وعلى هذا فثبتت الترجمة بالشك أيضًا؛ فإنه على كل حال ثبتت الزيادة على الواحد، ولا يبعد أيضًا أنه أراد أن تثليث الصفوف ليس بحتم، كما يظهر من بعض الآثار وإن كان مستحبًا، إلى آخر ما ذكر في هامش "اللامع".
(54 - باب الصفوف على الجنازة)
قال الحافظ(1): قال ابن المنيِّر ما ملخصه: إنه أعاد الترجمة؛ لأن الأولى لم يجزم فيها بالزيادة على الصفين، وقال ابن بطال: أومأ المصنف إلى الرد على عطاء حيث ذهب إلى أنه لا يشرع فيها تسوية الصفوف، كما رواه عبد الرزاق عن عطاء لما سئل عن تسوية الصفوف على الجنائز قال: لا، إنما يكبرون ويستغفرون.
قال الحافظ: وأشار المصنف بصيغة الجمع إلى ما رواه أبو داود وغيره من حديث مالك بن هبيرة مرفوعًا: "من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب"، وفي رواية: "إلا غفر له"، وتعقب بعضهم الترجمة بأن أحاديث الباب ليس فيها صلاة على الجنازة، وإنما فيه الصلاة على الغائب أو على من في القبر، وأجيب بأن الاصطفاف إذا شرع والجنازة غائبة ففي الحاضرة أولى.
وأجاب الكرماني بأن المراد بالجنازة في الترجمة الميت سواء كان مدفونًا أو غير مدفون، فلا منافاة بين الترجمة والحديث، انتهى.
وأنت خبير بأن شيئًا من هذه الوجوه لا يناسب شأن البخاري ودقة نظره، فإنه لو أراد بالترجمة تأييد تسوية الصفوف كان ينبغي له أن يشير إلى ذلك في الترجمة بنوع من الدلالة على أن لفظ الصفوف بصيغة الجمع لا يلزم الزيادة على الاثنين؛ فإن الاثنين فما فوقهما جماعة، وكذلك لا يشير إلى--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (3/ 191).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٢٠٤)
الرد على عطاء؛ فإن لفظ الصفوف لا يستلزم التسوية، بل الأوجه كما هو الظاهر أن الإمام البخاري أشار بلفظ: "على الجنازة" الرد على من قال بالصلاة على الغائب؛ فإن الإمام البخاري مع تخريجه حديث الصلاة على النجاشي بطرق لم يبوب بالصلاة على الغائب، بل أشار بلفظ الترجمة إلى كون الجنازة حاضرة، وهذا هو التوجيه الذي وجهت الحنفية به حديث الصلاة على النجاشي، والمسألة خلافية شهيرة بسطت في "الأوجز"(1)، وفيه عن الزرقاني: الصلاة على الميت الغائب قال به الشافعي وأحمد وأكثر السلف، وقالت الحنفية والمالكية: لا تشرع، ونسبه ابن عبد البر إلى أكثر العلماء، فالإمام البخاري مال في هذه المسألة إلى قول الحنفية والمالكية كما سبق، انتهى من هامش "اللامع".
(55 - باب صفوف الصبيان مع الرجال. . .) إلخ
ويشكل التكرار بما سيأتي من "باب صلاة الصبيان. . ." إلخ، بسط الكلام عليه في هامش "اللامع"، وفيه: قال الحافظ: قوله: "باب صلاة الصبيان. . ." إلخ، أورد فيه حديث ابن عباس في صلاته مع النبي صلى الله عليه وسلم على القبر، قال ابن رُشيد: أفاد بالترجمة الأولى بيان كيفية وقوف الصبيان مع الرجال، وأنهم يصفون معهم لا يتأخرون عنهم لقوله في الحديث الذي ساقه فيها: "وأنا فيهم"، وأفاد بهذه الترجمة مشروعية صلاة الصبيان على الجنائز وهو وإن كان الأول دل عليه ضمنًا، لكن أراد التنصيص عليه، وأخّر هذه الترجمة عن فضل اتباع الجنائز ليبين أن الصبيان داخلون في قوله: "من تبع جنازة"، والله أعلم، انتهى. وهكذا قال العيني(2)، وتبعهما القسطلاني في ذلك.
وما يظهر لهذا العبد الضعيف إن كان صوابًا فمن الله وفضله، وإن--------------------------------------------
(1) انظر: "أوجز المسالك" (4/ 443).
(2) انظر: "عمدة القاري" (6/ 175)، و"إرشاد الساري" (3/ 450).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٢٠٥)
كان خطأ فمني ومن شيطان، والإمام البخاري منه بريء، وهو: أن مقصود الإمام البخاري بالترجمة الأولى هو الذي اختارته الشرَّاح، نبَّه الإمام بها على أن الصبيان لا يحتاجون إلى صف مستقل في الصلاة على الجنازة بخلاف الصلاة المكتوبة؛ لقلة حضورهم في الجنائز بخلاف المكتوبات، وأما الغرض من الترجمة الثانية فهو أن الثابت في الحديث صلاة الصبيان مع الرجال، فلا تكفي صلاتهم بدون الرجال لإسقاط فرض الكفاية.
والمسألة خلافية كما بحثها ابن عابدين، وحكى عن المحقق ابن أمير حاج: أن سقوطها بفعل الصبي المميز هو الأصح عند الشافعية، قال: ولا يحضرني هذا منقولًا فيما وقفت عليه من كتبنا، وظاهر أصول المذهب عدم السقوط، قال ابن عابدين(1): حاصله أنها لا تسقط عن البالغين بفعله، وإن صلاته وإن صحت لنفسه لا تقع فرضًا، وعليه فلو صلى وحده لا يسقط الفرض عنهم، انتهى.
