وفي القصص: {وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: 77].
والثالث: بمعنى " لم ". ومنه قوله تعالى: في سورة القيامة: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى} [القيامة: 31]، أي: لم يصدق ولم يصل، قاله ابن قتيبة(1)»(2).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: بمعنى النفي.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ} [آل عمران: 77].
ويشهد له حديث، أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرار، قال أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب».(3)
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير(4).
الآية الثانية: قوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} [الأعلى: 6].
وقال به من السلف: ابن عباس(5)، ومجاهد، وقتادة(6).--------------------------------------------
(1) تأويل مشكل القرآن ص 289، وللاستزادة من اللغة ينظر: العين ص 861، الصاحبي ص 120، وحروف المعاني ص 8، ومغني اللبيب 1/ 237.
(2) نزهة الأعين النواظر ص 631.
(3) أخرجه مسلم 1/ 237 برقم 106.
(4) جامع البيان 3/ 410. معاني القرآن وإعرابه للزجاج 1/ 434. معاني القرآن للنحاس 1/ 427. معالم التنزيل 219. الكشاف 1/ 403. المحرر الوجيز 1/ 460. الجامع لأحكام القرآن 4/ 78. البحر المحيط 3/ 226. تفسير القرآن العظيم لابن كثير 2/ 55.
(5) تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم 10/ 3416.
(6) جامع البيان 30/ 193.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير.(1)
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، قال الزَّجَّاجي: «لا: نفي للمستقبل والحال وقبيح دخولها على الماضي.»(2)، وقال ابن هشام: «لا: على ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون نافية».(3)
الوجه الثاني: بمعنى النهي.
ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات:
الآية الأولى: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [البقرة: 35].
وبغض النظر عن الروايات المأخوذة عن أهل الكتاب في تحديد الشجرة، فإن السلف يذكرون أنها شجرة نُهي آدم عنها، ومنهم: ابن عباس، وقتادة، وأبو مالك غزوان الغفاري، ووهب بن منبه.(4)
ومن المفسرين: الفرَّاء ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير(5).
الآية الثانية: قوله تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197].
واختلف السلف في تحديد المراد بالرفث، والفسوق، والجدال في الحج؛ واتفقوا على النهي عن الجميع، ومنهم: ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وقتادة، والحسن، وأبو--------------------------------------------
(1) معاني القرآن للفراء 3/ 356. جامع البيان 30/ 193. معاني القرآن وإعرابه للزجاج 5/ 315. معالم التنزيل 1400. الكشاف 4/ 740. المحرر الوجيز 5/ 469. الجامع لأحكام القرآن 20/ 14. البحر المحيط 10/ 456. تفسير القرآن العظيم لابن كثير 6/ 440.
(2) حروف المعاني ص 8.
(3) مغني اللبيب 1/
(4) جامع البيان 1/ 301.
(5) معاني القرآن للفراء 1/ 27. جامع البيان 1/ 301. معاني القرآن وإعرابه للزجاج 1/ 114. معالم التنزيل 27. الكشاف
1/ 156. المحرر الوجيز 1/ 127. الجامع لأحكام القرآن 1/ 208. البحر المحيط 1/ 255. تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/ 216.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
العالية، وسعيد بن جبير، وعمرو بن دينار، والسُّدي، وطاوس، وإبراهيم النخعي(1).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير(2).
الآية الثالثة: قوله تعالى: {وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: 77].
وقد اختلف السلف في تحديد المراد بالنصيب؛ واتفقوا على النهي عن نسيانه ومنهم: علي(3)، وابن عباس،، ومجاهد، وقتادة، والحسن، وابن جريج،(4).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير(5).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، قال ابن فارس عن (لا): «وينهى به، نحو لا تفعل»(6)
الوجه الثالث: بمعنى " لم ".
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: في سورة القيامة: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى} [القيامة: 31].
وقال به من السلف: قتادة.(7)
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، وأبو حيَّان.(8)--------------------------------------------
(1) جامع البيان 2/ 349.
(2) جامع البيان 2/ 349. معاني القرآن وإعرابه للزجاج 1/ 269. معاني القرآن للنحاس 1/ 132. معالم التنزيل 107. الكشاف 1/ 271. المحرر الوجيز 1/ 272. الجامع لأحكام القرآن 2/ 271. البحر المحيط 2/ 282. تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/ 462
(3) ذكره عنه البغوي في معالم التنزيل ص 987.
(4) جامع البيان 20/ 138.
(5) جامع البيان 20/ 138. معاني القرآن وإعرابه للزجاج 4/ 155. معاني القرآن للنحاس 5/ 199. معالم التنزيل 987. الكشاف 3/ 435. المحرر الوجيز 4/ 299. الجامع لأحكام القرآن 13/ 207. البحر المحيط 8/ 325. تفسير القرآن العظيم لابن كثير 5/ 34.
