قوله: (لا تُصِرّوا) بضم أوله وفتح الصاد المهملة وضم الراء المشددة: من صرَّيت اللبن في الضَّرع إذا جمعته، وظنَّ بعضهم: أنه من صررت، فقيَّده بفتح أوله وضمِّ ثانيه.
قال في الفتح(1): والأوّل أصحّ، قال: لأنه لو كان من صررت لقيل: مَصْرُورة [أو مصرَّرَة](2) لا مصراة، على أنه قد سُمِعَ الأمران في كلام العرب، ثم استدلّ على ذلك بشاهدين عربيين(3).
ثم قال(4): وضبطه بعضهم بضم أوّله وفتح ثانيه بغير واو على البناء للمجهول، والمشهور الأوّل، اهـ.
قال الشافعي(5): التصرية: هي ربط أخلاف الشاة، أو الناقة، وترك حلبها حتى يجتمع لبنها فيكثر فيظنُّ المشتري أن ذلك عادتها فيزيد في ثمنها لما يرى من كثرة لبنها.
وأصل التصرية حبس الماء يقال منه صريت الماء: إذا حبسته. [قال أبو عبيد(6)](7) وأكثر أهل اللغة: التصرية: حبس اللبن في الضرع حتى يجتمع، وإنما اقتصر على ذكر الإبل والغنم دون البقر لأن غالب مواشيهم كانت من الإبل والغنم، والحكم واحد خلافًا لداود.
قوله: (فمن ابتاعها بعد ذلك)، أي: اشتراها بعد التصرية.--------------------------------------------
(1) في "الفتح" (4/ 362).
(2) ما بين الخاصرتين سقط من المخطوط (ب).
(3) أي استدل الحافظ في "الفتح" (4/ 362) بشاهدين عربيين، وهما:
(الأول): قال الأغلب العجلي:
رَأَتْ غُلَامًا قَدْ صَرَى في فِقْرَتِه: … ماءَ الشَّبَابِ عُنْفُوَانَ شِرَّتهِ
وفي "الفتح" "سيرته" بدل "شِرَّتِه".
(الثاني): وقال مالك بن نويرة:
فقلت لقومي هذه صدقاتكم: … مصررة أخلافها لم تحرر
(4) أي الحافظ في "الفتح" (4/ 362).
(5) "الوسيط في المذهب" للغزالي (3/ 122).
(6) في غريب الحديث (2/ 241 - 242) لأبي عبيد.
(7) في المخطوط (أ): (قال أبو عبيدة).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 222)
قوله: (بعد أن يحلبها) ظاهره: أن الخيار لا يثبت إلا بعد الحلب، والجمهور(1) على أنه إذا علم بالتصرية ثبت له الخيار على الفور ولو لم يحلب لكن لما كانت التصرية لا يعرف غالبها إلا بعد الحلب جعل قيدًا في ثبوت الخيار.
قوله: (إن رضيها أمسكها)، استدل بهذا على صحة بيع المصراة مع ثبوت الخيار.
قوله: (وصاعًا من تمر) الواو عاطفة على الضمير في ردها، ولكنه يعكِّر عليه أن الصاع مدفوع ابتداء لا مردود. ويمكن أن يقال إنه مجاز عن فعل يشمل الأمرين نحو سلمها أو ادفعها كما في قول الشاعر(2):
عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً باردًا
أي ناولتها. ويمكن أن يقدر [بفعل](3) آخر يناسب المعطوف، أي: ردها--------------------------------------------
(1) المغني (6/ 219).
(2) قال الأستاذ عبد الغني الدقر في تعليقه وشرحه على "شرح شذور الذهب" (ص 312 رقم الشاهد 115):
"البيت مجهول القائل، وقد استشهد به المؤلف في أوضحه (رقم 258) وابن عقيل (رقم 165) والأشموني (رقم 441).
ويروى صدره عجزًا في بيت آخر هكذا:
لَمَّا حَطَطْتُ الرَّحْلَ عنا وَارِدًا … عَلَفْتُها تِبْنًا ومَاء بَارِدًا" اهـ.
• وقال محمد محيي الدين عبد الحميد، في كتابه "عدة السالك إلى تحقيق أوضح المسالك" (2/ 215) رقم الشاهد (258):
"يجعل بعض العلماء هذا الشاهد صدرًا لبيت ينشدونه هكذا:
عَلَفْتُها تِبْنًا ومَاءً باردًا … حتى شَتَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا
وهكذا رواه ابن هشام في شرح الشذور رقم (115) وبعضهم يجعل هذا الشاهد عجزًا لبيت ينشدونه هكذا:
لَمَّا حَطَطْتُ الرَّحْلَ عنها وَارِدًا … عَلَفْتُها تِبْنًا ومَاءً بارِدَا
ولم أقف له على نسبة إلى قائل معين، ولا عثرت له علَى سوابق أو لواحق تؤيد إحدى الروايتين، والظاهر أن التكملة التي تذكر معه مصنوعة، فإن التكلف فيها يكاد ينادي بذلك" اهـ.
(3) في المخطوط (أ): (فعل).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 223)
وسلم، أو أعط صاعًا كما قيل: إن التقدير في قول الشاعر المذكور: وسقيتها ماءً باردًا.
وقيل: يجوز أن تكون الواو بمعنى مع، ولكنه يعكِّر عليه قول [جمهور النحاة(1)](2): إن شرط المفعول معه أن يكون فاعلًا في المعنى، نحو: جئت أنا وزيدًا وقمت أنا وزيدًا، نعم جعله مفعولًا معه صحيح عند من قال بجواز مصاحبته للمفعول به وهم القليل.
وقد استدل بالتنصيص على الصاع من التمر على أنه لا يجوز رد اللبن ولو كان باقيًا على صفته لم يغير، ولا يلزم البائع قبوله لذهاب طراوته واختلاطه بما تجدد عند المشتري.--------------------------------------------
(1) قال محمد محيي الدين عبد الحميد في كتابه: "عدة السالك إلى تحقيق أوضح المسالك (2/ 216 - 217):
"الشاهد فيه: قوله (وماء) فإن علماء العربية مجمعون على أنه لا يجوز أن يكون (ماء) معطوفًا على قوله (تبنًا) عطف مفرد على مفرد مع بقاء قوله (علفتها) على معناه الأصلي الذي وضع له في لسان العرب، والسر في ذلك أن من شرط عطف المفرد على المفرد أن يكون العامل في المفرد المعطوف عليه مما يصح أن يتسلط على المفرد المعطوف، وههنا لا يجوز ذلك أن تقول: علفتها ماء باردًا؛ لأن العلف خاص بما يطعم.