وفي "الروض" من فروع الحنابلة: وتسقط بمكلف وتسن جماعة، انتهى.
والظاهر عندي أن البخاري مال في هذه المسألة إلى قول أحمد، وإليه أشار بالترجمة حيث قال: صلاة الصبيان مع الرجال، وعلى هذا فالفرق بين الترجمتين واضح، انتهى من هامش "اللامع".
(56 - باب سُنَّة الصلاة على الجنازة)
وما يظهر من الشروح أنهم اختلفوا في غرض الترجمة على قولين:
الأول: ما قال الحافظ: قال ابن المنيِّر(2): المراد بالسُّنَّة ما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم فيها، يعني: فهو أعم من الواجب والمندوب، ومراده بما ذكره--------------------------------------------
(1) "رد المحتار على الدر المختار" (3/ 104).
(2) "فتح الباري" (3/ 190).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٢٠٦)
هنا من الآثار والأحاديث أن لها حكم غيرها من الصلوات والشرائط والأركان، وليست مجرد دعاء، فلا تجزئ بغير طهارة مثلًا، انتهى.
والثاني: ما في هامش "الهندية" عن الكرماني(1): غرض البخاري بيان جواز إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة وكونها مشروعة وإن لم تكن ذات الركوع والسجود، فاستدل عليه تارة بإطلاق اسم الصلاة والأمر بها وتارة بإثبات ما هو من خصائص الصلاة نحو عدم التكلم فيها وكونها مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وعدم صحتها إلا بالطهارة وعدم أدائها عند الوقت المكروه وبرفع اليد وإثبات الأحقية بالإمامة وبوجوب طلب الماء له وبقوله تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ} [التوبة: 84]، فإنه أطلق الصلاة عليه وبكونها ذات صفوف وإمام، انتهى.
قال محشيه المحدث مولانا أحمد على السهارنفوري: وبه يطابق الترجمة كل ما في هذا الباب، انتهى.
(57 - باب فضل اتباع الجنائز. . .) إلخ
قد تقدم في مبدأ الجنائز: "باب الأمر باتباع الجنائز" ولا تكرار، لاختلاف الأغراض كما تقدم هناك. أما عند الشرَّاح فلما تقدم عن الحافظ(2): أن الغرض من الباب الأول إثبات المشروعية وههنا إثبات الفضل.
وأما عندي فهو أن الغرض من الأول الاهتمام والإسراع في تجهيز الميت والسعي لأجله، وأما ههنا فالمراد بالاتباع، هو المعنى المتبادر، أي: الاتباع إلى القبر، وهل الإمام البخاري أشار بذلك إلى مسلك الحنفية من أن المشي خلفها أفضل؟ محتمل، لكن يشكل عليه ما تقدم في "باب السرعة بالجنازة" من أثر أنس كما تقدم الكلام عليه هناك، ويحتمل أن يكون المراد من ذكر أثر أنس الإسراع فقط، ويحتمل أيضًا أن يكون المراد--------------------------------------------
(1) "شرح الكرماني" (7/ 108).
(2) "فتح الباري" (3/ 146).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٢٠٧)
من الاتباع ههنا المشي إلى القبر بدون الملاحظة إلى كيفية المشي من التقدم أو الخلفية.
قال الحافظ(1): قال ابن رُشيد: مقصود الباب بيان القدر الذي يحصل به مسمى الاتباع الذي يجوز به القيراط، إذ في الحديث الذي أورده إجمال، ولذلك صدَّره بقول زيد بن ثابت، وآثر الحديث المذكور على الذي بعده وإن كان أوضح منه في مقصوده كعادته المألوفة في الترجمة على اللفظ المشكل ليبين مجمله. . . إلى آخر ما ذكره الحافظ من الكلام على الترجمة.
ومسألة المشي خلف الجنازة أو أمامها كما أشير إليه آنفًا خلافية شهيرة، ففي "الأوجز"(2) عن "التعليق الممجد": اختلفوا فيه بعد الاتفاق على جواز المشي أمامها وخلفها وشمالها وجنوبها اختلافًا في الأولوية على أربعة مذاهب:
الأول: التخيير من دون أفضلية مشي على مشي، وهو قول الثوري، وإليه ميل البخاري، ذكره الحافظ.
الثاني: أن المشي أمامها أفضل للماشي وخلفها للراكب، وهو مذهب أحمد.
الثالث: مذهب الشافعي ومالك: أن المشي أمامها أفضل.
الرابع: مذهب أبي حنيفة والأوزاعي: أن المشي خلفها أفضل، انتهى.
قلت: التفريق بين الماشي والراكب هو المذهب لمالك كما صرَّح به في "الشرح الكبير"، والمرجح عند الشافعية التقدم مطلقًا ماشيًا كان أو راكبًا.
وههنا مذهب خامس ذكره الحافظ عن النخعي: إن كان في الجنازة نساء مشى أمامها وإلا خلفها.--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (3/ 192).
(2) "أوجز المسالك" (4/ 424)، و"التعليق الممجد" (2/ 107).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٢٠٨)
والسادس: مذهب ابن حزم: الراكب: خلف الجنازة، والماشي حيث شاء.