(6) الصاحبي ص 120.
(7) جامع البيان 29/ 242.
(8) المرجع السابق نفسه. معالم التنزيل 1368. المحرر الوجيز 5/ 460. البحر المحيط 10/ 353.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، قال ابن فارس عن (لا): «ويكون بمعنى (لم) إذا دخلت على ماض كقوله تعالى: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى} [القيامة: 31]، أي لم يصدق، ولم يصل.»(1)، وقال الزَّجَّاجي: «وقد تدخل على الماضي بمعنى لم كقوله تعالى: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى} [القيامة: 31].
معناه لم يصدق ولم يصل»(2).
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الثلاثة وهي:
الوجه الأول: بمعنى النفي. ودل عليه قوله تعالى: {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ} [آل عمران: 77]. وشهد له حديث أبي ذر، وقوله تعالى:
{سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} [الأعلى: 6]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة كما قال الزَّجَّاجي وابن هشام.
الوجه الثاني: بمعنى النهي. ودل عليه قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [البقرة: 35]. وقوله تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197].
وقوله تعالى: {وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: 77]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، كما أشار إليه ابن فارس.
الوجه الثالث: بمعنى "لم". ودل عليه قوله تعالى: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى} [القيامة: 31]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، كما قال ابن فارس والزَّجَّاجي.--------------------------------------------
(1) الصاحبي ص 120.
(2) حروف المعاني ص 8.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
الفصل الثالث
الكلمات القرآنية الواردة على أربعة أوجه
وفيه ثلاثة عشر مبحثا:
المبحث الأول: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الباء.
المبحث الثاني: دراسة وجوه الكلمة القرآنية الواردة على حرف الثاء.
المبحث الثالث: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الحاء.
المبحث الرابع: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الخاء.
المبحث الخامس: دراسة وجوه الكلمة القرآنية الواردة على حرف الدال.
المبحث السادس: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف السين.
المبحث السابع: دراسة وجوه الكلمة القرآنية الواردة على حرف الشين.
المبحث الثامن: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف العين.
المبحث التاسع: دراسة وجوه الكلمة القرآنية الواردة على حرف الغين.
المبحث العاشر: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف القاف.
المبحث الحادي عشر: دراسة وجوه الكلمة القرآنية الواردة على حرف اللام.
المبحث الثاني عشر: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف النون.
المبحث الثالث عشر: دراسة وجوه الكلمة القرآنية الواردة على حرف الهاء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)
الفصل الثالث: الكلمات القرآنية الواردة على أربعة أوجه. وفيه ثلاثة عشر مبحثا:
المبحث الأول: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الباء. وفيه مطلبان:
المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة البحر:
باب البحر:
قال ابن الجوزي:
«البحر: اسم للماء الغزير الواسع، وسمي بحراً لاتساعه، ويقال: فرس بحر، إذا كان واسع الجري، ومن ذلك قول النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: " وإن وجدناه لبحراً "(1).
والماء البحر: الملح. ويقال أبحر الماء إذا ملح، قال نصيب:
وقد عاد ماء الأرض بحراً فزادني إلى مرضي أن أبحرَ المشربُ العذبُ(2)
والباحر الرجل الأحمق. وقال الأموي: البحرة: البلدة(3).
يقال هذه بحرتنا، أي: بلدتنا.
وذكر بعض المفسرين أن البحر في القرآن على أربعة أوجه:
أحدها: البحر المعروف في الأرض، ومنه قوله تعالى في الكهف: {حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ} [الكهف: 60]، وفي الدخان: {وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا} [الدخان: 24].
والثاني: البحر الماء العذب والمالح، ومنه قوله تعالى في سورة الرحمن: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} [الرحمن: 19].
والثالث: بحر تحت العرش، ومنه قوله تعالى في الطور: {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} [الطور: 6].
والرابع: العامر من البلاد، ومنه قوله تعالى في الروم: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الروم: 41].--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (كتاب الرهن، باب من استعار من الناس الفرس 2/ 926، برقم 2307) من حديث أنس.
(2) البيت في ديوانه ص 66. ومعناه أن ماء الأرض صار مالحا فزاد مرضه مرضا.
ونصيب: هو نصيب بن رباح شاعر أموي من الموالي، كاتبه سيده وأتى عبد العزيز بن مروان ومدحه فأجازه واشترى ولاءه ومات سنة 108 هـ (طبقات فحول الشعراء 2/ 675. والشعر والشعراء 1/ 410).
