انظر: "تحفة الأشراف(1) " 9/ 152 (12580)، و"إتحاف المهرة" 14/ 507 (18107).
مثال آخر: روى حريث بن السائب، قال: سمعت الحسن، يقول: حدثني حُمران(2)،
عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «كلُّ شيءٍ سوى ظلِّ بيتٍ، وجلْفِ الخبزِ، وثوبٍ يُواري عورتَهُ، والماءِ، فما فَضَل عَنْ هذا فليسَ لابنِ آدمَ فيهنَّ حق»(3).
أخرجه: الطيالسي (83)، وأحمد 1/ 62 وفي "الزهد"، له (114)، والعقيلي في " الضعفاء " 1/ 288، وأبو سعيد في " الزهد وصفة الزاهدين " (82)، والطبراني في "الكبير" (147)، والخلاّل في "علله كما في المنتخب" (3)، والسَّهْمي في "تاريخ جرجان": 221، وأبو نعيم في "الحلية" 1/ 61، والبيهقي في "شعب الإيمان" (6179) ط. العلمية و (5768) ط. الرشد وفي "الآداب"، له (603)، و ابن القَيْسراني في "تذكرة الحفاظ" 2/ 735، وابن الجوزي في "العلل" (1334)، والمقدسي في "المختارة" 1/ 455 - 456--------------------------------------------
(1) الذي ثبته الدكتور بشار في طبعته: «ابن علية»، وقال في الحاشية: «هكذا وقع في الأصول التي بين أيدينا».
قال ماهر: أيُّ أصول تلك التي يتحدث عنها الدكتور بشار؟! وهو لم يحقق الكتاب سوى على نسخة واحدة مبتورة، وعند رجوعي إلى برنامج " إتقان الحرفة " ورجوعي للمخطوطات المصورة وجدت النص على الصواب.
(2) حُمران، بضم أوله، ابن أبان، مولى عثمان بن عفان، اشتراه في زمن أبي بكر الصديق
:
«ثقة» التقريب (1513).
(3) لفظ رواية أحمد.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 385)
(330) و 456 (331)، والمزي في "تهذيب الكمال" 2/ 88 (1155) من طريق حريث ابن السائب بهذا الإسناد واللفظ.
وأخرجه: عبد بن حميد (46)، والترمذي (2341)، والبزار (414)، والحاكم 4/ 312، والبيهقي في " شعب الإيمان " (6180) ط. العلمية
و (5769) ط. الرشد، والخطيب في " تاريخ بغداد " 6/ 183 وفي ط. الغرب 7/ 129، والمقدسي في "المختارة" 1/ 455 (329) من طريق حريث بن السائب، عن الحسن، قال: حدثني حمران بن أبان، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، قال: «ليسَ لابن آدمَ حقٌ في سوى هذه الخصالِ: بيتٌ يسكنُهُ، وثوبٌ يواري عورته، وجلفُ الخُبز والماءِ»(1).
قالَ الترمذي عقبهُ: «هذا حديث صحيح وهو حديث الحريث بن السائب، وسمعت أبا داود وسليمان بن سلم البلخي يقول: قال النضر بن شميل: جلف الخبر، يعني: ليس معه إدام».
قلت: بين الصحة وبين هذا الحديث بحر عظيم، فإنَّ هذا الحديث معلول لا تصح نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد نقل ابن حجر في " تهذيب التهذيب" 2/ 216 عن الساجي أنَّه قال: «قال أحمد: روى عن الحسن، عن حمران، عن عثمان حديثاً منكراً، - يعني الذي أخرجه الترمذي -، وقد ذكر الأثرم عن أحمد علته، فقال: سُئل أحمد عن حريث فقال: هذا شيخ بصريٌّ، روى حديثاً منكراً عن الحسن، عن حمران، عن عثمان: «كلُّ شيء فضلَ عنْ ظل بيتٍ، وجلفِ الخبز، وثوبٍ يواري عورةَ ابنِ آدمَ، فلا حقَّ لابنِ آدمَ فيه». قال: قلتُ: قتادة يخالفه؟ قالَ: نعم، سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن حمران، عن رجل من أهل الكتاب. قال أحمد: حدَّثناه روح، قال: حدثنا سعيد يعني عن قتادة به»(2).
وقال البزار عقب (414): «وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عثمان
إلا--------------------------------------------
(1) لفظ رواية الترمذي.
(2) وانظر: " تاريخ دمشق " 17/ 122، و" الإكمال " 4/ 40.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 386)
بهذا الإسناد، ولا أسند الحسن، عن حمران(1)، عن عثمان إلا
هذا الحديث»، وقال العقيلي في "الضعفاء" 1/ 287: «عن الحسن،
ولا يتابع على حديثه»، ونقل رحمه الله في 1/ 288 عن أحمد بن نصر
الخزاعي، قال: «سألت النضر بن شميل، عن حريث بن السائب، فقال:
بَيّنَ المطيع وبَيّنَ، وقد رُوي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، بغير هذا اللفظ، والرواية فيه
أيضاً لينة». وقال الدارقطني في "العلل" 3/ 29 (265): «كذا رواه
حريث بن السائب، عن الحسن، عن حمران، عن عثمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم
ووهم فيه، والصواب عن الحسن، عن حمران، عن بعض أهل الكتاب»(2). وقال ابن الجوزي في "العلل" (1334): «وهذا الحديث لا يصح عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم».
قلت: ولعل سبب وهم حريث فيه أنَّه سلك الجادة في رواية هذا
الحديث؛ لأنَّ حمران - وهو مولى عثمان - معروف بالرواية عن عثمان، فحينما أراد حريث التحديث بهذا الحديث ساقه بإسناد معروف يعني: (حمران عن عثمان) فخالف من هو أوثق وأجلّ منه، حيث رواه قتادة(3)، عن الحسن، عن حمران، عن رجل من أهل الكتاب، وهو الصواب لتكون روايته شاذة لا تقوم بها حجة.
