الكعبة اليمانية، وأما قوله: الكعبة الشامية جملة مستأنفة مبتدأ وخبر، والمعنى: والكعبة المكرمة المعظمة البيت الحرام يقال له: الشامية، ثم الغرض من هذه الترجمة على ما اخترته هو بيان هدم ذي الخلصة، وهي من جملة الوقائع المهمة، وهو المقصود عندي من سياق هذه التراجم كما تقدم.
(22 - باب ذكر حذيفة بن اليمان العبسي)
بالموحدة، واسم اليمان حصل - بمهملتين وكسر أوله وسكون ثانيه ثم لام - ابن جابر، له ولأبيه صحبة، رضي الله تعالى عنهما، قاله الحافظ(1).
زاد القسطلاني(2): وإنما قيل له اليمان؛ لأنه أصاب دمًا في قومه فهرب إلى المدينة، وحالف بني عبد الأشهل من الأنصار، فسماه قومه اليمان؛ لأنه حالف الأنصار، وهو من اليمن، وكان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستعمله عمر رضي الله عنه أميرًا على المدائن، ومات بعد قتل عثمان بأربعين يومًا سنة ست وثلاثين، وسقط لفظ "باب" لأبي ذر، انتهى.
قلت: وقد تقدم ذكر حذيفة مع عمار قبل عدة أبواب، وتقدم هنا الكلام على التكرار وغير ذلك، وتقدم قريبًا عن الحافظ أن الأليق ذكر هذا الباب قبل "باب تزويج خديجة"، ويمكن توجيهه عندي: أن المقصود ههنا بيان معاداة إبليس واجتهاده في أذى المسلمين في مبدأ الإسلام، فتأمل، ويشكل عليه أنه كان حقه إذًا أن يذكر بعد المبعث، ويمكن التفصي عنه بأن يقال: إن الجن كانوا مبهوتين من وقت ولادته صلى الله عليه وسلم.
(23 - باب ذكر هند بنت عتبة بن ربيعة)
وعندي: أن المقصود بيان عداوة المشركين في مبدأ الإسلام حتى النساء يحببن ذلة المسلمين، لكن فيه أن العداوة حدثت بعد المبعث، فكان ينبغي ذكرها بعدها.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (7/ 132).
(2) "إرشاد الساري" (8/ 337).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥١٦)
وقال الحافظ(1): هي بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وهي والدة معاوية، قتل أبوها ببدر كما سيأتي في المغازي، وشهدت مع زوجها أبي سفيان أحدًا، وحرَّضت على قتل حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم لكونه قتل عمها شيبة، وشرك في قتل أبيها عتبة، فقتله وحشي بن حرب كما سيأتي بيان ذلك في حديث وحشي، ثم أسلمت هند يوم الفتح، وكانت من عقلاء النساء، وكانت قبل أبي سفيان عند الفاكه بن المغيرة المخزومي، ثم طلقها في قصة جرت، فتزوجها أبو سفيان، فأنتجت عنده، وهي القائلة للنبي صلى الله عليه وسلم لما شرط على النساء المبايعة ولا يسرقن ولا يزنين: "وهل تزني الحرة"، وماتت هند في خلافة عمر، انتهى من "الفتح".
وقال القسطلاني(2): أسلمت في الفتح بعد إسلام زوجها أبي سفيان، وأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم على نكاحها، وكانت امرأة ذات أنفة ورأي وعقل، وشهدت أُحدًا كافرة، فلما قتل حمزة مثّلت به وشقت كبده فلاكتها، انتهى.
قال الحافظ(3): وقد كانت هند في منزلة أمهات نساء النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن أم حبيبة رضي الله عنها إحدى زوجاته صلى الله عليه وسلم بنت زوجها أبي سفيان، انتهى.
(24 - باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل)
ابن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك القرشي العدوي، والد سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرة، وابن عم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يجتمع هو وعمر في نفيل، وسقط لفظ "باب" لأبي ذر، انتهى من "القسطلاني"(4).
قال الحافظ(5): وكان ممن طلب التوحيد، وخلع الأوثان، وجانب الشرك، لكنه مات قبل المبعث، فروى محمد بن سعد والفاكهي من حديث--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (7/ 141).
(2) "إرشاد الساري" (8/ 338).
(3) "فتح الباري" (7/ 142).
(4) "إرشاد الساري" (8/ 339).
(5) "فتح الباري" (7/ 143).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥١٧)
عامر بن ربيعة حليف بني عدي بن كعب قال: قال لي زيد بن عمرو: إني خالفت قومي، واتبعت ملة إبراهيم وإسماعيل وما كانا يعبدان، وكانا يصليان [إلى] هذه القبلة، وأنا أنتظر نبيًا من بني إسماعيل يبعث، ولا أراني أدركه، وأنا أؤمن به وأصدقه وأشهد أنه نبي، وإن طالت بك حياة فأقرئه مني السلام، قال عامر: فلما أسلمت أعلمت النبي صلى الله عليه وسلم بخبره، قال: فردَّ عليه السلام وترحّم عليه، قال: "ولقد رأيته في الجنة يسحب ذيولًا"، وروى البزار والطبراني من حديث سعيد بن زيد قال: "خرج زيد بن عمرو وورقة بن نوفل يطلبان الدين، حتى أتيا الشام، فتنصر ورقة، وامتنع زيد، فأتى الموصل فلقي راهبًا، فعرض عليه النصرانية فامتنع" وذكر الحديث نحو حديث ابن عمر الآتي في ترجمته، وفيه: "قال سعيد بن زيد: فسألت أنا وعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيد، فقال: غفر الله له ورحمه، فإنه مات على دين إبراهيم"، وروى الزبير بن بكار من طريق هشام بن عروة قال: بلغنا أن زيدًا كان بالشام، فبلغه مخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فأقبل يريده، فقتل بمضيعة من أرض البلقاء، وقال ابن إسحاق: لما توسط بلاد لخم قتلوه، وقيل: إنه مات قبل المبعث بخمس سنين عند بناء قريش الكعبة، انتهى من "الفتح".