(3) نقله عنه ابن فارس في مجمل اللغة ص 117. والأموي هو: عبد الله بن سعيد الأموي اللغوي نقل عنه أبو عبيدة (البلغة 124).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
قال ابن فارس: البحار: الأرياف. (والبحر: الريف)، كذا قال بعض أهل التأويل في قوله: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} الروم: 41]، إن البر: البادية، والبحر: الريف(1)»(2).
دراسة الوجه التي ذكرها ابن الجوزي
الوجه الأول: البحر المعروف.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: {حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ} [الكهف: 60] واختلف السلف في تحديد البحر هنا، واتفقوا على أن المراد به البحر المعروف، فقال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: بحر فارس والروم، وقال محمد بن كعب: طنجة(3)، وقال أبي بن كعب: أفريقية، وقال السُّدي: الكُّر والرَّس(4).
وقال به من المفسرين: ابن جرير(5)، والنَّحَّاس، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيان، والقرطبي، وابن كثير.
الآية الثاني: قوله تعالى: {وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا} [الدخان: 24].
وقال به من السلف: قتادة.(6)
وبيان المفسرين معنى الرهو وتفسيرهم له يدل على قولهم بالوجه ومنهم: الفرَّاء، ابن جرير،--------------------------------------------
(1) ذكر محقق النزهة أنه في المقاييس، ولم أقف عليه فيه بل وجدته في مجمل اللغة 1/ 117.
(2) نزهة الأعين النواضر ص 197. وللاستزادة من اللغة ينظر: العين ص 98، ومقاييس اللغة ص 57، والقاموس المحيط مادة (بحر).
(3) جامع البيان 15/ 330.
وطنجة: بلد على ساحل بحر المغرب، قائمة على البحر وبين طنجة وسبتة مسيرة يوم واحد. (معجم البلدان 4/ 43).
(4) تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم 7/ 375.
والكر والرس: نهران؛ والمشهور أن الكر نهر بين أرمينية وأران يشق مدينة تفليس وبينه وبين برذعة فرسخان ثم يجتمع هو ونهر الرس بالجمع ثم يصب في بحر الخزر وهو بحر طبرستان (معجم البلدان 4/ 451).
(5) جامع البيان 15/ 330. معاني القرآن للنحاس 4/ 263. الكشاف 2/ 683. المحرر الوجيز 3/ 527. البحر المحيط 7/ 200. الجامع لأحكام القرآن 8/ 11. تفسير القرآن العظيم لابن كثر 4/ 227.
(6) حامع البيان 25/ 147.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)
والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير(1).
ويتبين مما تقدم صحة الوجه في معنى الآية، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة، قال في العين:
«بحر: الباء والحاء والراء. قال الخليل: سمِّي البحر بحراً لاستبحارِه وهو انبساطُه وسَعَتُه، واستبحر فلان في العلم، وَتَبَحَّر الرّاعِي في رِعْيٍ كثير»(2)، ونقله بنصه ابن فارس(3).
الوجه الثاني: البحر الماء العذب والمالح.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19)} [الرحمن: 19].
وقال به من المفسرين: الزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيان، والقرطبي، وابن كثير(4).
وللسلف في الآية قولان وهما:
- بحرفي السماء وبحر في الأرض، وبه قال: ابن عباس، وسعيد بن جبير، وابن أبْزَى(5)، ومجاهد(6).
- بحر فارس والروم، وقال به الحسن وقتادة(7).
ففي القول الأول للسلف، (مرج) بمعنى أرسل، فلا يختلط أحدهما بالآخر.
وفي القول الثاني للسلف، (مرج) بمعنى خلط، أن بينهما اختلاط جزئي.
وعليه فالآية تحتمل الأقوال الثلاثة معاً.--------------------------------------------
(1) معاني القرآن للفراء 3/ 41. المرجع السابق نفسه. معاني القرآن وإعرابه للزجاج 4/ 426. معاني القرآن للنحاس 6/ 403. معالم التنزيل ص 1176. الكشاف 4/ 279. المحرر الوجيز 5/ 72. البحر المحيط 9/ 402. الجامع لأحكام القرآن
16/ 92. تفسير القرآن العظيم لابن كثر 5/ 543.
(2) العين ص 57.
(3) مقاييس اللغة ص 98
(4) معاني القرآن وإعرابه للزجاج 5/ 100. معالم التنزيل ص 1259. الكشاف 4/ 445. المحرر الوجيز 5/ 227. البحر المحيط 10/ 59. الجامع لأحكام القرآن 10/ 106. تفسير القرآن العظيم لابن كثر 6/ 63.
(5) جامع البيان 27/ 159. وابن أبزى: سعيد ابن عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي، مولاهم الكوفي روى عن أبيه وروى عنه قتادة وطلحة بن مصرف وثقه النسائي (التقريب 238. خلاصة تذهيب تهذيب الكمال 140).