قوله: (وقال حميد بن هلال. . .) إلخ، يعني: ما تعارف من أنهم لا يرجعون إلا بعد الاستئذان من بعض أهل الميت لا أصل له، وإنما الثابت: أن من صلى. . . إلخ، كذا في "تراجم شيخ المشايخ"، وبسط العلامة العيني(1) في تعيين القائلين به كما في هامش "اللامع".
قال الحافظ(2): والذي عليه معظم أئمة الفتوى قول حميد بن هلال، وحكي عن مالك أنه لا ينصرف حتى يستأذن، انتهى.
(58 - باب من انتظر حتى يدفن)
قال الحافظ(3): قال ابن المنيِّر: لم يذكر المصنف جواب "من"، إما استغناء بما ذكر في الخبر أو توقفًا على إثبات الاستحقاق بمجرد الانتظار إن خلا عن اتباع، قال: وعدل عن لفظ الشهود كما هو في الخبر إلى لفظ الانتظار لينبه على أن المقصود من الشهود إنما هو معاضدة أهل الميت والتصدي لمعونتهم، انتهى.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أنه اختار لفظ الانتظار لكونه أعم من المشاهدة، فهو أكثر فائدة، وأشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ الانتظار ليفسر اللفظ الوارد بالمشاهدة، ولفظ الانتظار وقع في رواية معمر عند مسلم.
وقوله في الحديث: "حتى تدفن" ظاهره أن حصول القيراط متوقف على فراغ الدفن، وهو الأصح عند الشافعية وغيرهم، وقيل: يحصل بمجرد الوضع في اللحد، وقيل: عند انتهاء الدفن قبل إهالة التراب، وقد وردت الأخبار بكل ذلك، انتهى من "الفتح"(4).--------------------------------------------
(1) انظر: "عمدة القاري" (6/ 174).
(2) "فتح الباري" (3/ 193).
(3) "فتح الباري" (3/ 193).
(4) المصدر السابق (3/ 197).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٢٠٩)
(59 - باب صلاة الصبيان مع الناس. . .) إلخ
تقدم الكلام عليه في "باب صفوف الصبيان".
(60 - باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد)
قال الحافظ(1): قال ابن رُشيد: لم يتعرض المصنف لكون الميت بالمصلى أو لا؛ لأن المصلَّى عليه كان غائبًا، وألحق حكم المصلَّى بالمسجد بدليل ما تقدم في "العيدين" وفي "الحيض" بلفظ: "يعتزل الحيض المصلَّى"، فدل على أن للمصلَّى حكم المسجد فيما ينبغي أن يجتنب فيه. ثم قال الحافظ تحت حديث ابن عمر المذكور في الباب: حكى ابن بطال عن ابن حبيب أن مصلَّى الجنائز بالمدينة كان لاصقًا بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم من ناحية جهة المشرق، انتهى.
فإن ثبت ما قال وإلا فيحتمل أن يكودن المراد بالمسجد هنا المصلَّى المتخذ للعيدين والاستسقاء؛ لأنه لم يكن عند المسجد النبوي مكان يتهيأ فيه الرجم، وسيأتي في قصة ماعز: "فرجمناه بالمصلَّى"، ودل حديث ابن عمر المذكور على أنه كان للجنائز مكالن معد للصلاة عليها، فقد يستفاد منه أن ما وقع من الصلاة على بعض الجنائز في المسجد كان لأمر عارض أو لبيالن الجواز، والله أعلم، انتهى.
وقال العيني(2): مطابقة هذا الحديث للترجمة لا يتأتى إلا إذا قلنا: إن "عند" في قوله: "عند المسجد" بمعنى: في، أو نقول: إن ترجمة الباب يحتمل وجهين: أحدهما: الإثبات، والآخر: النفي، ولعل غرض البخاري النفي بأن لا يصلَّى عليها في المسجد بدليل تعيين رسول الله موضع الجنازة عند المسجد، ولو جاز فيه لما عيَّنه في خارجه، وبهذا يدفع كلام ابن بطال، ليس في حديث ابن عمر دليل على الصلاة في المسجد، إنما الدليل في--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (3/ 199).
(2) "عمدة القاري" (6/ 182).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٢١٠)
حديث عائشة: "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء في المسجد"، قلت: لو كان إسناده على شرطه لأخرجه في "صحيحه"، انتهى.
وفي حاشية السندي ما حاصله(1): موافقة الحديثين بالترجمة من حيث إن المطلوب في الترجمة بيان حكم الصلاة في المصلى والمسجد، وقد علم بالحديثين أن الحكم هو الأولوية خارج المسجد، ففي المسجد إذا ثبت فهو خلاف الأولى، انتهى.
قلت: ومسألة صلاة الجنازة بالمسجد خلافية؛ لا تجوز عند الحنفية والمالكية، وتجوز عند الشافعية والحنابلة، قال القسطلاني(2): لو كان الميت خارج المسجد والمصلون فيه جاز بالإجماع، انتهى.