وعلى هذا فالترجمة على محلها، ويمكن الإشارة إلى حال الجاهلية بأن بعضهم كانوا طالبين الدين أيضًا، وهذا بيان لشدة استعدادهم الخير.
وقال العيني(1): ولما مات دفن بأصل حراء، ثم قال: فإن قلت: ما حكمه من جهة الدين؟ قلت: ذكره الذهبي في "تجريد الصحابة" وقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يبعث أمة وحده"، وعن جابر رضي الله عنه قال: سئل رسول الله عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه كان يستقبل القبلة في الجاهلية ويقول: إلهي إله إبراهيم، وديني دين إبراهيم، ويسجد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يحشر ذاك أمة وحده، بيني وبين عيسى ابن مريم عليهما السلام" رواه ابن أبي شيبة، وذكر--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (11/ 538، 539).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥١٨)
الروايات التي تقدم في كلام الحافظ، وقال أيضًا: فإن قلت: لم ذكر البخاري هذا الباب في كتابه؟ قلت: أشار به إلى أن النبي لقيه قبل أن يبعث، وذكر في شأنه ما ذكره حتى إن الذهبي وغيره ذكروه في الصحابة، وقال صاحب "التوضيح": ميل البخاري إليه، قلت: فلذلك ذكره بين ذكر الصحابة، انتهى.
(25 - باب بنيان الكعبة)
أي: على يد قريش في حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته، وقد تقدم ما يتعلق ببناء إبراهيم عليه السلام قبل بناء قريش، وما يتعلق ببناء عبد الله بن الزبير في الإسلام، وذكر بن إسحاق وغيره: إن قريشًا لما بنت الكعبة كان عمر النبي صلى الله عليه وسلم خمسًا وعشرين سنة، وروى إسحاق بن راهويه من طريق خالد بن عرعرة عن علي رضي الله عنه في قصة بناء إبراهيم عليه السلام البيت قال: فمر عليه الدهر فانهدم، فبنته العمالقة فمر عليه الدهر فانهدم، فبنته جرهم فمر عليه الدهر فانهدم، فبنته قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم[يومئذ] شاب، فلما أرادوا أن يضعوا الحجر الأسود اختصموا فيه، فقالوا: نحكم بيننا أول من يخرج من هذه السكة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم أول من خرج منها، فحكم بينهم أن يجعلوه في ثوب ثم يرفعه من كل قبيلة رجل، وذكر أبو داود الطيالسي في الحديث، وفيه: فأمر بثوب، فوضع الحجر في وسطه، وأمر كل فخذ أن يأخذوا بطائفة من الثوب، فرفعوه، ثم أخذه فوضعه بيده، انتهى من "العيني"(1) وبسطه.
(26 - باب أيام الجاهلية)
قال الحافظ(2): أي: مما كان بين المولد النبوي والمبعث، هذا هو المراد به هنا، ويطلق غالبًا على ما قبل البعثة، ومنه {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (11/ 542).
(2) "فتح الباري" (7/ 149).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥١٩)
ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} [آل عمران: 154]، وقوله: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33]، ومنه أكثر أحاديث الباب، وأما جزم النووي في عدة مواضع من "شرح مسلم" أن هذا هو المراد حيث أتى ففيه نظر؛ فإن هذا اللفظ وهو الجاهلية يطلق على ما مضى، والمراد ما قبل إسلامه، وضابط آخره غالبًا فتح مكة، ومنه قول مسلم في "مقدمة صحيحه": إن أبا عثمان وأبا رافع أدركا الجاهلية، وقول ابن عباس: سمعت أبي يقول في الجاهلية: اسقنا كأسًا دهاقًا، وابن عباس إنما ولد بعد البعثة، وأما قول عمر: نذرت في الجاهلية فمحتمل، وقد نبَّه على ذلك شيخنا العراقي في الكلام على المخضرمين من علوم الحديث، انتهى.
قال القسطلاني(1): أيام الجاهلية أيام الفترة، وسميت بها لكثرة جهالاتهم، وسقط لأبي ذر لفظ: "باب"، انتهى.
وقوله: (إن هذا الحديث له شأن) أي: قصة طويلة، وذكر موسى بن عقبة أن السيل كان يأتي من فوق الردم الذي بأعلى مكة، فيجريه، فتخوفوا أن يدخل الماء الكعبة، فأرادوا تشييد بنيانها، وكان أول من طلعها وهدم منها شيئًا الوليد بن المغيرة، وذكر القصة في بنيان الكعبة قبل المبعث النبوي، وأخرج الشافعي في "الأم" بسند له عن عبد الله بن الزبير: أن كعبًا قال له وهو يعمل بناء مكة: اشدده وأوثقه، فإنا نجد في الكتب أن السيول ستعظم في آخر الزمان، انتهى.
فكان الشأن المشار إليه أنهم استشعروا من ذلك السيل الذي لم يعهدوا مثله أنه مبدأ السيول المشار إليها، انتهى من "الفتح"(2).
