وعلقوه في جوف الكعبة، وتمادوا على العمل بما فيه من ذلك ثلاث سنين، فاشتد البلاء على بني هاشم في شعبهم، وعلى كل من معهم، فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم قوم من قصي ممن ولدتهم بنو هاشم ومن سواهم، فأجمعوا أمرهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة، وبعث الله على صحيفتهم الأرضة فأكلت ولحست ما فيها من ميثاق وعهد، وبقي ما كان فيها من ذكر الله عز وجل، وأطلع الله تعالى نبيه على ذلك، فأخبر عمه أبا طالب بذلك. فقال: أربُّك أخبرك بذلك؟ قال: نعم؛ فقال أبو طالب: لا والثواقب ما كذبتني. ثم خرج أبو طالب فقال: يا معشر قريش إن ابن أخي أخبرني أن الله عز وجل قد سلط على صحيفتكم الأرضة، فإن كان كما يقول: فوالله لا نسلمه حتى نموت من عند آخرنا، وإن كان الذي يقول باطلًا دفعنا إليكم صاحبنا قتلتم أو استحييتم؛ فقالوا: قد رضينا بالذي تقول؛ ففتحوا الصحيفة فوجدوها كما أخبر، فقالوا: هذا سحر ابن أخيك. وزادهم ذلك بغيًا وعدوانًا. انتهى.
قال الحافظ(1): كان ذلك التقاسم أول يوم من المحرم سنة سبع من البعثة، وكان النجاشي قد جهز جعفرًا ومن معه، فقدموا والنبي صلى الله عليه وسلم بخيبر، وذلك في صفر منها، فلعله مات بعد أن جهزهم، وفي "الدلائل" للبيهقي: أنه مات قبل الفتح، وهو أشبه. ثم بسط الحافظ في تفصيل القصة والاختلاف في زمان ابتداء حصرهم، وكذا في مدته وغير ذلك، ثم قال: ولما لم يثبت عند البخاري شيء من هذه القصة اكتفى بإيراد حديث أبي هريرة؛ لأن فيه دلالة على أصل القصة لأن الذي أورده أهل المغازي من ذلك كالشرح لقوله في الحديث: "تقاسموا على الكفر". انتهى.
قلت: وذكر صاحب "مجمع البحار"(2) هذه القصة من وقائع السنة الثامنة.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (7/ 192، 193).
(2) "مجمع بحار الأنوار" (5/ 271).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٣٦)
(40 - باب قصة أبي طالب)
واسمه عند الجميع عبد مناف، وشذّ من قال: عمران، بل هو قول باطل، نقله ابن تيمية في "كتاب الرد على الرافضي": أن بعض الروافض زعم أن قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ} [آل عمران: 33]: إن "آل عمران" هم آل أبي طالب، وأن اسم أبي طالب عمران، واشتهر بكنيته، وكان شقيق عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك أوصى به عبد المطلب عند موته إليه فكفله إلى أن كبر، واستمر على نصره بعد أن بعث إلى أن مات أبو طالب، وقد ذكرنا أنه مات بعد خروجهم من الشعب، وذلك في آخر السنة العاشرة من المبعث، وكان يذب عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويرد عنه كل من يؤذيه، وهو مقيم مع ذلك على دين قومه. انتهى من "الفتح"(1).
(41 - حديث الإسراء. . .) إلخ
قال ابن دحية: جنح البخاري إلى أن ليلة الإسراء كانت غير ليلة المعراج؛ لأنه أفرد لكل منهما ترجمة.
قلت: ولا دلالة في ذلك على التغاير عنده، بل كلامه في أول الصلاة ظاهر في اتحادهما، وذلك أنه ترجم: "باب كيف فرضت الصلاة ليلة الإسراء"، والصلاة إنما فرضت في المعراج، فدل على اتحادهما عنده، وإنما أفرد كلًّا منهما بترجمة؛ لأن كلَّا منهما يشتمل على قصة مفردة، وإن كان وقعا معًا.
وقد روى كعب الأحبار أن باب السماء الذي يقال له: مصعد الملائكة يقابل بيت المقدس، فأخذ منه بعض العلماء أن الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس قبل العروج ليحصل العروج مستويًا من غير--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (7/ 193، 194).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٣٧)
تعويج! وفيه نظر؛ لورود أن في كل سماء بيتًا معمورًا، وأن الذي في السماء الدنيا حيال الكعبة، وكان المناسب أن يصعد من مكة ليصل إلى البيت المعمور بغير تعويج؛ وقد ذكر غيره مناسبات أخرى ضعيفة، ذكرها الحافظ، ثم قال: وقد اختلف السلف، فمنهم من ذهب إلى أن الإسراء والمعراج وقعا في ليلة واحدة في اليقظة بجسد النبي صلى الله عليه وسلم وروحه بعد المبعث، وإلى هذا ذهب الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء والمتكلمين، إلى آخر ما بسط في "الفتح"(1) من المباحث مما يتعلق بالإسراء، وأزيد منه العلامة القسطلاني في "المواهب اللدنية"(2)، فإنه أجاد الكلام مختصرًا على حديث الإسراء، وتكلم على كل جزء من أجزائه، وبسط شارحه العلامة الزرقاني(3)، وسيأتي الاختلاف في زمان وقوعه في الباب الآتي.
(42 - باب المعراج)
كذا للأكثر، وللنسفي "قصة المعراج"، وهو بكسر الميم، وحكي ضمها، من عرج بفتح الراء، يعرج بضمها: إذا صعد.