(61 - باب ما يكره من اتخاذ المسجد على القبور)
قال الحافظ(3): ترجم بعد ثمانية أبواب: "باب بناء المسجد على القبر" قال ابن رُشيد: الاتخاذ أعم من البناء فلذلك أفرده بالترجمة، ولفظها يقتضي أن بعض الاتخاذ لا يكره، فكأنه يفصل بين ما إذا ترتبت على الاتخاذ مفسدة أم لا. وقال ابن المنيِّر(4): كأنه قصد بالترجمة الأولى اتخاذ المساجد في المقبرة لأجل القبور بحيث لولا تجدد القبر ما اتخذ المسجد، وبالترجمة الثانية بناء المسجد في المقبرة على حدته لئلا يحتاج إلى الصلاة فيُوجد مكانٌ يصلى فيه سوى المقبرة، فلذلك نحا به منحى الجواز، قال الحافظ: والمنع من ذلك إنما هو حال خشية أن يصنع بالقبر كما صنع أولئك الذين لعنوا، وأما إذا أمن ذلك فلا امتناع، وقد يقول بالمنع مطلقًا من يرى سدّ الذريعة، وهو هنا متجه قوي، انتهى.
وتعقب العيني على ما قال ابن رُشيد، إذ قال(5): لا نسلم أن لفظها--------------------------------------------
(1) "حاشية السندي" (1/ 230).
(2) "إرشاد الساري" (3/ 461).
(3) "فتح الباري" (3/ 200).
(4) المصدر السابق (3/ 208).
(5) "عمدة القاري" (6/ 185).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٢١١)
يقتضي أن بعض الاتخاذ لا يكره، ودعوى العموم بين الاتخاذ والبناء غير صحيحة، انتهى.
قوله: (القبة) قال الحافظ(1): أي: الخيمة، ومناسبة هذا الأثر أن المقيم في الفسطاط لا يخلو من الصلاة هناك، فيلزم اتخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القبلة فتزداد الكراهة، انتهى.
قال القسطلاني(2): وإذا أنكر الصائح بناء زائلًا، وهو الخيمة، فالبناء الثابت أجدر، لكن لا يؤخذ من كلام الصائح حكم؛ لأن مسالك الأحكام الكتاب والسُّنَّة والقياس والإجماع، ولا وحي بعده عليه الصلاة والسلام، وإنما هذا وأمثاله تنبيه على انتزاع الأدلة من مواضعها، واستنباطها من مظانها، انتهى.
قال الحافظ عن ابن المنيِّر(3): وكأن الصائحين من الملائكة أو من مؤمني الجن، وإنما ذكره البخاري لموافقته للأدلة الشرعية [لا] لأنه دليل برأسه، انتهى.
(62 - باب الصلاة على النفساء إذا ماتت في نفاسها)
قال الحافظ(4): قال ابن المنيِّر وغيره: المقصود بهذه الترجمة أن النفساء وإن كانت معدودة من جملة الشهداء فإن الصلاة عليها مشروعة، بخلاف شهيد المعركة، انتهى.
قلت: هذا هو الظاهر، فلا يرد حينئذ تكرار الترجمة بما تقدم في "كتاب الحيض" من "باب الصلاة على النفساء أو سُنَّتها"؛ فإن الغرض هناك إثبات الصلاة عليها دفعًا لما يتوهم من نجاستها الحكمية فافترقا.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (3/ 200).
(2) "إرشاد الساري" (3/ 463).
(3) "فتح الباري" (3/ 200).
(4) المصدر السابق (3/ 200).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٢١٢)
(63 - باب أين يقوم من المرأة والرجل؟)
تقدم هذه المسألة أيضًا في "كتاب الحيض"، إذ ترجم "باب الصلاة على النفساء وسُنَّتها"، فإن قوله: "وسنتها" إشارة إلى هذه المسألة، أي: محل قيام الإمام، وكتبت هناك بأنه يمكن التفصي عن هذا التكرار بأن يقال: إن الإمام البخاري أراد ههنا التنبيه على أنه لا فرق في ذلك بين النفساء وغيرها، وأما الآتي في "كتاب الجنائز" فهو في محله لبيان مسألة محل قيام الإمام على جنائز الرجال والنساء، وتقدم اختلاف الأئمة في مسألة الباب هناك.
قال الحافظ(1): أورد فيه حديث سمرة، وفيه مشروعية الصلاة على المرأة، فإن كونها نفساء وصف غير معتبر، وأما كونها امرأة فيحتمل أن يكون معتبرًا، فإن القيام عليها عند وسطها لسترها، وذلك مطلوب في حقها بخلاف الرجل، ويحتمل أن لا يكون معتبرًا وأن ذلك كان قبل اتخاذ النعش للنساء، فأما بعد اتخاذها فقد حصل الستر المطلوب، ولهذا أورد المصنف الترجمة مورد السؤال، وأراد عدم التفرقة بين الرجل والمرأة، وأشار إلى تضعيف ما رواه أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك: أنه صلَّى على رجل فقام عند رأسه، وصلى على امرأة فقام عند عجيزتها، فقيل له: أهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل؟ قال: نعم، انتهى.
قال العلامة العيني(2): فإن قلت: ليس في حديث الباب بيان موضع قيام الرجل، قلت: قال الكرماني: للإشعار بأنه لم يجد حديثًا بشرطه في ذلك، وإما لقياس الرجل على المرأة، إذ لم يقل أحد بالفرق بينهما، وتعقب عليه العيني، إذ قال: من أين علم بأنه لم يقل بالفرق بينهما أحد، وكذا تعقب العيني كلام الحافظ، وبسطه بما لا طائل تحته.--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (3/ 201).
(2) "عمدة القاري" (6/ 188)، و"شرح الكرماني" (7/ 114).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٢١٣)
(64 - باب التكبير على الجنازة أربعًا)
قال الحافظ(1): قال ابن المنيِّر: أشار بهذه الترجمة إلى أن التكبير لا يزيد على أربع، ولذلك لم يذكر ترجمة أخرى ولا خبرًا في الباب، قال ابن المنذر: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن التكبير أربع، وفيه أقوال أُخر ثم ذكرها، انتهى.