وقد روي هذا الحديث مرسلاً عن الحسن، بطريقين كلاهما ضعيف.
فأخرجه: عبد الله بن أحمد كما في " زوائده على الزهد لأبيه " (64)--------------------------------------------
(1) تحرف في المطبوع إلى: «عمران».
(2) في المطبوع: «البيت» وهو لفظ منكر، والمثبت من علل ابن الجوزي، وهو الموافق للفظ الإمام أحمد، والله أعلم.
(3) ومما يذكر هنا في ضبط قتادة ما قاله عبد الرزاق، عن معمر: «جاء رجل إلى ابن سيرين، فقال: رأيت حمامةً التقمت لؤلؤة، فخرجَتْ منها أعظم مما دخلت. ورأيت حمامة أخرى التقمت لؤلؤة فخرجت أصغر مما دخلت. ورأيت حمامة أخرى التقمت لؤلؤة فخرجت كما دخلت
سواء. فقال له ابن سيرين: أما التي خرجت أعظم مما دخلت فذاك الحَسَن يسمع الحديث فيجوّده بمنطقه ثم يصل فيه من مواعظه، وأما التي خرجت أصغر مما دخلت فذاك محمد بن سيرين يتنقص منه ويشك فيه، وأما التي خرجت كما دخلت فهو قتادة، وهو أحفظ الناس». " تهذيب الكمال " 6/ 101 (5437).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 387)
قال: حدثنا بيان بن الحكم، قال: حدثنا محمد بن حاتم، قال: حدثني
بشر بن الحارث، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن هشام، عن الحسن، بنحوه مرفوعاً.
وهذا إسناد ضعيف؛ لجهالة بيان بن الحكم؛ إذ قال عنه الذهبي في "الميزان" 1/ 356 (1333): «لا يعرف».
وأخرجه: أحمد في "الزهد" (2391) قال: حدثنا حسين، قال: حدثنا المبارك، عن الحسن، به.
وهذا إسناد ضعيف فالمبارك - وهو ابن فَضالةَ - مدلسٌ وقد عنعن، فقد نقل المزي في "تهذيب الكمال" 7/ 28 (6358) عن عبد الرحمان بن مهدي أنَّه قال: «لم نكتب للمبارك شيئاً إلا شيئاً يقول فيه سمعتُ الحسنَ»، ونقل عن يحيى بن سعيد أنَّه قال: «ولم أقبل منه شيئاً إلا شيئاً يقول فيه حدثنا»، وعن أحمد أنَّه قال: «كان المبارك يدلس»، ونقل ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" 8/ 389 (1557) عن أبي زرعة أنَّه قال: «يدلس كثيراً فإذا قال: حدثنا فهو ثقة»، وقال أبو داود "كما في سؤالات الآجري" (744): «شديد التدليس»، وقال أيضاً: «إذا قال مبارك: حدثنا فهو ثبت، وكان مبارك يدلس».
ثم إنَّ هذين الطريقين ضعيفان بالإرسال، ولا سيما أنَّ المرسِل الحسن البصري، قال الإمام أحمد فيما أخرجه: الخطيب في "الكفاية": 426: «وليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح، فإنَّهما كانا يأخذان عن كل واحد»(1).
وانظر: "تحفة الأشراف" 6/ 538 (9790)، و"أطراف المسند" 4/ 309 (5964)، و"المسند الجامع" 12/ 491 (9741).
وقد يخطئ الراوي سالكاً الجادة، فيحول الإسناد الضعيف إلى إسناد صحيح، ولا أصل لذلك الإسناد الصحيح، وإنما أداه إلى ذلك عدم--------------------------------------------
(1) وانظر: " تحرير علوم الحديث ": 935 - 936 لعبد الله الجديع.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 388)
الضبط، وسلوك المجرة، مثاله ما رواه صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر، قال: إنَّ امرأةً(1) جاءتِ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، سكنّا دارنا هذهِ، ونحنُ ذوو وفرةٍ، فأصْبحنا وساءَ ذاتُ بَيْننا، فاختلفْنا، فقال: «بيِعُوها، أو ذَروها وهي ذميمةٌ»(2).
أخرجه: البزار كما في " كشف الأستار " (3051)، وابن خزيمة كما في " الذيل "(3) (3126) بتحقيقي من طريق صالح بن أبي الأخضر، بهذا الإسناد.
وهذا إسناد ضعيف، وعلته صالح بن أبي الأخضر فهو ضعيف خاصة في روايته عن الزهري، إذ قال عنه يحيى بن معين في " تاريخه " (11) برواية الدارمي: «ليس بشيء في الزهري»، وقال عنه البخاري في " الضعفاء الصغير " (164): «عن الزهري لين»، ونقل المزي في " تهذيب الكمال " 3/ 419 (2781) عن عمرو بن علي، قال: «سمعت معاذ بن معاذ وذكر صالح بن أبي الأخضر، فقال: سمعته يقول: سمعت منَ الزهري وقرأت عليه فلا أدري هذا من هذا. فقال يحيى وهو إلى جنبه: لو كان هذا هكذا كان جيداً، سمع وعرض، ولكنَّه سمع وعرض ووجد شيئاً مكتوباً، فقال: لا أدري هذا من هذا»، وقال عنه ابن حبان في " المجروحين " 1/ 368: «يروي عن الزهري أشياء مقلوبة، روى عنه العراقيون اختلط عليه ما سمع من الزهري بما وجد عنده مكتوباً فلم يكن يميز هذا من ذاك».--------------------------------------------
(1) في رواية البزار: «إنَّ قوماً جاؤو … ».
