اليقين، مثل أنْ يراه في مسموعاته أو مكتوباته، فيرتفع شكه، فلا يبالي ما تقدم من تشككه. ومع هذا فلا ينبغي للمحدّث أنْ يترك مثل هذا في نقله، فإنَّه إذا فعل فقد أراد منا قبول رأيه في روايته.
وهذا كله إنَّما يكون إذا سلم أنَّ الدراورديَّ وعبد الواحد الرافعين له، سمعاه منه غير مشكوك فيه، فإنَّه من المحتمل أنْ لا يكون الأمر كذلك بأنْ يسمعاه مشكوكاً فيه كما سمعه حماد، ولكنهما حدثا به، ولم يذكرا ذلك اكتفاء بحسبانه، وعلى هذا تكون علة الخبر أبين، فاعلم ذلك» انتهى كلام ابن القطان.
قلت: وكلام ابن القطّان هذا يصح إذا كانت رواية حماد كلها بالشك، أما إذا علمنا أنَّ الحديث أخرجه: أحمد 3/ 83، وابن ماجه (745)، وأبو يعلى (1350)، والبيهقي 2/ 434 - 435 من طريق يزيد بن هارون، ورواه ابن حزم في " المحلى " 4/ 21 من طريق الحجاج بن منهال.
كلاهما: (يزيد، والحجاج) عن حماد بن سلمة به متصلاً مرفوعاً بدون شك، علمنا أنَّه لا يروى عن حماد بالشك إلا في رواية أبي داود من طريق موسى بن إسماعيل ولم يتابع موسى بن إسماعيل على روايته عن حماد بالشك.
إلا أنَّ بعض العلماء صححوا الرواية الموصولة.
قال الرافعي في " شرح المسند " فيما نقله ابن الملقن في " البدر المنير " 4/ 125: «هذا الحديث بَيّن الشافعي أنَّه روي مرة منقطعاً، ومرة موصولاً، ولا يضر الانقطاع إذا ثبت الوصل في بعض الروايات»(1).
وقال ابن المنذر في " الأوسط " عقب (758): «إذا روى الحديث ثقة أو ثقات مرفوعاً متصلاً، وأرسله بعضهم يثبت الحديث برواية من روى موصولاً عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولم يوهن الحديث تخلّف من تخلّف عن إيصاله»(2).--------------------------------------------
(1) ولا بد من التنبيه على أنَّ هذا الكلام ليس على إطلاقه.
(2) حينما نقلت قول ابن المنذر هنا ليس لأني أوافقه فيما ذهب إليه من أنَّ الحديث إذا اختلف في وصله وإرساله يرجح الوصل، لكن أردت بيان رأي ابن المنذر في هذا الحديث. أما من حيث المسألة فالترجيح في مثل هذا لا يندرج تحت قاعدة كلية، إذ يختلف الحال بحسب المرجحات والقرائن، فتارة ترجح الرواية المرسلة وتارة ترجح الرواية الموصولة. وهذه المرجحات كثيرة يعرفها من اشتغل بالحديث دراية ورواية، وأكثر التصحيح والإعلال، وحفظ جملة كثيرة من الأحاديث، وتمكن في علم الرجال وعرف دقائق هذا الفن وخفاياه حتّى صار الحديث أمراً ملازماً له مختلطاً بدمه ولحمه.
ومن المرجحات: مزيد الحفظ، وكثرة العدد، وطول الملازمة للشيخ.
وقد يختلف جهابذة الحديث في الحكم على حديث من الأحاديث، فمنهم من يرجح الرواية المرسلة، ومنهم من يرجح الرواية الموصولة، ومنهم من يتوقف.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 410)
وقال الحاكم: «هذه الأسانيد كلها صحيحة على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه»
وقال ابن حزم في " المحلى " 4/ 21 - 22: «قال بعض من لا يتقي عاقبة كلامه في الدين: هذا حديث أرسله سفيان الثوري، وشك في إسناده موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة. .. : فكان ماذا؟ لا سيما وهم يقولون: إنَّ المسند كالمرسل ولا فرق، ثم أي منفعة لهم في شك موسى ولم يشك حجاج؟! وإنْ لم يكن فوق موسى فليس دونه، أو في إرسال سفيان، وقد أسنده حماد، وعبد الواحد، وأبو طوالة، وابن إسحاق وكلهم عدل».
