------------------------
(1) قال في «التلخيص» (3/ 383): "لم يقل بالأشبه إلا المصوبون … ثم إذا روجعوا في الأشبه اختلفت أجوبتهم في بيانه". وانظر: ما تقدم.
(2) رواه البخاري (رقم: 7352)، ومسلم (رقم: 1716) من حديث عبد الله بن عمرو.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 354)
قال المصوبون(1): إن المحققين منكم ساعدوا على أن المجتهد يجب عليه العمل بظنه الخطأ. ويعود المحذور. قلنا: الحادثة إذا نزلت بمجتهد أو مقلد مختصة به عمل باجتهاده، أو بفتوى المقلد. فإن استوت عنده الأمارات أو المفتون في العلم والورع تخير. وإن تعلقت بغيره، فإن جرى فيه الصلح، كالمال اصطلحا، أو رجعا إلى حاكم أو حكم. وإن لم يجز فيه الصلح رجعا إلى من يفصل بينهما.
الحادية عشرة: إذا أدى اجتهاده إلى أن الخلع فسخ فنكح من خالعها ثلاثا. ثم تغير اجتهاده قبل حكم الحاكم بالصحة، لزمه تسريحها. وبعد الحكم يستمر. وإذا تغير حكم المقلد وجب على المقلد التسريح. بخلاف القضاء، فإنه مقرر. وإنما ينقض القضاء إذا خالف دليلا قاطعا. والله أعلم.--------------------------------------------
(1) في الأصل (المصيبون).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 355)
الكلام في المفتي والمستفتي
القسم الأول: في المفتي
مسألة: إذا أفتى المجتهد مرة ثم سئل عنها مرة أخرى فإن ذكر طريق اجتهاده أفتى، وإلا استأنف الاجتهاد وأفتى وإن خالف الأول. ولقائل أن يقول: لما ظن أن الطريق الأول كان قويا لم يجب الاستئناف؛ لأن العمل بالظن واجب.
مسألة: إذا حكي عن الميت فتوى لم يجز العمل بها، إذ لا قول للميت، لانعقاد الإجماع مع خلافه. وإنما صدقنا كتب الفقه لاستفادة طرق الاجتهاد ومعرفة المتفق والمختلف منها.
وقيل: إذا روى ثقة فاهم عن مجتهد عالم ثقة حصل للعامي ظن أن حكم الله ما حكاه، والعمل بالظن واجب(1). وأيضا: انعقد الإجماع في زماننا على ذلك.
وإن حكى عن حي أو سمع منه جاز العمل به ولغيره بقوله، إذ رجع علي إلى حكاية المقداد عن النبي صلى الله عليه وسلم في شأن المذي(2). وإن رواه عن كتاب--------------------------------------------
(1) القائل هو أبو عبد الله الرازي صاحب الأصل.
(2) رواه البخاري (رقم: 178)، ومسلم (رقم: 303).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 356)
موثوق بصحته جاز، وإلا فلا. والله أعلم.
القسم الثاني: في المستفتى
مسألة: يجوز للعامي تقليد المجتهد في فروع الشرع. خلافا لمعتزلة بغداد(1). وجوز الجبائي في مسائل الاجتهاد(2).
• لنا: الإجماع قبل حدوث المخالف. ولأن العامي إذا حدثت له حادثة، فإن أوجبتم عليه الاستدلال بالبراءة الأصلية فهو باطل إجماعا. أو بالأدلة السمعية وهو باطل إيضا؛ لأنه إن لزمه حال بلوغه منعه عن معاشه، وهو حرج. وإن لزمه حال حدوث الواقعة يلزم أن يكتسب صفة الاجتهاد عند حدوثها، وذلك غير مقدور له.