قلت: كان فيه الخلاف سلفًا، والجمهور منهم الأئمة الأربعة على الأربع، كما جزم به البخاري.
(65 - باب قراءة فاتحة الكتاب. . .) إلخ
قال الحافظ(2): أي: مشروعيتها، وهي من المسائل المختلف فيها، روي مشروعيتها عن بعض الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعي وأحمد، ونقل عن أبي هريرة وابن عمر ليس فيها قراءة وهو قول مالك والكوفيين.
وقوله: (يقرأ على الطفل)، كتب الشيخ في "اللامع"(3): كان بيانًا للجواز أو منسوخًا فلا يلزم استحبابها، ومعنى قوله: "سُنَّة" أنها ثابتة بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، انتهى. وبسط في هامشه: الكلام على المسألة، فارجع إليه لو شئت.
وقال السندي(4): يتبادر منه أنها من سنن صلاة الجنازة لا من واجباتها ولو سلّم فلا دلالة له على وجوبها في صلاة الجنازة كما لا يخفى، وقولهم: إن قول الصحابي: "من السُّنَّة كذا" في حكم الرفع، لا يدل على أن قوله "الفعل الفلاني سُنَّة" كذلك، ولو سلّم فغايته أنه رفع للفعل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى أنه فعله، ولا يلزم من مجرد فعله الوجوب، فهذا الحديث لا يفيد الوجوب، نعم هو يرد قول من يقول بكراهة فاتحة الكتاب في صلاة--------------------------------------------
(1) "فتح الباري" (3/ 203).
(2) "فتح الباري" (3/ 203).
(3) "لامع الدراري" (4/ 361).
(4) "حاشية السندي" (1/ 231).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٢١٤)
الجنازة، ولعل من يقول بالوجوب يأخذه من عموم "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب". والله تعالى أعلم.
قلت: قراءة الفاتحة من الأركان عند الشافعية والحنابلة، وأركان صلاة الجنازة عندهما سبعة كما في "الأوجز"(1) عن "نيل المآرب" في فقه الحنابلة و"شرح الإقناع" في فقه الشافعية.
(66 - باب الصلاة على القبر بعد ما يدفن)
قال الحافظ(2): وهذا أيضًا من المسائل المختلف فيها، قال ابن المنذر: وبمشروعيته قال الجمهور، ومنعه النخعي ومالك وأبو حنيفة، وعنهم إن دفن قبل أن يصلى عليه شرع وإلا فلا، انتهى.
وبسط الكلام على المسألة، ودلائل الفريقين في "الأوجز"(3)، وفيه: قال الأبي في "الإكمال": مشهور قول مالك المنع، والشاذ جوازها فيمن دفن بغير صلاة، انتهى.
قال الزرقاني(4): وأجابوا عن الحديث بأن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم، والدليل على الخصوصية ما زاده مسلم وابن حبان في حديث أبي هريرة: "فصلى على القبر ثم قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم"، إلى آخر ما فيه.
(67 - باب الميت يسمع خفق النعال)
قال الحافظ(5): قال ابن المنيِّر: جرد المصنف ما ضمنه هذه الترجمة ليجعله أول آداب الدفن من إلزام الوقار واجتناب اللغط وقرع الأرض بشدة الوطء عليها كما يلزم ذلك مع الحي النائم، وترجم بالخفق ولفظ المتن--------------------------------------------
(1) انظر: "أوجز المسالك" (4/ 461).
(2) "فتح الباري" (3/ 205).
(3) "أوجز المسالك" (4/ 453).
(4) "شرح الزرقاني" (2/ 60 - 61).
(5) "فتح الباري" (3/ 206).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٢١٥)
بالقرع إشارة إلى ما ورد في بعض طرقه عند أحمد وأبي داود في حديث طويل فيه: "وإنه ليسمع خفق نعالهم"، انتهى.
قلت: وسيأتي في "اللباس" في "باب النعال السبتية" استدلال الطحاوي بهذا الحديث على جواز لبس النعال في المقابر.
وقال الحافظ: قال أحمد: يكره لبس النعال السبتية في المقابر لحديث بشير بن الخصاصية كما سيأتي في "كتاب اللباس" فارجع إليه، ثم مسألة سماع الموتى خلافية شهيرة بين الصحابة ومن بعدهم، فأثبته ابن عمر وغيره من الصحابة ومن تبعهم، ونفته عائشة وغيرها ومن تبعهم.
قال ابن عابدين(1): وما ورد في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم لأهل قليب بدر: "هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ فقال عمر: أَتُكَلِّمُ الميت يا رسول الله؟! فقال عليه الصلاة والسلام: ما أنتم بأسمع منهم"، فأجاب عنه المشايخ بأنه غير ثابت، يعني: من جهة المعنى، وذلك لأن عائشة رَدَّتْهُ بقوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22]، وأنه إنما قاله على وجه الموعظة للأحياء، وبأنه مخصوص بأولئك تضعيفًا للحسرة عليهم، وبأنه خصوصية له عليه السلام معجزة، لكن يشكل عليه ما في "مسلم"(2) "إن الميت يسمع قرع نعالهم" إلا أن يخصوا ذلك بأول الوضع في القبر ومقدمة للسؤال جمعًا بينه وبين الآيتين، انتهى.