وقال ابن دقيق العيد في " الإمام " فيما نقله ابن الملقن في " البدر المنير " 4/ 125: «حاصل ما يعلّ فيه بالإسناد والإرسال، وأنَّ الرواة اختلفوا في ذلك قال: وإذا كان الرافع نفسه ثقة، فقد عرف مذهب الأصوليين والفقهاء في قبوله(1)».--------------------------------------------
(1) من المعروف أنَّ الأصوليين والفقهاء من مذهبهم عدم الالتفات إلى علل الحديث، فإذا تعارض وصل بإرسال أو وقف برفع، أخذوا الأعلى وطرحوا الأدنى ولا يعتبرون لقواعد هذا العلم
وأصوله، لذلك كانت كتبهم طافحة بالموضوعات والأحاديث التي لا أصل لها، وهذا ليس بغريب؛ لأنَّ لكل علم رجالاً وفرساناً. وفرسان علم الحديث هم الذين تؤخذ من أفواههم وأفعالهم أصول هذا العلم دون الالتفات إلى من يخالفهم؛ لأنهم أعلم بعلم الحديث من غيرهم، والله أعلم.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 411)
وقال ابن تيمية في " اقتضاء الصراط المستقيم " 2/ 189: «رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والبزار وغيرهم بأسانيد جيدة، ومن تكلم فيه فما استوفى طرقه».
وقال ابن التركماني في " الجوهر النقي " 2/ 434: «إذا وصله ابن سلمة وتوبع على وصله من هذه الأوجه فهو زيادة ثقة، فلا أدري ما وجه قول البيهقي: وليس بشيء؟!».
وقد اعترض ابن الملقن في " البدر المنير " 4/ 125، وابن التركماني على البيهقي بما لا وجه له، ففهما كلامه على غير ما قصده وكذلك فعل ابن حجر في " التلخيص الحبير"؛ إذ إنَّ البيهقي قصد أنَّ الحديث عن سفيان الثوري مرسل، وأنَّ من روى الحديث عن الثوري موصولاً ليس بشيء، لا أنَّه يرجح المرسل في الحديث مطلقاً كما فهمه ابن الملقن وابن التركماني وابن حجر رحمهم الله. ودليل ذلك أنَّه جاء برواية حماد بن سلمة، وقال: «وحديث حماد بن سلمة موصولٌ، وقد تابعه على وصله عبد الواحد بن زياد، والدراوردي».
وقال الشيخ الألباني في " إرواء الغليل " 1/ 320 عقب (287): «وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين(1)، وقد صححه كذلك الحاكم، والذهبي(2) وأعله بعضهم بما لا يقدح».
وقال في " صحيح سنن أبي داود "، له 2/ 395 - 396 تعقيباً على ترجيح الترمذي لرواية الثوري المرسلة: «وهذا ترجيح عجيب! فكيف تكون رواية سفيان وهو فرد أصح من رواية الجماعة وهم ثقات عدول ومعهم زيادة؟! ولو عكس ذلك لكان أقرب إلى الصواب».--------------------------------------------
(1) وقضية أن الحديث على شرط الشيخين خطأ محضٌ، بل لا نرضى باستخدام مصطلح على شرط الشيخين البتة؛ لأنَّ البخاريَّ ومسلماً لا يصححان جميع ما رواه الراوي، وقد سبق لنا في ذلك بحث موسع.
(2) والذهبي لم يصحح الحديث، وإنَّما انتقل هذا الوهم للشيخ بسبب تلخيص الذهبي لكلام الحاكم، وهذه قضية مهمة توهم فيها بعض الناس وتحذلق فيها آخرون، وقد سبق لنا نقد المسألة بما يشفي غليل كل منصف محب للسنة.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 412)
ومما تقدم أرى أنَّ حديث عمرو، موصولاً أصح، ومما يدعم هذا أنَّه توبع.
تابعه: عمارة بن غزية.
فأخرجه: ابن خزيمة (792) بتحقيقي، والحاكم 1/ 251، والبيهقي 2/ 435 من طريق عمارة بن غزية(1)، عن يحيى بن عمارة الأنصاري، به موصولاً.
انظر: "تحفة الأشراف" 3/ 486 (4406)، و"نصب الراية" 2/ 324، و"البدر المنير" 4/ 119، و"أطراف المسند" 6/ 322 (8453)، و"التلخيص الحبير" 1/ 658 - 659 (433)، و"إتحاف المهرة" 5/ 460 (5781).