وقد اختلف في وقت المعراج، فقيل: كان قبل المبعث وهو شاذ، إلا إن حمل على أنه وقع حينئذٍ في المنام كما تقدم. وذهب الأكثر إلى أنه كان بعد المبعث، ثم اختلفوا فقيل: قبل الهجرة بسنة، قاله ابن سعد وغيره، وبه جزم النووي، وبالغ ابن حزم فنقل الإجماع فيه، وهو مردود؛ فإن في ذلك اختلافًا كثيرًا يزيد على عشرة أقوال، منها ما حكاه ابن الجوزي أنه كان قبلها بثمانية أشهر، وقيل: بستة أشهر، وقيل: بأحد عشر شهرًا، جزم به إبراهيم الحربي حيث قال: كان في ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، ورجحه--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (7/ 196 - 198).
(2) "المواهب اللدنية" (1/ 273 - 275) و (3/ 7 - 117).
(3) "شرح المواهب اللدنية" (8/ 4).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٣٨)
ابن المنير في "شرح السيرة" لابن عبد البر، وقيل: قبل الهجرة بسنة وشهرين، حكاه ابن عبد البر، وقيل: قبلها بسنة وثلاثة أشهر، حكاه ابن فارس، وقيل: بسنة وخمسة أشهر، قال السدي، وأخرجه من طريقه الطبري والبيهقي، وعلى هذا كان في شوال، أو في رمضان على إلغاء الكسرين منه ومن ربيع الأول، وبه جزم الواقدي، وعلى ظاهره ينطبق ما ذكره ابن قتيبة، وحكاه ابن عبد البر أنه كان قبلها بثمانية عشر شهرًا، وعند ابن سعد عن ابن أبي سبرة: أنه كان في رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرًا، وقيل: كان في رجب، حكاه ابن عبد البر وجزم به النووي في "الروضة"، وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين، خطاه ابن الأثير، وحكى عياض وتبعه القرطبي والنووي عن الزهري: أنه كان قبل الهجرة بخمس سنين، ورجحه عياض ومن تبعه، واحتج بأنه لا خلاف أن خديجة صلت معه بعد فرض الصلاة، ولا خلاف أنها توفيت قبل الهجرة إما بثلاث أو نحوها وإما بخمس، ولا خلاف أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء.
قلت: في جميع ما نفاه من الخلاف نظر:
أما أولًا: فإن العسكري حكى أنها ماتت قبل الهجرة بسبع سنين، وقيل: بأربع، وعن ابن الأعرابي: أنها ماتت عام الهجرة.
وأما ثانيًا: فإن فرض الصلاة اختلف فيه، فقيل: كان من أول البعثة، وكان ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، وإنما الذي فرض ليلة الإسراء الصلوات الخمس.
وأما ثالثًا: فقد تقدم في ترجمة خديجة في الكلام على حديث عائشة في بدء الخلق: أن عائشة جزمت بأن خديجة ماتت قبل أن تفرض الصلاة.
وأما رابعًا: ففي سنة موت خديجة اختلاف آخر، فحكى العسكري عن الزهري: أنها ماتت لسبع مضين من البعثة، وظاهره أن ذلك قبل الهجرة بست سنين، فرعه العسكري على قول من قال: إن المدة بين البعثة والهجرة
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٣٩)
كانت عشرًا. انتهى كله من "الفتح"(1).
وبسط الحافظ الكلام في شرح حديث الباب أشد البسط. وذكر قصة المعراج صاحب "مجمع البحار"(2) في السنة الثانية عشر من المبعث، وكذا صاحب "الخميس"(3).
ومن المباحث التي ذكرها العلماء في حديث المعراج ما قال الحافظ(4) وبسطه شارح "المواهب"(5) أيضًا: وقد اختلف في الحكمة في اختصاص كل من الأنبياء بالسماء التي التقاه بها، فقيل: ليظهر تفاضلهم في الدرجات، وقيل: لمناسبة تتعلق بالحكمة في الاقتصار على هؤلاء دون غيرهم من الأنبياء، فقيل: أمروا بملاقاته، فمنهم من أدركه في أول وهلة، ومنهم من تأخر فلحق، ومنهم من فاته، وهذا زيَّفه السهيلي فأصاب. وقيل: الحكمة في الاقتصار على هؤلاء المذكورين للإشارة إلى ما سيقع له صلى الله عليه وسلم مع قومه من نظير ما وقع لكل منهم، ثم بسطه الحافظ.
(43 - باب وفود الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمكة)
قال العلامة العيني(6): أي هذا باب في بيان وفود الأنصار؛ أي: قدومهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، قوله: "وبيعة العقبة"؛ أي: التي ينسب إليها جمرة العقبة، وهي بمنى، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل في كل موسم، وأنه أتى كندة وبني حنيفة وبني كلب وبني عامر بن صعصعة وغيرهم، فلم يجب أحد منهم إلى ما سأل، وقال موسى بن عقبة عن الزهري: كان يقول لهم: لا أكره أحدًا منكم على شيء، بل أريد أن تمنعوا من يؤذيني حتى أبلغ رسالة ربي. فلا يقبله أحد، بل يقولون: قوم الرجل أعلم به. فبينا هو عند العقبة إذ لقي رهطًا من الخزرج، فدعاهم إلى الله--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (7/ 203).
(2) "مجمع بحار الأنوار" (5/ 273).
(3) "تاريخ الخميس" (1/ 306).
(4) "فتح الباري" (7/ 210).