قوله: (كنت في أهلك ما أنت) اختلفوا في معنى هذا الكلام على أقوال ذكرت في هامش "اللامع"، وأفاد الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(3) فأجاد--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (8/ 345).
(2) "فتح الباري" (7/ 150).
(3) "لامع الدراري" (8/ 206).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٢٠)
حيث كتب: والظاهر في معناها أنها كلمة تحسر، والمقصود أنك كنت ما كنت واليوم صرت لا تقدرين على شيء، انتهى.
(27 - القسامة في الجاهلية)
هذه الترجمة موجودة في النسخ الهندية، وكذا في نسخة "العيني" و"القسطلاني"، وليست في نسخة "الفتح".
قال الحافظ(1): ثبت عند أكثر الرواة عن الفربري هنا ترجمة "القسامة في الجاهلية"، ولم يقع عند النسفي وهو أوجه؛ لأن الجميع من ترجمة أيام الجاهلية، ويظهر ذلك من الأحاديث التي أوردها تلو هذا الحديث، انتهى.
قلت: ذكر البخاري فيه حديث القسامة بطوله، ويأتي "باب القسامة" في محله من "كتاب الديات"، وسيأتي الكلام عليه من حيث الفقه واختلاف الأئمة وغير ذلك من المباحث هناك إن شاء الله، وهي من الأمور الجاهلية التي أثبتها الشرع، فلذلك ذكرها المصنف رحمه الله ههنا.
قوله: (قد انقطعت عروة جوالقه) أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(2) في توضيح معناه، ولم يتعرض لذلك أحد من الشرَّاح فكتب: أراد به العروة التي يشد بها بين الجوالقين ليحمل بهما على الدابة، ولما كان يرد على مسألته تلك إني أعطيتك عقالي نفرًا، بلى الذي أعطيتك عقاله دفعه، فقال: لا تنفر الإبل فإن العادة أن بعيرًا أو بعيرين إن بقيا غير معقولين فإنهما لا ينفران، فإن سائر جمالك إذا كانت معقولة لم يضرك لو تترك واحدًا منها غير معقول.
وقوله: (عقلت الإبل إلا بعيرًا) فإنه لم يعقل، ولا يردّ عليه أنه لم يصدق قول الهاشمي الذي بيَّن له، ووجه عدم الورود أنه كان قد نفى النفور فقط، ولم يوجد، نعم تنبه مالكه أنه لم يعقل، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (7/ 156).
(2) "لامع الدراري" (8/ 208).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٢١)
قوله: (ليس السعي ببطن الوادي سُنَّة) كتب الشيخ في "اللامع"(1): إن كان المراد أنهم كانوا يشتدون بين الجبلين كملا، ولا يكتفون في الاشتداد بين الميلين كما هو السُّنَّة الآن صح نسبته إليهم، وإن كان المراد هو الذي معمول بيننا كما يدل عليه قوله: ليس السعي ببطن الوادي، حيث صرح بلفظ البطن، فالمراد أنه ليس سُنَّة مبتدأة من النبي صلى الله عليه وسلم، بل سُنَّة إبراهيمية قديمة حتى استعى العرب أيضًا، انتهى.
وذكر في "هامشه" توجيهات أخر، فارجع إليه لو شئت.
قوله: (قد زنت فرجموها) قالت الكرماني(2): قال ابن عبد البر: إضافة الزنا إلى غير المكلف وإقامة الحدود في البهائم عند جماعة أهل العلم منكر، ولو صح لكانوا من الجن؛ لأن العبادات في الجن والإنس دون غيرهما إلى آخر ما بسط من الكلام عليه في هامش "اللامع".
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(3): قوله: "قد زنت" والله أعلم كيف فهم الرجل أنها زنت، إذ ليس فيهم زواج، وأنها ليست بزوجته، وأنهم يريدون قتلها حدًّا، ولا يدرى وجهه، انتهى.
(28 - باب مبعث النبي صلى الله عليه وسلم -)
المبعث مصدر ميمي من البعث وهو الإرسال، وساق المصنف ههنا النسب الشريف.
قوله: (محمد. . .) إلخ، قال العلَّامة العيني(4): بالجر عطف بيان للنبي صلى الله عليه وسلم، انتهى.
قال الحافظ(5): واقتصر البخاري من النسب الشريف على عدنان، وقد أخرج في "التاريخ" عن عبيد بن يعيش عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (8/ 209).
(2) "شرح الكرماني" (15/ 75).
(3) "لامع الدراري" (8/ 212).
(4) "عمدة القاري" (11/ 559).
(5) "فتح الباري" (7/ 164).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٢٢)
مثل هذا النسب، وزاد بعد عدنان: ابن أدد بن المقوم بن تارح بن يشجب بن يعرب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام، وقد قدمت في أول الترجمة النبوية الاختلاف فيمن بين عدنان وإبراهيم، وفيمن بين إبراهيم وآدم، وأخرج ابن سعد من حديث ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا انتسب لم يجاوز في نسبه معد بن عدنان"، انتهى.
قال القسطلاني(1): وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما وجدنا من يعرف ما وراء عدنان إلى ما وراء قحطان، وقال ابن جريج عن القاسم بن أبي مرة عن عكرمة: أضلت نزار نسبها من عدنان، انتهى.