وقد يشك الراوي في الحديث، ويكون الشك أمارة أنَّ الراوي لم يضبط الحديث، ثم يبين من خلال البحث خطأ الراوي، مثال ذلك ما رواه محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا نعسَ أحدُكم يومَ الجمعةِ في مجلسهِ، فليتحوَّلْ منْ مجلسِهِ ذلكَ»(2).
أخرجه: ابن أبي شيبة (5293)، وأحمد 2/ 32، وابن خزيمة (1819) بتحقيقي من طريق يزيد بن هارون.
وأخرجه: أحمد 2/ 22، وعبد بن حميد (747)، وابن خزيمة (1819) بتحقيقي، والبيهقي في " المعرفة " (1795) ط. العلمية و (6632) ط. الوعي من طريق يعلى بن عبيد.
وأخرجه: أحمد 2/ 135 من طريق إبراهيم بن سعد.
وأخرجه: عبد بن حميد (747)، وابن خزيمة (1819) بتحقيقي من طريق محمد بن عبيد(3).--------------------------------------------
(1) وهو: «لا بأس به» " التقريب " (4858).
(2) لفظ رواية ابن خزيمة.
(3) جاء عند عبد بن حميد مقررناً مع أخيه يعلى بن عبيد.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 413)
وأخرجه: أبو داود (1119) من طريق عبدة.
وأخرجه: الترمذي (526)، ومن طريقه البغوي (1087).
وأخرجه: ابن خزيمة (1819) بتحقيقي جميعاً من طريق أبي سعيد
الأشج، عن عبدة بن سليمان وأبي خالد الأحمر.
وأخرجه: ابن خزيمة (1819) بتحقيقي من طريق أبي خالد الأحمر.
وأخرجه: الدارقطني(1) في " العلل " 4/ 47 (المخطوط)، والسمعاني في " أدب الإملاء والاستملاء ": 161 من طريق سفيان(2).
وأخرجه: الحاكم 1/ 291 من طريق عيسى بن يونس.
وأخرجه: البيهقي 3/ 237 من طريق أحمد بن خالد الوهبي.
تسعتهم: (يزيد، ويعلى، وإبراهيم، ومحمد، وعبدة، وأبو خالد، وسفيان، وعيسى، وأحمد) عن محمد بن إسحاق، بهذا الإسناد.
أقول: هذا إسناد متصل رجاله ثقات ولا تضره عنعنة ابن إسحاق؛ لأنَّه قد صرّح بالسَّماع عند أحمد 2/ 135.
قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».
وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»(3).
وقد روي من أوجه أخر عن نافع لا تصح.
فأخرجه: الطبراني في " الأوسط " (2150) ط. العلمية و (2171) … ط.--------------------------------------------
(1) في رواية الدارقطني: «عن ابن عمر: أراه رفعه، قال … » وهذه الرواية مهمة للغاية تبين لنا أن ابن إسحاق كان يشك برفع الحديث، وما ذلك إلا نقص من حفظه، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم بسبب ذلك؛ لذا فالمرجح أنَّه ينزل عن درجة الثقة إلى الصدوق الحسن الحديث، هذا إذا صرّح بالسماع، أما إذا عنعن فروايته ضعيفة، وكذلك يستثنى من رواياته ما رواه في السيرة مصرحاً فيه بالسماع فهو من صحيح حديثه.
(2) في رواية سفيان: «إذا نعس أحدكم في المسجد … »، وهذه الرواية يبين إجمالها بقية الروايات.
(3) وقول الترمذي والحاكم من تساهلهما.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 414)
الحديث من طريق محمد بن عبد الواهب الحارثي(1)، قال: حدثنا أبو شهاب الحناط، عن أبي إسحاق الشيباني، عن نافع، عن ابن عمر، به مرفوعاً.
وهذا السند فيه كلام، الحارثي قال عنه الدارقطني كما في "تاريخ بغداد" 3/ 68: «ثقة عنده غرائب»، وقال عنه ابن حبان في " الثقات " 9/ 83: «ربما أخطأ».
قال الطبراني عقبه: «لم يرو هذه الأحاديث، عن أبي إسحاق إلا أبو شهاب».