ولا يقال: معرفة ذلك يمنعه عن المعاش، فيجوز له التقليد في الأصول؛ لأن أدلتها أغمض، وهو باطل؛ لأنا نقول: الواجب على المكلف معرفة أدلة التوحيد والنبوة إجمالا، كالاستدلال بالحوادث على الصانع وأنها سهلة. وفي الفروع يحتاج إلى علوم كثيرة. ولا فرق بين المباحث الإجمالية والتفصيلية؛ لأن المستدل إن علم جميع مقدمات الدليل حصل له العلم النظري. وإن قلد في بعضها كان مقلدا في النتيجة.--------------------------------------------
(1) انظر: «المجزي» (4/ 248)، و «عيون المسائل» (ص: 245)، و «المعتمد» (2/ 934).
(2) انظر ما تقدم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 357)
احتجوا بوجوه:
الأول: قوله تعالى: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف].
الثاني: قوله عليه السلام: «اجتهدوا فكل ميسر لما خلق»(1).
الثالث: أن جواز التقليد يقتضي جواز تقليد من يمنع منه، فيفضي ثبوته إلى نفيه.
الرابع: القياس على الأصول.
وجواب الأسئلة: النقض بكل عمل مظنون، كخبر الواحد والأروش والقيم. وعن القياس: الفرق المذكور.
مسألة: الاستفتاء لا يجوز إلا ممن يغلب على ظنه أنه من أهل الاجتهاد والورع، بأن يراه منتصبا للفتوى. فإن اختلف مفتيان في مسألة، قيل: يجب الاجتهاد في أعلمهم وأورعهم(2). وقيل: لا يجب؛ لأن العلماء لم ينكروا على العوام تركه(3). ثم إذا غلب على ظنه استواؤهم مطلقا، قيل: يسقط--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (رقم: 4945)، ومسلم (رقم: 2647)، من حديث علي. ولفظه: «اعملوا». ولم أقف عليه بلفظ: «اجتهدوا».
(2) هذا قول الحنفية، «الفصول» (4/ 282)، و «الميزان» (ص: 676). والمالكية، «المقدمة» لابن القصار (ص: 26)، و «النكت» (ص: 528). وبه قال ابن سريج والقفال من أصحاب الشافعي، «التبصرة» (ص: 415).
(3) هذا المشهور في مذهب الشافعية والحنابلة. انظر: «أدب المفتي» لابن الصلاح (ص: 159)، و «صفة المفتي» لابن حمدان (ص: 274).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 358)
التكليف، للتخير. وقيل: لا يقع، كاستواء أمارتي الحل والحرمة. وإن ظن الرجحان عمل به. وإن تساويا في ظنه بالعلم وتفاضلا في الدين وجب تقليد الأدين. وإن ظن بالعكس قلد الأعلم. وقيل: يتخير(1). وإن ظن أحدهما أدين والآخر أعلم، فالأقرب تقليد الأعلم، إذ الحكم مستفاد من علمه. وقيل: بالعكس(2).
مسألة: للعالم الذي ليس بمجتهد التقليد. وليس للمجتهد تقليد من يخالفه إذا اجتهد وفاقا. وكذا إن لم يجتهد عند أكثر أصحابنا(3). وجوزه أحمد(4) وابن راهويه وسفيان مطلقا(5). وقيل: يجوز لغير الصحابي تقليد الصحابي(6). وقيل: يجوز للعالم تقليد الأعلم(7). وقيل: يجوز فيما يخصه--------------------------------------------
(1) هذا القاضي في «التقريب» (ص: 298)، و «التلخيص» (3/ 465). والشيخ أبو إسحاق في «شرح اللمع» (2/ 1039).
(2) لم أقف على تعيينه. وانظر: «الورع» للمروزي (ص: 7).
(3) انظر: «التقريب» للقاضي (ص: 164) [ط الوعي]، و «المعتمد» (2/ 942). ونسبه في «التلخيص» (3/ 434) للشافعي ومعظم العلماء في غير تقليد الصحابي.
(4) انظر: «التقريب» للقاضي (ص: 166)، و «التبصرة» (ص: 403)، و «شرح اللمع» (2/ 1013)، و «جامع بيان العلم» (2/ 909). وقد أنكر أصحاب أحمد هذا القول، قال أبو الخطاب في «التمهيد» (4/ 409): "هذا لا نعرفه عن أصحابنا". وانظر: «مجموع الفتاوى» (20/ 225).