قوله: (أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين) هذا هو المقصود من هذا الحديث في هذا الباب، وهو متفق عليه، وقد مضى في صفة النبي صلى الله عليه وسلم حديث أنس: "أنه صلى الله عليه وسلم بعث على رأس أربعين"، وتقدم في بدء الوحي: أنه أنزل عليه في شهر رمضان، فعلى الصحيح المشهور أن مولده في شهر ربيع الأول يكون حين أنزل عليه ابن أربعين سنة وستة أشهر، وكلام ابن الكلبي يؤذن بأنه ولد في رمضان فإنه قال: مات وله اثنتان وستون سنة ونصف سنة، وقد أجمعوا على أنه مات في ربيع الأول فيستلزم ذلك أن يكون ولد في رمضان، وبه جزم الزبير بن بكار، وهو شاذ، وفي مولده أقوال أخر أشدّ شذوذًا من هذا، انتهى من "الفتح"(2).
وقال أيضًا(3) في تفسير سورة اقرأ تحت قوله: "وهو في غار حراء فجاءه الملك".
تنبيه: إذا علم أنه كان يجاور في غار حراء في شهر رمضان، وأن ابتداء الوحي جاءه وهو في الغار المذكور، اقتضى ذلك أنه نبئ في شهر رمضان، ويعكر على قول ابن إسحاق: أنه بعث على رأس الأربعين مع قوله: إنه في شهر رمضان ولد، ويمكن أن يكون المجيء في الغار كان--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (8/ 363).
(2) "فتح الباري" (7/ 164).
(3) "فتح الباري" (8/ 716 - 718).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٢٣)
أولًا في شهر رمضان، وحينئذ نبئ وأنزل عليه {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}، ثم كان المجيء الثاني في شهر ربيع الأول بالإنذار، وأنزلت عليه {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2)}، فيحمل قول ابن إسحاق على رأس الأربعين، أي: عند المجيء بالرسالة، والله أعلم، انتهى.
وقال أيضًا(1) تحت قوله: "الليالي ذوات العدد": في رواية ابن إسحاق: أنه كان يعتكف شهر رمضان، وقال أيضًا تحت قوله: "فيتزود لمثلها": ويؤخذ منه إعداد الزاد للمتخلي، إذا كان بحيث يتعذر عليه تحصيله لبعد مكان اختلائه من البلد مثلًا، وأن ذلك لا يقدح في التوكل، وذلك لوقوعه من النبي صلى الله عليه وسلم بعد حصول النبوَّة له بالرؤيا الصالحة، وإن كان الوحي في اليقظة قد تراخى عن ذلك، انتهى.
قلت: وهذا تصريح من الحافظ قُدِّس سرُّه بحصول النبوَّة له صلى الله عليه وسلم في زمان الرؤيا الصالحة، كما هو ظاهر قوله: "أول ما بدئ من الوحي الرؤيا الصالحة".
قوله: (بمكة ثلاث عشرة سنة): هذا أصح مما رواه مسلم من طريق عمار بن أبي عمار عن ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة خمس عشرة سنة"، وسيأتي البحث في ذلك في أبواب الهجرة إن شاء الله تعالى، انتهى من "الفتح"(2).
وبسط الكلام في "الأوجز"(3) في زمان مبعثه صلى الله عليه وسلم على أقوال كثيرة، والراجح أنه مبعثه صلى الله عليه وسلم كان وهو ابن أربعين سنة، وأقام بمكة المكرمة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة المنورة عشر سنين، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين، وهذا هو الراجح المعتمد، وما روي في ذلك من الروايات المختلفة بسط الكلام عليها في "الأوجز"، وسيأتي شيء من ذلك في "باب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم" من آخر "المغازي".--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (8/ 717).
(2) "فتح الباري" (7/ 164).
(3) "أوجز المسالك" (16/ 224 - 227).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٢٤)
(29 - باب ذكر ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المشركين بمكة)
أي: من وجوه الأذى، وذكر فيه أحاديث في المعنى، وقد تقدم في "ذكر الملائكة" من بدء الخلق حديث عائشة: أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: "هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أُحد؟ قال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم" فذكر قصته بالطائف، وروى أحمد والترمذي وابن حبان عن أنس مرفوعًا: "لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأخفت في الله وما يخاف أحد" الحديث، وقد استشكل بما جاء من صفات ما أوذي به الصحابة كما سيأتي لو ثبت، ثم ذكر بعض تلك الروايات الواردة في أذى الصحابة، ثم قال: وأجيب بأن جميع ما أوذي به أصحابه كان يتأذى هو به لكونه بسببه، واستشكل أيضًا بما أوذي به الأنبياء من القتل كما في قصة زكريا وولده يحيى، ويجاب بأن المراد هنا غير إزهاق الروح، انتهى من "الفتح"(1).
وقال أيضًا(2): تنبيه: كان حق هذا الحديث - أي: الحديث الثاني حديث ابن مسعود - أن يذكر في "باب الهجرة إلى الحبشة" المذكور بعد قليل، فسيأتي فيها أن سجود المشركين المذكور فيه كان سبب رجوع من هاجر الهجرة الأولى إلى الحبشة، لظنهم أن المشركين كلهم أسلموا، فلما ظهر لهم خلاف ذلك هاجروا الهجرة الثانية، انتهى.
قلت: ويمكن عندي أن يوجه أن ذلك لما كان سببًا لزيادة المشقة والتعب في حق الصحابة ذكره في هذا الباب.
(30 - باب إسلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه -)
كان حق هذا الباب أن يكون متقدمًا جدًا، إما في "باب المبعث" أو عقبه، لكن وجهه ههنا ما وقع في حديث عمرو بن العاص الذي قبله أنه--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (7/ 166).