وأخرجه: البيهقي 3/ 237 من طريق أحمد بن عمر الوكيعي، عن
عبد الرحمان المحاربي، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع، عن ابن عمر، به مرفوعاً.
المحاربيُّ مدلسٌ(2) وقد عنعن. قال الدارقطني في " علله " 4/ 47
(المخطوط): «ولم يتابع عليه، والمحفوظ: عن المحاربي، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر … [ومدار](3) الحديث على محمد بن إسحاق، ورواه عمرو بن دينار، عن ابن عمر موقوفاً» أي: إنَّ الحديث لا يأتي إلا من طريق محمد بن إسحاق(4)، وكل الطرق الأخرى لا تصح. أما--------------------------------------------
(1) اختلف في اسم أبيه فأثبته ابن حبان في " الثقات ": «عبد الوهاب» وكذا الذهبي في " تاريخ الإسلام " 230 (367) وخالفهما الخطيب في " تاريخ بغداد " 3/ 678 فأثبته: «عبد الواهب» وعند متابعة مروياته نجده بـ «عبد الواهب» أشهر، وعند تجارب طباعة الكتاب النهائية
منَّ الله علينا بشراء نسخة جيدة من " تاريخ الإسلام "، وهي التي بتحقيق الدكتور بشار عواد معروف فوجدناه: «عبد الواهب» " تاريخ الإسلام " 5/ 678.
(2) " طبقات المدلسين " (38).
(3) ما بين المعكوفتين زيادة مني ليستقيم بها السياق.
(4) قال البيهقي 3/ 237: «هذا الحديث يعد في أفراد محمد بن إسحاق بن يسار، وقد روي من وجه آخر عن نافع».
قال ماهر: هذا من إنصاف البيهقي وإمامته في هذا الفن رحمه الله وأعلى منزلته - وقد تقعقع العيني في شرحه لسنن أبي داود في نحو هذا 3/ 281 ليشكك في أمانة هذا الجبل فلم يفلح.
كناطحٍ صخرةً يوماً ليوهنَها … فلم يضرْها وأوهى قرنَه الوعلُ.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 415)
طريق محمد بن إسحاق فهو وإنْ كان ظاهره القوة إلا أنَّ هناك مَنِ استنكره.
فقال عليُّ بن المديني فيما نقله عنه العقيلي في " الضعفاء الكبير " 4/ 26: «لم يُنْكَر على محمد بن إسحاق إلا حديث نافع، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إذا نعسَ أحدُكم … »، وقال أيضاً فيما نقله الخطيب في " تاريخ بغداد " 1/ 229 وفي ط. الغرب 2/ 28، والمزي في " تهذيب الكمال " 6/ 225 (5646): «لم أجد لابن إسحاق إلا حديثين منكرين: نافع، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا نعسَ أحدُكم يومَ الجمعةِ … »، والزهري، عن عروة، عن زيد بن خالد: «إذا مسَّ أحدُكم فرجه … » هذان لم يروهما عن أحد، والباقون يقول: ذكر فلان، ولكن هذا فيه: حدثنا».
وقال البيهقي 3/ 237: «ولا يثبت رفع هذا الحديث والمشهور عن ابن عمر من قوله» وقال في " معرفة السنن والآثار " (1794) ط. العلمية
و (6631) ط. الوعي: «الموقوف أصح».
وقد رد ابن التركماني على البيهقي فقال: «الرفع زيادة ثقة وقد رويت من وجهين فوجب الحكم لها، وقد أخرجه الترمذي من جهة ابن إسحاق، وقال: حسنٌ صحيحٌ. وأخرجه أبو داود أيضاً من جهته، وسكت عنه وقد جاء له شاهد كما ذكره البيهقي».
وهذا الاعتراض لا وجه له؛ لأنَّه تقدم بيان أنَّ الحديث قد تفرّد به محمد بن إسحاق وحده، وأنَّ الطرق الأخرى كلها لا تصح، كما أنَّ هذا الحديث مما استنكر على ابن إسحاق.