(5) انظر: «التقريب» للقاضي (ص: 166)، و «شرح اللمع» (2/ 1013)، و «جامع بيان العلم» (2/ 898).
(6) هذا قول أبي علي الجبائي، «المعتمد» (2/ 942).
(7) هذا قول محمد بن الحسن في أحد القولين عنه، وذكره أبو الحسن الكرخي عن أبي حنيفة، «الفصول» (4/ 283). وانظر: (الضروري لابن رشد (ص: 144).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 359)
دون ما يفتي به(1). وقيل: فيما يخصه إن فاته الوقت لو اشتغل بالاجتهاد(2).
* لنا وجهان: الأول: عموم قوله تعالى: {فاعتبروا} [الحشر: 2]. الثاني: القياس على الأصول.
فإن قلت: المطلوب في الفروع الظن، وفي الأصول اليقين، فافترقا. ثم ينتقض بقضاء القاضي، فإنه لا يجوز خلافه. قلت: المطلوب الظن القوي، وهو قادر عليه. وأما قضاء القاضي، فإنه لما ثبت بالدليل حرمة مخالفته كان العمل به عملا بالدليل.
احتجوا بوجوه:
الأول: قوله تعالى: {فسئلوا أهل الذكر} [الأنبياء: 7]. وقوله: {وأولي الأمر منكم} [النساء: 59].
الثاني: بايع عبد الرحمن بن عوف لعثمان على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين، فقبل. وعلي لم ينكر جوازه، لكن لم يقبل(3).
الثالث: القياس على العامي، وعلى قبول خبر الواحد.
والجواب عن الآية الأولى: أنها تقتضي السؤال، ولا يجب إجماعا.--------------------------------------------
(1) حكاه ابن القاص عن ابن سريج، «البحر» (6/ 286 - 287). وانظر: «التقريب» للقاضي (ص: 165). وانظر ما سيأتي.
(2) حكاه الشيخ أبو حامد وغيره عن ابن سريج، «البحر» (6/ 287). ونسب للمزني، «التلخيص» (3/ 448). وانظر: «شرح اللمع» (2/ 1012).
(3) رواه عبد الله في «زوائد المسند» (رقم: 557).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 360)
وعن الثانية: أنها محمولة على الطاعة في الأقضية؛ لأن الطاعة في الحكم لا تجب. وعن الأثر: المراد طريقتهما في العدل والإنصاف. وأما القياس: فالعامي عاجز. وتمسك المجتهد ابتداء بخبر الواحد أقل احتمالا.
مسألة: لا يجوز التقليد في أصول الدين(1). خلافا لكثير من الفقهاء(2).
• لنا: أن تحصيل العلم فيها واجب على الرسول، لقوله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله} [محمد: 19]، فيجب علينا لقوله تعالى: {واتبعوه} [الأعراف: 158](3).
فإن قيل: لا نسلم إيجاب العلم بالله لما تقدم في الأوامر. ثم هو معارض بأنه عليه السلام كان يحكم بإسلام من تلفظ بكلمتي الشهادة من غير سؤال عن حدث العالم وقدم الباري تعالى. وفي المسألة أبحاث مذكورة في علم الكلام.
والجواب: أن القرآن ورد بذم التقليد مطلقا. خالفناه في الفروع لما سبق، فيبقى في الأصول.--------------------------------------------
(1) انظر: «التقريب» للقاضي (ص: 132) [ط الوعي]، و «المعتمد» (2/ 941)، و «أصول الدين» لأبي منصور البغدادي (ص: 254).
(2) نسبه ابن السمعاني لأكثر الفقهاء، وذكر الحجة لهم على المتكلمين، «القواطع» (3/ 1233).
وانظر: «فيصل التفرقة» للغزالي (ص: 75)، و «المفهم» لأبي العباس القرطبي (6/ 693)، و «مجموع الفتاوى» (20/ 202) و «البحر المحيط» (6/ 277)، و «فتح الباري» لابن حجر (13/ 349)
(3) في الأصل (فاتبعوه)، وتقدم التنبيه على ذلك مرارا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 361)
الكلام فيما اختلف فيه من أدلة الشرع
وفيه مسائل:
الأولى: الأصل في المنافع الحل. وفي المضار الحرمة.