(5) "شرح المواهب اللدنية" (8/ 142).
(6) "عمدة القاري" (11/ 610).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٤٠)
تعالى، فأجابوه، فجاء في العام المقبل اثنا عشر رجلًا إلى الموسم من الأنصار، أحدهم عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، فاجتمعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة، وبايعوه وهي بيعة العقبة الأولى، فجاء في العام الآخر سبعون إلى الحج، فواعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما اجتمعوا أخرجوا من كل فرقة نقيبًا فبايعوه ثمة ليلًا، وهي البيعة الثانية. انتهى من "العيني".
وذكر صاحب "مجمع بحار الأنوار" في السنة الحادية عشر النبوية أنه صلى الله عليه وسلم على دأبه كان يعرض نفسه على القبائل موسم الحج، ويقول: من ينصرني ويأخذني معه حتى أؤدي كلام ربي، فلقي رهطًا من الخزرج ودعاهم، فآمنوا وكانوا ستة من أسعد بن زرارة، وفي الثانية عشر كانت بيعة العقبة الأولى حيث قدم من الأنصار اثنا عشر أحدهم عبادة بن الصامت، وفي الثالثة عشر كانت بيعة العقبة الثانية، وكانوا سبعين رجلًا وامرأتين. انتهى. كما تقدم في الجزء الثاني من كتاب الإيمان، وبسط الكلام في "الفتح".
(44 - باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها -)
وفي "تاريخ الخميس"(1): وفي شوال هذه السنة - أي: العاشرة من النبوة - تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة وعائشة.
وفي "أسد الغابة" لابن الأثير: تزوج صلى الله عليه وسلم بعد خديجة سودة بنت زمعة، قال الزهري: تزوجها قبل عائشة وهو بمكة، وبنى بها بمكة أيضًا، وقال غيره: تزوج عائشة قبل سودة، وإنما ابتنى بسودة قبل عائشة لصغر عائشة، وتزوج عائشة بمكة وبنى بها بالمدينة سنة اثنين.
وفي "المواهب اللدنية": تزوج سودة بمكة بعد موت خديجة قبل أن يعقد على عائشة. هذا قول قتادة وأبي عبيدة، ولم يذكر ابن قتيبة غيره،--------------------------------------------
(1) "تاريخ الخميس" (1/ 305).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٤١)
ويقال: تزوجها بعد عائشة، ويجمع بين القولين بأنه صلى الله عليه وسلم عقد على عائشة قبل سودة ودخل بسودة قبل عائشة، والتزويج يطلق على كل واحد من العقد والدخول.
وفي "سيرة اليعمري" تزوج عائشة بمكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث، وهي بنت ست أو سبع، إلى آخر ما بسط.
ثم قال(1) في وقائع السنة الأولى من الهجرة: وفي هذه السنة بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة، وكان البناء بها على رأس تسعة أشهر، وقيل: ثمانية عشر شهرًا في شوال، كذا في "المواهب اللدنية" و"تاريخ اليافعي"، وكذا في "الوفاء" من غير لفظ شوال.
وفي "المشكاة": عن عائشة أنها قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال وبنى بي في شوال، فأي نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحظى عنده مني.
وقيل: البناء بها في الثامن والعشرين من ذي الحجة، وقيل: زفافها وقع في السنة الثانية. والأول أصح، وكان البناء بها يوم الأربعاء ضحى في منزل أبي بكر بالسنح. انتهى.
قوله: (فلبث سنتين أو قريبًا من ذلك. . .) إلخ، قال الكرماني(2): فإن قلت: كيف يصح ذلك وخديجة ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين؟ فإذا نكحها بعد ذلك بثلاث كان نكاحها حال الهجرة أو بعدها وهو خلاف ما اتفقوا عليه؟ قلت: قد نقل أيضًا أنها توفيت قبل الهجرة بخمس سنين، وقد قال: أو قريبًا من ذلك، ولا يخفى عليك أن الحديث مرسل. انتهى.
وكتب الشيخ قدس سره في "اللامع"(3): قوله: "أو قريبًا من ذلك"؛ يعني بالقرب في جانب الزيادة لا النقصان كما يشهد به الروايات. انتهى.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف أنه لا إشكال في حديث البخاري--------------------------------------------
(1) "تاريخ الخميس" (1/ 357، 358).
(2) "شرح الكرماني" (15/ 109).
(3) "لامع الدراري" (8/ 224).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٤٢)
هذا أصلًا، بل فيه بيان لموت خديجة ونكاح عائشة رضي الله عنهما، وقوله: "فلبث سنتين" توضيح لما سبق من قوله: "بثلاث سنين"، والمعنى أنها رضي الله عنها توفيت قبل الهجرة بثلاث سنين، فلبث النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاتها بمكة سنتين أو أكثر من ذلك، وأما نكاح عائشة والبناء بها فأمر مستقبل، والمعنى: أنه صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت ست في شوال من السنة العاشرة النبوية التي توفيت فيها خديجة، وبنى بها في شوال من السنة الأولى الهجرية، وهي بنت تسع، وعلى هذا فلا يرِد على الحديث إشكال ولا يرِد عليه مخالفة؛ لما رجحه المحققون في نكاح عائشة والبناء بها. انتهى.
(45 - باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم -)
قال القسطلاني(1): بإذن الله عز وجل له في ذلك بقوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} [الإسراء: 80] بعد بيعة العقبة بشهرين وبضعة عشر يومًا.
