فتخلفتْ لالتماسه، فانطلقَ أبو بكرٍ إلى عائشةَ فتغيَّظ عليها في حبسها الناسَ؛ فأنزلَ اللهُ عز وجل الرخصةَ في التيمم. قالَ: فمسحنا يومئذٍ إلى المناكبِ، قالَ: فانطلقَ أبو بكرٍ إلى عائشة، فقال: ما علمتُ أنَّكِ لمباركةٌ.
وأخرجه: أحمد 4/ 321، وأبو داود (318)، وابن ماجه (571) من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، حدثه(1) عن عمَّار بن ياسر أنَّه كانَ يحدِّثُ أنَّهم تَمسحوا وهو معَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصعيدِ لصلاةِ الفجرِ، فضربوا بأَكُفِّهمُ الصعيدَ، ثُمَّ مسحوا وجوههم مسحةً واحدةً ثُمَّ عادوا فضربوا بأَكُفِّهمُ الصعيدَ مرةً أخرى، فمسحوا بأيديهم كلِّها إلى المناكبِ والآباط منْ بطونِ أيديهم.
قلتُ: منْ خلال ما تقدمَ يتبين أنَّ الرواة المعروفين بالرواية عن الزهريِّ اختلفوا في إسناد هذا الحديث، فمنهم من قال: عنه، عَنْ عبيد الله، عن ابن عباس، عن عمار، ومنهم من قال عنه، عن عبيد الله، عن أبيه، عن عمار، ومنهم من قال: عنه، عن عبيد الله، عن عمار ومنهم مَنْ أرسله، ومنهم من ذكر ضربةً واحدةً، ومنهم مَنْ ذكر ضربتين، فهذا الاختلاف يعدُّ من قرائن رد هذا الحديث، وحمل الاضطراب في ذلك على الزهريِّ، وأنَّ عامة الرواةِ اجتمعت قرائن قبول روايتهم عنه، وظهر ما يبرئ ساحتهم من الوهم والخلل، وقد حاول بعض أهل العلم تأويل هذا الحديث لرد ما اعتراه من اضطراب، قال الأثرم فيما نقله الزيلعيُّ في " نصب الراية " 1/ 156: «إنَّما حكى فيه فعلهم دون النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كما حكى في الآخر: أنَّه أجنب فعلمه عليه السلام»، وقال ابن حبان عقب (1310): «كان هذا حيث نزل آية التيمم قبل تعليم النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عماراً كيفية التيمم، ثمَّ علمه ضربةً واحدةً للوجه والكفين لما سأل عمار النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عن التيمم».--------------------------------------------
(1) الهاء هنا تعود على الزهري، أي: أن عبيد الله بن عتبة حدَّث الزهري عن عمار، وهذا أمرٌ ظاهر لكني بينت هذا الظاهر حتى لا يلتبس على من لم يمعن النظر فيظن هذه صيغة سماع لعبيد الله من عمار.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 370)
قلت: وهذا كلهُ يشكل عليه ما جاء في بعض الروايات: فقامَ المسلمونَ معَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فضربوا بأيديهم. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى تضعيف هذا الحديث، فقال الزهريُّ فيما نقله أحمد 4/ 264، وأبو داود عقب (320): «ولا يغتر(1) بهذا الناس»، وقال أبو داود عقبه: «وكذلك رواه ابن إسحاق قال فيه عن ابن عباس، وذكر ضربتين كما ذكر يونس. ورواه معمر، عن الزهريِّ ضربتين وقال مالك: عن الزهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه، عن عمّار. وكذلك قال أبو أويس، عن الزهري، وشك فيه ابن عيينة قال مرةً: عن عبيد الله، عن أبيه أو عن عبيد الله، عن ابن عباس ومرةً قال: عن أبيه ومرةً قال: عن ابن عباس اضطرب ابن عيينة فيه وفي سماعه عن الزهريِّ ولم يذكر أحدٌ منهم في هذا الحديث الضربتين إلا من سميت»، وقال الترمذي عقب (144): «فضعّف بعض أهل العلم حديث عمار، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في التيمم للوجه والكفين لما روى عنه حديث المناكب والآباط، قال إسحاق بن إبراهيم: حديث عمار في التيمم للوجه والكفين: هو حديث صحيح، وحديث عمار: تيممنا مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى المناكب والآباط، ليس هو بمخالف لحديث الوجه والكفين؛ لأنَّ عماراً لم يذكر أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أمرهم بذلك، وإنَّما قال: فعلنا كذا وكذا. فلما سأل النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أمره بالوجه والكفين، والدليل على ذلك: ما أفتى به عمار بعد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في التيمم أنَّه قال: الوجه والكفين، ففي هذا دلالة أنَّه انتهى إلى ما علمه النبيُّ صلى الله عليه وسلم»، وقال البزار عقب (1384): «وهذا الحديث قد رواه غير واحد عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن عمار فتابع ابن إسحاق. ورواه غير واحد عن الزهريِّ، عن عبيد الله ولم يقل عن ابن عباس، عن عمار، ورواه بعض أصحاب الزهريِّ عن الزهريِّ، عن عبيد الله، عن أبيه، عن عمار بغير هذا اللفظ»، وقال الطحاوي في " شرح معاني الآثار " عقب (652): «فقد اضطرب علينا حديث عمار هذا، غير أنَّهم جميعاً قد نفوا أنْ يكون قد بلغ المنكبين--------------------------------------------
(1) في رواية أبي داود: «يعتبر».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 371)
والإبطين، فثبت بذلك انتفاء ما روي عنه في حديث عبيد الله، عن أبيه أو ابن عباس رضي الله عنهما، وثبت أحد القولين الآخرين»، وقال ابن عبد البر في " التمهيد " 7/ 179: «ورواه يونس، وابن أبي ذئب، ومعمر، عن الزهري، عن عبيد الله، عن عمار ولم يقولوا، عن أبيه كما قال مالك، ولا قالوا عن ابن عباس كما قال صالح وابن إسحاق، وذكروا فيه ضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المناكب والآباط، وكذلك ذكر فيه معمر ضربتين»، وقال في 7/ 180: «أكثر الآثار المرفوعة عن عمار في هذا الحديث إنَّما فيها ضربة واحدة للوجه واليدين وكل ما يروى في هذا الباب عن عمار فمضطرب مختلف فيه … ».