ومال شيخ مشايخنا الشاه عبد العزيز في "فتاواه" إلى ثبوت سماع الميت وشعوره وإدراكه، وبسط الكلام على ذلك في عدة أسئلة وأجوبة، انتهى من هامش "اللامع".
وفي "الفيض"(3): اعلم أن مسألة كلام الميت وسماعه واحدة، وأنكرها حنفية العصر، وفي رسالة غير مطبوعة لعلي القاري: إن أحدًا من أئمتنا لم يذهب إلى إنكارها، وإنما استنبطوها من مسألة في "باب الأيمان"--------------------------------------------
(1) "رد المحتار على الدر المختار" (5/ 657).
(2) "صحيح مسلم" (ح: 2873).
(3) "فيض الباري" (4/ 92).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٢١٦)
وهي حلف رجل أن لا يكلم فلانًا فكلمه بعد ما دفن لا يحنث، قال القاري: ولا دليل فيها على ما قالوا؛ فإن مبنى الأيمان على العرف، وهم لا يسمونه كلامًا، وأنكره الشيخ ابن الهمام رحمه الله أيضًا في "الفتح"(1)، ثم أورد على نفسه أن السماع إذا لم يثبت فما معنى السلام على القبر؟ وأجاب عنه أنهم يسمعون في هذا الوقت فقط، ولا دليل فيه على العموم، ثم عاد قائلًا: إنه ثبت منهم سماع قرع النعال أيضًا، فأجاب عنه بمثله، أقول: والأحاديث في سمع الأموات قد بلغت مبلغ التواتر. . . إلى آخر ما بسط فيه.
(68 - باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها)
قال الحافظ(2): قال ابن المنيِّر: المراد بقوله: "أو نحوها" بقية ما تشد إليه الرحال من الحرمين وكذلك ما يمكن من مدافن الأنبياء وقبور الشهداء والأولياء تيمنًا بالجوار وتعرضًا للرحمة النازلة عليهم اقتداء بموسى عليه السلام، وهذا بناءً على أن المطلوب القرب من الأنبياء الذين دفنوا ببيت المقدس، وهو الذي رجحه عياض، وقال المهلب: إنما طلب ذلك ليقرب عليه المشي إلى المحشر وتسقط عنه المشقة الحاصلة لمن بعد عنه، انتهى.
وبنحو ذلك قال العيني(3)، وتبعهما القسطلاني.
وفي "تراجم شيخ مشايخنا"(4): غرضه أن نقل الميت من موضع إلى موضع لا يجوز مطلقًا إلا إذا قصد الدفن في أرض من الأراضي المقدسة، وعند الحنفية يجوز مطلقًا.
والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى دفع ما يتوهم من قول سلمان رضي الله عنه: إن الأرض لا تقدس أحدًا، أخرجه مالك(5) في--------------------------------------------
(1) انظر: "فتح القدير" (3/ 325).
(2) "فتح الباري" (3/ 207).
(3) انظر: "عمدة القاري" (6/ 203)، و"إرشاد الساري" (3/ 475).
(4) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 343).
(5) "موطأ مالك" (1486).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٢١٧)
"الموطأ" أن لا فرق بين الدفن في الأرض المقدسة وغيرها، فدفعه المصنف بهذه الترجمة، انتهى.
قوله: "فلما جاءه صكه. . ." إلخ، هذا مشكل جدًا، والمشهور في الجواب أنه عليه السلام لم يعرفه.
والأوجه عندي: أن ذلك لانتظار فتح بيت المقدس وما كان ذلك منه كراهة لموته، انتهى من "تراجم شيخ المشايخ" الدهلوي.
وكتب الشيخ في "اللامع"(1) ما حاصله: يحتمل أنه لم يعرفه، ويمكن أنه عرفه، لكنه لما دخل بدون الاستئذان وقد جرت سُنَّة الله تعالى بأنبيائه أنهم لا يقبضون إلا بعد إذن منهم، فلما لم يستأذن الملك عد ذلك مخالفةً للقاعدة وإساءة للأدب، انتهى.
وبسط الكلام على ذلك في هامش "اللامع" من كلام الشرَّاح.
(69 - باب الدفن بالليل. . .) إلخ
قال الحافظ(2): أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من منع ذلك محتجًا بحديث جابر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر أن يقبر الرجل ليلًا إلا أن يضطر إلى ذلك"، أخرجه ابن حبان، لكن بيَّن مسلم في روايته السبب في ذلك، ولفظه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يومًا فذكر رجلًا من أصحابه قبض وكُفن في كفن غير طائل وقبر ليلًا، فزجر أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلي عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك، وقال: إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه"، فدل على أن النهي بسبب تحصيل الكفن، وقوله: "حتى يصلي عليه" مضبوط بكسر اللام، أي: النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا سبب آخر يقتضي أنه إن رجا بتأخير الميت إلى الصباح صلاة من ترجى بركته عليه استحب تأخيره وإلا فلا، وبه جزم الطحاوي، واستدل المصنف بالجواز بما ذكره من حديث ابن عباس:--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (4/ 367).
(2) "فتح الباري" (3/ 207).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٢١٨)
"ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم دفنهم إياه بالليل"، بل أنكر عليهم عدم إعلامهم بأمره، وأيَّد ذلك بما صنع الصحابة بأبي بكر، وكان ذلك كالإجماع منهم على الجواز، إلى آخر ما قال الحافظ، وقال أيضًا: وصح أن عليًّا دفن فاطمة ليلًا - كما سيأتي - في مكانه، انتهى.