قوله: (وأصحابه) أبي بكر وعامر بن فهيرة وصاحبين له من مكه (إلى المدينة) وكان قد هاجر بين العقبتين جماعة ابن أم مكتوم وغيره. انتهى.
زاد الحافظ(2): ذكر الحاكم أن خروجه صلى الله عليه وسلم من مكة كان بعد بيعة العقبة بثلاثة أشهر أو قريبًا منها، وجزم ابن إسحاق بأنه خرج أول يوم من ربيع الأول، فعلى هذا يكون بعد البيعة بشهرين وبضعة عشر يومًا، وكذا جزم به الآمدي في المغازي عن ابن إسحاق، فقال: كان مخرجه من مكة بعد العقبة بشهرين وليال، قال: وخرج لهلال ربيع الأول وقدم المدينة لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول، قلت: وعلى هذا خرج يوم الخميس، وأما أصحابه فتوجَّه معه أبو بكر الصديق وعامر بن فهيرة، وتوجَّه قبل ذلك بين العقبتين جماعة منهم ابن أم مكتوم، ويقال: إن أول من هاجر إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأشهل المخزومي زوج أم سلمة، وقدم المدينة--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (8/ 419).
(2) "فتح الباري" (7/ 227، 228).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٤٣)
بكرة، وقدم بعده عامر بن ربيعة عشية، ثم توجَّه مصعب بن عمير ليفقه من أسلم من الأنصار، ثم كان أول من هاجر بعد بيعة العقبة عامر بن ربيعة على ما ذكر ابن إسحاق، وسيأتي ما يخالفه في الباب الذي يليه وهو قول البراء: أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير. . . إلخ، ثم توجه باقي الصحابة شيئًا فشيئًا كما سيأتي في الباب الذي يليه، ثم لما توجَّه النبي صلى الله عليه وسلم واستقر بها خرج من بقي من المسلمين، وكان المشركون يمنعون من قدروا على منعه منهم، فكان أكثرهم يخرج سرًّا إلى أن لم يبق منهم بمكة إلا من غلب على أمره من المستضعفين. انتهى من "الفتح".
وفي "تاريخ الخميس"(1): قال أصحاب السير: لما استقر رأي قريش بعد المشاورة على قتله صلى الله عليه وسلم أتاه جبرئيل وأخبره بذلك، وقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، وأذن الله عند ذلك بالخروج إلى المدينة، كذا في "معالم التنزيل"، وفي رواية: قال له جبريل: إن الله يأمرك بالهجرة.
وفي "شواهد النبوة" لما أمر صلى الله عليه وسلم بالهجرة سأل جبرئيل عمن يهاجر معه، قال: أبو بكر الصديق؛ فمن ذلك اليوم سماه الله صديقًا؛ وعن ابن عباس قال: إن الله آذن نبيه في الهجرة بهذه الآية {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ} الآية [الإسراء: 80]، أخرجه الترمذي وصححه والحاكم، كذا في "الوفاء" و"المواهب اللدنية". انتهى مختصرًا.
ثم ذكر المصنف في الباب نحوًا من ستة وعشرين حديثًا.
وقال الحافظ(2) في شرح أثر عائشة: "لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفرّ أحدهم بدينه. . ." إلخ: أشارت عائشة إلى بيان مشروعية الهجرة، وأن سببها خوف الفتنة، والحكم يدور مع علته، فمقتضاه: أن من قدر على عبادة الله في أي موضع اتفق لم تجب عليه الهجرة منه وإلا وجبت. ومن--------------------------------------------
(1) "تاريخ الخميس" (1/ 322، 323).
(2) "فتح الباري" (7/ 229).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٤٤)
ثم قال الماوردي: إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر فقد صارت البلد به دار إسلام، فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها لما يترجى من دخول غيره في الإسلام.
وقال الخطابي: كانت الهجرة؛ أي: إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام مطلوبة، ثم افترضت لما هاجر إلى المدينة إلى حضرته للقتال معه وتعلم شرائع الدين، وقد أكد الله ذلك في عدة آيات حتى قطع الموالاة بين من هاجر ومن لم يهاجر، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} [الأنفال: 72]، فلما فتحت مكة ودخل الناس في الإسلام من جميع القبائل سقطت الهجرة الواجبة وبقي الاستحباب، إلى آخر ما في "الفتح".
قوله في حديث أنس: (أقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو مردف أبا بكر رضي الله عنه. . .) إلخ، قال العلامة السندي(1): كأنه وقع كذلك أحيانًا. أو المعنى: أن راحلته متأخرة عن راحلة النبي صلى الله عليه وسلم وإلا فهما كانا على راحلتين على مقتضى الأحاديث الأخر. انتهى.
وبسط الكلام عليه في هامش "اللامع"(2) في كتاب المغازي. قوله: (إذا قيل له: هاجر قبل أبيه يغضب. . .) إلخ، يشكل عليه ما سيأتي في بيعة الحديبية أنه رد على من قال: إنه أسلم قبل أبيه، وسيأتي الجمع هناك إن شاء الله تعالى.
(46 - باب مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة)
قال العلامة العيني(3): أي هذا باب في بيان قدوم النبي صلى الله عليه وسلم وقدوم أصحابه المدينة. وكان وصول النبي إلى قباء يوم الاثنين أول شهر ربيع--------------------------------------------
(1) "صحيح البخاري مع حاشية السندي" (2/ 334).
(2) "لامع الدراري" (8/ 381).