قلت: وعلّق ابن رجب رحمه الله على هذا الحديث بكلام نفيس؛ ولنفاسته أنقله بكامله إذ قال في " فتح الباري " 2/ 251 - 253: «وقد روي عن عمار أنَّهم تيمموا مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى المناكب والآباط من رواية الزهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن عمار، قال: نزلتْ رخصةُ التَّطهر بالصعيدِ الطيبِ فقام المسلمونَ معَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربوا بأيديهم الأرض، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من الترابِ شيئاً، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكبِ، ومن بطون أيديهم إلى الآباط. خرّجه: الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي. وقد اختلف في إسناده على الزهري، فقيل: عنه - كما ذكرنا- وقيل: عنه، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه، عن عمار. كذا رواه عنه مالك وابن عيينة وصحَّح قولهما: أبو زرعة وأبو حاتمٍ الرازيان. وقيل: عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عمار مرسلاً.
وهذا حديثٌ منكرٌ جداً لم يزل العلماء ينكرونه وقد أنكرهُ الزهريُّ راويه، وقال: هو لا يعتبر به الناس. ذكره الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما، وروي عن الزهريِّ أنَّه امتنع أنْ يحدث به، وقال: لم أسمعه إلا من عبيد الله، وروي عنه أنَّه قال: لا أدري ما هو؟ وروي عن مكحول أنَّه كان يغضب إذا حدث الزهري بهذا الحديث، وعن ابن عيينة أنَّه امتنع أنْ يحدث به، وقال: ليس العمل عليه، وسُئل الإمام أحمد عنه، فقال: ليس بشيء، وقال أيضاً: اختلفوا في إسناده، وكان الزهريُّ يهابه، وقال: ما أرى العمل عليه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 372)
وعلى تقدير صحته، ففي الجواب عنه وجهان: أحدهما: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يعلِّم أصحابه التيمم على هذه الصفة، وإنَّما فعلوه عند نزول الآية لظنهم أنَّ اليد المطلقة تشمل الكفين والذراعين والمنكبين والعضدين، ففعلوا ذلك احتياطاً كما تمعّك عمارٌ بالأرض للجنابة، وظنّ أنَّ تيمم الجنب يعم البدن كله كالغسل ثم بَيّنَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم التيمم بفعله وقوله: «التيمم للوجه والكفين»، فرجع الصحابة كلهم إلى بيانه صلى الله عليه وسلم ومنهم عمارٌ راوي الحديث، فإنَّه أفتى أنَّ التيمم ضربة للوجه والكفين كما رواه حصين، عن أبي مالك، عنه كما سبق، وهذا الجواب ذكره إسحاق بن راهويه وغيره من الأئمة.
والثاني: ما قاله الشافعيُّ: وأنَّه إن كان ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو منسوخ؛ لأنَّ عماراً أخبر أنَّ هذا أول تيمم كان حين نزلتْ آية التيمم، فكل تيمم كان للنَّبيِّ(1) صلى الله عليه وسلم بعده مخالف له فهو له ناسخ، وكذا ذكر أبو بكر الأثرم(2) وغيره من العلماء.
وقد حكى غير واحد من العلماء عن الزهريِّ، أنَّه كان يذهب إلى هذا الحديث الذي رواه، وروي عن عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة أنَّ الزهريَّ قال: التيمم إلى الآباط. قال سعيد: ولا يعجبنا هذا.
قلت - القائل ابن رجب -: قد سبق عن الزهريِّ أنَّه أنكر هذا القول، وأخبر أنَّ الناس لا يعتبرون به، فالظاهر أنَّه رجع عنه لما علم إجماع العلماء على مخالفته، والله أعلم» انتهى.
وحاصل ما تقدم يتلخص لنا من إعلال هذا الحديث أنَّ الوهم قد يكون طرأ للزهري من حديث الإفك، والله أعلم.
والحديث الثابت في صفة التيمم هو ما أخرجه: البخاري 1/ 92 - 93 (338)، ومسلم 1/ 193 (368) (112) من طريق شعبة، عن ذر، عن سعيد بن--------------------------------------------
(1) في المطبوع: «النبي» خطأ، والتصويب من طبعة طارق بن عوض الله.
(2) تقدم كلامه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 373)
عبد الرحمان بن أبزي، عن أبيه، قال: جاءَ رجلٌ إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني أجنْبتُ فلم أُصبِ
الماءَ، فقال عمّار بن ياسر لعمرَ بنِ الخطابِ: أما تَذْكر أنَّا كنَّا في سَفَرِ أنا وأنتَ، فأمَّا أنتَ فلم تصلِّ، وأما أنا فتمعكْتُ، فصليتُ فذكرْتُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إنَّما كانَ يكفيكَ هكذا» فضربَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بكفَّيه الأرضَ، ونفحَ فِيهما ثمّ مسحَ بها وجهَهُ وكفيه.
وانظر لتمام التخريج في " تحفة الأشراف " 7/ 164 (10362).
انظر: " تحفة الأشراف " 7/ 167 (10357)، و " نصب الراية " 1/ 155 - 156، و" إتحاف المهرة " 11/ 729 (14938)، و " أطراف المسند " 5/ 10 (6513).