(70 - باب بناء المسجد على القبر)
تقدم الكلام عليه قبل ثمانية أبواب في "باب ما يكره من اتخاذ المسجد".
(71 - باب من يدخل قبر المرأة)
كتب الشيخ في "اللامع"(1): أثبت بذلك جواز دخول الأجنبي الغير المحرم إذا كان صالحًا، انتهى.
قال القسطلاني(2) تحت حديث الباب: فيه أنه لا ينزل الميت في قبره إلا الرجال متى وجدوا، وإن كان الميت امرأة، بخلاف النساء بضعفهن عن ذلك غالبًا، ولأنه معلوم أنه كان لبنت النبي صلى الله عليه وسلم محارم من النساء كفاطمة وغيرها، نعم يندب لهن كما في "شرح المهذب" أن يلين حمل المرأة من مغتسلها إلى النعش، وتسليمها إلى من في القبر وحل ثيابها فيه، وقد كان عثمان أولى بذلك من أبي طلحة؛ لأن الزوج أحق من غيره بمواراة زوجته، وإن خالط غيرها من أهله تلك الليلة، وإن لم يكن له حق في الصلاة؛ لأن منظوره أكثر، لكن عثمان رضي الله عنه قارف تلك الليلة، فباشر جارية له، وبنت رسول الله صلى الله عليه وسلم محتضرة، فلم يعجبه صلى الله عليه وسلم كونه شغل عن المحتضرة بذلك لصيانة جلالة محل ابنته صلى الله عليه وسلم ورضي عنها، قال ابن المنيِّر: ففيه خصوصية، انتهى.
وفي هامش "اللامع": قال صاحب "المراقي"(3): وذو الرحم المحرم--------------------------------------------
(1) "لامع الدراري" (4/ 372).
(2) "إرشاد الساري" (3/ 481).
(3) "مراقي الفلاح" (ص 334).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٢١٩)
أولى بإدخال المرأة، ثم ذو الرحم غير المحرم، ثم المحرم ثم الصالح من مشايخ جيرانها، ثم الشبان الصلحاء، ولا يدخل أحد من النساء القبر ولا يخرجهن إلا الرجال ولو كانوا أجانب؛ لأن مس الأجنبي لها بحائل عند الضرورة جائز في حياتها فكذا بعد موتها، انتهى.
قال الخرقي(1): ويدخلها محرمها، فإن لم يكن فالنساء، فإن لم يكن فالمشايخ، قال ابن قدامة: وروي عن أحمد: أن النساء لا يستطعن أن يدخلن القبر ولا يدفن، وهذا أصح وأحسن، ثم ذكر في مستدله حديث الباب.
(72 - باب الصلاة على الشهيد)
قال الحافظ(2): قال ابن المنيِّر: أراد باب حكم الصلاة على الشهيد، ولذلك أورد فيه الحديث جابر الدال على نفيها، وحديث عقبة الدال على إثباتها، قال: ويحتمل أن يكون المراد باب مشروعية الصلاة على الشهيد في قبره لا قبل دفنه عملًا بظاهر الحديثين، قال: والمراد بالشهيد قتيل المعركة في حرب الكفار، انتهى.
ثم قال الحافظ: والخلاف في الصلاة على قتيل المعركة مشهور، قال الترمذي: قال بعضهم: يصلى على الشهيد، وهو قول الكوفيين وإسحاق، وقال بعضهم: لا يصلى عليه، وهو قول المدنيين والشافعي وأحمد، وفي "الأوجز"(3): وعن أحمد في ذلك روايتان، قال الموفق: الصحيح أنه لا يصلى عليه، وهو قول مالك والشافعي، وعن أحمد رواية أخرى: يصلى عليه، وهو قول الثوري وأبي حنيفة، انتهى.
قال الحافظ(4): قال الماوردي عن أحمد: الصلاة عليه أجود، وإن لم يصلوا عليه أجزأ، انتهى.--------------------------------------------
(1) "المغني" (3/ 432).
(2) "فتح الباري" (3/ 209).
(3) "أوجز المسالك" (9/ 369)، و"المغني" (3/ 467).
(4) "فتح الباري" (3/ 210).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٢٢٠)
وفي "تراجم شيخ المشايخ"(1): إنما عقد المؤلف الباب للإشارة إلى أن الدلائل في حديث الباب متعارضة، فمن مثبت، ومن ناف، ومن دأبه الإشارة إلى تعارض أدلة المسألة أيضًا، وعقد الباب لمجرد ذلك، انتهى.
قلت: هذا أصل مطرد من أصول التراجم وهو الأصل الخامس والثلاثون.
قوله: (في ثوب واحد) لم يتعرض الحافظ ولا غيره من الشرَّاح، وبسط السندي(2) في توجهيه ونقل عن "شرح المصابيح": أن المراد بثوب واحد في قبر واحد، إذ لا يجوز تجريدهما بحيث تتلاقى بشرتهما، ثم تعقب عليه السندي بأنه يرده ما رواه الترمذي عن أنس وفيه: "فكثر القتلى وقلّت الثياب فكفن الرجل والرجلان والثلاثة في الثوب الواحد، ثم يدفنون في قبر واحد"، بل يرده نفس هذا الحديث فإن ما ذكره لا يناسبه قوله، ثم يقول: "أيهم أكثر قرآنًا. . ." إلخ، بقي أنه ما معنى ذلك، والشهيد يدفن في ثيابه التي عليه، فكأن هذا فيمن قطع ثوبه ولم يبق على بدنه، أو بقي منه قليل لكثرة الجروح، وعلى تقدير بقاء شيء من الثوب السابق لا إشكال لكونه فاصلًا عن ملاقاة بشرتيهما، واعتذر بعضهم عنه بالضرورة، وقيل: جمعهما في ثوب واحد، هو أن يقطع الثوب الواحد بينهما، انتهى.