(3) "عمدة القاري" (11/ 646).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٤٥)
الأول، ومر الكلام فيه عن قريب، وكان وصول أكثر أصحابه قبله، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على كلثوم [بن الهدم]، قاله ابن شهاب، وقيل: نزل على سعد بن خيثمة وجمع بينهما بأن نزوله كان على كلثوم وكان يجلس مع أصحابه عند سعد بن خيثمة؛ لأنه كان أعزب، وكان يقال لبيته: بيت العزاب، قال ابن شهاب: وبلغ علي بن أبي طالب نزوله أمنًا بقباء، فركب راحلته فلحق به وهو بقباء. انتهى.
وشرح العلامة القسطلاني(1) الترجمة بقوله: "باب مقدم النبي صلى الله عليه وسلم" إلى قباء يوم الاثنين أول ربيع الأول، وقيل: في ثامنه، "ومقدم" أكثر "أصحابه المدينة" قبله. انتهى.
وقال الحافظ(2) تحت الباب: تقدم بيان الاختلاف فيه في آخر شرح حديث عائشة الطويل في شأن الهجرة، وقال هناك: دخل المدينة بعد أن استهل ربيع الأول، ثم قال: أقل ما قيل: إنه دخل في اليوم الأول منه، وأكثر ما قيل: إنه دخل في الثاني عشر منه.
وقال أيضًا في شرح قوله: "حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف": ومنازلهم بقباء، وهي على فرسخ من المسجد النبوي بالمدينة، وكان نزوله على كلثوم بن الهرم(3)، وقيل: كان يومئذٍ مشركًا، وجزم به محمد بن الحسن بن زبالة في "أخبار المدينة".
قوله: (وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول) وهذا هو المعتمد. وشذّ من قال: يوم الجمعة.
في رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب "قدمها لهلال ربيع الأول"؛--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (8/).
(2) "فتح الباري" (7/ 260) و (7/ 247) و (7/ 243، 244).
(3) كذا في "الفتح"، والصواب: "الهدم" كما في "العيني" (11/ 646)، و"الطبقات" (1/ 233)، و"أسد الغابة" (1/ 428).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٤٦)
أي: أول يوم منه. وفي رواية جرير بن حازم عن ابن إسحاق: "قدمها لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول". ونحوه عند أبي معشر لكن قال: "ليلة الاثنين". ومثله عن ابن البرقي، وثبت كذلك في أواخر "صحيح مسلم". وفي رواية إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق: "قدمها لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول". وعند أبي سعيد في "شرف المصطفى" من طريق أبي بكر بن حزم: "قدم لثلاث عشرة من ربيع الأول". فهذا يجمع بينه وبين الذي قبله بالحمل على الاختلاف في رؤية الهلال.
وعنده من حديث عمر: "ثم نزل على بني عمرو بن عوف يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ربيع الأول"، كذا فيه، ولعله كان فيه "خلتا" ليوافق رواية جرير بن حازم.
وعن ابن شهاب "في نصف ربيع الأول"، وقيل: كان قدومه في سابعه، وجزم ابن حزم بأنه خرج من مكة لثلاث ليال بقين من صفر، وهذا يوافق قول هشام بن الكلبي: "إنه خرج من الغار ليلة الاثنين أول يوم من ربيع الأول" فإن كان محفوظًا فلعل قدومه قباء كان يوم الاثنين ثامن ربيع الأول، وإذا ضم إلى قول أنس: "إنه أقام بقباء أربع عشرة ليلة" خرج منه أن دخوله المدينة كان لاثنين وعشرين منه، لكن الكلبي جزم بأنه دخلها لاثنتي عشرة خلت منه، فعلى قوله تكون إقامته بقباء أربع ليال فقط، وبه جزم ابن حبان فإنه قال: "أقام بها الثلاثاء والأربعاء والخميس"؛ يعني: وخرج يوم الجمعة، فكأنه لم يعتد بيوم الخروج، ولا الدخول. وعن قوم من بني عمرو بن عوف: أنه أقام فيهم اثنين وعشرين يومًا، حكاه الزبير بن بكار. والأكثر أنه قدم نهارًا، ووقع في رواية مسلم ليلًا، ويجمع بأن القدوم كان آخر الليل فدخل نهارًا. انتهى من "الفتح"(1).
وفي "تاريخ الخميس"(2): وفي سيرة أبي محمد عبد الملك بن هشام--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (7/ 244).
(2) "تاريخ الخميس" (1/ 337).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٤٧)
عن محمد بن إسحاق المطلبي قال: قدم علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين حين اشتد ضحى وكادت الشمس تعتدل لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول وهو التاريخ فيما قاله ابن هشام إلى آخر ما بسط.
وقال أيضًا قبل: كان أول ما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم: "أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام".
وأكثر أهل السير أن ذلك اليوم كان يوم الاثنين، وشذّ من قال: يوم الجمعة من ربيع الأول في الضحوة الكبرى قريبًا من نصف النهار، وبسط الكلام أيضًا على مدة إقامته صلى الله عليه وسلم بقباء.
(47 - باب إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه)
أي: من حج أو عمرة.
قال الحافظ(1): قوله: "ثلاث للمهاجر بعد الصدر" بفتح المهملتين؛ أي: بعد الرجوع من منى.
وفقه هذا الحديث: أن الإقامة بمكة كانت حرامًا على من هاجر منها قبل الفتح، لكن أبيح لمن قصدها منهم بحج أو عمرة أن يقيم بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام لا يزيد عليها، ولهذا رثى النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن خولة أن مات بمكة، ويستنبط من ذلك أن إقامة ثلاثة أيام لا تخرج صاحبها عن حكم المسافر.