وقال النووي في " المجموع " 4/ 292: «والصواب أنَّه موقوف كما قاله البيهقي، وأما تصحيح الترمذي والحاكم فغير مقبول؛ لأن مداره على محمد بن إسحاق وهما إنَّما روياه من روايته، وهو مدلس معروف بذلك عند أهل الحديث، وقد قال في روايته: عن نافع بلفظ عن. وقد أجمع العلماء من المحدّثين والفقهاء والأصوليين أنَّ المدلس إذا قال: عن، لا يحتج بروايته، والحاكم متساهل في التصحيح معروف عند العلماء بذلك، والترمذي ذهل عن
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 416)
ذلك … » ثم قال: «ولم يذكر ابن عساكر في الأطراف(1) أنَّ الترمذي صححه، ولكن تصحيحه موجود في نسخ الترمذي، ولعل النسخ اختلفت في هذا الحديث كما تختلف في غيره في كتاب الترمذي غالباً».
قلت: تدليس محمد بن إسحاق ليس هو علة الحديث؛ لأنَّه صرّح بالسَّماع كما مر، وإنَّما هو ما استنكر عليه من رفعه له، إذ الصواب في هذا الحديث هو الوقف، كما أخرجه الشافعي في " الأم " 1/ 198 وفي ط. الوفاء 2/ 402 - 403 وفي " مسنده " (434) بتحقيقي، ومن طريقه البيهقي 3/ 237 وفي " معرفة السنن والآثار "، له عقب (1794) ط. العلمية و (6630) ط. الوعي.
وأخرجه: ابن أبي شيبة (5288).
كلاهما: (الشافعي، وابن أبي شيبة) عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، به من قوله موقوفاً.
وكذلك أخرجه: عبد الرزاق (5550) عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، موقوفاً.
وكل هذا يعل رواية محمد بن إسحاق المرفوعة.
وانظر: "تحفة الأشراف" 5/ 598 (8406)، و"أطراف المسند" 3/ 576 (4968)، و"إتحاف المهرة" 9/ 313 (11260)، و"السلسلة الصحيحة" (468).
مثال آخر: روى محمد بن جعفر، قال: حدَّثنا شعبة، عن الحكم، قالَ: سمعتُ القاسم بن مخيمرة، عن شريح بن هانئ، قالَ: سألتُ عائشةَ عنِ المسحِ على الخفينِ، فقالتْ: ائت علياً فسلهُ(2)، فإنَّه--------------------------------------------
(1) لكن المزي حينما ساق الحديث في " تحفة الأشراف " 5/ 598 (8406) نقل عن الترمذي أنَّه قال: «حسن صحيح».
(2) (سل): تستعمل حين لا يتقدمها شيء، كقوله تعالى: {سل بني إسرائيل .. } البقرة: 211، وكقوله تعالى: {سلهم أيهم بذلك زعيم .. } القلم: 40، أما (اسأل) فتستعمل حين يتقدمها شيء، قال تعالى: {فسئل بني إسرائيل .. } الإسراء: 101، وكقوله تعالى: {وسئل من أرسلنا من قبلك .. } الزخرف: 45 وهذه لغة القرآن وبها نزل.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 417)
أعلمُ بذلكَ مني، فأتيتُ عليّاً فسألتُهُ عنِ المسح، فقالَ: كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يأمرنا أنْ نمسحَ للمقيم يوماً وليلة، وللمسافرِ ثلاثةَ أيامٍ.
أخرجه: ابن ماجه (552) من طريق غُنْدر، بهذا الإسناد.
وأخرجه: أبو عوانة 1/ 220 (724)، وابن حبان (1331) من طريق يحيى بن سعيد القطان.
وأخرجه: الخطيب في " تاريخ بغداد " 11/ 247 وفي ط. الغرب 13/ 105 من طريق أبي الوليد - وهو هشام بن عبد الملك -.
ثلاثتهم: (غندر، ويحيى، وهشام) عن شعبة، عن الحكم بنحو الحديث أعلاه.
فهذه الأسانيد كلُّها ظاهرها الصحة، وعامة رواتها من المقدمين في شعبة خصوصاً، إلا أنَّ هذا الحديث قد اختلف فيه شعبة رفعاً ووقفاً، فكما تقدم أنَّه رواه هنا مرفوعاً.
وأخرجه: الطيالسي (92).
وأخرجه: أحمد 1/ 100 عن أبي سعيد مولى بني هاشم.
وأخرجه: أحمد 1/ 133 عن محمد بن جعفر.
وأخرجه: أحمد 1/ 120 عن يحيى - وهو ابن سعيد القطان -.