(2) قال الخَطّابي في " معالم السنن " 4/ 219: «قد يحتمل أنْ يكون إنَّما أمرهم بتركها والتحول عنها، إبطالاً لما وقع في نفوسهم من أنْ المكروه إنَّما أصابهم بسبب الدار وسكناها، فإذا تحولوا عنها انقطعت مادة ذلك الوهم، وزال ما كان خامرهم من الشبهة فيها، والله أعلم».
(3) وهذا الحديث ليس من الأحاديث التي صححها ابن خزيمة، إذ إنَّ كل ما في الكتاب صحيح عنده إلا ما ضعّفه أو توقّف فيه أو ما صدَّر المتن على الإسناد، وهذا الحديث مما نص هو على ضعفه كما سيأتي.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 389)
تبين الآن أنَّ رواية صالح عن الزهري ضعيفة، وقد تفرّد بهذه الرواية الموصولة فوهم فيها.
قال البزار كما في " كشف الأستار " عقب (3051): «أخطأ فيه عندي صالح، إنَّما يرويه الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن شداد، مرسلاً».
وقال ابن خزيمة كما في " الذيل " عقب (3126): «وقد وهم صالح بن أبي الأخضر في هذا الحديث بهذا الإسناد».
وقال ابن عبد البر في " التمهيد " 9/ 186: «لم يروه إلا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري وليس بالقوي في الزهري، وثقات أصحاب الزهري يروونه عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن
عبد الله بن شداد، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو مرسل».
أما الرواية المرسلة المشار إليها.
فأخرجها: معمر في " جامعه " (19526)، ومن طريقه البيهقي 8/ 140، ابن عبد البر في " التمهيد " 9/ 186.
وأخرجها: ابن عبد البر في " التمهيد " 9/ 186 من طريق سفيان بن عيينة.
كلاهما: (معمر، وابن عيينة) عن الزهري، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن شداد: أنَّ امرأةً من الأنصار قالت … مرسلاً.
وعلى هذا تكون رواية صالح منكرة؛ لمخالفته اثنين من الثقات، بل هما أوثق أصحاب الزهري. فتكون الرواية الراجحةُ لهذا الحديثِ المرسلةَ لاتفاق الحفّاظ عليها.
قال البيهقي عقبه: «هذا مرسل»، ورجح ابن حجر الرواية المرسلة في
"فتح الباري" 6/ 77 عقب (2859).
وقد اعترض ابن التركماني في " الجوهر النقي " على البيهقي - في قوله: «هذا مرسل» - فقال: «هذه المرأة - يعني: التي جاءت إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 390)
صحابية، وابن شداد سمع جماعة من قدماء الصحابة كعمر وعلي ومعاذ رضي الله عنهم وقولهم: إنَّ فلاناً قال كذا كالعنعنة عند جماهير أهل الحديث فالحديث إذن مرفوع».
بدايةً أقول: ما أكثر ما اعترض ابن التركماني على جهبذ من جهابذة الحديث كالبيهقي، وأغلب اعتراضاته إنَّما هي اجتهاد برأيه فقلما يستشهد بكلام أحد من المتقدمين. واعتراضه هنا من هذا القبيل.
فقوله: «وابن شداد سمع جماعة من قدماء الصحابة كعمر وعلي
ومعاذ رضي الله عنهم».
فإذا سمع تابعيٌّ من قدماء الصحابة فهل هذا يعني أنَّه سمع من الصحابة كلهم؟ وهل يعني هذا أنَّه سمع من هذه المرأة على وجه الخصوص؟ فكم من تابعيٍّ سمع من قدماء الصحابة، ولم يسمع من كثير منهم. وعلى فرض أنَّه سمع كبار الصحابة، فالمسألة ليست في حيز السماع والانقطاع، فإنَّ سياق عبد الله ابن شداد لهذا الحديث جلي الإرسال، إلا إذا زعم ابن التركماني أنَّ ابن شداد من الصحابة.
وانظر: " مجمع الزوائد " 5/ 104، و" إتحاف المهرة " 8/ 396 (9628).
وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه.
فأخرجه: البخاري في " الأدب المفرد " (918)، وأبو داود (3924)، وابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث ": 99، والبيهقي 8/ 140، وابن
عبد البر في " التمهيد " 9/ 186 - 187، والضياء المقدسي في " المختارة " 4/ 364 (1529) من طريق عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، قال: قال رجل: يا رسول الله، إنَّا كُنَّا في دار كثر فيها عددنا وكثر فيها أموالنا، فتحولنا إلى دار أخرى، فقلَّ فيها عددنا، وقلّتْ فيها أموالنا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ردُّوها، أو دعوها وهي ذميمةٌ»(1).
هذا الإسناد رجاله ثقات خلا عكرمة بن عمار، فهو صدوق يغلط(2)،--------------------------------------------
(1) لفظ رواية البخاري.
(2) " التقريب " (4672).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 391)
وهو ليس ممن يحتمل تفرّده فضلاً عن كونه قد وصف بالتدليس.
قال ابن حجر في " طبقات المدلسين " (88): «وصفه أحمد والدارقطني بالتدليس»، ونقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " 7/ 16 (41) عن أبيه أنَّه قال: «ربما دلس»، وقال عنه ابن حبان كما في هامش كتاب " المدلسين " (44): «كثير التدليس»(1).
وعلى وصفه بالتدليس فإنَّه لم يصرِّح بالسّماع في أي طريق من طرق الحديث، والمتن منكر.
ولعل هذه العلة هي التي جعلت الإمام البخاري يقول في " الأدب المفرد " عقب حديث (918): «في إسناده نظر».
انظر: " تحفة الأشراف " 1/ 216 (193).
وقد روي من حديث سَهْل بن حارثة الأنصاري.