مثال آخر لمضطرب المتن، وقد اضطرب راويه في إسناده أيضاً فقد روى أبو إسحاق السَّبيعيُّ، عن عمير بن سعيد، قال: سمعت ابن عباس، يقول: {حافظُوا على الصَّلَوَاتِ وَ الصَّلاةِ الوُسْطَى}(1) صلاةُ العصرِ.
أخرجه: ابن أبي شيبة (8690) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، به.
هذا إسناد ظاهره الصحة، إلا أنَّ أبا إسحاق اضطرب فيه سنداً ومتناً.
أما اضطرابه في السند فإنَّه رواه عن عمير بن سعيد كما تقدم.
وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (4231) ط. الفكر و 4/ 349 - 350 ط. عالم الكتب من طريق قيس - وهو ابن سليم العنبري(2) -.
وأخرجه: البخاري في " التاريخ الكبير " 3/ 275 (1070)، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " 1/ 174 وفي ط. العلمية (991) من طريق إسرائيل.
كلاهما: (قيس، و إسرائيل) عن أبي إسحاق، عن رزين بن عبيد(3)، عن ابن عباس.--------------------------------------------
(1) البقرة: 238.
(2) وهو: «ثقة» " التقريب " (5579).
(3) تحرف في مطبوع " شرح معاني الآثار " إلى: «زر بن عبيد الله العبدي» والمثبت من " إتحاف المهرة ".
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 374)
وأخرجه: سعيد بن منصور (403) (التفسير) من طريق أبي الأحوص، أراه عن أبي إسحاق، قال: حدثني من سمع ابن عباس.
وطريق أبي الأحوص ممكن أنْ يجاب عنه بأنَّه شك من شيخه الذي حدّثه بهذا الحديث، فقال: «أراه» فيكون حمل الاختلاف في إسناده عليه. ولكن بقي لنا طريقان وهما يوضحان أنَّ أبا إسحاق لم يضبط الوساطة التي بينه وبين ابن عباس.
أما اضطرابه في المتن فكما تقدم أنَّه رواه عن ابن عباس بلفظ التفسير، ورواه عنه تارة أخرى بلفظ القراءة.
فأخرجه: ابن أبي داود في " المصاحف " (210) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق: أنَّه سمع عمير بن يريم أنَّه سمع ابن عباس قرأ هذا الحرف: {حافظُوا على الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطَى وصلاة العصرِ}.
وأخرجه: أبو عبيد في " فضائل القرآن " (17 - 50) قال: حدثنا ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن رزين بن عبيد أنَّه سمع ابن عباس يقرؤها كذلك: {والصلاة الوسطى صلاة العصر}.
وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (4261) ط. الفكر و 4/ 365 - 366 ط. عالم الكتب، والبيهقي 1/ 463 من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن هبيرة(1) بن يريم، عن ابن عباس بنحو رواية ابن أبي داود.
وهذا الطريق ليس بأفضل حال من سابقه، وأبو إسحاق تارة رواه عن عمير بن يريم وتارة عن هبيرة بن يريم، وتارة أعادهُ على رزين بن عبيد، فيكون الحديث معلولاً باضطراب أبي إسحاق فيه، وأنَّه لا يصح، والله أعلم.
وانظر: " إتحاف المهرة " 7/ 56 (7320).
مثال آخر لاضطراب المتن ما روى أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن علقمة والأسود، قالا: قال عبد الله: إنَّ في كتاب اللهِ--------------------------------------------
(1) في طبعة الفكر: «عمير».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 375)
لآيتين ما أذنبَ عبدٌ ذنباً فقرأهما فاستغفرَ اللهَ عز وجل إلا غفرَ لهُ: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله}(1) وقوله: {ومَنْ يعملْ سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً}(2).
أخرجه: سعيد بن منصور (526) (التفسير)، ومن طريقه ابن المنذر في " التفسير " (936)، والطبراني في " الكبير " (9035).
وأخرجه: ابن أبي شيبة (30015).
كلاهما: (سعيد، وابن أبي شيبة) عن أبي الأحوص، بهذا الإسناد.
هذا الإسناد ضعيف؛ فيه أبو إسحاق السَّبيعيُّ، وهو مشهور بالتدليس، ولم يصرّح بالسماع من علقمة ولا من الأسود، ثُمَّ إنَّ أبا إسحاق اختلف عليه متن هذا الحديث فكما تقدم أنَّه جعل الآيتين إحداهما من سورة آل عمران والأخرى من سورة النساء.
وأخرجه: عبد بن حميد في " تفسيره " (392) فقال: أنبأنا عبد الملك ابن عمرو، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن الأسود وعلقمة، قالا: قال عبد الله: مَنْ قرأ هاتين الآيتين من سورة النساء، ثُمَّ استغفرَ غُفرَ له: {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً} {ولو أنهم إذ(3) ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول}(4).
من خلال ما تقدم يتبين أنَّ أبا إسحاق جعل الآيتين تارة من سورة آل عمران وسورة النساء، وتارة من سورة النساء فقط، ولم يذكر آية آل عمران.
وقد روي هذا الحديث من غير طريق أبي إسحاق.
فأخرجه: الطبرانيُّ في " الكبير " (9070) من طريق جرير، عن ليث، عن أبي هبيرة، عن إبراهيم، قال: قال عبد الله: إنَّ في القرآن لآيتين ما أذنبَ عبدٌ ذنباً ثُمَّ تلاهما واستغفر الله إلا غفر له، فسألوه عنهما فلم يخبرهم، فقال--------------------------------------------
(1) آل عمران: 135.
(2) النساء: 110.
(3) سقطت من المطبوع.