أربعتهم: (الطيالسي، وأبو سعيد، ومحمد، ويحيى) عن شعبة، عن الحكم، عن القاسم بن مخيمرة، عن شريح بن هانئ: أنَّه سألَ عائشةَ عن المسحِ على الخفينِ، فقالتْ: سلْ عنْ ذلك علياً؛ فإنَّه كان يغزو معَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فسأله، فقال: للمسافرِ ثلاثةُ أيامٍ ولياليهنَّ، وللمقيمِ يومٌ وليلة.
قلت: وقد بَيّنَ كلٌ من محمد بن جعفر غُنْدر ويحيى بن سعيد سبب هذا الاختلاف، قال الإمام أحمد 1/ 133: «قيل لمحمد: كان يرفعه؟ فقال: كان
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 418)
يرى أنَّه مرفوع، ولكنَّه كان يهابه»، وقال يحيى بن سعيد فيما نقله أحمد 1/ 120: «كان يرفعه - يعني: شعبة - ثم تركه»، وقال الدارقطني في "العلل " 3/ 232 (379): «واختلف عن شعبة فرواه يحيى القطان عنه مرفوعاً، وتابعه أبو الوليد من رواية أبي خليفة عنه، وقال غُنْدر: عن شعبة أنَّه كان يرفعه، ثم شك فيه، وأما أصحاب شعبة الباقون فرووه عن شعبة موقوفاً».
وانظر: " تحفة الأشراف " 7/ 48 (10126)، و" أطراف المسند " 4/ 418 (6264).
وقد روي هذا الحديث من طرق أخرى عن الحكم.
فقد أخرجه: ابن أبي شيبة (1877)، وأحمد 1/ 113، ومسلم 1/ 160 (276) (85)، والنَّسائيُّ 1/ 84 وفي " الكبرى "، له (131) ط. العلمية و (130) ط. الرسالة، وأبو يعلى (264)، وابن خزيمة (194) بتحقيقي، وأبو عوانة 1/ 220 (722)، والبيهقيُّ 1/ 272، والبغويُّ (238) من طرق عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن الحكم، عن القاسم بن مخيمرة، عن شريح بن هانئ، به فذكره مرفوعاً.
وقد اختلف على الأعمش أيضاً، إذ قال الدارقطني في " العلل " 3/ 231 (379): «واختلف عن الأعمش فرواه أبو معاوية الضرير، وعمرو بن عبد الغفار، عن الأعمش، عن الحكم ورفعاه إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وخالفهما زائدة ابن قدامة، وعلي بن غراب، وأحمد بن بشير، عن الأعمش فوقفوه على عليِّ بن أبي طالب ولم يرفعوه، وروي عن أزهر بن سعد السمان، عن ابن عون، عن سليمان التيمي، عن الأعمش مرسلاً وموقوفاً(1)».
وقد ورد الحديث مرفوعاً عن الحكم من طرق عديدة.
فأخرجه: عبد الرزاق (789)، وأحمد 1/ 134 و 146، والدارميُّ (714)، ومسلم 1/ 160 (276) (85)، والنَّسائيُّ 1/ 84، وأبو عوانة 1/ 219 (719) و (720) و 1/ 220 (721)، والطحاوي في "شرح المعاني" 1/ 81 وفي--------------------------------------------
(1) لم أقف على شيء من هذه الطرق فيما بين يدي من المصادر.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 419)
ط. العلمية (480)، والبيهقيُّ 1/ 275 من طريق عمرو بن قيس الملائي، عن الحكم بن عتيبة، عن القاسم بن مخيمرة، عن شريح بن هانئ، فذكره مرفوعاً.
وأخرجه: مسلم 1/ 160 (276) (85)، والدارقطني في " العلل " 3/ 236 (379) من طريق زيد بن أبي أنيسة، قال: حدثنا الحكم بن عتيبة، عن القاسم بن مخيمرة، عن شريح بن هانئ مرفوعاً.
وأخرجه: ابن خزيمة (195) بتحقيقي من طريق يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية، قال: حدثنا أبي، عن الحكم، عن القاسم بن مخيمرة، عن شريح بن هانئ، عن عليٍّ، قال: رخصَ لنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في ثلاثةِ أيامٍ للمسافرِ، ويومٍ وليلة للحاضرِ، يعني: في المسح على الخفين.