فأخرجه: البخاري في " التاريخ الكبير " 4/ 101 (2100)، وابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (2160)، والطبراني في " الكبير " (5639)، وأبو نعيم في " معرفة الصحابة " (3331) من طرق عن أنس بن عياض(2)، عن سعد بن إسحاق(3) بن كعب(4)، عن سهل بن حارثة(5) الأنصاري، قال: فشكا قوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّهم سكنوا داراً وهم عدد ففنوا، فقال: «فهلا تركْتموها وهي ذميمةٌ».
هذا إسناد رجاله ثقات، إلا أنَّ سهلاً قد اختلف في صحبته. فنقل ابن الأثير في " أسد الغابة " 2/ 570 (2284)، وابن حجر في " الإصابة "
2/ 404 (3518) عن ابن منده أنَّه قال: «لا تصح صحبته، وعداده في التابعين»، وذكره ابن حبان في " الثقات " 4/ 321 في عداد التابعين وقال: «يروي--------------------------------------------
(1) وانظر: " التبيين لأسماء المدلسين " (54 م).
(2) وهو: «ثقة» " التقريب " (564).
(3) تحرف في المعجم الكبير إلى: «سعد بن سعد».
(4) وهو: «ثقة» " التقريب " (2229).
(5) في " معرفة الصحابة ": «جارية».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 392)
المراسيل». ورجّح الإمام البخاري أنَّه تابعيٌّ فقال عقب ذكره هذا الحديث: «مرسل».
في حين قال ابن الأثير: «قد قال أبو علي الغساني: إن العدوي ذكر حارثة بن سهل بن حارثة بن قيس بن عامر بن مالك بن لوذان، أجمع أهل المغازي وابن القداح على أنه شهد أحداً، وقال ابن القداح: وابنه سهل بن حارثة شهد أحداً أيضاً»، ونقل عن أبي نصر أنه قال: «وحارثة بن سهل بن عامر بن لَوْذان، وابنه سهل، شهدا جميعاً أحداً، والمشاهد بعدها .. وقول ابن منده إنَّ ذكره ابن أبي عاصم في الصحابة، ولا يصح، وعداده في التابعين، مع الاتفاق على أنَّه شهد أحداً غريب جداً، والله أعلم».
أقول: تقدم أنَّ راوي الحديث اسمه سهل بن حارثة بن سهل بن حارثة. وهذا الراوي إنْ شارك في معركة أحد فلا شك إنَّه سيكون من كبار الصحابة، ولو كان هذا الأمر صحيحاً لما خفي على البخاري وهو سيد هذا الشأن، والظاهر هو أنَّ من قال إنَّه شارك في معركة أحد، وقع له لبسٌ بين الجد وابنه، والأب وابنه، أعني: من المحتمل أنْ يكون المشارك بمعركة أحد هو سهل الجد، مع ابنه حارثة أبي سهل راوي الحديث. وعلى هذا الأساس ليكون قول من قال بإرساله أوجه وأرجح ممن قال بوصله، والله أعلم.
وعلى هذا يكون الحديث مرسلاً، والله أعلم بالصواب.
انظر: " مجمع الزوائد " 5/ 104 - 105.
وقد روي من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
فأخرجه: ابن عدي في " الكامل " 4/ 545، والبيهقي في " شعب الإيمان " (1363) ط. العلمية و (1301) ط. الرشد من طريق سكين بن
عبد العزيز، عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، قال: أتى قومٌ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، إنا سكنّا داراً، وكنّا ذوي وفرة فافترقنا، وكنَّا ذوي عدد فقللنا، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «اخرجوا عَنْها وهي ذميمةٌ أو انتقلوا مِنْها وهي ذميمةٌ».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 393)
وهذا إسناد ضعيف؛ فسكين بن عبد العزيز صدوقٌ يروي عن ضعفاء(1). وإبراهيم الهجري أحدُ الضعفاء الذين روى عنهم، إذ قال عنه يحيى بن معين في "تاريخه" (162) برواية الدارمي و (1322) برواية الدوري: «ليس بشيء»، وقال عنه البخاري في " التاريخ الكبير " 1/ 309 (1022): «كان ابن عيينة يضعّفه»، ونقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " 2/ 78 (417) عن أبيه أنَّه قال فيه: «ليس بقويٍّ، لين الحديث»(2).
وقد روي من حديث يحيى بن سعيد.
فأخرجه: مالك في " الموطأ " (2788) برواية الليثي و (2048) برواية أبي مصعب الزهري عن يحيى بن سعيد أنَّه قال: جاءت امرأةٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، دارٌ سكنّاها والعدد كثير والمال وافر، فقلَّ العدد وذهب المال، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «دعوها ذميمةً».
ويحيى بن سعيد في عداد صغار التابعين، روى عن أنس بن مالك، فحديثه مرسل؛ لذا فالحديث لا يصح عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.--------------------------------------------
(1) " التقريب " (2461).
(2) وقال عنه الحافظ في " التقريب " (252): «لين الحديث، رَفَعَ موقوفات».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 394)
النوع السادس: الإعلال بجمع الشيوخ
جمع الشيوخ من أنواع الإدراج، وهو أيضاً نوع من التدليس كما تقدم وإنَّما أفردته بالكلام لما فيه من نوع فائدة لطالب العلم. وقد عرّفه الحافظ، فقال: «أنْ يروي جماعة الحديث بأسانيد مختلفة، فيرويه عنهم راو، فيجمع الكل على إسناد واحد من تلك الأسانيد، ولا يبين الاختلاف»(1)، وقال ابن رجب: «ومعنى هذا أنَّ الرجل إذا جمع بين حديث جماعة وساق الحديث سياقة واحدة فالظاهر أنَّ لفظهم لم يتفق، فلا يقبل هذا الجمع إلا من حافظ متقن لحديثه، يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم كما كان الزهري يجمع بين شيوخ له في حديث الإفك وغيره، وكان الجمع بين الشيوخ ينكر على الواقدي وغيره ممن لا يضبط هذا، كما أنكر على ابن إسحاق وغيره، وقد أنكره شعبة أيضاً على عوف الأعرابي»(2)، وقال علي القاري: «وحاصله: أنَّه يسمع الراوي حديثاً عن جماعة مختلفين في إسناده فيرويه عنهم باتفاق، ولم يبين الاختلاف»(3)، وقال الدكتور همام: «الأصل أنْ يوجد بعض الاختلاف في روايات الحديث الواحد، لتصرف الرواة في لفظ الحديث دون المعنى، فإذا روى أحد الرواة حديثاً واحداً عن عدد من الشيوخ، ثم ساق اللفظ سياقاً واحداً، فإنَّ هذا دليل على الوهم والخطأ، إلا أنْ يكون الراوي مبرزاً في الحفظ جداً»(4).