وقد ذكر العلماء - بعد ذلك - في تخريج مثل هذا التعبير ثلاثة تخريجات:
(التخريج الأول): أن يكون قوله (وماء) مفعولًا معه، ذكر هذا الوجه ابن عقيل في شرحه على الألفية، وصدر به التخريجات، وقد أبطله المؤلف ههنا كما أبطل صحة عطفه على ما قبله، ووجه إبطاله أن الماء لا يشارك التبن لا في معنى العلف ولا في زمان العلف؛ فلما لم يشاركه في معنى العلف لم يصح أن يكون قوله (وماء) معطوفًا على قوله (تبنًا) ولما لم يشاركه في الزمان - بسبب أن الناقة لا تشرب الماء في وقت تناولها التبن - لم يصح أن يكون (وماء) مفعولًا معه أيضًا؛ فإن من شرط انتصاب الاسم على أنه مفعول معه أن يكون مشاركًا لما قبله في زمان تسلط العامل عليه، ويدل على هذا اشتراطهم أن تكون الواو السابقة عليه دالة على المصاحبة.
(والتخريج الثاني): أن يكون قوله (وماء) معطوفًا عل قوله (تبنًا) بعد التأويل في العامل …
(والتخريج الثالث): أن يكون قوله (وماء) مفعولًا به لفعل محذوف يقتضيه السياق … " اهـ.
(2) في المخطوط (ب): (الجمهور).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 224)
قوله: (لقحة) هي الناقة الحلوب أو التي نتجت.
قوله: (ثلاثة أيام)، فيه دليل على امتداد الخيار هذا المقدار، فتقيَّد بهذه الرواية الروايات القاضية بأن الخيار بعد الحلب على الفور كما في قوله: "بعد أن يحلبها".
وإلى هذا ذهب الشافعي(1) والهادي (2) والناصر(2) وذهب بعض الشافعية (1) إلى أن الخيار على الفور وحملوا رواية الثلاث على ما إذا لم يعلم أنها مصراة قبل الثلاث قالوا: وإنما وقع التنصيص عليها لأن الغالب أنه لا يعلم بالتصرية فيما دونها.
واختلفوا في ابتداء الثلاث فقيل: من وقت بيان التصرية، وإلية ذهبت الحنابلة(3).
وقيل: من حين العقد، وبه قال الشافعي (1).
وقيل: من وقت التفرق، قال في الفتح(4): ويلزم عليه أن يكون الفور أوسع من الثلاث في بعض الصور، وهو ما إذا تأخر ظهور التصريح إلى آخر الثلاث، ويلزم عليه أن تحسب المدة قبل التمكن من الفسخ، وأن يفوت المقصود من التوسيع بالمدة، اهـ.
قوله: (من تمر لا سمراء)، لفظ مسلم(5) وأبي داود(6): "من طعام لا سمراء"، وينبغي أن يحمل الطعام على التمر المذكور في هذه الرواية وفي غيرها من الروايات؛ ثم لما كان المتبادر من لفظ الطعام: القمح، نفاه بقوله: (لا سمراء)، ويشكل على هذا الجمع ما في رواية للبزار(7) بلفظ: "صاع من بُرٍّ لا سمراء".
وأجيب عن ذلك بأنه يحتمل أن يكون على وجه الرواية بالمعنى لما ظن الراوي أن الطعام مساو للبرّ عبر عنه بالبر، لأن المتبادر من الطعام البر كما سلف في الفطرة.--------------------------------------------
(1) الوسيط في المذهب للغزالي (3/ 124 - 125) بتفصيل.
(2) البحر الزخار (3/ 353).
(3) المغني (6/ 220 - 221).
(4) (4/ 362).
(5) في صحيحه رقم (25/ 1524).
(6) في سننه رقم (3444).
(7) لم أقف عليه.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 225)
ويشكل على ذلك الجمع أيضًا ما في مسند أحمد(1) بإسناد صحيح كما قال الحافظ(2) عن رجل من الصحابة بلفظ: "صاعًا من طعام أو صاعًا من تمر"، فإن التخيير يقتضي المغايرة.
وأجاب عنه في الفتح(3) باحتمال أن يكون شكًّا من الراوي، والاحتمال قادح في الاستدلال، فينبغي الرجوع إلى الروايات التي لم تختلف.
ويشكل أيضًا ما أخرجه أبو داود(4) من حديث ابن عمر بلفظ: "ردها وردّ معها مثل أومثلَي لبنها قمحًا".
وأجاب عن ذلك الحافظ(5) بأن إسناد الحديث ضعيف.
قال(6): وقال ابن قدامة(7): إنه متروك الظاهر بالاتفاق.
قوله: (مُحَفَّلَةً) بضم الميم وفتح الحاء المهملة والفاء المشددة من التحفيل وهو التجميع.
قال أبو عبيد(8): سميت بذلك لكون اللبن يكثر في ضرعها، وكل شيء كثَّرته فقد حفلته. تقول: ضرع حافل: أي عظيم، واحتفل القوم إذا كثر جمعهم، ومنه سمي المحفل.
وقد أخذ بظاهر الحديث الجمهور.
قال في الفتح(9): وأفتى به ابن مسعود وأبو هريرة ولا مخالف لهما في الصحابة.
وقال به من التابعين ومن بعدهم من لا يحصى عدده، ولم--------------------------------------------
(1) في المسند (4/ 314) بسند صحيح.
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (4/ 82) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(2) في "الفتح" (4/ 364).
(3) (4/ 364).
(4) في سننه رقم (3346) وهو حديث ضعيف.
(5) في "الفتح" (4/ 364).
(6) أي الحافظ ابن حجر في المرجع السابق.
(7) المغني (6/ 218).
(8) في غريب الحديث (2/ 241 - 242).
(9) (4/ 364).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 226)
يفرقوا بين أن يكون اللبن الذي احتلب قليلًا أو كثيرًا، ولا بين أن يكون التمر قوت تلك البلد أم لا.
وخالف في أصل المسألة أكثر الحنفية وفي فروعها آخرون.
أما الحنفية(1) فقالوا: لا يرد بعيب التصرية ولا يجب رد الصاع من التمر وخالفهم زفر فقال بقول الجمهور(2)، إلا أنه قال: يخير بين صاع من التمر أو نصف صاع من بر.
وكذا قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف في رواية إلا أنهما قالا: لا يتعين صاع التمر بل قيمته.
وفي رواية عن مالك(3) وبعض الشافعية(4) كذلك، ولكن قالوا: يتعين قوت البلد قياسًا على زكاة الفطر.