وأخرجه: البيهقي 1/ 282 من طريق زائدة، عن محمد بن عبد الرحمان ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن القاسم بن مخيمرة، عن شريح مرفوعاً.
وأخرجه: الطحاوي في " شرح المعاني " 1/ 81 وفي ط. العلمية (482) من طريق زبيد، عن الحكم بن عتيبة، [عن القاسم بن مخيمرة](1) عن شريح بن هانئ.
وأخرجه: أحمد 1/ 96 و 149، وابن الجوزي في " التحقيق في أحاديث الخلاف " (233) من طريق الحجاج، عن الحكم، عن القاسم بن مخيمرة، عن شريح بن هانئ، به مرفوعاً.
إلا أنَّ هذا الإسناد ضعيف؛ فالحجاج مدلس وقد عنعن، قال الدارقطني في " العلل " 3/ 231 - 232 س (379): «ورواه ابن عبد الرحمان بن أبي ليلى، ومحمد بن عبيد الله العرزمي، وحجاج بن أرطاة(2)، عن الحكم رفعوه إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ورواه الأجلح ومالك بن مغول وأبو حنيفة، عن الحكم بن عتيبة موقوفاً»(3).--------------------------------------------
(1) ما بين المعكوفتين سقط من المطبوع والمثبت من " إتحاف المهرة " 11/ 418 (14330).
(2) سيأتي تخريجه.
(3) لم أقف على الطرق الموقوفة.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 420)
ورواه أبو إسحاق السبيعيُّ واختلف عنه.
فأخرجه: ابن مردويه في " جزء فيه ما انتقى أبو بكر بن مردويه على الطبراني " (15) من طريق محمد بن أبي السَّري العسقلاني، عن مصعب بن ماهان، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن القاسم بن مخيمرة، عن شريح بن هانئ به، ولم يورد متنه، لكن ذكر الدارقطني في " العلل " 3/ 233 س (379) أنَّه رفعه. ومحمد بن المتوكل بن أبي السَّري العسقلاني: … «صدوق عارف، له أوهام كثيرة»(1)، وشيخه مصعب: «صدوق عابد، كثير الخطأ»(2).
قال الدارقطني في " العلل " 3/ 233 - 234 س (379): «وتابعه - يعني: سفيان - حمادُ بنُ شعيب، عن أبي إسحاق، وتابعهما أيضاً محمد بن مصعب القَرْقَساني - ولم يكن حافظاً(3) - فرواه عن مالك بن مِغْول وإسرائيل وزهير وأبي عوانة، عن أبي إسحاق ورفعه أيضاً. وخالفه أصحاب زهير وأصحاب إسرائيل فرووه عنهما، عن أبي إسحاق موقوفاً، وكذلك رواه أبو الأحوص سلام بن سليم، ويونس بن أبي إسحاق، والحسن بن صالح، ويزيد بن أبي زياد، عن أبي إسحاق موقوفاً».
قلت: وفيما ذهب إليه رحمه الله بعض نظر، فإنَّ أبا الأحوص رواه عن أبي إسحاق وله حكم الرفع.
فقد أخرجه: الطحاوي في " شرح المعاني " 1/ 81 وفي ط. العلمية (481) من طريق أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن القاسم بن مخيمرة، عن شريح بن هانئ، قال: رأيتُ علياً فسألتُهُ عن المسحِ على الخفينِ، فقالَ: كُنا نؤمر إذا كنا سَفْراً أنْ نمسحَ ثلاثةَ أيامٍ ولياليهنَّ، وإذا كُنَّا مقيمينَ فيوماً وليلةً.
قلت: ولا شك أنَّ الصحابيَّ إذا قال: كُنَّا نؤمرُ أو أمرنا، أو منَ السُنَّة، فإنَّه يضيف ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم(4).--------------------------------------------
(1) " التقريب " (6263).
(2) " التقريب " (6694).
(3) في " التقريب " (6302): «صدوق، كثير الغلط».
(4) " معرفة أنواع علم الحديث ": 122 وما بعدها.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 421)
على أنَّ الحديث روي موقوفاً من طريق أبي إسحاق.
أخرجه: ابن أبي شيبة (1903) عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن القاسم بن مخيمرة، فذكره موقوفاً.