مما تقدم تبين أنَّ الأئمة الذين بينوا ماهية جمع الشيوخ ركزوا جل--------------------------------------------
(1) " نزهة النظر ": 72.
(2) " شرح علل الترمذي " 2/ 676 ط. عتر و 2/ 816 ط. همام.
(3) " شرح شرح نخبة الفكر ": 463.
(4) مقدمة " شرح علل الترمذي ": 152.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 395)
اهتمامهم على الوهم في السند وليس ذلك بمطرد، إذ إنَّ الأوهام الواردة في تلك الأسانيد ولّدتْ أوهاماً في المتن والإسناد، لكن العلة الرئيسة كانت بسبب تلك الأسانيد التي حصل فيها جمع للشيوخ، ويعضد هذا الكلام ما قال النووي: «أنْ يسمع حديثاً من جماعة مختلفين في إسناده أو متنه فيرويه عنهم باتفاق»(1).
أنواعه
وفيه نوعان:
الأول: أن يروي الراوي الحديث عن عدد من الشيوخ اختلفوا في اللفظ لكن المعنى واحد، فيروي عنهم بلفظ واحد، ولا يشير إلى اختلاف ألفاظهم اعتماداً على اتحاد المعنى، فهذا يرجع إلى مبحث الرواية بالمعنى، فيتقيد جواز هذا الصنيع بشروط الرواية بالمعنى، لكن الاتقان يقتضي من الراوي أن يبين صاحب اللفظ، وفي حالة عدم علمه بما يميز لفظ بعضهم عن البعض يبين كذلك.
والآخر: أن يكون متن الحديث مجموعه من جماعة من الشيوخ ملفقاً، بأن يكون عن كل شيخ قطعة منه، فيخلط ألفاظهم ويسوق الحديث سياقاً واحداً بلا تمييز لما عند كل واحد منهم، فهذا لا يقبل إلا من حافظ متقن لحديثه عارف بمواضع الاتقان والاختلاف بين شيوخه كما تقدمت إشارة ابن رجب لصنيع الإمام الزهري في روايته لحديث الإفك، فإنَّه رواه عن عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن
عتبة بن مسعود كلهم عن عائشة رضي الله عنها.
قال الزهري: «وكلهم حدثني طائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وأثبت له اقتصاصاً، وقد وعيت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، وبعض حديثهم يصدق بعضاً، وإن كان بعضهم أوعى--------------------------------------------
(1) " التقريب " المطبوع مع " التدريب " 1/ 273.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 396)
له من بعض»(1) وقد انتقد على الزهري هذا الصنيع كما نقله القاضي عياض فقال: «انتقدوا على الزهري ما صنعه من روايته لهذا الحديث ملفقاً عن هؤلاء الأربعة، وقالوا: كان ينبغي له أن يفرد حديث كل واحد منهم عن الآخر».
وأما الجمع في السند ففيه أمران أيضاً:
الأول: إذا كان الجمع بين ثقات وضعيف، فهذا مما يلزم الحذر منه لاحتمال اختصاص الضعيف بشي عن الثقات؛ ولأجل هذا المحذور كان الإمام أحمد يكره أن يروي الراوي حديثاً عن رجلين أحدهم مجروح فيسقط اسم المجروح من السند ويقتصر على جعل الحديث عن الثقة وحده.
والأمر الآخر: أن يكون في منتهى السند خلاف، كأنْ يكون أحد الأسانيد موقوفاً والآخر مرفوعاً، أو يكون أحدهما مرسلاً والآخر مسنداً، أو يكون عند بعضهم زيادة رجل في الإسناد، ولا يكون هذا الرجل موجوداً عند الآخرين، فحينئذ يكون جمع هذه الأسانيد غير مقبول، إلا بعد تمييز كل منها على حدة(2). إذنْ فإنَّ جمع الشيوخ يتناول الإسناد والمتن على حد سواء، يدرس اتفاق الرواة واختلافهم، لذلك أولاه أهل العلم عناية كبرى وكان محل دراسة ونقد النقاد، فليس غريباً أنْ يقبل النقاد جمع راو ويردون آخر، فمن ذلك ما نقله الخطيب عن عثمان الدارمي أنَّه قال: «يقال من لم يجمع حديث هؤلاء الخمسة فهو مفلس في الحديث: سفيان، وشعبة، ومالك بن أنس، وحماد بن زيد، وابن عيينة، وهم أصول الدين»(3)، وقال الخطيب: «وأصحاب الحديث يجمعون حديث خلق كثير غير هؤلاء، أنا أذكر ما حضرني من أسمائهم، فمنهم: إسماعيل بن أبي خالد البجلي، وأيوب بن أبي تميمة السختياني، وبيان بن بشر الأحمسي، وداود بن أبي هند البصري، وربيعة بن أبي عبد الرحمان المدني، والحسن بن صالح بن حيّ الكوفي،--------------------------------------------
(1) انظر: " صحيح البخاري " 5/ 148 (4141).