(4) النساء: 64.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 376)
علقمةُ والأسود أحدهما لصاحبه: قُمْ بنا، فقاما إلى المنزل فأخذا المصحفَ فتصفّحا البقرةَ، فقالا: ما رأيناهما، ثُمَّ أخذا في النِّساء حتَّى انتهيا إلى هذه الآية: {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً} فقال: هذه واحدة، ثُمَّ تصفّحا آل عمران حتَّى انتهيا إلى قوله: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا} قالا: هذهِ أخرى، ثُمَّ طبقا المصحف، ثُمَّ أتيا عبد الله، فقالا: هما هاتان الآيتان؟ قالَ: نعم.
قال الهيثميُّ في " المجمع " 7/ 11 عقب ذكره لهذا الحديث: «وإسنادهُ جيدٌ، إلا أنَّ إبراهيم لم يدرك ابن مسعود».
قلت: بل إسناده ضعيف، فيه ليث وهو ابن أبي سليم، وقد تقدمت ترجمته على أنَّ إبراهيم - وهو النخعي - لم يدرك ابن مسعود(1). كما قال الهيثمي.
وروي من غير هذا الطريق.
فأخرجه: أبو عبيد في " فضائل القرآن " (7 - 48)، والطبراني في "مسند الشاميين " (1444) من طريق محمد بن عبد الله الشعيثي، عن أبي الفرات مولى صفية أم المؤمنين: أنَّ عبد الله بن مسعود قال: في القرآن آيتان ما قرأهما عبد مسلمٌ عندَ ذنبٍ إلا غفرَ له، قال: فسمعَ بذلكَ رجلانِ منْ أهلِ البصْرة فَأَتياهُ فقالَ: ائتيا(2) أبيَّ بن كعبٍ، فإنني لمْ أسمعْ منْ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما شيئاً إلا وقد سمعه أُبيُّ، قال: فأتيا أُبيَّ بن كعب، فقالَ لهما: اقرءا القرآنَ فإنَّكما ستجدانهما فقرءا حتى بلغا آل عمران: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله} وقوله: {ومَنْ يعملْ سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً} فقالا: قدْ وجدْناهما، فقال أُبيٌّ: أين؟ فقالا: في آل عمران والنِّساء،--------------------------------------------
(1) تقدم أنَّ مرسل النخعي عن عبد الله خصوصاً أقوى من مسنده.
(2) في المطبوع: «ائتنا» خطأ.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 377)
فقال: إنَّهما هما(1).
وهذا إسناد ضعيف؛ أبو الفرات لم أقف له على ترجمة إلا في " تاريخ دمشق " 71/ 98 ولم ينقل فيه جرحاً ولا تعديلاً. زد على ذلك زيادات هذه الرواية على سابقاتها.
مثال آخر لما اضطرب راويه في متنه وإسناده ما روى سفيان بن عيينة، عن مِسْعر - وهو ابن كدام -، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قالَ: قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «ليسَ على الأَمَةِ حدٌّ حتّى تحصنَ، فإذا أُحصنتْ بزوجٍ فعليها نصفُ ما على المحصناتِ».
هذا إسناد ظاهره الصحة، إلا أنَّه معلول باختلاف سفيان فيه رفعاً ووقفاً، فضلاً عن بعض الاختلاف في إسناده.
فقد رواه عبد الله بن عمران العابدي عند الطبراني في " الأوسط " (481) ط. الحديث و (478) ط. العلمية و (3834) كلتا الطبعتين، وابن شاهين في " ناسخ الحديث ومنسوخه " (673)، ومن طريقه ابن الجوزي في " العلل المتناهية " (1327)، والضياء المقدسي في " المختارة " 10/ 328 (353) و 10/ 329 (355) بالإسناد أعلاه مرفوعاً.
وخولف العابدي إذ رواه عن سفيان، سعيد بن منصور (616) … (التفسير)، ومن طريقه البيهقيُّ 8/ 243 بالإسناد أعلاه موقوفاً.
قلت: ونظرة فاحصة في حال الراويين المختلفين على سفيان نجد أنَّ عبد الله بن عمران العابدي صدوق(2)، وأنَّ سعيد بن منصور ثقة مُصنِّف(3)، ولا شك في رجحان رواية سعيد على رواية نظيره لعلو كعبه في هذا الشأن.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى إعلال الرواية المرفوعة بعبد الله بن عمران، فقال الطبرانيُّ: «لم يرفع هذا الحديث عن سفيان إلا عبد الله بن عمران العابدي»، وقال ابن شاهين عقبه: «وأحسب أنَّ هذا الحديث ناسخ--------------------------------------------
(1) لفظ رواية أبي عبيد القاسم بن سلّام.
(2) " التقريب " (3510).
(3) " التقريب " (2399).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 378)
للأول(1)، وحديث مسعر قد عُلِّل وقيل: إنَّه روي موقوفاً على ابن عباس، ولم أعلم أحداً أسنده إلا عبد الله بن عمران العابدي، والله أعلم»، وقال فيما نقله ابن الجوزي في " العلل " عقب (1327): «قد قيل: إنَّ هذا الحديث موقوف على ابن عباس، ولا نعلم أحداً جوّده غير عبد الله بن عمران»، وقال ابن حجر في " فتح الباري " 12/ 199 بُعيد (6836): «وسنده حسن لكنْ اختلف في رفعه ووقفه، والأرجح وقفه، وبذلك جزم ابن خزيمة وغيره … ».
وتعقّب رحمه الله ابنَ شاهين فيما ذهب إليه، فقال: «وادعى ابن شاهين في " الناسخ والمنسوخ ": أنَّه منسوخ بحديث الباب، وتُعقّب بأنَّ النسخ يحتاج إلى تاريخ وهو لم يعلم … ».
فهذا الذي قدمناه يرجح أنَّ العابدي وهم في رفع هذا الحديث، وأنَّ الصواب وقفه، إلا أنَّ سفيان قد اضطرب في رواية هذا الحديث فرواه على خمسة أوجه.
الأول: ما أخرجه: عبد الرزاق (13619) عنه، عن ابن أبي ليلى، عن مجاهد، عن ابن عباس.