وحكى البغوي(5) أنه لا خلاف في مذهب الشافعية أنهما لو تراضيا بغير التمر من قوت أو غيره كفى، وأثبت ابن كج الخلاف في ذلك.
وحكى الماورديُّ(6) وجهين فيما إذا عجز عن التمر هل يلزمه قيمتُهُ ببلده أو بأقربِ البلاد التي فيها التمر إليه؟ وبالثاني قالت الحنابلة(7) اهـ. كلام الفتح(8).
والهادوية(9) يقولون: إن الواجب رد اللبن إن كان باقيًا وإن كان تالفًا فمثله وإن لم يوجد المثل فالقيمة.--------------------------------------------
(1) اللباب في الجمع بين السنة والكتاب (2/ 494 - 495) والمبسوط للسرخسي (13/ 38، 39) وشرح معاني الآثار (4/ 21 - 22).
(2) قال العمراني في "البيان" (5/ 265):
"… إن اشترى الرجلُ ناقةً أو شاةً أو بقرةً مصرَّاةً، ولم يعلم أنها مصرَّاةٌ، ثم عَلِم أنَّها مصرَّاةٌ … ثبتَ له الخيارُ بينَ الإمساكِ والردِّ. هذا مذهبنا - أي الشافعية - وبه قالَ من الصحابة: ابنُ مسعودٍ، وابنُ عُمرَ وأبو هريرةَ، وأنس، ومن الفقهاءِ: مالكٌ واللَّيثُ، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف وزُفَرُ.
وقال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ: (ليس ذلك بعيب، ولا يثبتُ له الردُّ لأجلهِ).
وقال داود: (يثبت له الردُّ في الناقةِ والشاةِ، ولا يثبتُ له الردُّ في البقرة) "اهـ.
(3) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/ 188).
(4) البيان (5/ 270).
(5) في شرح السنة (8/ 127 - 128).
(6) الحاوي الكبير (5/ 241).
(7) المغني (6/ 217).
(8) (4/ 364).
(9) البحر الزخار (3/ 353).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 227)
وقد اعتذرَ الحنفيَّةُ عن حديث المصَرَّاة بأعذار بسطها صاحب "فتح الباري"(1)، وسنشير إلى ما ذكره باختصار، ونزيد عليه ما لا يخلو عن فائدة.
(العذر الأول): الطعن في الحديث بكون راويه أبا هريرة، قالوا: ولم يكن كابن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة فلا يؤخذ بما يرويه إذا كان مخالفًا للقياس الجلي(2)، وبطلان هذا العذر أوضح من أن يشتغل ببيان وجهه، فإن أبا هريرة رضي الله عنه من أحفظ الصحابة وأكثرهم حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يكن أحفظهم على الإطلاق، وأوسعهم رواية لاختصاصه بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له بالحفظ كما ثبت في الصحيحين(3) وغيرهما في قصة بسطه لردائه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن كان بهذه المنزلة لا ينكر عليه تفرده بشيء من الأحكام الشرعية.
وقد اعتذر رضي الله عنه عن تفرُّدِهِ بكثير مما لا يشاركه فيه غيره بما ثبت عنه في الصحيح(4) من قوله: إن أصحابي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق--------------------------------------------
(1) (4/ 364 - 368).
(2) وهو ما قطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع. كقياس الأمة على العبد في أحكام العتق، فإنا نعلم قطعًا أن الذكورة والأنوثة فيهما لم يعتبره الشارع وأنه لا فارق بينهما إلا ذلك فحصل لنا القطع بنفي الفارق.
[انظر: إرشاد الفحول ص 733 واللمع ص 55].
• وهو كلام آذى قائله به نفسه، وفي حكايته غنى عن تكلف الرد عليه، وقد ترك أبو حنيفة القياس الجلي لرواية أبي هريرة وأمثاله، كما في الوضوء بنبيذ التمر، ومن القهقهة في الصلاة، وغير ذلك - وأظن لهذه النكتة أورد البخاري حديث ابن مسعود عقب حديث أبي هريرة إشارة منه إلى أن ابن مسعود قد أفتى بوفق حديث أبي هريرة، فلولا أن خبر أبي هريرة في ذلك ثابت لما خالف ابن مسعود القياس الجلي في ذلك … ).
ثم قال: (ثم مع ذلك لم يتفرد أبو هريرة برواية هذا الأصل ....
وقال ابن عبد البر: هذا الحديث مجمع على صحته وثبوته من جهة النقل، واعتل من لم يأخذ به بأشياء لا حقيقة لها. [الفتح 4/ 364 - 365)].
وقد أُعجب أحمد محمد شاكر بكلام ابن حجر في المصراة فوصفه بأنه: القول البليغ المتسامي في أدب النقد على من تجرأ على المساس بأبي هريرة.
[مسند الإمام أحمد 13/ 29].
(3) البخاري رقم (119) ومسلم رقم (159/ 2492).
(4) البخاري رقم (118) ومسلم رقم (159/ 2492).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 228)
بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا.
وأيضًا لو سلم ما ادعوه من أنه ليس كغيره في الفقه لم يكن ذلك قادحًا في الذي [ينفرد](1) به، لأن كثيرًا من الشريعة بل أكثرها وارد من غير طريق المشهورين بالفقه من الصحابة، فطرح حديث أبي هريرة يستلزم طرح شطر الدين(2).
على أن أبا هريرة لم ينفرد برواية هذا الحكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بل رواه معه ابن عمر كما أخرج ذلك من حديثه أبو داود(3) والطبراني(4).
وأنس، كما أخرج ذلك من حديثه أبو يعلى(5).--------------------------------------------
(1) في المخطوط (ب): (تفرد).
(2) انظر ترجمة أبي هريرة في: "المسند" لأحمد (5/ 114 - 115) و (2/ 228 - 541) وطبقات ابن سعد (2/ 362 - 364) و (4/ 325 - 341) والمعارف (277 - 278، 285) والمعرفة والتاريخ (1/ 486) و (3/ 160، 161، 162) وأخبار القضاة (1/ 111 - 116) والمستدرك (3/ 506 - 514) وحلية الأولياء (1/ 376 - 385 رقم 85) وجامع الأصول (95 رقم 6641) و"العبر" (1/ 46) ومعرفة القراء (1/ 43 - 44 رقم 8) و"مجمع الزوائد" (9/ 361 - 362) وتهذيب التهذيب (12/ 288 - 292 وو: دار الفكر) والإصابة (12/ 63 - 79 رقم 1180) والاستيعاب (12/ 167 - 176 رقم 3208) وشذرات الذهب (1/ 63، 64).