وفي كلام الداودي اختصاص ذلك بالمهاجرين الأولين، ولا معنى لتقييده بالأولين. قال النووي: معنى هذا الحديث: أن الذين هاجروا يحرم عليهم استيطان مكة. وحكى عياض(2) أنه قول الجمهور. قال: وأجازه لهم جماعة - يعني بعد الفتح - فحملوا هذا القول على الزمن الذي كانت الهجرة--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (7/ 267).
(2) "الإكمال" (4/ 467).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٤٨)
المذكورة واجبة فيه، قال: واتفق الجميع على أن الهجرة قبل الفتح كانت واجبة [عليهم]، وأن سكنى المدينة كان واجبًا لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم ومواساته بالنفس، وأما غير المهاجرين فيجوز له سكنى أي بلد أراد سواء مكة وغيرها بالاتفاق. انتهى كلام القاضي. ويستثنى من ذلك من أذن له النبي صلى الله عليه وسلم بالإقامة في غير المدينة.
وقال القرطبي(1): المراد بهذا الحديث: من هاجر من مكة إلى المدينة لنصر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يعني به من هاجر من غيرها؛ لأنه خرج جوابًا عن سؤالهم لما تحرجوا من الإقامة بمكة إذ كانوا قد تركوها لله تعالى، فأجابهم بذلك، وأعلمهم أن إقامة الثلاث ليس بإقامة، قال: والخلاف الذي أشار إليه عياض كان فيمن مضى. انتهى.
(48 - باب)
بغير ترجمة، هكذا في النسخ الهندية بغير ترجمة، وهكذا في نسخة الكرماني والقسطلاني.
وفي نسخة "الفتح" والعيني: "باب التاريخ من أين أرخوا التاريخ؟ ".
قال الحافظ(2): قال الجوهري: التاريخ: تعريف الوقت، والتوريخ مثله؛ تقول: أرخت وورخت، وقيل: اشتقاقه من الأرخ وهو الأنثى من بقر الوحش؛ كأنه شيء حدث كما يحدث الولد، وقيل: هو معرب، ويقال: أول ما أحدث التاريخ من الطوفان.
[قوله]: (من أين أرخوا التاريخ؟) كأنه يشير إلى اختلاف في ذلك، وقد روى الحاكم في "الإكليل" بسنده عن الزهري: "أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة أمر بالتاريخ فكتب في ربيع الأول"، وهذا معضل، والمشهور خلافه كما سيأتي، وأن ذلك كان في خلافة عمر. وأفاد السهيلي: أن الصحابة--------------------------------------------
(1) "المفهم" (3/ 467).
(2) "فتح الباري" (7/ 268).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٤٩)
أخذوا التاريخ بالهجرة من قوله تعالى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} [التوبة: 108]؛ لأنه من المعلوم أنه ليس أول الأيام مطلقًا، فتعين أنه أضيف إلى شيء مضمر، وهو أول الزمن الذي عز فيه الإسلام، وعبَدَ فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم ربَّه آمنا، وابتدأ بناء المسجد، فوافق رأي الصحابة ابتداء التاريخ من ذلك اليوم، وفهمنا من فعلهم أن قوله تعالى: {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} أنه أول أيام التاريخ الإسلامي، كذا قال، والمتبادر أن معنى قوله: {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ}؛ أي: دخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة، والله أعلم.
قوله: (إلا من مقدمه المدينة)؛ أي: زمن قدومه، ولم يرد شهر قدومه؛ لأن التاريخ إنما وقع من أول السنة، وقد أبدى بعضهم للبداءة بالهجرة مناسبة فقال: كانت القضايا التي اتفقت له ويمكن أن يؤرخ بها أربعة: مولده ومبعثه وهجرته ووفاته، فرجح عندهم جعلها من الهجرة؛ لأن المولد والمبعث لا يخلو واحد منهما من النزاع في تعيين السنة، وأما وقت الوفاة فأعرضوا عنه لما توقع بذكره من الأسف عليه، فانحصر في الهجرة، وإنما أخروه من ربيع الأول إلى المحرم؛ لأن ابتداء العزم على الهجرة كان في المحرم إذ البيعة وقعت في أثناء ذي الحجة، وهي مقدِّمة الهجرة، فكان أول هلال استهل بعد البيعة والعزم على الهجرة هلال المحرم، فناسب أن يجعل مبتدأ، وهذا أقوى ما وقفت عليه من مناسبة الابتداء بالمحرم.
وذكروا في سبب عمل عمر التاريخ أشياء، منها: ما أخرجه أبو نعيم في "تاريخه"، ومن طريقه الحاكم من طريق الشعبي: أن أبا موسى كتب إلى عمر: أنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر الناس فقال بعضهم: أرخ بالمبعث، وبعضهم: أرخ بالهجرة؛ فقال عمر: الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرخوا بها. وذلك سنة سبع عشرة، فلما اتفقوا قال بعضهم: ابدءوا برمضان؛ فقال عمر: بل بالمحرم فإنه منصرف الناس من حجهم؛ فاتفقوا عليه. وقيل: أول من أرخ التاريخ يعلى بن أمية حيث كان باليمن، أخرجه أحمد بإسناد صحيح، لكن فيه انقطاع، وذكر روايات أخر، ثم قال:
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٥٠)
فاستفدنا من مجموع هذه الآثار أن الذي أشار بالمحرم عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، انتهى من "الفتح".