(6) ذكره عنه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن 17/ 106.
(7) جامع البيان 27/ 159.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير باللازم، لأن كل بحر لاينفك أن يكون إما عذبا أو مالحاً.
الوجه الثالث: بحر تحت العرش.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} [الطور: 6].
وقال به من السلف: علي، وعبد الله بن عمر، وأبو صالح(1)، والربيع بن أنس(2).
ومن المفسرين: البغوي، وأبو حيان، والقرطبي، وابن كثير.(3)
وللسلف في الآية أقوال أخر بسبب اختلافهم في المسجور:
الموقَد: وبه قال علي، وشمر بن عطية، ومجاهد، وابن زيد.
المملوء: وقال به: قتادة.
الذي قد ذهب ماؤه: وقال به ابن عباس.
المحبوس: وقال به ابن عباس(4).
وجميع هذه الأقوال، يفسر جزءاً من معنى بحور الدنيا، فهي موقدة بالنار يوم القيامة، ومملوأة في الدنيا ماءً، ومحبوسة أن تطغى على اليابسة، وجائز أن تخلو من الماء بعد استحالته ناراً يوم القيامة. وبهذا يصح جميع التفسير الوارد عن السلف، والآية تحتمله.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الرابع: العامر من البلاد.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الروم: 41].
وقال به من السلف: مجاهد، وعكرمة، وقتادة، وابن زيد، والحسن(5).--------------------------------------------
(1) جامع البيان 27/ 27. وأبو صالح: ذكوان المدني أبو صالح السمان روى عن أبي الدرداء وعائشة وأبي هريرة وخلق، وروى عنه بنوه سهيل وعبد الله وصالح وعطاء بن أبي رباح وسمع منه الأعمش ألف حديث توفي سنة 101 هـ
(تهذيب الكمال 8/ 514. خلاصة تذهيب تهذيب الكمال 112).
(2) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 6/ 7.
(3) معالم التنزيل ص 1237. البحر المحيط 9/ 567. الجامع لأحكام القرآن 17/ 42. تفسير القرآن العظيم 6/ 7.
(4) جامع البيان 27/ 27. وشمر: شمَّر بن عطية الأسدي الكاهلي الكوفي روى عن أبي وائل وشهر بن حوشب وروى عنه عاصم بن بهدلة والأعمش وثقه النسائي (تهذيب التهذيب 4/ 319. خلاصة تذهيب تهذيب الكمال 169).
(5) جامع البيان 21/ 60.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)
ومن المفسرين: الزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير(1).
وفي الآية للسلف قولان آخران، هي:
البر: ظهر الأرض، والبحر: المعروف، وقال به ابن عباس(2)، مجاهد، وابن أبي نجيح، وعطية(3).
البر: قتل ابن آدم أخاه، والبحر: أخذ السفينة غصبا، وبه قال ابن عباس وعكرمة(4)، ومجاهد(5).
والقول الثاني للسلف، هو من قبيل التفسير بالمثال على ظهور الفساد في البر والبحر.
وأما القول الأول للسلف، والقول بالوجه الأخير فليس بينهما تعارض، لأن كل ماء فهو بحر فيراد به المدن العامرة على شواطئ البحار، وضفاف الأنهار.
قال الزَّجَّاج: «ظهر الجدب في البر، والقحط في البحر، أي في مدن البحر، أي في المدن التي على الأنهار، وكل ذي ماء فهو بحر».(6)
وقد أشار ابن القيم إلى هذا في قوله: «قلت: وقد سمى الله تعالى الماء العذب بحرا، فقال: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان: 53]، وليس في العالم بحر حلو واقفاً، وإنما هي الأنهار الجارية، والبحر المالح هو الساكن، فتسمى القرى التي على المياه الجارية باسم تلك المياه»(7).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، قال ابن فارس: «قال: والأنهار كلُّهَا بِحارٌ. قال الفرَّاء: البَحْرَة الرَّوضة، وقال الأمويّ: البَحْرة البلدة، ويقال--------------------------------------------
(1) معاني القرآن وإعرابه للزجاج 4/ 188. معالم التنزيل ص 1008. الكشاف 3/ 488. المحرر الوجيز 4/ 340. البحر المحيط 8/ 395. الجامع لأحكام القرآن 14/ 28. تفسير القرآن العظيم لابن كثر 5/ 90.
(2) ذكره عنه النَّحَّاس في معاني القرآن 5/ 266.
(3) جامع البيان 21/ 60.
(4) ذكره عنهما البغوي في معالم التنزيل ص 100.
(5) جامع البيان 21/ 60.
(6) معاني القرآن وإعرابه للزجاج 4/ 188.