أما الأول، فلوجوه:
الأول: قوله تعالى: {خلق لكم ما في الأرض جميعا} [البقرة: 29]. و «اللام» للاختصاص بجهة الانتفاع لعمومه، كقولهم: "الجل للفرس".
فإن قلت: إنه يستعمل في غير المنافع، لقوله تعالى: {وإن أسأتم فلها} [الإسراء: 7]. ثم يمنع العموم على أنه خطاب مشافهة. ثم نعارضه بقوله تعالى: {لله ما في السموات والأرض} [النور: 64].
الجواب: أنا إذا جعلناه حقيقة في الاختصاص النافع أمكن جعله مجازا في غيره. ولا ينعكس. وعن الثاني: التقييد على خلاف الأصل. وعن الثالث: يبطل بسائر الخطابات.
الثاني: قوله تعالى: {قل من حرم زينة الله} [الأعراف: 32]. أنكر على من حرم.
الثالث: أنه انتفاع لا ضرر فيه على الله تعالى قطعا؛ لأنه المالك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)
ولا على المنتفع ظاهرا فيباح، كالاستظلال بحائط الغير.
وأما الثاني، فلقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)(1). والضرر: تألم القلب، يقال: أضر به إذا شتمه، أو ضربه، أو فوت منفعته؛ لأنه معنى عام في موارد الاستعمال.
فإن قلت: من هدم دار غيره ولا يعلم، أضر به ولا ألم، لعدم الشعور. ولأن عبادة الأصنام لا تضر الكافر، للآية. وتؤلم قلبه بالعقاب يوم القيامة. ثم تفويت المنفعة مشترك أيضا.
قلت: أما الأول، فإن النفع: هو اللذة أو الوسيلة إليها. والضرر: الألم أو الوسيلة إليه. فيكون قد فعل ما لو علم لتضرر به. وأما الثاني: فالمراد نفي المضرة في الدنيا. وأما الثالث: فلأن البائع فوت على نفسه الانتفاع بالمبيع. ولا يسمى ضررا.
الثانية: استصحاب الحال حجة. خلافا للحنفية(2) والمتكلمين(3). لنا: أن العلم بتحقق أمر في الحال يقتضي ظن بقائه؛ لأن الحادث--------------------------------------------
(1) تقدم.
(2) لهم فيه تفصيل وتقسيم، ولا يرد عندهم مطلقا، انظر: «التقويم» (2/ 848)، و «أصول السرخسي» (2/ 223 - 226)، و «الميزان» للسمرقندي (ص: 657 - 666).
(3) انظر: «المعتمد» (2/ 884)، و «التلخيص» (3/ 132)، و «إحكام الفصول» للباجي (2/ 701 - 702) و «البحر» (6/22).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 363)
مفتقر إلى المؤثر وفاقا. والباقي مستغن عنه؛ لأن المؤثر إن كان أثره شيئا لم يكن موجودا، كان الأثر حادثا لا باقيا. وإن كان موجودا كان تحصيل الحاصل، وهو محال. وإذا استغنى من المؤثر كان وجوده أولى، فيكون بقاؤه مظنونا. والعمل بالظن واجب.
فإن قيل: أثر المبقي هو البقاء، وهو حصوله في زمان بعد حصوله قبله. وأنه حادث. والبحث عن الأثر حادث أو مستمر خارج عن المقصود. ثم هو معارض بأن التسوية بين الوقتين في الحكم إن كان لاشتراكهما في المقتضي، فهو قياس وتسوية بغير دليل.
والجواب: أن الحصول ليس زائدا على الذات، وإلا يلزم التسلسل. والمعارضة مدفوعة، فإنا سوينا بينهما بالدليل الذي ذكرناه.