ومناسبة حديث عائشة ثاني حديثي الباب بالترجمة مما يحتاج إلى بيان، ولم يتعرض له الحافظ ولا القسطلاني، وقال العلامة العيني(1): لما كان البابان السابقان داخلين في باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم جاءت المناسبة لذكر هذا الحديث ههنا، انتهى.
(49 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم أمض لأصحابي هجرتهم")
قال الحافظ(2): قوله: (ومرثيته. . .) إلخ، بتخفيف التحتانية وهو عطف على قول، والمرثية تعديد محاسن الميت، والمراد هنا التوجع له لكونه مات في البلد التي هاجر منها، وقد تقدم بيان الحكمة في ذلك قبل بباب، انتهى.
(50 - باب كيف آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه. . .) إلخ
تقدم في "مناقب الأنصار": "باب آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار"، ولا يتوهم التكرار بينهما لاختلاف المقاصد، فإن الغرض من الأول بيان فضيلة الأنصار، والمقصود ههنا ما وقع بعد الهجرة، وفرق آخر وهو أن المقصود هناك ذكر المؤاخاة نفسها، وههنا بيان كيفيتها.
قال الحافظ(3): قال ابن عبد البر: كانت المؤاخاة مرتين: مرة بين المهاجرين خاصة وذلك بمكة، ومرة بين المهاجرين والأنصار فهي المقصودة هنا. وذكر ابن سعد بأسانيد الواقدي إلى جماعة من التابعين قالوا: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة آخى بين المهاجرين، وآخى بين المهاجرين والأنصار على المواساة، وكانوا يتوارثون، وكانوا تسعين نفسًا بعضهم من--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (11/ 665).
(2) "فتح الباري" (7/ 269).
(3) "فتح الباري" (7/ 270).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٥١)
المهاجرين وبعضهم من الأنصار، وقيل: كانوا مائة، فلما نزل {وَأُولُو الْأَرْحَامِ} [الأنفال: 75] بطلت المواريث بينهم بتلك المؤاخاة.
قال الحافظ: قال السهيلي: آخى [صلى الله عليه وسلم] بين أصحابه ليذهب عنهم وحشة الغربة ويتأنسوا من مفارقة الأهل والعشيرة، ويشدُّ بعضهم أزر بعض، فلما عزَّ الإسلام واجتمع الشمل وذهبت الوحشة أبطل المواريث، وجعل المؤمنين كلهم إخوة، وأنزل {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]؛ يعني: في التوادد وشمول الدعوة.
واختلفوا في ابتدائها، فقيل: بعد الهجرة بخمسة أشهر، وقيل: بتسعة، وقيل: وهو يبني المسجد، وقيل غير ذلك. وعند أبي سعيد في "شرف المصطفى": كان الإخاء بينهم في المسجد، وأنكر ابن تيمية في "كتاب الرد على ابن المطهر الرافضي" المؤاخاة بين المهاجرين، وخصوصًا مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم لعلي، قال: لأن المؤاخاة شرعت لإرفاق بعضهم بعضًا، ولتأليف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم لأحد منهم، ولا لمؤاخاة مهاجري لمهاجريّ وهذا ردٌّ للنص بالقياس، وإغفال عن حكمة المؤاخاة؛ إلى آخر ما قال في "الفتح"(1).
(51 - باب)
بغير ترجمة، كذا لهم بغير ترجمة، وهو كالفصل من الباب الذي بعده، ولعله كان بعده، قاله الحافظ(2). وقال العلامة العيني(3): هو كالفصل للباب الذي قبله، وقال بعد ذكر الحديث: مطابقته للترجمة لباب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرة، وذلك أنا قد ذكرنا أن الأبواب المذكورة بعد "باب هجرة النبي" كلها تابعة لباب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (7/ 270).
(2) "فتح الباري" (7/ 273).
(3) "عمدة القاري" (11/ 658).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٥٢)
(52 - باب إتيان اليهود النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة)
قال العيني(1): قوله: "هادوا صاروا يهود. . ." إلخ، مشى البخاري ههنا على عادته في ذكر ألفاظ من القرآن مما يماثل لفظ الحديث، فإن قوله: {هَادُوا} مذكورين في قوله: {وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} [المائدة: 41] ومعناه هنا: صاروا يهود، وأما قوله: {هُدْنَا فمذكور في قوله: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: 156] ومعناه: تُبنا إليك، وكذا فسَّر أبو عبيدة اللفظين المذكورين. انتهى.
قال الحافظ(2): وذكر ابن عائذ من طريق عروة: أن أول من أتاه منهم أبو ياسر بن أخطب أخو حيي بن أخطب، فسمع منه، فلما رجع قال لقومه: أطيعوني فإن هذا النبي الذي كنا ننتظر، فعصاه أخوه وكان مطاعًا فيهم، فاستحوذ عليه الشيطان، فأطاعوه على ما قال.
وروى أبو سعيد في "شرف المصطفى" من طريق سعيد بن جبير: جاء ميمون بن يامين - وكان رأس اليهود - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ابعث إليهم فاجعلي حكمًا، فإنهم يرجعون إلي، فأدخله داخلًا، ثم أرسل إليهم فأتوه فخاطبوه، فقال: اختاروا رجلًا يكون حكمًا بيني وبينكم، قالوا: قد رضينا ميمون بن يامين، فقال: اخرج إليهم، فقال: أشهد أنه رسول الله؛ فأبوا أن يصدقوه.