(7) الجواب الكافي 1/ 42.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
هذه بَحْرَتُنا»(1).
نتيجة الدراسة
تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الأربعة وهي:
الوجه الأول: البحر المعروف. ودل عليه قوله تعالى: {حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ} [الكهف: 60]، وقوله تعالى: {وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا} [الدخان: 24]، ومأخذه الأصل المعنى المشهور للفظ في اللغة، كما أشار إليه الخليل.
الوجه الثاني: البحر الماء العذب والمالح. ودل عليه قوله تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} [الرحمن: 19]، ومأخذه التفسير باللازم، لأن كل بحر لاينفك أن يكون إما عذبا أو مالحاً.
الوجه الثالث: بحر تحت العرش. ودل عليه قوله تعالى: {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} [الطور: 6]، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الرابع: العامر من البلاد. ودل عليه قوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الروم: 41]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، كما قال ابن فارس.
المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة البلد
باب البلد:
قال ابن الجوزي:
«البلد: صدر القرى، والبلدة: الصدر. وتبلد الرجل: وضع يده على صدره متحيراً، والبلدة: نجم. يقولون هي بلدة الأسد، أي: صدره.
والبلد: الأثر، وجمعه أبلاد. قال ابن الرقاع:
عَرَفَ الديَارَ تَوَهُّماً فاعْتَادَهَا من بَعْدِ مَا دَرَسَ البِلَى أَبْلادَهَا(2)--------------------------------------------
(1) مقاييس اللغة ص 98.
(2) ديوان عدي بن الرقاع العاملي ص 33. وأراد بقوله (أبلادها: آثارها الزائلة. وهو: عديّ بن زيد بن مالك بن عدي بن الرقاع، من عاملة: شاعر كبير، من أهل دمشق، يكنى أبا داود. كان معاصراً لجرير، مهاجياً له، مقدماً عند بني أمية، مدّاحاً لهم، خاصاً بالوليد بن عبد الملك. مات في دمشق سنة 95 هـ (طبقات فحول الشعراء 2/ 699. الشعر والشعراء 5/ 618).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
وبلد الرجل بالأرض إذا لزق بها. والبالد: العقيم بالبلد. والأبلد الذي ليس بمقرون الحاجبين، وما بين حاجبيه بُلْدَة(1).
وذكر أهل التفسير إن البلد في القرآن على أربعة أوجه:
أحدها: مكة، ومنه قوله تعالى في البقرة: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} [البقرة: 126]، وفي إبراهيم: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} [إبراهيم: 35]، ومثله:
{لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} [البلد: 1].
والثاني: مدينة سبأ، ومنه قوله تعالى: {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} [سبأ: 15].
والثالث: البقعة النامية، ومنه قوله تعالى في الأعراف: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} [الأعراف: 58].
والرابع: المكان الذي لا نبت فيه، ومنه قوله تعالى في الأعراف: {فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ} [الأعراف: 57]»(2).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: مكة.
ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} [البقرة: 126].
وقال به من السلف: ابن عباس، والحسن(3)، قتادة(4).
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير(5).
الآية الثانية: قوله تعالى: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} [إبراهيم: 35].--------------------------------------------
(1) وللاستزادة من اللغة ينظر: العين ص 86، ومقاييس اللغة ص 136، والمحكم والمحيط الأعظم 9/ 342.
(2) نزهة الأعين النواضر ص 201.
(3) تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم 1/ 229.
(4) جامع البيان 1/ 710.
(5) المرجع السابق نفسه. معالم التنزيل ص 63. المحرر الوجيز 1/ 207. البحر المحيط 1/ 612. الجامع لأحكام القرآن 2/ 80. تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/ 371.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
وقال به من السلف: مجاهد، وإبراهيم التيمي(1).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير(2).
الآية الثالثة: قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} [البلد: 1].
وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وعطاء، وابن زيد(3)، والحسن والضحاك(4).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير(5).
ويتبين مما تقدم صحة الوجه في معاني الآيات، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة العربية، قال في القاموس: و «البلد، والبلدة مكة شرفها الله تعالى»(6).
الوجه الثاني: مدينة سبأ(7).
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} [سبأ: 15].
وقال به من السلف: قتادة، وابن زيد(8)، والسُّدي(9).--------------------------------------------
(1) جامع البيان 13/ 285. وإبراهيم التيمي: إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله التيمي أبو إسحاق المدني روى عن عمه عمران وأبي أسيد وأبي هريرة وروى عنه طلحة بن يحيى وسعد ابن إبراهيم وعبد الرحمن بن حميد كان يسمى أسد قريش مات سنة 110 هـ عن أربع وسبعين (تقريب الهذيب 93. خلاصة تذهيب تهذيب الكمال 21)
(2) جامع البيان 13/ 285. معاني القرآن وإعرابه 3/ 164. معالم التنزيل ص 689. الكشاف 2/ 523. المحرر الوجيز 3/ 340. البحر المحيط 6/ 444. الجامع لأحكام القرآن 9/ 241. تفسير القرآن العظيم لابن كثير 3/ 688.