والثاني: ما أخرجه: ابن أبي شيبة (28754) عنه، عن حبيب، عن ابن عباس.
والثالث: ما أخرجه: ابن أبي شيبة (28757)، والبيهقي 8/ 243 عنه، عن عمرو بن مرة، عن مجاهد، عن ابن عباس.
والرابع: ما أخرجه: سعيد بن منصور (616) (التفسير) عنه، عن مسعر، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.--------------------------------------------
(1) الحديث الأول حديث عبد الله بن عمران العابدي، والحديث الذي أشار إليه ابن شاهين هو حديث زيد بن خالد الجهني: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، قال: «إنْ زَنَت فاجْلدوها، ثمَّ إنْ زَنَتْ فاجْلدوها، ثمَّ إنْ زَنَتْ فاجْلِدوها، ثمَّ بيعوها ولو بضفير» وهذا أخرجه: البخاري 8/ 213 (6839).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 379)
والخامس: ما أخرجه: ابن أبي شيبة (28854) عنه، عن منصور، عن مجاهد.
هذا الاختلاف من جهة السند. وطريق ابن عيينة معلول من جهتين أخريين:
الأولى: أنَّ ابن أبي شيبة أخرجه: (28754) من طريق وكيع، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير قوله.
وهذا الطريق صحيح وهو يعل الطرق السابقة، ومن جهة أخرى فإنَّ المحفوظ عن ابن عباس أنَّه فسر الإحصان، وليس حد الأمة.
فقد أخرجه: الطبري في " تفسيره " (7231) ط. الفكر و 6/ 611 … ط. عالم الكتب عن المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي بن طلحة، عن ابن عباس قوله: «فإذا أحصنَّ» يقول: إذا تزوجنَ حراً.
وأخرجه: أيضاً الطبري في " تفسيره " (7231) ط. الفكر و 6/ 611 ط. عالم الكتب، والبيهقي 8/ 243 من طريق هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، بنحوه.
وأخرجه: الطبري أيضاً (7231) ط. الفكر و 6/ 611 ط. عالم الكتب من طريق ابن حميد(1)، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن عكرمة: أنَّ ابن عباس كان يقرأ: «فإذا أحصنَّ» يقول: تزوجنَ.
وأخرجه: ابن أبي حاتم في " التفسير " 3/ 923 (5158) عن عبيد الله ابن إسماعيل البغدادي، قال: حدثنا خلف - أي: ابن هشام - قال: حدثنا الخفاف، عن هارون، عن أبان بن تغلب، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس بنحوه.
أقول: من خلال ما تقدم يتبين أن الصواب تفسير ابن عباس لآية--------------------------------------------
(1) في ط. الفكر: «ابن وكيع».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 380)
الإحصان بينما آية الإحصان من قول سعيدِ بنِ جبيرٍ، وسفيانُ قد دخل عليه الوهم لشهرة رواية سعيد، عن ابن عباس، والله أعلم.
وقد يُختلف على الراوي سنداً ومتناً، فيزول ذلك الاختلاف بترجيح الطريق الصواب، ويزول الاختلاف في المتن بترجيح المتن الصواب، فينتفى عن الحديث مسمى الاضطراب، مثاله ما روى الأعمشُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبد خير، عن عليٍّ، قال: كنتُ أرى أنَّ باطنَ القدمينِ أحقُّ بالمسْحِ منْ ظاهرهما، حتَّى رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ على ظاهرهما.
هذا الحديث رواه أبو إسحاق السبيعيُّ واختلف عليه سنداً ومتناً.
أما اختلاف السند.
فأخرجه: ابن أبي شيبة (183)، وأحمد 1/ 95، وعبد الله بن أحمد في "زياداته" 1/ 114 و 124، وأبو يعلى (346) و (613) من طريق وكيع بن الجراح.
وأخرجه: أبو داود (163)، والبيهقيُّ 1/ 292 من طريق يزيد بن عبد العزيز(1).
وأخرجه: ابن أبي شيبة (1906)، وأبو داود (162) و (164)، والبزار (788)، وابن المنذر في " الأوسط " كما في " مسند علي " 5/ 1802، والدارقطنيُّ 1/ 198 و 204 ط. العلمية و (769) و (770) … و (783) ط. الرسالة، والبيهقيُّ 1/ 292 وفي " المدخل " (219) وفي " معرفة السنن والآثار "، له (76) و (444) ط. العلمية و (673) و (2079) … ط. الوعي، وابن عبد البر في " التمهيد " 4/ 397، والبغويُّ (239) من طريق حفص بن غياث(2).--------------------------------------------
(1) وهو: «ثقة» " التقريب " (7749).
(2) وهو: «ثقة، فقيه، تغير حفظه قليلاً في الآخر» " التقريب " (1430).
وخالف أصحاب حفص بن غياث إسماعيل بن عمرو البجلي، قال الدارقطني في " العلل " 4/ 44 (424): «خالفهم إسماعيل بن عمرو البجلي، فرواه عن حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي». قال الدارقطني: «ووهم في قوله: الحارث».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 381)
وأخرجه: ابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث " كما في " مسند علي " 5/ 1800، والنَّسائيُّ في " الكبرى " (119) ط. العلمية و (118) … ط. الرسالة، وابن شاهين في "ناسخ الحديث ومنسوخه " (122)، والذهبي في "سير أعلام النبلاء " 13/ 300 من طريق عيسى بن يونس(1).
وأخرجه: البزار (789) من طريق محاضر بن المورع(2).
خمستهم: (وكيع، ويزيد، وحفص، وعيسى، ومحاضر) عن الأعمش، بهذا الإسناد.
وخالفهم إسماعيل بن عمرو البجلي، فرواه عن حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي. ذكره الدارقطني في … " العلل " 4/ 44 (424) وقال عقبه: «وهم في قوله: الحارث»(3).