وكتاب "دفاع عن أبي هريرة"، تأليف: عبد المنعم صالح العلي العزي.
(3) في سننه رقم (3446).
(4) في المعجم الأوسط رقم (6771).
قال المنذري في "مختصر السنن" (5/ 89): "وأخرجه ابن ماجه، وقال الخطابي: وليس إسناده بذلك. والأمر كما قال.
فإن جميع بن عمير، قال ابن نمير: هو من أكذب الناس.
وقال ابن حبان: كان رافضيًا يضع الحديث" اهـ.
وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.
(5) في المسند (2767).
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (4/ 81) وقال: رواه أبو يعلى وفيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف.
قلت: وأخرجه الحارث في مسنده (2/ 494 رقم 429 - بغية الباحث) والبزار في مسنده (رقم 1274 - كشف). =
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 229)
وعمرو بن عوف المزني، كما أخرج ذلك عنه البيهقي(1).
ورجل من الصحابة لم يسم، كما أخرجه أحمد(2) بإسناد صحيح.
وابن مسعود كما أخرجه الإسماعيلي(3) وإن كان قد خالفه الأكثر، [ورووه](4) موقوفًا عليه كما فعله البخاري(5) وغيره(6) وتبعهم المصنف.
ولكن مخالفة ابن مسعود للقياس الجلي مشعرة بثبوت حديث أبي هريرة.
قال ابن عبد البر(7) ونِعم ما قال: إن هذا الحديث مجمع على صحته وثبوته من جهة النقل، واعتل من لم يأخذ به بأشياء لا حقيقة لها.
(العذر الثاني) من أعذار الحنفية: الاضطراب(8) في متن الحديث، قالوا:--------------------------------------------
= وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (4/ 108) وقال: رواه البزار وفيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف.
وخلاصة القول: أن الحديث بهذا الإسناد ضعيف، لضعف إسماعيل بن مسلم المكيَّ، ومدار طرقه عليه. ولكن المتن صحيح. والله أعلم.
(1) في "الخلافيات" كما في "فتح الباري" (4/ 365).
(2) في المسند (4/ 314) بسند صحيح، وإيهام الصحابي لا يضر.
قلت: وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (4/ 11)، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (4/ 82) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح".
(3) كما في "فتح الباري" (4/ 368).
(4) في المخطوط (ب): (ورواه).
(5) في صحيحه رقم (2149) موقوفًا.
(6) كالبيهقي في السنن الكبرى (5/ 319).
(7) في "التمهيد" (12/ 283).
(8) المُضْطَرِبُ: هو الحديث الذي روي على أوجه مختلفة على التساوي في الاختلاف من راوٍ واحدٍ - بأن رواه مرّة على وجه، وأخرى على وجه آخر مخالف للأول - أو أكثر من واحد: بأن رواه كل من الرواة على وجه مخالف للآخر.
فلا يكون الحديث مضطربًا إلّا إذا تساوت الروايات المختلفة فيه في الصحة بحيث لا يمكن الترجيح بينها ولا الجمع.
أمّا إذا ترجحت إحدى الروايات بكون راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عنه أو غير ذلك من وجوه الترجيح فلا يكون مضطربًا، بل الحكم بالقبول حينئذٍ للراجح حتمًا، والمرجوحُ يكون شاذًا أو منكرًا.
كما أن الحديث لا يكون مضطربًا إذا أمكن الجمع بين رواياته المختلفة بحيث يكون المتكلم قد عبَّر بلفظتين أو أكثر عن معنًى واحد، أو قصد بيان حكمين متغايرين.
ويقع الاضطراب في الإسناد أو في المتن، أو في كليهما. =
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 230)
لذكر التمر فيه تارة والقمح أخرى واللبن أخرى، واعتبار الصاع تارة والمثل أو المثلين أخرى.
وأجيب بأن الطرق الصحيحة لا اختلاف فيها والضعيف لا يعلّ به الصحيح.
(العذر الثالث): أنه معارض لعموم قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ}(1).
وأجيب بأنه من ضمان المتلفات لا العقوبات، ولو سلم دخوله تحت العموم، فالصاع مِثْلٌ لأنه عوض المتلف، وجعله مخصوصًا بالتمر دفعًا للشجار، ولم سُلِّم عدم صدق المِثْل عليه فعموم الآية مخصَّصٌ بهذا الحديث.
أما على مذهب الجمهور فظاهر، وأما على مذهب غيرهم فلأنه مشهور، وهو صالح لتخصيص العمومات القرآنية.
(العذر الرابع): أن الحديث منسوخ، وأجيب بأن النسخ لا يثبت بمجرّد الاحتمال، ولو كفى ذلك لرد من شاء ما شاء.
واختلفوا في تعيين الناسخ؛ فقال بعضهم: هو حديث ابن عمر عند ابن ماجه(2) في النهي عن بيع الدَّيْنِ بالدَّيْنِ، وذلك لأن لبن المصراة قد صار دينًا في--------------------------------------------
= أما حكم المضطرب: فالأصل في الاضطراب حيث وقع أنه يوجب ضعف الحديث" اهـ.
[التبصرة والتذكرة (1/ 240 - 245)].
(1) سورة النحل، الآية: 126.
(2) لم أقف عليه عند ابن ماجه.
بل أخرجه الدارقطني في السنن (3/ 72 رقم 270) والحاكم في المستدرك (2/ 57) وقال: حديث صحيح على شرط مسلم. والبيهقي (5/ 290) من طريق: موسى بن عقبة، عن نافع عن ابن عمر به. وغلطهما البيهقي وقال: إنما هو موسى بن عبيدة الربذي.
وأخرجه ابن عدي في "الكامل" (6/ 2335) وأعله بموسى بن عبيدة هذا ونقل تضعيفه عن أحمد، قال: فقيل لأحمد: إن شعبة يروي عنه، قال: لو رأى شعبة ما رأينا منه لم يرو عنه. قال ابن عدي: والضعف على رواياته بيّن".
وقال الحافظ في "التلخيص" (3/ 62): قال الشافعي: أهل الحديث يوهنون هذا الحديث، وقد جزم الدارقطني في "العلل" بأن موسى بن عبيدة تفرد به، فهذا يدل على أن الوهم في قوله: موسى بن عقبة من غيره. =
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 231)
ذمة المشتري، فإذا أُلزِم بصاعٍ من تمر صار دينًا بدين. كذا قال الطحاوي(1).