(73 - باب دفن الرجلين أو الثلاثة في قبر واحد. . .) إلخ
ليس في حديث الباب لفظ: الثلاثة، وإنما ذكره على عادته بالإشارة إلى ما ورد من لفظ الثلاثة عند الترمذي وغيره، ولكنه لما لم يكن على شرطه لم يورده، قاله العيني(3).
وزاد الحافظ عن ابن رُشيد: وإما بالاكتفاء بالقياس، قال الحافظ(4):--------------------------------------------
(1) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص 344).
(2) "حاشية السندي على صحيح البخاري" (1/ 233).
(3) انظر: "عمدة القاري" (6/ 216).
(4) "فتح الباري" (3/ 211).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٢٢١)
والظاهر أن المصنف أشار إلى رواية الترمذي وغيره بلفظ الثلاثة، وأما القياس ففيه نظر؛ لأنه لو أراده لم يقتصر على الثلاثة بل كان يقول مثلًا: دفن الرجلين فأكثر، ويؤخذ من هذا جواز دفن المرأتين في قبر، وأما دفن الرجل مع المرأة فروى عبد الرزاق بإسناد حسن عن واثلة بن الأسقع أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد، فيقدم الرجل ويجعل المرأة وراءه، وكأنه كان يجعل بينهما حائلًا من تراب، ولا سيما إن كانا أجنبيين، والله أعلم، انتهى.
(74 - باب من لم ير غسل الشهداء)
قال القسطلاني(1): أي: ولو كان الشهيد جنبًا، أو حائضًا أو نفساء، واستدل المصنف بعموم حديث الباب على أن الشهيد لا يغسل، حتى ولا الجنب، والحائض، وهو الأصح عند الشافعية، زاد الحافظ: وقيل(2): يغسل للجنابة لا بنيَّة غسل الميت لقصة حنظلة المشهورة رواها ابن إسحاق وغيره، وأجيب بأنه لو كان واجبًا ما اكتفى فيه بغسل الملائكة، وقال الحسن البصري وسعيد بن المسيب في ما رواه ابن أبي شيبة: يغسل الشهيد، انتهى.
قلت: فالترجمة رد على قولهما، وفي "الأوجز"(3): قال الموفق: الشهيد إذا مات في المعترك لا يغسل رواية واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم، ولا نعلم فيه خلافًا إلا عن الحسن وابن المسيب إلى أن قال الموفق: فإن كان الشهيد جنبًا غسل، وحكمه في الصلاة حكم غيره من الشهداء، وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك: لا يغسل لعموم الخبر، وعن الشافعي كالمذهبين، ولنا ما روي من قصة حنظلة، إلى آخر ما بسط في "الأوجز"، وفيه عن "الهداية": وإذا استشهد الجنب غسل عند أبي حنيفة،--------------------------------------------
(1) "إرشاد الساري" (3/ 487).
(2) "فتح الباري" (3/ 212).
(3) "أوجز المسالك" (9/ 363)، و"المغني" (3/ 467).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٢٢٢)
وقالا: لا يغسل(1)، انتهى.
(75 - باب من يقدم في اللحد. . .) إلخ
أي: إذا كانوا أكثر من واحد، وقد دل حديث الباب على تقديم من كان أكثر قرآنًا من صاحبه، وهذا نظير تقديمه في الإمامة، انتهى من "الفتح"(2).
(76 - باب الإذخر والحشيش في القبر)
والإذخر بكسر الهمزة وكسر الخاء المعجمة، وفي آخره راء، وهو نبت معلوم طيب الرائحة، انتهى من العيني(3) والقسطلاني، وهكذا ضبطه صاحب "مجمع البحار" وفيه: هو نبت عريض الأوراق يحرقه الحداد بدل الحطب والفحم، انتهى.
قال الحافظ(4): وترجم ابن المنذر على هذا الحديث طرح الإذخر في القبر وبسطه فيه، انتهى.
وفي هامش "اللامع": لا يذهب عليك أن الإمام البخاري ترجم على الحديث باب الإذخر والحشيش، ولم يذكر في الحديث إلا الإذخر فقط.
قال الحافظ: أراد المصنف بذكر الحشيش التنبيه على إلحاقه بالإذخر، وأن المراد باستعمال الإذخر البسط ونحوه، لا التطيب، وقال القسطلاني(5): قوله: "والحشيش" إلحاقًا له بالإذخر في الفرج التي تتخلل بين اللبنات في القبر واستعماله فيه بالبسط ونحوه لا التطيب، انتهى.
ولا يبعد عندي: أن المؤلف نبّه بذكر الحشيش في الترجمة على أن--------------------------------------------
(1) "الهداية" (1/ 92).
(2) "فتح الباري" (3/ 212).
(3) انظر: "عمدة القاري" (6/ 221)، و"إرشاد الساري" (3/ 490)، و"مجمع بحار الأنوار" (1/ 58).
(4) "فتح الباري" (3/ 214).
(5) "إرشاد الساري" (3/ 490).
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: ٢٢٣)