وتوبع الأعمش على الرواية الأولى.
فأخرجه: أحمد 1/ 148، والدارميُّ (715)، والبزار (794)، وأبو نعيم في " الحلية " 8/ 190، والبيهقي 1/ 292 من طريق يونس بن أبي إسحاق(4).
وأخرجه: الدارقطني في " العلل " 4/ 47 س (424) من طريق سفيان الثوري.
وأخرجه: البيهقيُّ 1/ 292 من طريق إبراهيم بن طهمان.
وتابعهم إسرائيل وحكيم بن زيد كما في علل الدارقطني.--------------------------------------------
(1) وهو: «ثقة» " التقريب " (5341).
(2) وهو: «صدوق، له أوهام» " التقريب " (6493).
(3) وسبب ذكر هذا الاختلاف أنَّ الدارقطني سبقنا إلى ذلك، وإلا فالمحفوظ طريق أبي إسحاق، عن عبد خير، إذ إنَّ إسماعيل بن عمرو البجلي ضعيف.
(4) وهو: «صدوق، يهم قليلاً» " التقريب " (7899).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 382)
خمستهم: (يونس، وسفيان الثوري، وإبراهيم، وإسرائيل، وحكيم) عن أبي إسحاق، بالإسناد نفسه.
وتابع أبا إسحاق على هذا المسيب بن عبد خير والسدي.
أما طريق المسيب بن عبد خير فرواه سفيان بن عيينة واضطرب فيه.
أخرجه: عبد الرزاق (57).
وأخرجه: عبد الله بن أحمد في " زياداته " على " مسند أبيه " 1/ 114 و 124 من طريق إسحاق بن إسماعيل - وهو الطالقاني -.
وأخرجه: النسائي في " الكبرى " (120) ط. العلمية و (119) … ط. الرسالة من طريق إسحاق بن إبراهيم.
وأخرجه: الطبري في " تفسيره " (8966) ط. الفكر و 8/ 193 … ط. عالم الكتب من طريق عبد الله بن محمد الزهري.
وأخرجه: البيهقي في " المعرفة " (445) ط. العلمية و (2081) … ط. الوعي من طريق الشافعي(1).
خمستهم: (عبد الرزاق، وإسحاق بن إسماعيل، وإسحاق بن إبراهيم، وعبد الله، والشافعي) عن سفيان بن عيينة، عن أبي السوداء، عن المسيب بن عبد خير، عن أبيه، قال: توضأ عليٌّ فغسل ظهور قدميه، وقال: لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل ظهور قدميه لظننت أنَّ بطونهما أحق(2). فذكر في هذه الروايات غسل القدمين.
وأخرجه: الشافعي في " مسنده " (80) بتحقيقي، والحميدي (47)، ومن طريقه ابن عبد البر في " التمهيد " 4/ 396 عن سفيان، عن أبي السوداء، عن ابن عبد خير، عن أبيه، قال: توضأ عليٌّ فمسحَ ظهرَ قدميه، وقال: لولا أني رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يمسحُ على ظهر قدميه لظننت أنَّ باطنَهما أحقُّ.
أقول: فهاتان الروايتان مختلفتا الألفاظ، فقد جاء في الأولى «فغسل--------------------------------------------
(1) هذه الرواية في القلب منها شيء، فإنَّ الذي في " المسند " بلفظ المسح.
(2) لفظ رواية النسائي.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 383)
قدميه» وجاء في الثانية: «مسح قدميه» قال الحميدي عقبه: «إن كان على الخفين فهو سنة، وإن كان على غير الخفين فهو منسوخ»، وقال ابن عبد البر معلّقاً على قول الحميدي: «من أهل العلم من يحمل هذا على المسح على ظهور الخفين، ويقول معنى ذكر القدمين هاهنا أنْ يكونا مغيبين في الخفين فهذا هو المسح الذي ثبت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم فعله، وأما المسح على القدمين فلا يصح عنه بوجه من الوجوه، ومن قال: إنَّ هذا الحديث على ظاهره جعله منسوخاً، بقوله صلى الله عليه وسلم: «ويلٌ للأعقابِ منَ النار»»، وقال أيضاً: «والذي تأولته في حديث عليٍّ هذا أنَّه أراد بذكر القدمين إذا كانا في الخفين، قد جاء منصوصاً من طريق جيد»، وقال البيهقي في " المعرفة ": «وهكذا رواه إسحاق الحنظلي عن ابن عيينة، ورواه الحميدي، عن ابن عيينة بلفظ: المسح فيهما جميعاً، وهو محمول على ظهر قدمي خفيه رواه إبراهيم بن طهمان، عن أبي إسحاق، عن عبد خير، عن علي، وقال في الحديث: ومسح على ظهر قدميه على خفيه».
أقول: إلا أنَّ سفيانَ توبع على ذكر المسح متابعة نازلة.
فقد أخرجه: الدارقطني في " العلل " 4/ 46 - 47 س (424) من طريق إبراهيم بن طهمان، عن مطر الوراق، عن الحسن، عن المسيب بن عبد خير، عن أبيه، عن علي … فذكر رواية المسح.
وتابع السدي أبا إسحاق والمسيب أيضاً.
فأخرجه: الطحاوي في " شرح معاني الآثار " 1/ 35 وفي ط. العلمية (151) من طريق شريك، عن السدي، عن عبد خير(1)، به.
أما الاختلاف في المتن:
فرواه حفص بن غياث، عن الأعمش بلفظ: لو كانَ الدِّينُ بالرأي لكانَ أسفلُ الخفِ أولى بالمسح.
ورواه يزيد بن عبد العزيز، عن الأعمش بلفظ: ما كنتُ أرى باطنَ--------------------------------------------
(1) وهو: «مخضرم، ثقة» " التقريب " (3781).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 384)
القدمينِ إلا أحق بالمسح حتى رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يمسح على ظهرِ خفيهِ.