وتعقب بأن الحديث ضعيف باتفاق المحدثين، ولو سلمت صلاحيته فكون ما نحن فيه من بيع الدين بالدَّينِ ممنوع لأنه يردُّ الصاع مع المصرَّاة حاضرًا لا نسيئة من غير فرق بين أن يكون اللبن موجودًا أو غير موجود، ولو سلم أنه من بيع الدين بالدين فحديث الباب مخصص لعموم ذلك النهي لأنه أخص منه مطلقًا.
وقال بعضهم: إنَّ ناسخه حديث "الخراج بالضمان"(2) وقد تقدم، وذلك لأن اللبن فضلة من فضلات الشاة ولو تلفت لكانت من ضمان المشتري فتكون فضلاتها له.
وأجيب بأن المغروم هو ما كان فيها قبل البيع لا الحادث.
وأيضًا حديث الخراج بالضمان بعد تسليم شموله لمحل النزاع عام مخصوص بحديث الباب فكَيف يكون ناسخًا؟
وأيضًا لم ينقل تأخره والنسخ لا يتم بدون ذلك، ثم لو سلمنا مع عدم العلم بالتاريخ جواز المصير إلى التعارض وعدم لزوم بناء العام على الخاص لكان حديث الباب أرجح لكونه في الصحيحين وغيرهما ولتأيده بما ورد في معناه عن غير واحد من الصحابة.
وقال بعضهم: ناسِخُهُ الأحاديث الواردة في رفع العقوبة بالمال، هكذا. قال عيسى بن أبان. وتعقبه الطحاوي(3) بأن التصرية إنما وجدت من البائع، فلو كان من ذلك الباب لكانت العقوبة له، والعقوبة في حديث المصرّاة للمشتري فافترقا، وأيضًا عموم الأحاديث القاضية بمنع العقوبة بالمال على فرض--------------------------------------------
= وفي "الطبراني" - (ج 4 رقم 4375) - من طريق عيسى بن سهل بن رافع بن خديج، عن أبيه، عن جده: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة والمزابنة، ونهى أن يقول الرجل: أبيع هذا بنقد، وأشتريه بنسيئة حتى يبتاعه ويحرزه، ونهى عن كالئ بكالئ: دين بدين.
وهذا لا يصلح شاهدًا لحديث ابن عمر، فإنه من طريق موسى بن عبيدة أيضًا، عن عيسى بن سهل، وكان الوهم فيه من الراوي عنه محمد بن يعلى زنبور" اهـ.
وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة، والله أعلم.
(1) في شرح معاني الآثار (4/ 21).
(2) تقدم تخريجه برقم (2276). من كتابنا هذا.
(3) في شرح معاني الآثار (4/ 20).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 232)
ثبوتها مخصوصة بحديث المصراة، وقد قدمنا البحث في التأديب بالمال مبسوطًا في كتاب الزكاة(1).
وقال بعضهم: ناسخه حديث: "البيعان بالخيار ما لم يفترقا"، وقد تقدم(2)، وبذلك أجاب محمد بن شجاع.
ووجه الدلالة أن الفرقة قاطعة للخيار من غير فرق بين المصراة وغيرها.
وأجيب بأن الحنفية لا يثبتون خيار المجلس كما سلف فكيف يحتجون بالحديث المثبت له.
وأيضًا بعد تسليم صحة احتجاجهم به هو [مخصص](3) بحديث الباب.
وأيضًا قد أثبتوا خيار العيب بعد التفرق وما هو جوابهم فهو جوابنا.
(العذر الخامس): أن الخبر من الآحاد وهي لا تفيد إلا الظنّ وهو لا يعمل به إذا خالف قياس الأصول(4)، وقد تقرر أن المِثْلِيَّ يُضمن بمثله، والقِيميَّ بقيمته من أحد النقدين، فكيف يضمن بالتمر على الخصوص؟
وأجيب بأن التوقف في خبر الواحد إنما هو إذا كان مخالفًا للأصول لا لقياس الأصول، والأصول: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والأولان هما الأصل، والآخران مردودان إليهما، فكيف يرد الأصل بالفرع؟ ولو سلِّم أن الآحادي يُتوقف فيه على الوجه الذي زعموا فلا أقل لهذا الحديث الصحيح من صلاحيته لتخصيص ذلك القياس المدّعى.--------------------------------------------
(1) خلال شرح الحديث (1533) من كتابنا هذا.
(2) برقم (2233) من كتابنا هذا.
(3) في المخطوط (ب): "مخصوص".
(4) قال ابن قيم الجوزية في "إعلام الموقعين" (4/ 134 ط: دار ابن الجوزي):
"رد المحكم الصحيح الصريح في مسألة المصرّاة بالمتشابه من القياس، وزعمهم أن هذا الحديث يُخالف الأصول فلا يُقبل؛ فيقال: الأصولُ كتابُ الله وسنةُ رسوله وإجماعُ أمّته والقياس الصحيح الموافق للكتاب، والسنّة؛ فالحديثُ الصحيحُ أصلٌ بنفسه، فكيف يقال: الأصل يخالف نفسه؟ هذا من أبطل الباطل، والأصول في الحقيقة اثنان لا ثالث لهما: كلامُ الله، وكلامُ رسوله، وما عداهما فمردود إليهما؛ فالسنة أصل قائم بنفسه، والفياس فرع، فكيف يرد الأصل بالفرع؟ قال الإمام أحمد: إنما القياس أن تقيس على أصل، فأما أن تجيء إلى الأصل فتهدمه ثم تقيس، فعلى أيِّ شيء تقيس؟ " اهـ.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 233)
وقد أجيب عن هذا العذر بأجوبة غير ما ذكر، ولكن أمثلها ما ذكرناه.
ومن جملة ما خالف فيه هذا الحديث القياس عندهم: أن الأصول تقتضي أن يكون الضمان بقدر التالف وهو مختلف، وقد قدر ههنا بمقدار معين وهو الصاع.
وأُجيب بمنع التعميم في جميع المضمونات، فإن الموضحة أرشها مقدّر مع اختلافها بالكبر والصغر، وكذلك كثير من الجنايات. والغُرَّة مقدَّرة في الجنين مع اختلافه.
والحكمة في تقدير الضمان ههنا بمقدار واحد لقطع التشاجر لما كان قد اختلط اللبن الحادث بعد العقد باللبن الموجود قبله، فلا يعرف مقداره حتى يسلم المشتري نظيره.
والحكمة في التقدير بالتمر أنه أقرب الأشياء إلى اللبن لأنه كان قوتهم إذ ذاك كالتمر.
ومن جملة ما خالف به الحديث القياس عندهم أنه جعل الخيار فيه ثلاثًا، مع أن خيار العيب لا يقدر بالثلاث، وكذلك خيار الرؤية والمجلس.