(3) جامع البيان 30/ 242.
(4) تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم 10/ 3432.
(5) جامع البيان 30/ 242. معاني القرآن وإعرابه 5/ 327. معالم التنزيل ص 1408.الكشاف 4/ 757. المحرر الوجيز
5/ 483. البحر المحيط 10/ 479. الجامع لأحكام القرآن 20/ 40. تفسير القرآن العظيم لابن كثير 6/ 460.
(6) القاموس المحيط مادة (بلد).
(7) سبأ: أرض باليمن مدينتها مأرب بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام. (معجم البلدان 3/ 181).
(8) جامع البيان 22/ 96.
(9) تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم 10/ 3164.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية والقرطبي، وأبو حيان(1).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني؛ فالبلدة لا تعطي أن المراد هي مدينة سبأ، وإنما دل على الوجه أول الآية من قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} [سبأ: 15].
الوجه الثالث: البقعة النامية.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} [الأعراف: 58].
وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، والسُّدي(2).
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير(3).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني؛ فالبلد لا يعطي الوجه الذي ذكره ابن الجوزي هنا، وإنما مأخذه من لفظ (الطيب) وهو التربة الخصبة نقية الهواء، التي ليست سبخة.
الوجه الرابع: المكان الذي لا نبت فيه.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: {فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ} [الأعراف: 57].
ومعنى كلام السلف يدل عليه، كما قال السُّدي: «وكذلك النشور، كما نخرج الزرع بالماء»، وبنحوه قال مجاهد.(4)--------------------------------------------
(1) معاني القرآن للفراء 2/ 358. المرجع السابق نفسه. معاني القرآن وإعرابه 4/ 248. معاني القرآن للنحاس 5/ 406. معالم التنزيل ص 1060. الكشاف 3/ 585. المحرر الوجيز 4/ 413. البحر المحيط 8/ 534. الجامع لأحكام القرآن 14/ 182.
(2) جامع البيان 8/ 267.
(3) المرجع السابق نفسه. معالم التنزيل ص 468. الكشاف 2/ 106. المحرر الوجيز 2/ 414. البحر المحيط 5/ 79. الجامع لأحكام القرآن 7/ 147. تفسير القرآن العظيم لابن كثير 3/ 169.
(4) جامع البيان 8/ 265.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
ومن المفسرين: الفرَّاء، ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير(1).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني؛ فالبلد لا يعطي الوجه الذي ذكره ابن الجوزي هنا، وإنما مأخذه من لفظ (الميت) وهو المكان الذي لانبت فيه.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة، صحة الوجوه الأربعة وهي:
الوجه الأول: مكة. ودل عليه قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} [البقرة: 126].وقوله تعالى: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} [إبراهيم: 35].
وقوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} [البلد: 1]، ومأخذه التفسير بالمعنى المشهور للفظ في اللغة، كما أشار إليه الفيروز آبادي.
الوجه الثاني: مدينة سبأ. ودل عليه قوله تعالى: {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} [سبأ: 15]، ومأخذه السياق القرآني؛ فالبلدة لا تعطي أن المراد هي مدينة سبأ، وإنما دل على الوجه أول الآية.
الوجه الثالث: البقعة النامية. ودل عليه قوله تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} [الأعراف: 58]، ومأخذه السياق القرآني؛ لأن الوجه مأخذه من لفظ (الطيب) وهو التربة الخصبة نقية الهواء، والتي ليست سبخة.
الوجه الرابع: المكان الذي لا نبت فيه. ودل عليه قوله تعالى: {فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ} [الأعراف: 57]، ومأخذه السياق القرآني؛ لأن الوجه مأخذه من لفظ (الميت) وهو المكان الذي لانبت فيه.--------------------------------------------
(1) معاني القرآن 1/ 382. المرجع السابق نفسه. معاني القرآن وإعرابه 2/ 345. معالم التنزيل ص 468. الكشاف 2/ 106. المحرر الوجيز 2/ 413. البحر المحيط 5/ 78. الجامع لأحكام القرآن 7/ 147. تفسير القرآن العظيم لابن كثير 3/ 169.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
المبحث الثاني: دراسة وجوه الكلمة القرآنية الواردة على حرف الثاء. وهي كلمة الثياب
باب الثياب:
قال ابن الجوزي:
«الثياب: معروفة وواحدها ثوب، وذكر بعض المفسرين أنها في القرآن على أربعة أوجه (1):
أحدها: سائر الثياب. ومنه قوله تعالى في النور: {وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ} [النور: 58].