(2) "فتح الباري" (7/ 167).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٢٥)
قام بنصر النبي صلى الله عليه وسلم وتلا الآية المذكورة، فدل ذلك على أن إسلامه متقدم على غيره، بحيث أن عمارًا مع تقدم إسلامه لم ير مع النبي صلى الله عليه وسلم غير أبي بكر وبلال، وعنى بذلك الرجال، وبلال إنما اشتراه أبو بكر لينقذه من تعذيب المشركين لكونه أسلم، وقال أيضًا: ذكر المصنف فيه حديث عمار، واكتفى به؛ لأنه لم يجد شيئًا على شرطه غيره، انتهى من "الفتح"(1).
(31 - باب إسلام سعد)
ولأبي ذر زيادة "ابن أبي وقاص"، وسقط في نسخته لفظ "باب".
قال الحافظ(2): ذكر فيه حديثه، وقد تقدم في مناقبه، ومناسبته لما قبله، واجتماعهما في أن كلًا منهما يقتضي سبق من ذكر فيه إلى الإسلام خاصة، لكنه محمول على ما اطلع عليه، وإلا فقد أسلم قبل إسلام بلال وسعد خديجة وسعد بن حارثة وعلي بن أبي طالب وغيرهم.
قوله: (ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه) قاله بحسب ما علمه وإلا فقد أسلم قبله خديجة وعلي وأبو بكر وزيد ونحوهم، وقال الكرماني: لعلهم أسلموا أول النهار وهو آخره، انتهى(3).
(32 - باب ذكر الجن)
تقدم الكلام عليه في أوائل بدء الخلق. (وقول الله عز وجل: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ} الآية) [الجن: 1]، يريد تفسير هذه الآية، وقد أنكر ابن عباس أنهم اجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم في الصلاة أنه قال: "ما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم" الحديث، وحديث أبي هريرة في هذا الباب، وإن كان ظاهرًا في اجتماع النبي صلى الله عليه وسلم بالجن وحديثه معهم، لكنه ليس فيه أنه قرأ عليهم، ولا أنهم الجن الذين استمعوا القرآن؛ لأن في حديث أبي هريرة: "أنه كان--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (7/ 170).
(2) "فتح الباري" (7/ 170).
(3) "إرشاد الساري" (8/ 327).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٢٦)
مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلتئذ"، وأبو هريرة إنما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في السنة السابعة المدينة، وقصة استماع الجن للقرآن كان بمكة قبل الهجرة، وحديث ابن عباس صريح في ذلك، فيجمع بين ما نفاه وما أثبته غيره بتعدد وفود الجن على النبي صلى الله عليه وسلم، إلى آخر ما بسط الحافظ(1).
قلت: وفي "مجمع البحار"(2) "تاريخ الخميس"(3): أن قدومهم كان سنة عشر، وعلى هذا فذكر الجن ههنا ليس على محله، والجواب أن مجيئهم وإن كان على المشهور سنة عشر كما تقدم، لكن التحقيق أن وفادة الجن وقعت بمرات، فمنها بمكة ثلاث مرات، كما ذكر في هامش "الكوكب الدري"(4) أيضًا، ورميهم بالشهب كان بعد عشرين يومًا من المبعث كما في "تاريخ الخميس"، وقد وقع الاضطراب فيهم قبيل المبعث أو بعده قريبًا كما سيأتي في "باب إسلام عمر" من حديث عمر، وفيه: "ألم تر الجن وإبلاسها ويأسها من بعد إنكاسها" الحديث.
ثم رأيت الحافظ: قال(5) بعد ذكر قول ابن إسحاق: أن استماع الجن كان بعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف لما خرج إليها يدعو ثقيفًا إلى نصره، وكان ذلك في سنة عشر من المبعث، وقول من قال: إن وفود الجن كان بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم من الطائف ليس صريحًا في أولية قدوم بعضهم، والذي يظهر من سياق الحديث الذي فيه المبالغة في رمي الشهب لحراسة السماء من استراق الجن السمع دالٌّ على أن ذلك كان قبل المبعث النبوي وإنزال الوحي إلى الأرض، فكشفوا ذلك إلى أن وقفوا على السبب، ولذلك لم يقيِّد الترجمة بقدوم ولا وفادة، ثم لما انتشرت الدعوة وأسلم من أسلم قدموا فسمعوا فأسلموا، وكان ذلك بين الهجرتين، ثم تعدد مجيئهم حتى في المدينة، انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (7/ 171).
(2) "مجمع بحار الأنوار" (5/ 272).
(3) "تاريخ الخميس" (1/ 303).
(4) "الكوكب الدري" (1/ 121).
(5) "فتح الباري" (7/ 172).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٢٧)
فثبت بهذا كله أن هذا الباب ليس في غير محله.
(33 - باب إسلام أبي ذر)
تقدم هذا الباب قبل "باب جهل العرب" من "كتاب بدء الخلق"، وذكر هناك اختلاف النسخ، وهذه الترجمة بحسب بعض النسخ مكررة، فذكرها ههنا ثانيًا لكون إسلامه في بدء المبعث، فقد قيل: إن إسلامه كان بعد أربعة، كما في "الإصابة"(1).