وأُجِيبَ بأنَّ حكم المصرّاة انفرد بأصله عن مماثله؛ فلا يستغرب أن ينفرد بوصف يخالف غيره، وذلك لأن هذه المدة هي التي يتبين بها لبن الغرر، بخلاف خيار الرؤية، والعيب، والمجلس؛ فلا يحتاج إلى مدة.
ومن جملة ما خالف به القياس عندهم: أنه يلزم من الأخذ به الجمع بين العوض والمعوض فيما إذا كان قيمة الشاة صاعًا من تمر؛ فإنها ترجع إليه مع الصاع الذي هو مقدار ثمنها.
وأُجِيبَ بأن التمر عوض اللبن لا عوض الشاة فلا يلزم ما ذكر.
ومن جملة ما خالف به القياس عندهم أنه إذا استردّ مع الشاة صاعًا، وكان ثمن الشاة صاعًا كان قد باع شاة وصاعًا بصاع فيلزم الربا.
وأُجِيبَ بأن الربا إنما يعتبر في العقود لا في الفسوخ، بدليل أنهما لو تبايعا ذهبًا بفضة لم يجز أن يتفرقا قبل القبض ولو تقايلا في هذا العقد بعينه جواز التفرق قبل القبض.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 234)
ومن جملة المخالفة أنه يلزم من الأخذ به ضمان الأعيان مع بقائها فيما إذا كان اللبن موجودًا.
وأُجِيبَ بأنه تعذر رده لاختلاطه باللبن الحادث وتعذّر تمييزه فأشبه الآبق بعد الغصب فإنه يضمن قيمته ثم بقاء عينه لتعذر ردّه.
ومنها أنه يلزم من الأخذ به إثبات الردّ بغير عيب ولا شرط.
وأُجيبَ بأن أسباب الردّ لا تنحصر في الأمرين المذكورين بل له أسباب كثيرة، منها الردُّ بالتدليس، وقد أثبت به الشارع الردّ في الركبان إذا تُلُقّفوا كما سلف.
ولا يخفى على منصف أن هذه القواعد التي جعلوا هذا الحديث مخالفًا لها لو سلم أنها قد قامت عليها الأدلة لم يقصر الحديث عن الصلاحية لتخصيصها، فيا لله العجب من قوم يبلغون في المحاماة عن مذاهب أسلافهم وتأثيرها على السنة المطهرة الصريحة الصحيحة إلى هذا الحد الذي يُسَرُّ به إبليس وينفق في حصول مثل هذه القضية التي قلّ طمعه في مثلها لا سيما من علماء الإسلام النفس والنفيس، وهكذا فلتكن ثمرات التمذهبات وتقليد الرجال في مسائل الحرام والحلال.
(العذر السادس): أن الحديث محمول على صورة مخصوصة؛ وهي ما إذا اشترى شاة بشرط أنها تَحْلِبُ مثلًا خمسة أرطال، وشرط فيها الخيار، فالشرط فاسد، فإن اتفقا على إسقاطه في مدَّة الخيار صحّ العقد، وإن لم يتفقا بطل، ووجب ردّ الصاع من التمر؛ لأنه كان قيمة اللبن يومئذٍ.
وأُجيب بأن الحديث معلَّق بالتصرية، وما ذكروه يقتضي تعليقه بفساد الشرط سواءٌ وجدت تصرية أم لا؛ فهو تأويل متعسِّف.
وأيضًا لو سلم أن ما ذكروه من جملة صور الحديث، فالقصر على صورة مُعيَّنة هي فرد من أفراد الدليل لا بد من إقامة دليل عليه.
قال في الفتح(1): واختلف القائلون بالحديث في أشياء منها: لو كان عالمًا--------------------------------------------
(1) فتح الباري (4/ 367).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 235)
بالتصرية هل يثبت له الخيار؟ فيه وجه للشافعية(1)؛ قال: ومنها لو صار لبن المصراة عادة واستمر على كثرته هل له الرد؟ فيه وجه لهم(2) أيضًا خلافًا للحنابلة(3) في المسألتين.
ومنها لو تصرَّت بنفسها أو صرَّاها المالك لنفسه، ثم بدا له فباعها، فهل يثبت ذلك الحكم؟ فيه خلاف، فمن نظر إلى المعنى أثبته لأن العيب يثبت الخيار ولا يشترط فيه تدليس، ومن نظر إلى أن حكم التصرية خارج عن القياس خصه بمورده، وهو حالة العمد، فإن النهي إنما يتناولها فقط.
ومنها لو كان الضرع مملوءًا لحمًا فظنه المشتري لبنًا فاشتراها على ذلك ثم ظهر له أنه لحم هل يثبت له الخيار؟ فيه وجهان حكاهما بعض المالكية(4).
ومنها لو اشترى غير مصراة ثم اطلع على عيب بها بعد حلبها، فقد نص الشافعي(5) على جواز الرد مجانًا لأنه قليل غير معتنى بجمعه. وقيل: يرد بدل اللبن كالمصراة.
وقال البغوي(6): يرد صاعًا من تمر، اهـ.
والظاهر عدم ثبوت الخيار مع علم المشتري بالتصرية لانتفاء الغرر الذي هو السبب للخيار.
وأما كون سبب الغرر حاصلًا من جهة البائع فيمكن أن يكون معتبرًا لأن حكمه صلى الله عليه وسلم بثبوت الخيار بعد النهي عن التصرية مشعر بذلك.
وأيضًا المصراة المذكورة في الحديث اسم مفعول، وهو يدل على أن التصرية وقعت عليها من جهة الغير، لأن اسم المفعول هو لمن وقع عليه فعل الفاعل، ويمكن أن لا يكون معتبرًا لأن تصري الدابة من غير قصد، وكون ضرعها ممتلئًا لحمًا يحصل به من الغرر ما يحصل بالتصرية عن قصد فينظر.--------------------------------------------
(1) و(2) البيان للعمراني (5/ 271 - 272) والحاوي الكبير (5/ 243).
(3) المغني (6/ 219 - 220).
(4) فتح الباري (4/ 367).
(5) البيان للعمراني (5/ 274) والحاوي (5/ 243).
(6) في شرح السنة (8/ 125).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 236)
قال ابن عبد البر(1): هذا الحديث أصل في النهي عن الغش وأصل في ثبوت الخيار لمن دلس عليه بعيب. وأصل في أنه لا يفسد أصل البيع. وأصل في أن مدة الخيار ثلاثة أيام. وأصل في تحريم التصرية وثبوت الخيار بها.