والثاني: الرداء. ومنه قوله تعالى في النور: {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} [النور: 60].
والثالث: القميص. ومنه قوله تعالى في الحج: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ} [الحج: 19].
والرابع: القلب. ومنه قوله تعالى في المدثر: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4]، أي: قلبك. وقيل: نفسك طهرها من الذنوب. وقيل: هي الثياب بعينها. ومعنى: تطهيرها تقصيرها»(2).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: سائر الثياب.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: {وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ} [النور: 58].
ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول ابن عباس: «إذا خلا بأهله، عند الظهيرة».(3)
وقال به من المفسرين: الزَّمخشري، ابن عطية، والقرطبي، وابن كثير.(4)
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، قال ابن فارس: «وَالثوب الملبوس محتملٌ أن يكون من هذا القياس، لأنّه يُلْبَس ثم يُلْبَس وَيثاب إليه»(5).--------------------------------------------
(1) وللاستزادة من اللغة ينظر، العين ص 121، ومقاييس اللغة ص 173، ولسان العرب مادة (ثوب).
(2) نزهة الأعين النواضر ص 224.
(3) تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم 8/ 2635.
(4) الكشاف 3/ 258. المحرر الوجيز 4/ 194. الجامع لأحكام القرآن 12/ 200. تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/ 572.
(5) مقاييس اللغة ص 174.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
الوجه الثاني: الرداء.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} [النور: 60].
وقال به من السلف: ابن مسعود، وسعيد بن جبير(1).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، وابن عطية، وأبوحيان، وابن كثير(2).
وللسلف في الآية قول آخر وهو: أن الثياب في الآية الجلباب، وهو مروي عن ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، والشعبي.(3)
وليس بين قولي السلف تعارض، لأن كلا من القولين من باب التفسير بالمثال للثياب المأذون بالتخفف منها للقواعد من النساء.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال، لأن الرداء مثال للثوب في الآية.
الوجه الثالث: القميص.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ} [الحج: 19].
وقال به من السلف: ابن عباس(4).
ومن المفسرين: ابن جرير(5).
وللسلف في الآية قول آخر: وهو أن الثياب في الآية، سائر الثياب دون تخصيص القميص، وقال به: مجاهد، وسعيد بن جبير(6).--------------------------------------------
(1) جامع البيان 18/ 211.
(2) معاني القرآن لفراء 2/ 261. جامع البيان 18/ 211. معاني القرآن وإعرابه للزجاج 4/ 53. معاني القرآن للنحاس
4/ 556. معالم التنزيل ص 918. المحرر الوجيز 4/ 195. البحر المحيط 8/ 70. تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/ 573.
(3) جامع البيان 18/ 211.
(4) ذكره عنه ابن الجوزي في زاد المسير ص 953، ولم أقف عليه في كتب التفسير بالمأثور.
(5) جامع البيان 17/ 170.
(6) المرجع السابق نفسه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)
ومن المفسرين: الزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبوحيان، وابن كثير(1).
هذا وقد وجدت عند ابن رجب، أثراً عن ابن عباس -وفي ثبوته عنه شك - ورد فيه القميص وغيره؛ دون تخصيص له.
قال ابن رجب: «الباب التاسع عشر: في ذكر كسوة أهل النار ولباسهم فيها، قال الله تعالى {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ} [الحج: 19].
وكان إبراهيم التيمي إذا تلا هذه الآية يقول: «سبحان من خلق من النار ثيابا»، وروينا من طريق يحيى بن معين، حدثنا أبو عبيدة الحداد، حدثنا عبدالله بن بجير، عن عباس الجريري، أحسبه عن ابن عباس قال: «يقطع للكافر ثياب من نار حتى ذكر القباء والقميص
والكُمَّة(2)».(3)
فلعله هو نفسه الأثر الذي أشار إليه ابن الجوزي في زاد المسير(4)، فيكون قولاً بعموم الثياب، لا بخصوص القميص إذ ذكر القباء، والكمة، فيعود قولا السلف، إلى قول واحد، وهو الذي عليه عامة المفسرين كما تقدم.
وبهذا يتبين أن الثياب في هذه الآية، هي الثياب في الوجه الأول وهي بمعنى: سائر الثياب، فإذا كان المراد بوضع الثياب في قوله تعالى: {وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ} [النور: 58]. هو التعري من سائرها، فالتعري في قوله تعالى: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ} [الحج: 19]. هو الذي يناسب حالة المعذبين في النار، فانتقل بهم من حال التعري إلى حال الاكتساء بثياب من نار تفصل على أجسادهم، وبقدر زيادة تلك الثياب يزيد عليهم العذاب، وهذا لايتأتى في تخصيص القميص.--------------------------------------------
(1) معاني القرآن وإعرابه للزجاج 3/ 419. معالم التنزيل ص 862. الكشاف 3/ 150. المحرر الوجيز 4/ 114. الجامع لأحكام القرآن 12/ 19. البحر المحيط 7/ 495. تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/ 419.