وأبو ذر اسمه جندب، وقيل: بريد بن جنادة - بضم الجيم والنون الخفيفة - ابن سفيان، وقيل: سفير بن عبيد بن حرام بالمهملتين ابن غفار، وغفار من بني كنانة، واختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا، وأمه رملة بنت الوقيعة من بني غفار، قال خليفة بن خياط: مات سنة اثنتين وثلاثين بالربذة قرية من قرى المدينة في خلافة عثمان بن عفان، وصلى عليه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وعنهم أجمعين، انتهى من "الفتح"(2) و"العيني"(3).
وقال الحافظ في "الإصابة"(4): أبو ذر الغفاري الزاهد المشهور الصادق اللهجة، مختلف في اسمه واسم أبيه، والمشهور أنه جندب بن جنادة بن سكن، وقيل: ابن عبد الله، وقيل: اسمه برير، وقيل بالتصغير، والاختلاف في أبيه كذلك، ووقع في رواية لابن ماجه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: يا جنيدب"، وكان من السابقين إلى الإسلام، وقصة إسلامه في الصحيحين على صفتين بينهما اختلاف ظاهر إلى آخر ما بسط، وكانت وفاته بالربذة سنة إحدى وثلاثين، وقيل: في التي بعدها، وعليه الأكثر، ويقال: إنه صلى عليه عبد الله بن مسعود في قصة رويت بسند لا بأس به، انتهى.--------------------------------------------
(1) "الإصابة" (4/ 63).
(2) "فتح الباري" (7/ 173).
(3) "عمدة القاري" (11/ 573، 574).
(4) "الإصابة" (4/ 62 - 64).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٢٨)
(34 - باب إسلام سعيد بن زيد)
أي: ابن عمرو بن نفيل، وأبوه تقدم ذكره، وأنه ابن ابن عم عمر بن الخطاب، انتهى من "الفتح"(1).
وقال القسطلاني(2): أحد العشر المبشرة بالجنة، وهو ابن عم عمر بن الخطاب وزوج أخته أم جميل فاطمة بنت الخطاب، انتهى.
وقوله: (ابن عم عمر) كذا في الأصل، والصواب ابن ابن عم عمر كما تقدم في كلام الحافظ.
قال الحافظ في "الإصابة"(3): أسلم قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، وهاجر، وشهد أُحدًا والمشاهد بعدها، ولم يكن بالمدينة زمان بدر، فلذلك لم يشهدها، ذكر عروة وابن إسحاق وغيرهما في المغازي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب له بسهمه يوم بدر؛ لأنه كان غائبًا بالشام، وكان إسلامه قديمًا قبل عمر، وكان إسلام عمر عنده في بيته؛ لأنه كان زوج أخته فاطمة.
قال الواقدي: توفي بالعقيق، فحمل إلى المدينة، وذلك سنة خمسين، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: سنة اثنتين، وعاش بضعًا وسبعين سنة، وزعم الهيثم بن عدي أنه مات بالكوفة، وصلى عليه المغيرة بن شعبة، قال: وعاش ثلاثًا وسبعين سنة، انتهى.
قوله: (وإن عمر لموثقي على الإسلام. . .) إلخ، قال الحافظ(4): أي: ربطه بسبب إسلامه إهانة له وإلزامًا بالرجوع عن الإسلام، وقال الكرماني(5) في معناه: كان يثبتني على الإسلام ويسددني، كذا قال، وكأنه ذهل عن قوله ها هنا: "قبل أن يسلم"، فإن وقوع التثبيت منه وهو كافر لضمره على--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (7/ 176).
(2) "إرشاد الساري" (8/ 377).
(3) "الإصابة" (2/ 46).
(4) "فتح الباري" (7/ 176).
(5) "شرح الكرماني" (15/ 85).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٢٩)
الإسلام بعيد جدًا، مع أنه خلاف الواقع، إلى آخر ما قال.
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع"(1): يعني بذلك: أن الناس قد تفاوت ما بينهم في الزمان المتقدم والموجود، فإن عمر مع شدته على الكفر لم يزد على الوثاق، وأنتم قتلتم عثمان مع ادعائكم الإسلام والإيمان، ويحتمل أن يكون المعنى أنكم فعلتم بعثمان مع أنكم مسلمون، وقد كانت الكفار مع كفرهم يحثون على الإسلام ويحضون عليه، ولكنه موقوف على أن يثبت فعل عمر مع سعيد، كما ذكر أنه كان يجعله واثقًا على الإسلام، والثابت خلافه، انتهى.
قلت: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في توضيح هذا المعنى - أي: المعنى الأول من المعنيين -، وعلى هذا يكون تعلق قوله: "إن عمر لموثقي. . ." إلخ، مع ما صنعوا بعثمان واضح، وعلى ما ذكره الحافظ من معناه لا يرتبط إحدى الكلمتين بالأخرى كما وضح الارتباط بينهما في المعنى الذي ذكره الشيخ قُدِّس سرُّه، فللَّه دره، والبسط في هامش "اللامع".
(35 - باب إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه -)
سقط لفظ: "باب" لأبي ذر، قاله القسطلاني(2).
تقدم نسبه رضي الله عنه في المناقب، وفي "الخميس"(3): وفي السنة السادسة من النبوَّة أسلم حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب، وقد قيل: أسلما في سنة خمس، كذا في "المنتقى"، وكان إسلام حمزة قبل إسلام عمر بثلاثة أيام بعد دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، كذا في "الصفوة".
قال الحافظ(4) في الحديث الثاني حديث ابن عمر: قوله: "وأنا غلام" في رواية أخرى: "أنه كان ابن خمس سنين"، وإذا كان كذلك خرج منه أن--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (8/ 215 - 217).
(2) "إرشاد الساري" (8/ 378).