[الباب الرابع] باب النهي عن التسعير
8/ 2279 - (عَنْ أنَسٍ قالَ: غَلَا السِّعْرُ على عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسُولَ الله لوْ سَعَّرْتَ؟ فقالَ: "إنَّ الله هُوَ القَابِضُ الْباسِطُ الرَّازِقُ المُسَعِّرُ، وإنِّي لأرْجُو أنْ ألقى الله عز وجل ولَا يَطْلُبُني أحَدٌ بِمَظْلَمَةٍ ظَلمْتُها إيَّاهُ في دَمٍ ولَا مَالٍ"، روَاهُ الخَمْسَةُ إلا النَّسائيَّ وَصحَّحَهُ الترمِذيُّ)(2). [صحيح]
الحديث أخرجه أيضًا الدارمي(3) والبزار(4) وأبو يعلى(5)، قال الحافظ(6): وإسناده على شرط مسلم، وصححه أيضًا بن حبان(7).
وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد(8) وأبي داود(9) قال: جاء رجل فقال:--------------------------------------------
(1) التمهيد (12/ 280 - 281).
(2) أحمد في المسند (3/ 156، 286) وأبو داود رقم (3451) والترمذي رقم (1314) وابن ماجه رقم (2200).
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قلت: وأخرجه ابن حبان في صحيحه رقم (4935) والدارمي (2/ 249) والبيهقي (6/ 29) وأبو يعلى رقم (2774) وقال الحافظ في "التلخيص" (3/ 31): إسناده على شرط مسلم.
وصححه الألباني في "غاية المرام" ص 194 رقم 323).
وخلاصة القول: أن الحديث صحيح، والله أعلم.
(3) في مسنده (2/ 249) وقد تقدم.
(4) كما في "التلخيص الحبير" (3/ 31).
(5) في مسنده رقم (2774) وقد تقدم.
(6) في "التلخيص" (3/ 31).
(7) في صحيحه رقم (4935) وقد تقدم.
(8) في المسند (2/ 337) بسند صحيح على شرط مسلم.
(9) في سننه رقم (3450).
قلت: وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (6/ 29). =
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 237)
"يا رسول الله سَعِّرْ، فقال: بل ادعوا الله، ثم جاء آخر فقال: يا رسول الله سعر، فقال: بل الله يخفض ويرفع".
قال الحافظ(1): وإسناده حسن.
وعن أبي سعيد عند ابن ماجه(2) والبزار(3) والطبراني(4) نحو حديث أنس ورجاله رجال الصحيح، وحسنه الحافظ(5).
وعن علي عند البزار(6) نحوه.
وعن ابن عباس عند الطبراني في الصغير(7).
وعن أبي جحيفة عنده في الكبير(8).
قوله: (لو سعَّرت) التسعير: هو أن يأمر السلطان، أو نوّابه، أو كل من--------------------------------------------
= وهو حديث صحيح.
(1) في "التلخيص الحبير" (3/ 31).
(2) في سننه رقم (2201).
(3) كما في "التلخيص الحبير" (3/ 31).
(4) في المعجم الأوسط رقم (5955).
قلت: وأخرجه أحمد في المسند (3/ 85) والخطيب في "تاريخ بغداد" (9/ 451).
وخلاصة القول: أن حديث أبي سعيد حديث صحيح لغيره، والله أعلم.
(5) في "التلخيص الحبير" (3/ 31).
(6) في مسنده (3/ 113 رقم 899).
وأورده الهيثمي في كشف الأستار رقم (1263)، وقال في "مجمع الزوائد" (4/ 99): "رواه البزار وفيه الأصبغ بن نباتة، وثقه العجلي وضعفه الأئمة، قال بعضهم: متروك".
عن علي قال: قيل يا رسول الله قوم لنا السعر قال: إن غلاء السعر ورخصه بيد الله إني أريد أن ألقى ربي وليس أحد يطلبني بمظلمه ظلمتها إياه".
وقال الحافظ في "التلخيص" (3/ 31): "أغرب ابن الجوزي فأخرجه في الموضوعات (2/ 238 - 239) من حديث علي، فقال: إنه حديث لا يصحّ".
(7) في المعجم الصغير (2/ 59 - 60 رقم 780 - الروض الداني).
وأورده الهيثمي في "المجمع" (4/ 99) وقال: رواه الطبراني في الصغير، وفيه علي بن يونس وهو ضعيف".
قلت: علي بن يونس خطأ، والصواب عيسى بن يونس [الميزان (3/ 328)].
(8) في المعجم الكبير (ج 22 رقم 322).
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (4/ 100) وقال: فيه غسان بن الربيع وهو ضعيف.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 238)
ولي من أمور المسلمين أمرًا أهلَ السوق أن لا يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا، فيمنعوا من الزيادة عليه أو النقصان لمصلحة.
قوله: (المسعِّر) فيه دليل على أن المسعر من أسماء الله تعالى، وأنها لا تنحصر في التسعة والتسعين المعروفة.
وقد استدل بالحديث وما ورد في معناه على تحريم التسعير وأنه مظلمة.
ووجهه أن الناس مسلطون على أموالهم، والتسعير حجر عليهم، والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين وليس نَظَر في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نَظَرِهِ في مصلحة البائع بتوفير الثمن، وإذا تقابل الأمران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مناف لقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ}(1)، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء(2).
وروي عن مالك(3) أنه يجوز للإمام التسعير، وأحاديث الباب ترد عليه.
وظاهر الأحاديث أنه لا فرق بين حالة الغلاء وحالة الرخص، ولا فرق بين المجلوب وغيره، وإلى ذلك مال الجمهور.
وفي وجه للشافعية(4): جواز التسعير في حالة الغلاء وهو مردود.
وظاهر الأحاديث عدم الفرق بين ما كان قوتًا للآدمي ولغيره من الحيوانات، وبين ما كان من غير ذلك من الإدامات وسائر الأمتعة، وجوّز جماعة--------------------------------------------
(1) سورة النساء، الآية: 29.
(2) المغني (6/ 311 - 312) ورؤوس المسائل الخلافية (2/ 757) رقم المسألة (5/ 758) والحاوي الكبير (5/ 408 - 410) والبيان للعمراني (5/ 354 - 355).
(3) المنتقى للباجي (5/ 19) ومدونة الفقه المالكي وأدلته (3/ 346 - 348). والاستذكار (20/ 76 - 77).