(2) الكمة القلنسوة المدورة لأنها تغطي الرأس (مختار الصحاح 241).
(3) التخويف من النار ص 118.
(4) زاد المسير ص 953.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)
الوجه الرابع: القلب.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4].
وقال به من السلف: ابن عباس(1)، وقتادة(2)، وسعيد بن جبير(3).
ومن المفسرين: البغوي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير.(4)
وللسلف في الآية أقوال أخر:
لا تلبس ثيابك على معصية: وبه قال ابن عباس، وعكرمة، وإبراهيم النخعي، وقتادة، والضحاك، والشعبي، وعطاء.
أصلح عملك: وبه قال مجاهد، وأبو رزين.
اغسلها وطهرها من النجاسة: وبه قال ابن زيد وابن سيرين، ورجحه ابن جرير.(5)
واختلافهم هنا إنما هو من باب التفسير بالمثال للثياب التي هي اللباس، وأما الثياب التي بمعنى القلب فلها استعمال في اللغة.
قال ابن كثير في جمعه بين هذه الأقوال الثلاثة: «وقد تشمل الآية جميع ذلك، مع طهارة القلب، فإن العرب تطلق الثياب عليه»(6).
وجعل من هذه الآية قاعدة عامة من قواعد الشريعة في الطهارة الحسية والمعنوية شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال: «وإذا حملت الآية على الطهارة من الرجس، والإثم، والكذب، والغدر، والخيانة، والفواحش، كانت قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة، والكناية بطهارة الثياب عن طهارة صاحبها من الفواحش، والكذب، والخيانة ونحو ذلك، مشهور في لسان العرب، غالب في عرفهم نظماً ونثراً .. والأشبه والله أعلم أن الآية تعم نوعي الطهارة، وتشمل هذا كله، فيكون--------------------------------------------
(1) ذكره عنه أبو حيان في البحر المحيط 10/ 325.
(2) ذكره عنه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن 19/ 42.
(3) ذكره عنه ابن الجوزي في زاد المسير ص 1487.
(4) معالم التنزيل ص 1360. الجامع لأحكام القرآن 19/ 42. البحر المحيط 10/ 325. تفسير القرآن العظيم لابن كثير
6/ 340.
(5) جامع البيان 14/ 175.
(6) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 6/ 340.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)
مأموراً بتطهير الثياب، المتضمنة تطهير البدن، والنفس من كل ما يستقذر شرعا، من الأعيان والأخلاق والأعمال، لأن تطهيرها أن تجعل طاهرة، ومتى اتصل بها وبصاحبها شيء من النجاسة، لم تكن مطهرة على الإطلاق».(1)
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في لغة العرب، قال ابن منظور: «الثِّيابُ اللِّباسُ، ويقال للقَلْبِ».(2)
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة، صحة وجوه ثلاثة وهي:
الوجه الأول: سائر الثياب. ودل عليه قوله تعالى: {وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ} [النور: 58]، ومأخذه معنى المشهور للفظ في اللغة، كما أشار إليه ابن فارس.
الوجه الثاني: الرداء. ودل عليه قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} [النور: 60]، ومأخذه التفسير بالمثال، لأن الرداء مثال للثوب في الآية.
الوجه الثالث: القلب. ودل عليه قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4].
ومأخذه المعنى المشهور للفظ في لغة العرب، كما أشار إليه ابن منظور.
وأما الوجه الذي هو: القميص. ففي قوله تعالى: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ} [الحج: 19]. فقد تقدم أن الصحيح من قول السلف، وهو قول عامة المفسرين، أن المراد هنا سائر الثياب دون تخصيص القميص، وأن القول بالقميص منقول عن ابن عباس وشك الراوي في وقفه عليه، وعلى اعتبار صحته فإنه لم يخصه بالقميص فقط بل ذكر غيره من الثياب، فيكون هذا المثال ضمن أمثلة الوجه الأول، وأن المراد بالآية، سائر الثياب.--------------------------------------------
(1) شرح العمدة 4/ 407 بتصرف.
(2) لسان العرب مادة (ثوب). وابن منظور: هو محمد بن مكرم بن علي بن أحمد الأنصاري أبو الفضل جمال الدين الأفريقي ثم المصري، ولد 630 هـ ومن أشهر تصانيفه (لسان العرب) مات سنة 711 هـ (الدرر الكامنة 4/ 262).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)