وذكر ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم وادع اليهود لما قدم المدينة وامتنعوا من اتباعه، فكتب بينهم كتابًا، وكانوا ثلاث قبائل: قينقاع والنضير وقريظة. فنقض الثلاثة العهد طائفة بعد طائفة، فمنّ على بني قينقاع وأجلى بني النضير واستأصل بني قريظة، وسيأتي بيان ذلك كله مفصلًا إن شاء الله تعالى.
وذكر ابن إسحاق أيضًا عن الزهري: سمعت رجلًا من مزينة يحدث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: أن أحبار يهود اجتمعوا في بيت المدراس--------------------------------------------
(1) "عمدة القاري" (11/ 660).
(2) "فتح الباري" (7/ 275).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٥٣)
حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فقالوا: غدًا انطلقوا إلى هذا الرجل فاسألوه عن حد الزاني، فذكر الحديث. انتهى.
قوله: (لو آمن بي عشرة من اليهود. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع"(1): يعني من علمائهم لكان ذلك سببًا لإيمان بقيتهم، وإلا فقد آمن منهم أكثر من ذلك العدد. انتهى. وذكر في هامشه كلام الشراح، وفيه أيضًا: قال النووي: قال صاحب "التحرير": المراد عشرة من أحبارهم. انتهى. وهو الذي اختاره الشيخ قدس سره في توجيه الحديث، وقد عزاه صاحب "الفيض"(2) إلى الرواية، فقال: وقد روي فيه قيد وهو "عشرة من أحبار اليهود"، فانحلّ الإشكال، انتهى.
(53 - باب إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه -)
قال العلامة العيني(3): أي هذا باب في ذكر شيء فيه دلالة على إسلام سلمان الفارسي، وقد مضى في "كتاب البيوع" في "باب الشراء من المشركين" كيفية إسلام سلمان ومكاتبته، وقصته مشهورة، وولَّاه عمر رضي الله عنه العراق، وكان يعمل في الخوص بيده فيأكل منه، عاش مائتين وخمسين سنة بلا خلاف، وقيل: ثلاثمائة وخمسين، وقيل: إنه أدرك وحي عيسى ابن مريم عليهما السلام، ومات بالمداين سنة ست وثلاثين. انتهى.
قلت: وبسط ترجمته في هامش "اللامع"(4)، وفيه: قال الحافظ في "الإصابة"(5): سلمان الفارسي، ويقال له: سلمان الخير. وقال ابن حبان: من زعم أن سلمان الخير آخر فقد وهم. كان أول مشاهده الخندق، وشهد بقية المشاهد، وقال ابن عبد البر: يقال: إنه شهد بدرًا، رويت قصته من طرق كثيرة، وفي سياق قصته في إسلامه اختلاف يتعسر الجمع فيه. انتهى.--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (8/ 237).
(2) "فيض الباري" (4/ 550).
(3) "عمدة القاري" (11/ 662).
(4) "لامع الدراري" (8/ 238 - 240).
(5) "الإصابة" (2/ 62).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٥٤)
قال القسطلاني(1) في شرح قوله: "أنه تداوله بضعة عشر من ربّ إلى رب"؛ أي: أخذه سيد من سيد، وكان حرًّا فظلموه وباعوه، وذلك أنه هرب من أبيه لطلب الحق، وكان مجوسيًا فلحق براهب ثم براهب ثم بآخر، وكان يصحبهم إلى وفاتهم حتى دلّه الأخير على ظهور النبي صلى الله عليه وسلم فقصده مع بعض الأعراب فغدروا به فباعوه في وادي القرى ليهودي، ثم اشتراه منه يهودي آخر من بني قريظة، فقدم به المدينة، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ورأى علامات النبوة أسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كاتب عن نفسك"، فكاتب على أن يغرس ثلاثمائة نخلة وأربعين أوقية من ذهب، فغرس له رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده المباركة الكل، وقال: "أعينوا أخاكم"، فأعانوه حتى أدى ذلك كله. ثم ذكر مدة عمره كما تقدم في كلام العيني.
وكتب شيخنا مولانا خليل المحدث السهارنفوري في "بذل المجهود(2) شرح سنن أبي داود" في ترجمة سلمان الفارسي: قال الحافظ في "تهذيب التهذيب"(3): قرأت بخط أبي عبد الله الذهبي: رجعت عن القول بأنه قارب ثلاثمائة أو زاد عليها، وتبين لي أنه ما جاوز الثمانين، ولم يذكر مستنده في ذلك. انتهى.
قوله: (فترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما ستمائة سنة) كتب الشيخ قدس سره في "اللامع"(4): فيه إتمام الكسر عددًا فإن الأكثر من خمس مائة بعد ست مائة في العرف، وكثيرًا ما يسقط الكسر أيضًا وكلاهما جار، والله تعالى أعلم، وعلمه أتم وأحكم. تم المجلد الأول من تقريرات على البخاري. انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ(5): المراد بالفترة المدة التي لا يبعث فيها رسول من الله، ولا يمتنع أن ينبأ فيها من يدعو إلى شريعة الرسول الأخير.--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (8/ 474).
(2) "بذل المجهود" (1/ 184).
(3) "تهذيب التهذيب" (4/ 139).
(4) "لامع الدراري" (8/ 240، 241).
(5) "فتح الباري" (7/ 277).
(খণ্ড: ٤) (পৃষ্ঠা: ٥٥٥)