(4) قال العمراني في "البيان" (5/ 354): "قال المسعوديّ في "الإبانة" إن كانَ في البلدِ قحطٌ وجدُوبةٌ … فهل يجوزُ للسلطان التسعير؟ فيه وجهان ثم قال في "البيان" (5/ 355):
"قال أبو إسحاق المروزي: إنما منع الشافعي مِنْ تسعير الطعام إذا كان يُجلبُ إلى البلدِ، فأما إذا كانَ البلدُ لا يجلبُ إليه الطعامُ، بَل يزرعُ فيها، ويكونُ عندَ الثناءِ - أي الإقامة - فيها .. فيجوزُ للإمامِ أنْ يسعِّرَ عليهم إذا رأى في ذلك مصلحةً" اهـ.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 239)
من متأخري أئمة الزيدية(1) جواز التسعير فيما عدا قوت الآدمي والبهيمة كما حكى ذلك عنهم صاحب "الغيث"(2)، وقال شارح "الأثمار"(3): إن التسعير في غير القوتين لعله اتفاق(4)، والتخصيص يحتاج إلى دليل، والمناسب الملغي لا ينتهض لتخصيص صرائح الأدلة، بل لا يجوز العمل به على فرض عدم وجود دليل كما تقرر في الأصول(5).
[الباب الخامس] باب ما جاء في الاحتكار
9/ 2280 - (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عبْدِ الله العَدَوِيِّ أن--------------------------------------------
(1) "البحر الزخار" (3/ 318 - 319) وشفاء الأوام (2/ 425).
(2) "الغيث المدرار المفتح لكمائم الأزهار". تأليف: الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى الحسني. [مؤلفات الزيدية (2/ 297)].
(3) "شرح الأثمار في فقه الأئمة الأطهار"، تأليف: القاضي عبد الله بن علي بن راوع. [مؤلفات الزيدية (2/ 127)].
(4) قال الشوكاني في "السيل الجرار" (2/ 619 - 621): "أقول: يدل على عدم جواز التسعير القرآن الكريم. قال الله عز وجل {تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ} [النساء: 29]، فمن وقع الإجبارُ له أن يبيعَ بسعر لا يرضاه في تجارته فقد أُجبر بخلاف ما في الكتاب.
وهكذا يدل على عدم جواز التسعير قوله سبحانه وتعالى: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29] فإن من أُكره على بيع ماله بدون ما يرضى به فقد أُكل مالُه بالباطل وهكذا يدل على عدم جواز التسعير - حديث أنس المثقدم، وحديث أبي هريرة المتقدم، وحديث أبي سعيد المتقدم، وحديث علي المتقدم، وحديث ابن عباس المتقدم، وحديث أبي جحيفة المتقدم، خلال شرح حديث (8/ 2279) من كتابنا هذا.
وظاهر هذه الأدلة عدمُ الفرق بين القوتين وغيرهما، لأنَّ الكلَّ يتأثر عنه عدمُ طيبةِ النفس، ويقع على خلاف التراضي المعتبر، ولا فرق بين أن يكون في التسعير الردُّ إلى ما يتعامل به الناسُ أو إلى غيره فإن الفرقَ بمثل هذا الفرق هو مجردُ رأي، وملاحظةُ مصلحةٍ ولا مصلحة في شيء يخالف الشرعَ، وقد أشار صلى الله عليه وسلم في حديث أنس السابق إلى ما يفيد أن في التسعير مظلمةً فلا خيرَ ولا مصلحةَ في مظلمة، بل الخيرُ كل الخيرِ والمصلحةُ كلُّ المصلحة في العمل بما ورد به الشرع" اهـ.
قلت: وقد استوفى محمد بن إسماعيل الأمير الكلام على مسألة التسعير في "منحة الغفار على ضوء النهار" (3/ 1239 - 1242)، فقد أجاد وأفاد، ولولا الإطالة لنقلته لك.
(5) انظر: "حاشية" إرشاد الفحول (ص 791 - 792) بتحقيقي.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 240)
النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لَا يَحْتَكرُ إلَّا خاطِئٌ"، وكان سَعِيدٌ يَحْتَكِرُ الزَّيْتَ. رَوَاهُ أحْمَدُ(1) ومُسْلِمٌ(2) وأبُو دَاوُدَ)(3). [صحيح]
10/ 2281 - (وعَنْ مَعْقِل بْنِ يَسَارٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ دَخَلَ في شَيءٍ مِنْ أسْعارِ المُسْلِمِين لِيُغْلِيَهُ عَلَيْهِمْ كانَ حَقًّا على الله أنْ يُقْعِدَهُ بعُظْمٍ مِنَ النارِ يَومَ القِيَامَةِ")(4). [صحيح الإسناد]
11/ 2282 - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنِ احْتَكَرَ حُكْرَةً يُرِيدُ أنْ يُغْلِيَ بِها على المُسْلِمِينَ فَهْوَ خَاطئ". رواهُما أحمَدُ)(5). [ضعيف الإسناد]--------------------------------------------
(1) في المسند (6/ 400).
(2) في صحيحه رقم (130/ 1605).
(3) في سننه رقم (3447).
قلت: وأخرجه الترمذي رقم (1267) وابن ماجه رقم (2154) والدارمي (2/ 248) والبيهقي (6/ 30) والحاكم (2/ 11).
وهو حديث صحيح.
(4) في المسند (5/ 27).
قلت: وأخرجه الحاكم (2/ 12 - 13) والطيالسي رقم (928) والدولابي في الكنى (2/ 124) والطبراني في الكبير (ج 20 رقم 479، 485، 481) وفي المعجم الأوسط رقم (8651) والبيهقى (6/ 30) من طرق.
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (4/ 101) وقال: فيه زيد بن مرة أبو المعلى، ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله رجال الصحيح".
قلت: زيد بن مرة، أبو المعلى. قال أبو داود السجستاني كما في سؤالات الآجري (322): ليس به بأس. وقال أبو حاتم كما في الجرح والتعديل (3/ 573): صالح الحديث، ووثقه أبو داود الطيالسي، وابن معين، وابن حبان كما في التاريخ لابن معين (2/ 184) والتاريخ الكبير للبخاري (3/ 405) والثقات (6/ 318).
وخلاصة القول: أن الحديث صحيح الإسناد، والله أعلم.
(5) في المسند (2/ 351) بسند ضعيف لضعف أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي المدني.
قلت: وأخرجه الحاكم (2/ 12) وعنه البيهقي (6/ 30) من طريق إبراهيم بن إسحاق بن عيسى الغَسِيلي، عن عبد الأعلى بن حماد النرسي، عن حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: "من احتكر يريد أن يتغالى بها على المسلمين، فهو خاطئ، وقد برئت منه ذمة الله". =
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 241)