(3) "تاريخ الخميس" (1/ 293).
(4) "فتح الباري" (7/ 178).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٣٠)
إسلام عمر كان بعد المبعث بست سنين أو بسبع؛ لأن ابن عمر كما سيأتي في المغازي كان يوم أُحد ابن أربع عشرة سنة، وذلك بعد المبعث بست عشرة سنة، فيكون مولده بعد المبعث بسنتين، انتهى.
وقال أيضًا(1): تنبيه: جعل ابن إسحاق إسلام عمر بعد هجرة الحبشة، ولم يذكر انشقاق القمر، فاقتضى صنيع المصنف أنه وقع في تلك الأيام، وقد ذكر ابن إسحاق من وجه آخر أن إسلام عمر كان عقب هجرة الحبشة الأولى.
وقال أيضًا(2) بعد ذكر الحديث الرابع حديث ابن عمر: لمَح المصنف بإيراد هذه القصة في "باب إسلام عمر" بما جاء عن عائشة وطلحة عن عمر رضي الله عنهم من أن هذه القصة كانت سبب إسلامه، فروى أبو نعيم في "الدلائل": أن أبا جهل جعل لمن يقتل محمدًا مائة ناقة، قال عمر: فقلت له: يا أبا الحكم آلضمان صحيح؟ قال: نعم، قال: فتقلدت سيفي أريده، فمررت على عجل وهم يريدون أن يذبحوه، فقمت أنظر إليهم، فإذا صائح يصيح من جوف العجل: يا آل ذريح، أمر نجيح، رجل يصيح بلسان فصيح، قال عمر: فقلت في نفسي: إن هذا الأمر ما يراد به إلا أنا، قال: فدخلت على أختي فإذا عندها سعيد بن زيد، فذكر القصة في سبب إسلامه بطولها، وتأمل ما في إيراده - أي: المصنف - حديث سعيد بن زيد الذي بعد هذا - وهو الحديث الخامس - من المناسبة لهذه القصة، انتهى.
(36 - باب انشقاق القمر)
أي: في زمن النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل المعجزة له، وقد ترجم بمعنى ذلك في علامات النبوة. انتهى(3).
قلت: وقد تقدم هناك الإشارة إلى وجه الفرق لئلا يتكرر، وانشقاق--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (7/ 182).
(2) "فتح الباري" (7/ 181).
(3) "فتح الباري" (7/ 182).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٣١)
القمر كما في "تاريخ الخميس"(1): كان في السنة التاسعة من المبعث، وفي "المواهب"(2): كان قبل الهجرة بنحو خمس سنين.
قوله: (إن أهل مكة. . .) إلخ قال الحافظ(3): هذا من مراسيل الصحابة؛ لأن أنسًا لم يدرك هذه القصة، وقد جاءت هذه القصة من حديث ابن عباس، وهو أيضًا ممن لم يشاهدها، ومن حديث ابن مسعود وجبير بن مطعم وحذيفة وهؤلاء شاهدوها، ولم أر في شيء من طرقه أن ذلك كان عقب سؤال المشركين إلا في حديث أنس، فلعله سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم وجدت في بعض طرق حديث ابن عباس بيان صورة السؤال، وهو وإن كان لم يدرك القصة لكن في بعض طرقه ما يشعر بأنه حمل الحديث عن ابن مسعود كما سأذكره، فأخرج أبو نعيم في "الدلائل" من وجه ضعيف عن ابن عباس قال: "اجتمع المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل ونظراؤهم؛ فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقًا فشقّ لنا القمر فرقتينّ فسأل ربه فانشق".
قوله: (شقتين) وفي رواية لمسلم: "فأراهم انشقاق القمر مرتين"، وفي رواية: "فرقتين"، أو "فلقتين" بالراء أو اللام، وفي رواية: "فانشق باثنتين"، وفي أخرى "فصار قمرين". ووقع في "نظم السيرة" لشيخنا الحافظ أبي الفضل: "وانشق مرتين" بالإجماع.
قال الحافظ: ولا أعرف من جزم من علماء الحديث بتعدد الانشقاق في زمنه صلى الله عليه وسلم، ولم يتعرض لذلك أحد من شرح الصحيحين، وتكلم ابن القيم على هذه الرواية، وقال: وقد خفي على بعض الناس فادعى أن انشقاق القمر وقع مرتين، وهذا غلط، فإنه لم يقع إلا مرة واحدة، وقد قال العماد بن كثير: في الرواية التي فيها "مرتين" نظر، ولعل قائلها أراد--------------------------------------------
(1) "تاريخ الخميس" (1/ 298).
(2) "المواهب اللدنية" (2/ 523)
(3) "فتح الباري" (7/ 182).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٣٢)
فرقتين. قال الحافظ: وهذا الذي لا يتجه غيره؛ جمعًا بين الروايات. انتهى ملخصًا من "الفتح"(1).
وقال أيضًا(2): وقد أنكر جمهور الفلاسفة انشقاق القمر متمسكين بأن الآيات العلوية لا يتهيأ فيها الانخراق والالتئام، وكذا قالوا في فتح أبواب السماء ليلة الإسراء، إلى غير ذلك من إنكارهم. . .، إلى آخر ما بسط في الجواب عنه.
قال الخطابي(3): انشقاق القمر آية عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء، وذلك أنه ظهر في ملكوت السماء خارجًا من جملة طباع ما في هذا العالم المركب من الطبائع، فليس مما يطمع في الوصول إليه بحيلة، فلذلك صار البرهان به أظهر. انتهى من "الفتح".