وتابع الأعمش إبراهيم بن طهمان فرواه عن أبي إسحاق بلفظ: كنتُ أرى أنَّ باطنَ القدمينِ أحقُ بالمسحِ منْ ظاهرهما حتى رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم توضأ ومسحَ على ظهرِ قدميه على خفيه.
خالفهم علي بن يونس، ووكيع بن الجراح، ويونس بن أبي إسحاق، وسفيان الثوري فرووه عن أبي إسحاق بلفظ: كنتُ أرى باطنَ القدمينِ أحقُ بالمسحِ منْ ظاهرهما، حتى رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يمسحُ ظاهرهما.
ورواه سفيان بن عيينة، عن أبي السوداء، عن ابن عبد خير، عن أبيه، قال: رأيتُ عليّاً توضأ فغسلَ ظهر قدميهِ، وقال: لولا أنَّي رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يغسل ظهرَ قدميهِ لظننتُ أنَّ بطونهما أحق بالغسل من ظاهرهما.
قال البزار عقب (794): «هذا الحديث إنَّما حمله أهل العلم على أنَّه كان على طهارة، هذا لمن ثبت الخبر، ولا يحتمل غير ذلك إذ كان الخبر عن عبد خير، عن عليٍّ: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم غسل رجليه».
وقال الدارقطني في " العلل " 4/ 46 س (424): «والصحيح من ذلك قول من قال: كنتُ أرى أنَّ باطنَ الخفينِ أحقُّ بالمسح منْ أعلاهما»(1).
وقال البيهقيُّ 1/ 292: «وعبد خير لم يحتج به صاحبا الصحيح فهذا وما روي في معناه إنَّما أريد به قدما الخف».
وتعقّبه ابن التركماني في " الجوهر النقي " فقال: «ذكر هذه العبارة في حق جماعة، وكأنَّه يريد بذلك تضعيفهم، وقد ذكرنا أنَّه لا يلزم من كونهما لم يحتجا بشخص أنْ يكون ضعيفاً، وعبد خير: ثقة».
وانظر: " تحفة الأشراف " 7/ 88 (10204)، " ونصب الراية " 1/ 181،--------------------------------------------
(1) لذا نجد الحافظ ابن حجر اختار هذا المتن في " بلوغ المرام " (60) وقال: «أخرجه أبو داود بإسناد حسن»، وقال في " التلخيص الحبير " 1/ 418 (218): «إسناده صحيح». وكذلك صححه العلامة أحمد شاكر في تحقيقه " للمسند " (917)، والشيخ الألباني في " الإرواء " 1/ 140.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 385)
" وإتحاف المهرة " 11/ 527 (14560)، " وأطراف المسند " 4/ 452 (6342).
مثال ما اضطرب راويه في متنه: روى جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: دخلنا على جابر بن عبد الله فسأل عن القوم … فذكر حديث حجة النبيِّ صلى الله عليه وسلم وجاء فيه: «أَبْدَأُ بما بَدَأَ اللهُ بِهِ».
هذا الإسناد ظاهره الصحة، إلا أنَّ جعفراً اختلف فيه فرواه بثلاثة ألفاظ:
فقد أخرجه: ابن أبي شيبة (14908)، وعبد بن حميد (1135)، والدارمي (1850)، ومسلم 4/ 38 - 40 (1218) (147)، وابن الجارود (469)، وابن حبان (3944)، والبيهقي 5/ 93 وفي " الدلائل "، له 5/ 435 من طريق حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، باللفظ أعلاه.
وقد توبع حاتم، تابعه يحيى بن سعيد القطان عند ابن خزيمة (2757) بتحقيقي عن جعفر بن محمد، باللفظ أعلاه.
وأخرجه: مالك (1089) برواية الليثي و (1311) برواية أبي مصعب الزهري، ومن طريقه أحمد 3/ 388، والنسائي 5/ 239 وفي " الكبرى "، له (3963) ط. العلمية و (3949) ط. الرسالة، وأبو نعيم في "الحلية" 3/ 200، والبيهقي 1/ 85 و 5/ 93، وابن عبد البر في " التمهيد " 1/ 323، والبغوي (1919).
وأخرجه: أحمد 3/ 320، والنسائي في " الكبرى " (3962) ط. العلمية و (3948) ط. الرسالة، وابن الجارود (465)، وأبو يعلى (2126) من طريق يحيى بن سعيد القطان.
وأخرجه: أبو داود (1905) وابن ماجه (3074)، والبيهقي 5/ 7 من طريق حاتم بن إسماعيل.
وأخرجه: الحميدي (1267)، والترمذي (862) و (2967) من طريق سفيان بن عيينة.
وأخرجه: الطيالسي (1668)، وأبو يعلى (2027) و (6739)، وابن
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 386)
حبان (3943)، والبيهقي 3/ 315 من طريق وهيب بن خالد.
وأخرجه: النسائي 5/ 235 و 240 - 241 وفي " الكبرى "، له (3967) ط. العلمية و (3953) ط. الرسالة من طريق يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد.
وأخرجه: النسائي في " الكبرى" (3955) ط. العلمية و (3941) … ط. الرسالة، والبغوي (1918) من طريق إسماعيل بن جعفر.
وأخرجه: ابن خزيمة (2620) بتحقيقي من طريق عبد العزيز بن أبي حازم.
وأخرجه: الطبرانيُّ في " الصغير " (179) من طريق القاسم بن معن.
تسعتهم: (مالك، ويحيى، وحاتم، وسفيان بن عيينة، ووهيب، وابن الهاد، وإسماعيل، وابن أبي حازم، والقاسم) عن جعفر بن محمد، وجاء في رواية الجميع: «نبدأ».