واعلم أن الاستصحاب أصل في الشرع وفي اصطلاح الفقهاء، فإن من تيقن شيئا وشك عدمه، أخذ اليقين. وبنوا عليه مسائل كثيرة. وفي العرف، فإنهم يكتبون الكتب ويبعثون الرسل بناء على رجحان البقاء. ولعل أكثر مصالح العالم تبنى عليه.
فرع: من قال: النافي لا دليل عليه(1)، إن أراد أن العلم أو الظن حاصل بلا مؤثر، فهو باطل. وإن أراد به أن العلم بذلك العدم الأصلي يوجب بقاءه، فهو ما قلناه … ..--------------------------------------------
(1) هذا قول بعض الظاهرية وجماعة من أصحاب الشافعي، انظر: «الإحكام» لابن حزم (1/ 76)، و «التبصرة» للشيرازي (ص: 530).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 364)
.......(1) عليه فيه. ونعني بالحكم: أن المكلف مقول(2) [له]: إن لم تفعل هذا الفعل في هذا الآن عاقبتك. والأصل بقاؤه على العدم.
الثاني: لو ثبت الحكم لثبت لدلالة أو أمارة. والأول باطل بالإجماع. وكذا الثاني، لقوله تعالى: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 33].
الثالث: لو ثبت الحكم لثبت لمصلحة العبد وهو باطل؛ لأنه تعالى قادر على إيصال المصلحة إليه ابتداء، فيكون توسط الحكم عبثا، ترك العمل به في المتفق، فيبقى في المختلف. أو لمصلحة الله تعالى، أو لا لمصلحة. وهما باطلان، فإنه تعالى منزه عن النفع والضر. والخالي عن المصلحة عبث.
الرابع: هذه الصورة تفارق الصورة الفلانية في وصف مناسب، فيفارقها في الحكم. وإلا لو اشتركا فيه، فإما أن يضاف إلى المشترك فيلزم إلغاء الوصف المناسب. أو إلى غيره فيلزم تعليل المتماثلين بالمختلفين، وهو باطل؛ لأن استناد أحدهما إلى علة إن كان لذاته أو للازمها، لزم إضافة مماثله إليها أيضا. وإلا لامتنع استناده إليها لكونه مستغنيا في ذاته عنها.
الخامس: لو ثبت هنا لثبت في كذا، بجامع دفع حاجة المكلف، واللازم منتف.
وأما الحكم الوجودي فيثبت بأمور:
أحدها: أن المجتهد الفلاني قال به، فيكون حقا، لقوله عليه السلام: «ظن--------------------------------------------
(1) هذه تتمة المسألة الأخيرة في هذا الفصل. وقد سقطت من هنا ورقة فذهبت بعظم هذا الفصل مع الأسف. وانظر: «المحصول» ومختصراته لمعرفة تتمة المسألة.
(2) في الأصل: (مقولا).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 365)
المؤمن لا يخطئ»(1). ترك العمل به في العامي؛ لأن ظنه لا يستند إلى وجه صحيح. ولا يعارض بقول مجتهد ناف؛ لأن المثبت راجح لما سبق في الترجيح.
وثانيها: ثبت الحكم في كذا، فيثبت ههنا، لقوله تعالى: {فاعتبروا} [الحشر: 2]. وقوله تعالى {إن الله يأمر بالعدل} [النحل: 90]. والعدل: التسوية.
وثالثها: الحكم إنما ثبت ثم لحاجة المكلف ومصلحته، وهما موجودان ههنا، فيثبت الحكم بما يشتركان فيه من المصلحة. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[هذا] آخر مختصر المحصول في علم الأصول. واتفق الفراغ من نسخه يوم الثلاثاء الرابع عشر من شهر جمادى الأولى سنة أربعين وسبعمئة [من الهجرة] الطاهرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام على يد العبد الفقير إلى الله تعالى إبراهيم بن محمد بن مسعود الطبيق عفا الله عنه وعن والديه وعن مالكه وعن والديه وعن سائر المسلمين، وذلك في قرية الخيالي حماها الله تعالى.--------------------------------------------
(1) لم أقف عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 366)