(37 - باب هجرة الحبشة)
أي: هجرة المسلمين من مكة إلى أرض الحبشة، وكان وقوع ذلك مرتين، وذكر أهل السير أن الأولى كانت في شهر رجب من سنة خمس من المبعث، وأن أول من هاجر منهم أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، وقيل: وامرأتان، وقيل: كانوا اثني عشر رجلًا، وقيل: عشرة، وأنهم خرجوا مشاةً إلى البحر، فاستأجروا سفينة بنصف دينار.
وذكر ابن إسحاق أن السبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه لما رأى المشركين يؤذونهم ولا يستطيع أن يكفهم عنهم: "إن بالحبشة ملكًا لا يظلم عنده أحد، فلو خرجتم إليه حتى يجعل الله لكم فرجًا"؛ فكان أول من خرج منهم عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج يعقوب بن سفيان بسند موصول إلى أنس قال: "أبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهما، فقدمت امرأة فقالت له: لقد رأيتهما وقد حمل عثمان امرأته على حمار، فقال: صحبهما الله إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط".--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (7/ 183).
(2) "فتح الباري" (7/ 185).
(3) "الأعلام" (3/ 1618).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٣٣)
قلت: وبهذا تظهر النكتة في تصدير البخاري الباب بحديث عثمان.
وقد سرد ابن إسحاق أسماءهم. ذكرها الحافظ إلى أن قال: ذكر ابن إسحاق وموسى بن عقبة وغيرهما من أهل السير أن المسلمين بلغهم وهم بأرض الحبشة أن أهل مكة أسلموا، فرجع ناس، منهم عثمان بن مظعون إلى مكة، فلم يجدوا ما أخبروا به من ذلك صحيحًا، فرجعوا وسار معهم جماعة إلى الحبشة، وهي الهجرة الثانية.
وسرد ابن إسحاق أسماء أهل الهجرة الثانية، وهم زيادة على ثمانين رجلًا.
وقال ابن جرير الطبري: كانوا اثنين وثمانين رجلًا سوى نسائهم وأبنائهم، وشك في عمار بن ياسر هل كان فيهم، وبه تكمل العدة ثلاثة وثمانين، وقيل: إن عدة نسائهم كانت ثماني عشرة امرأة. انتهى من "الفتح"(1).
وقال القسطلاني(2): ثم رجعوا عندما بلغهم عن المشركين سجودهم معه صلى الله عليه وسلم عند قراءة سورة النجم فلقوا من المشركين أشدّ مما عهدوا فهاجروا ثانية. انتهى.
قلت: وما ذكره الحافظ من أن الهجرة الأولى كانت سنة خمس من المبعث وافقه في ذلك القسطلاني، وهكذا في "المواهب اللدنية"(3)، وذكر صاحب "الخميس"(4): أن الأولى كانت في السنة الرابعة أو الخامسة.
(38 - باب موت النجاشي)
قال الحافظ(5): تقدم ذكر اسمه واسم أبيه في "الجنائز"، وأن النجاشي لقب من ملك الحبشة، ولقبه الآن الحطي بفتح الحاء وكسر الطاء--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (7/ 188، 189).
(2) "إرشاد الساري" (8/ 388).
(3) "المواهب اللدنية" (1/ 240).
(4) "تاريخ الخميس" (1/ 288).
(5) "فتح الباري" (7/ 191).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٣٤)
الخفيفة المهملتين آخره تحتية خفيفة، وأفاد ابن التين: أن النجاشي بسكون الياء؛ يعني: أنها أصلية لا ياء النسب، وحكى غيره تشديدها أيضًا، وحكى ابن دحية كسر نونه. وذكر موته ههنا استطرادًا لكون المسلمين هاجروا إليه، وإنما وقعت وفاته بعد الهجرة سنة تسع عند الأكثر، وقيل: سنة ثمان قبل فتح مكة كما ذكره البيهقي في "دلائل النبوة".
وقد استشكل كونه لم يترجم بإسلامه - وهذا موضعه - وترجم بموته، وإنما مات بعد ذلك بزمن طويل! والجواب: أنه لما لم يثبت عنده القصة الواردة في صفة إسلامه، وثبت عنده الحديث الدال على إسلامه، وهو صريح في موته ترجم به ليستفاد من الصلاة عليه أنه كان قد أسلم. انتهى.
أقول: فكأن هذه الترجمة تتمة للسابقة؛ لأن هجرة المسلمين إلى الحبشة إنما كانت لأجل النجاشي رضي الله تعالى عنه لكونه مأمنًا لهم.
وقال القسطلاني(1) بعد ذكر الحديث: هذا النجاشي هو الذي هاجر إليه المسلمون، وكتب له صلى الله عليه وسلم كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام مع عمرو بن أمية سنة ست من الهجرة، وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب، وأما النجاشي الذي ولي بعده الحبشة فكان كافرًا لم يعرف له إسلام ولا اسم. انتهى.
(39 - باب تقاسم المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم -)
قال القسطلاني(2): سقط لفظ "باب" لأبي ذر، "وتقاسم المشركين"؛ أي: تحالفهم.
ثم قال في شرح الحديث: قوله: "حيث تقاسموا على الكفر" زاد في الحج: وذلك أن قريشًا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب أو بني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي "السيرة": وكتبوا بذلك كتابًا بخط بغيض بن عامر بن هاشم--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (8/ 395).
(2) "إرشاد الساري" (8/ 396).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٣٥)