(2) انظر: " منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث ": 372 - 373.
(3) " الجامع لأخلاق الراوي " (1918).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 397)
وزياد بن سعد الخراساني، وسليمان الأعمش الكاهلي، وسليمان أبو إسحاق الشيباني، وسليمان بن طرخان التيمي، وصفوان بن سليم، ومحمد بن مسلم ابن شهاب الزهريان، وطلحة بن مصرف اليامي، ومِسْعر بن كدام الهلالي، وعبد الله بن عون البصري، وأبو حصين عثمان بن عاصم الكوفي، وعبد الرحمان بن عمرو الأوزاعي، وعبيد الله بن عمر العمري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعمرو بن دينار المكي، ومحمد بن جُحادة الأودي، ومحمد بن سوقة العبدي، ومحمد بن واسع الأزدي، ومطر بن طهمان الخراساني، ويونس بن عبيد البصري»(1).
وعلى النقيض من هؤلاء الأعلام فقد ضُعِّفَ بعض الشيوخ إذا ما جمعوا بين شيوخهم، منهم: عطاء بن السائب، وليث بن أبي سليم، وجابر الجعفي، ومحمد بن إسحاق، وحماد بن سلمة، وعبد الرحمان بن عبد الله بن عمر العمري، وأبو بكر بن أبي مريم(2).
ونستطيع الآن أن نحدد بعض المحذورات في جمع الشيوخ:
1 - أن لا يكون عند الراوي حفظ ومعرفة بكلام العرب فيكون جمعه للشيوخ محذوراً؛ لأنَّ بعض ألفاظ الروايات تختلف عن الأخريات، والجمع يستلزم أن يكون الجامع له معرفة بكلام العرب حتى يميز التوافق من التضاد.
2 - أن لا يكون الراوي من الحفاظ المتقنين العارفين بمواضع الاختلاف في مرويات شيوخه.
3 - أن يكون بعض الشيوخ ضعيفاً فإنَّ جَمْعَ الشيوخ في هذه الصورة يؤدي إلى حمل حديث الضعيف على حديث الثقة(3)، ولكن إذا مُيزَتْ رواية الضعيف فكانت مثل رواية الثقات فلا بأس إذ ذاك في الجمع.--------------------------------------------
(1) " الجامع لأخلاق الراوي " عقب (1918).
(2) انظر: " شرح علل الترمذي " 2/ 672 - 679 ط. عتر و 2/ 813 - 817 ط. همام.
(3) انظر: " منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث ": 374.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 398)
هذا القسم يتناول أخطاء الرواة في متون الأحاديث من زيادة لفظ أو اختصار أو معارضة، ويتناول أيضاً دارسة هذه الأخطاء وبيانها، ومرجع علل المتن في الأصل إلى الإسناد؛ لأن خطأ الرواة بزيادة لفظ في المتن وإغرابه عن بقية الرواة هي علة في الإسناد، ودراسة علل المتون لا تبحث في مجرد الزيادات أو الاختصارات بل تبحث في توافق الروايات مع بعضها أو تنافرها، ولما كان هذا القسم يدخل في أقوال وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم أولاه النقاد جل اهتمامهم. وهذا ليس لأهل الحديث خاصة، بل إنَّ البحث والتنقير في متون الأحاديث تعداهم إلى الأصوليين فوضعوا شرائط خاصة لقبول الأحاديث، قال الزركشي: «أن يكون مما يصح كونه، ولا يستحيل في العقل وجوده، وأنْ لا يكون مخالفاً لنص مقطوع بصحته، ولا مخالفاً لإجماع الأمة والصحابة، وأنْ لا يخالفه دليل
قاطع، لقيام الإجماع على تقديم المقطوع على المظنون، فإنْ خالفه قاطع عقلي ولم يقبل التأويل علم أنَّه مكذوب على الشارع، وإن قبله تعيين تأويله جمعاً بين الدليلين، وإن كان سمعياً، ولم يمكن الجمع فكذلك، وإن علم تأخر المقطوع عنه حمل أنَّه منسوخ به، وأن لا ينفرد راويه بما جرت العادة أن ينقله أهل التواتر، أو يجب عليهم علمه فإن انفرد لم يقبل»(1).
أقول: هذا الذي شرطه الأصوليون دليل عميق على شدة ترابط أواصر العلوم الشرعية فيما بينها فإنَّ عموم هذه الضوابط لخصها المحدثون بقولهم: «غير شاذ ولا معلل». ومنه تعلم أنَّ العلوم الشرعية تعوم في فلك الكتاب والسنة، وأنَّها تدور في أفلاك متراصة.
وقد سبق القسم الأول بقضه وقضيضه، والذي تناول العلل التي تصيب الإسناد، وها هو ذا القسم الثاني من العلل التي تطرأ على المتن، سأذكر أنواعها متكلماً عن كل ضرب منها في موطنه.--------------------------------------------
(1) " البحر المحيط " 3/ 398.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 400)
أنواع علل المتن:
النوع الأول من أنواع علل المتن: معارضة خبر الآحاد.
التعارض: هو التقابل على سبيل التمانع بين أمرين أو أكثر، فكل أمر منها يدل على ما ينافي الأمر الآخر.
قال الغزالي: «اعلم أنَّ التعارض هو التناقض»(1)، وقال الصنعاني: «حقيقة التعارض بين الشيئين تقابلهما، وحيث يمنع كل واحد منهما مقتضى الآخر»(2).
أما خبر الآحاد، فالآحاد جمع أحد أي واحد، قال ابن حجر: «وخبر الواحد في اللغة: ما يرويه شخص واحد، وفي الاصطلاح: مالم يجمع شروط التواتر»(3).
قال البقاعي: «والأصل في خبر الواحد أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يرسل رسله إلى الآفاق وحداناً بأوامره ونواهيه التي تستباح بها الدماء والأموال وغيرها، بكتب وبغير كتب، ولم يشهد على شيء من ذلك اثنين، وكان يأمر بقبول أخبارهم»(4).