قلت: وهذان اللفظان لا إشكال فيهما من حيث إمكانية الجمع بين اللفظين، فقد قال الحافظ ابن حجر في " التلخيص الحبير " 2/ 542 (1034): «حديث … ابدأوا بما بدأ الله به» النسائي من حديث جابر الطويل بهذا اللفظ، وصححه ابن حزم، وله طرق عند الدارقطني، ورواه مسلم بلفظ: أبدأ، بصيغة الخبر، ورواه أحمد … بلفظ: نبدأ، بالنون، قال أبو الفتح القشيري: مخرج الحديث عندهم واحد، وقد اجتمع مالك وسفيان ويحيى بن سعيد القطان على رواية (نبدأ) بالنون التي للجمع، قلت - القائل ابن حجر -: وهم أحفظ من الباقين».
وأما اللفظ الثالث:
فقد أخرجه: النَّسائيُّ في " الكبرى " (3968) ط. العلمية و (3954) ط. الرسالة، والدارقطنيُّ 2/ 253 ط. العلمية و (2579) ط. الرسالة من طريق حاتم بن إسماعيل.
وأخرجه: أحمد 3/ 394 من طريق سليمان بن بلال.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 387)
وأخرجه: الدارقطنيُّ 2/ 253 ط. العلمية و (2577) و (2578) ط. الرسالة من طريق سفيان الثوري.
وأخرجه: الدارقطني 2/ 253 ط. العلمية و (2580) ط. الرسالة من طريق محمد بن علي الجعفيِّ.
وأخرجه: ابن حجر في " موافقة الخُبْر الخبر ": 21 - 22 (المجلس السادس) من طريق إسماعيل بن جعفر.
خمستهم: (حاتم، وسليمان، وسفيان الثوري، ومحمد، وإسماعيل) عن جعفر بن محمد بإسناده، وجاء في روايتهم: «ابدءوا بما بدأ الله به»(1) وهذه الرواية استشكل فيها عدم إمكانية جمعها إلى بقية الروايات، وعليه يحمل الوهم في ذلك على جعفر بن محمد.
وانظر: " تحفة الأشراف " 2/ 345 (2593) و 2/ 356 (2621)، و " نصب الراية " 3/ 54، و " البدر المنير " 6/ 213، و " التلخيص الحبير " 2/ 542 (1034)، و " إتحاف المهرة " 3/ 332 (3138).
مثال آخر لمضطرب المتن والإسناد: روى سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنَّ امرأةً من نساء النبيِّ صلى الله عليه وسلم استحمَّتْ من جنابة، فجاء النبيُّ صلى الله عليه وسلم يستحم(2) من فضلها، فقالت: إني اغتسلتُ منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الماءَ لا ينجسُهُ شيءٌ»(3). هذا حديث اختلف فيه على سماك متناً وسنداً، بل هو حديث مضطرب.
فرواه عنه سفيان الثوري واختلف في إسناده.
إذ أخرجه: عبد الرزاق (396)، وإسحاق بن راهويه (12)، وأحمد--------------------------------------------
(1) في ط. الرسالة من " السنن الكبرى ": «أبدأ»، وقال محققها في الهامش: في (ت)
: «ابدؤا»، ونسخة (ت) هي نسخة مغربية من رواية ابن الأحمر كما ذكر ذلك المحقق في 1/ 47 - 48 ووصفها بأنها (نفيسة)، وفي طبعة مؤسسة الرسالة من المسند: «أبدأُ».
(2) وفي رواية «يتوضأ».
(3) لفظ رواية أحمد.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 388)
1/ 235 و 284 و 308، وابن ماجه (371)، والنسائي 1/ 173، وابن الجارود (48) و (49)، والطبري في "تهذيب الآثار" (مسند ابن عباس): 691 - 693 الخبر (26) و (27) و (31)، وابن خزيمة (109) بتحقيقي، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " 1/ 26 وفي ط. العلمية (98)، وابن حبان (1242)، والطبراني في " الكبير " (11714)، وابن شاهين في " ناسخ الحديث ومنسوخه " (57)، والبيهقي 1/ 188 و 267، وابن عبد البر في "التمهيد " 1/ 238 من طريق سفيان، عن سماك، بهذا الإسناد بلفظ: «إنَّ الماءَ لا ينجسُهُ شيءٌ».
وأخرجه: الدارمي (735) ولم يذكر متنه.
وأخرجه: الطبري في " تهذيب الآثار " (مسند ابن عباس): 696 الخبر (1036) من طريق سفيان الثوري، به إلا أنَّه قال عن ابن عباس، عن بعض أزواج النبيِّ صلى الله عليه وسلم باللفظ السابق.
وأخرجه: إسحاق بن راهويه (11) من طريق سفيان الثوري، عن سماك، عن عكرمة: أنَّ ميمونة اغتسلتْ … الحديث. مرسلاً بلفظ: «الماءُ لا ينجسُهُ شيءٌ» من دون ذكر ابن عباس.
ورواه عن سماك أبو الأحوص سلام بن سليم. واختلف في لفظه.
فأخرجه: الطبري في " تهذيب الآثار " (مسند ابن عباس): 693 الخبر (30)، وابن حبان (1241) و (1269)، والطبراني في " الكبير " (11716) من طريق أبي الأحوص، عن سماك، بالإسناد الأول بلفظ: «إنَّ الماءَ لا ينجسُهُ شيءٌ».
وأخرجه: ابن أبي شيبة (355) و (1521)، والطبري في " تهذيب الآثار " (مسند ابن عباس): 692 الخبر (29)، وأبو داود (68)، وابن ماجه (370)، والترمذي (65)، وابن حبان (1248) و (1261)، والبيهقي 1/ 189 و 267 من طريق أبي الأحوص، عن سماك، بالإسناد نفسه بلفظ: «إنَّ الماءَ لا يجنب».
ورواه عن سماك أيضاً إسرائيل واختلف في لفظه وإسناده أيضاً.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 389)