وقال ابن رجب: «وأما خبر الواحد الثقة الذي ليس له معارض أقوى--------------------------------------------
(1) " المستصفى " 2/ 395.
(2) " إجابة السائل شرح بغية الآمل " 1/ 91. وقال الزركشي في " البحر المحيط " 4/ 407: «فهو تفاعل من العُرض - بضم العين -، وهو الناحية والجهة، وكأن الكلام المتعارض يقف بعضه في عرض بعض، أي ناحيته وجهته، فيمنعه من النفوذ إلى حيث وُجّه، وفي الإصطلاح: تقابل الدليلين على سبيل الممانعة».
(3) " نزهة النظر ": 32.
(4) " النكت الوفية " 1/ 592 - 593 بتحقيقي.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 401)
منه، فإنَّه يجب قبوله لأدلة دلّت على ذلك، وقد يُتوقف فيه أحياناً؛ لمعارضته بما يقتضي التوقف فيه، كما توقف النبي صلى الله عليه وسلم في قول ذي اليدين حتى تُوبع عليه»(1).
وهذا النوع وثيقة صلته بمباحث الناسخ والمنسوخ، إذ قد يكون الخبران المتعارضان في الظاهر غير متعارضين، بأن يكون أحدهما ناسخاً والآخر منسوخاً(2).
وتحت هذا النوع أمور منها: معارضة خبر الآحاد لنصوص القرآن
الكريم، ومعارضته لحديث آخر، وكذلك معارضة خبر الآحاد لإجماع أهل المدينة، وللقياس، وللقواعد العامة وغيرها مما سيأتي في هذا القسم.
1 - معارضة خبر الآحاد لنصوص القرآن الكريم:
من المتفق عَلَيْهِ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ أنَّ القرآن الكريم نُقل إلينا متواتراً، وهو من حَيْثُ الثبوت قطعي لا مراء فِيْهِ، في حين أنَّ خبر الآحاد لا يعدو كونه ظني الثبوت، إذ إنَّ احتمال وجود الخطأ في رِوَايَة الحفاظ الثقات المتقنين أمر وارد، وَقَدْ قَالَ الإمام أحمد: «ومن ذا الَّذِي يَعْرَى من التصحيف والخطأ»(3).
وخبر الآحاد إذا كان معارضاً للقرآن الكريم، فإنَّ ذلك يدل على عدم صحته، إذ لو كان صحيحاً لما خالف القرآن.
وبسبب هَذِهِ الشبهة في خبر الآحاد، فإنَّه لا مجال للقول بقطعية ثبوته؛ لأنَّ «ما فِيْهِ شبهة لا يعارض ما لَيْسَ فِيْهِ شبهة»(4). ومن ثَمَّ فإنَّه لا وجه للقول باستوائهما من ناحية الاستدلال، فضلاً عن تعارضهما وفي ذلك يقول الغزالي: «الظن ينمحي في مقابلة القاطع، فلا يبقى معه»، وقال ابن قدامة: «لا يتصور أن يتعارض علم وظن؛ لأنَّ ما عُلم، كيف يظن خلافه؟ وظن--------------------------------------------
(1) " فتح الباري " 9/ 424.
(2) انظر: " معرفة مدار الإسناد " 2/ 74.
(3) " مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث ": 383 بتحقيقي، و " فتح المغيث " 3/ 64 ط. العلمية و 3/ 457 ط. الخضير، و " تدريب الراوي " 2/ 193.
(4) " أسباب اختلاف الفقهاء ": 300.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 402)
خلافه شك، فكيف يشك فيما يعلم»(1)؛ لذا نجد فقهاء الحنفية(2) وبعض فقهاء المالكية(3) عند معارضة خبر الآحاد لنصوص القرآن الكريم يوجبون ردّه، أو تأويله عَلَى وجه يجمع بَيْنَهُمَا. ويُعلّلون هَذَا الاشتراط: بأنَّ «خبر الواحد يحتمل الصدق والكذب، والسهو والغلط، والكتاب دليل قاطع، فَلَا يقبل المحتمل بمعارضة القاطع، بَلْ يخرج عَلَى موافقته بنوع تأويل»(4).
وبالمقابل فإننا نجد الجُمْهُوْر يلغون هَذَا الاشتراط، ويجوِّزون تخصيص عموم نصوص الكِتَاب بخبر الواحد عِنْدَ التعارض، كَمَا يجوز تقييد ما أطلق من نصوصه بِهَا(5)؛ وذلك أنّ الحنفية ومن وافقهم يرون الزيادة عَلَى النص نسخاً(6)، وكيف يصح نسخ المقطوع بالمظنون؟
قال ابن حجر: «وأجاب بعض الحنفية بأنَّ الزيادة على القرآن نسخ، وأخبار الآحاد لا تنسخ المتواتر»(7).
فقد قال الشافعي: «وليس يخالف الحديث القرآن، ولكن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مبين معنى ما أراد الله، خاصاً وعاماً، وناسخاً ومنسوخاً، ثم يلزم الناس ما سُنَّ بفرض الله، فمن قَبِلَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن الله عز وجل قَبِلَ»(8).
وذهب الكلوذاني - من الحنابلة - قريباً من مذهب الحنفية والمالكية--------------------------------------------
(1) انظر: " القطعي والظني ": 636.
(2) انظر: "أصول السرخسي" 1/ 344، و " الفصول في الأصول " 3/ 114، و" ميزان الأصول ": 433 تح محمد زكي عبد البر و 2/ 642 تح د. عبد الملك السعدي، و" التلويح "2/ 15 - 16.
(3) انظر: " إحكام الفصول " للباجي 1/ 417 (419).
(4) " ميزان الأصول ": 434 تح محمد زكي عبد البر و 2/ 643 تح د. عبد الملك السعدي.
(5) انظر: " أسباب اختلاف الفقهاء ": 301.
(6) انظر: " أصول السرخسي " 2/ 81 - 82، و" الفصول في الأصول " 2/ 313، و" ميزان الأصول ": 725 تح محمد زكي عبد البر و 2/ 1013 تح د. عبد الملك السعدي.
(7) " فتح الباري " 5/ 346 عقب (2670).
(8) " الأم " 9/ 194 ط. الوفاء.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 403)
فقال: «ومن ذلك أنْ يدفع مقتضى خبر الواحد الكتاب أو السنة المتواترة، ولا يكون ذلك إلا إذا نفى أحدهما ما أثبته الآخر على الحد الذي أثبته، نحو أن يرد في أحدهما: ليصل فلان في الوقت الفلاني في المكان الفلاني على الوجه الفلاني، وينهى في الآخر عن هذه الصلاة على هذا الحد فلا يقبل الخبر؛ لأنا قد علمنا أنَّ الله تعالى تكلم بالآية، وأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم تكلم بما ورد به التواتر، فلو أخذنا بخبر الواحد، لكنا قد تركنا ما علمنا أنَّ المشرع قاله إلى ما لا نعلم أن صدق(1)، فنترك اليقين بالشك، وهذا لا يجوز»(2).
ومنع ابن حزم العمل بما خالف القرآن بقوله: «وما كان خلافاً لظاهر القرآن دون نصٍ من بيان النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فلا يجوز القول به، وليس يوجب هذا القول قياس، ولا نظر»(3).
ونقل الزركشي عن أبي زيد قال: «خبر الواحد يعتقد زيفه من وجوه أربعة: العرضُ على كتاب الله، ورواجه بموافقته، وزيافته بمخالفته، ثم على السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي الثابتة بطريق الاستفاضة … »(4).
وقال أحد الباحثين: «اعلَم أنَّه يخطئ على هذا العلم من أقام المعارضة بين القرآن والحديث يزعم صحته، فالمفارقة بين طريقي نقلهما كافية للقضاء أنْ لا يوجد حديث يقوم لمعارضة القرآن. لذا ما يمكن تصور وجودِهِ من ذلك إن كان ظاهره الصحة نقلاً، فلا يخلو من أحد حالين:
الأول: أن تكون المعارضة بينه وبين القرآن، لا تعدو أن تكون غلطاً من مُدَّعيها، لا غلطاً في نفس الأمر، وهذا يكون تارة وهماً، وتارة هوى.
والثاني: أن تكون معارضة حقيقية، وعندئذ لا يسلم الإسناد من علة خفية.
والمقصود: منع وقوع التعارض الحقيقي بين آية من كتاب الله وحديث--------------------------------------------
(1) كذا في المطبوع، ولعل الصواب: «أنه صدق».
(2) " التمهيد في أصول الفقه " 3/ 148 - 149.
(3) " المحلى " 5/ 29.
(4) " البحر المحيط " 3/ 407.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 404)
صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا على معنى وجود النسخ، وواقع الحال: امتناع أن يأتي حديث يسلم من علةٍ، يعارض آية من كتاب الله، وإنَّما توجد أمثلة من الحديث يحسبها بعض المشتغلين بالحديث صحيحة، ولم يقفوا على عللها، ووجدها غيرهم مما يخالف القرآن. وعرض الحديث على القرآن طريق من طرق فحصه، اعتبره أئمة هذا العلم وبنوا عليه التعليل لبعض الحديث الآتي على خلافه»(1).
ويرى الجمهور: أنّ الزيادة عَلَى النص، ليست من باب النسخ دائماً(2)، وإنَّما قَدْ تَكُوْن بياناً، أو تخصيصاً، أو تقييداً. وفي مسألة البيان لا يشترط تكافؤ الأدلة من حَيْثُ عدد ناقليها. وهذان مثالان لمعارضة خبر الآحاد لنصوص القرآن الكريم.
الأول: حَدِيْث فاطمة بنت قيس قالت: طَلَّقَني زَوْجي ثَلاثاً لَمْ يَجْعَلْ لي سُكْنَى وَلا نَفَقَةً، فَأَتَيْتُ رَسُوْل اللهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لَهُ: إنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لي سُكْنَى ولا نَفَقَةً، قَالَ: «صَدَقَ» …(3).
رَوَاهُ مالك(4)، والشافعي(5)، والطيالسي(6)، وعبد الرزاق(7)، والحميدي(8)، وسعيد(9) بن مَنْصُوْر(10)، وابن سعد(11)، وابن الجعد(12)،--------------------------------------------
(1) " تحرير علوم الحديث " 2/ 698.
(2) انظر: " البحر المحيط " 4/ 143.
(3) ألفاظ الْحَدِيْث مطولة ومختصرة، وأثبتّ رِوَايَة أبي داود الطيالسي.
(4) في " الموطأ " (1697) برواية الليثي و (1665) برواية أبي مصعب الزهري.
(5) في "مسنده " (1315) بتحقيقي.
(6) في " مسنده " (1645).
(7) في " مصنفه " (12021) و (12022) و (12026) و (12027).
(8) في " مسنده " (363).
(9) الثقة أبو عثمان الخراساني سعيد بن مَنْصُوْر بن شعبة نزيل مكة، توفي سنة (227 هـ).
انظر: " تاريخ الإسلام ": 184 وفيات (227 هـ)، و" سير أعلام النبلاء " 10/ 586،
و" التقريب " (2399).
(10) في " سننه " (1355) و (1356) و (1357).
(11) في " طبقاته " 8/ 213 - 214 و 214.
(12) في " مسنده " (623) ط. الفلاح و (604) ط. العلمية.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 405)