وأخرجه: ابن الأعرابي في " معجمه " (2184) من طريق زهير، قال: حدثنا أبو إسحاق، عن القاسم بن مخيمرة، عن شريح بن هانئ، قال: أتيتُ عائشةَ فسألتُها عنِ المسحِ … فذكره موقوفاً.
وقد روي هذا الحديث من غير هذا الطريق موقوفاً أيضاً.
فقد أخرجه: عبد الرزاق (788) قال: أخبرنا معمر.
وأخرجه: أبو يعلى (560) من طريق يونس بن أرقم.
كلاهما: (معمر، ويونس بن أرقم) عن يزيد بن أبي زياد، عن القاسم ابن مخيمرة، عن شريح بن هانئ، قال: سألتُ عائشةَ عنِ المسحِ على الخفينِ، فقالتْ: سل ابن أبي طالب، فإنَّه كانَ يسافرُ معَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فسألنا علياً، فقال: للمسافرِ ثلاثٌ وللمقيمِ ليلةٌ(1).
قال الدارقطني في " العلل " 3/ 234 س (379): «ورفعه سفيان بن عيينة عن يزيد بن أبي زياد، ووقفه غيره عنه».
قلت: رواية سفيان أخرجها: الحميدي (46)، لكن وقع في مطبوعه سقط، إذ جاء فيه: «ائت علي بن أبي طالب فاسأله فإنَّه كانَ يغزو معَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: يومٌ وليلةٌ … » هكذا فيه، وسبب السقط فيما يظهر انتقال نظر الناسخ من آخر قول السيدة عائشة رضي الله عنها: « .. مع رسول الله صلى الله عليه وسلم» إلى قول علي رضي الله عنه: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: .. »، والله أعلم.
وعلى كل حال فالإسناد ضعيف؛ لضعف يزيد، وقد تقدمت ترجمته.
وكذلك روي مرفوعاً من غير هذه الطرق.--------------------------------------------
(1) عند أبي يعلى: «يوماً» ولم يذكر سؤاله لعائشة.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 422)
أخرجه: أحمد 1/ 96، والطحاوي في " شرح المعاني " 1/ 83 وفي … ط. العلمية (502) من طريق الحجاج، عن أبي إسحاق، عن عليِّ بن ربيعة، عن عليٍّ، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
وهذا الإسناد فيه الحجاج وهو ابن أرطاة فيه مقال، وهو مدلس وقد عنعن.
وانظر: " تحفة الأشراف " 7/ 48 (10126)، " وإتحاف المهرة " 11/ 419 (14331)، " وأطراف المسند " 4/ 418 (6264).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 423)
النوع الرابع: الخطأ وماشابهه.
أولاً: خطأ الراوي
الخطأ: ما لم يُتعمد، والخِطء: ما تُعمِّدَ. والمخطئ: من أراد
الصواب، فصار إلى غيره، والخاطئ: من تعمد لما لا ينبغي(1).
والإعلال بالخطأ يشمل ما أخطأ فيه الراوي بزيادة أو نقصان، أو تقديم أو تأخير، أو إبدال كلمة بأخرى، أو جملة بأخرى، أو وهم، أو صحّف، أو حرف، أو قلب في السند أو في المتن.
والخطأ في رِوَايَة الثقات أمرٌ وارد غير أنَّه في طبقة الصحابة عزيز، إِذْ لا يلزم من رِوَايَة الثقة الصواب، على الرغم من أنَّه الأصل فِيْهَا، والخطأ طارئٌ محتمل، وإذا تحقق من وقوعه كان الحديث شاذاً منكراً، لا يعتبر به ولا يشتغل(2)، قال الشافعي: «ومن كثرُ غلطهُ من المحدثين، ولم يكن له أصل كتاب صحيح، لم نقبل حديثه»(3) فقد خطأ أبو حاتم: الثوريَّ، وعبد الرزاق، ووكيع بن الجراح، وابن المبارك، وسفيان بن عيينة وغيرهم من جبال
الحفظ(4)، فالراوي الثقة مهما بلغ أعلى مراتب الضبط والإتقان، فالخطأ في روايته يبقى أمراً محتملاً وليس بعيداً، قال ابن المبارك: «ومن يسلم من--------------------------------------------
(1) انظر: " لسان العرب " مادة (خطأ).
(2) قال الإمام أحمد: «الحديث عن الضعفاء قد يحتاج إليه في وقت، والمنكر أبداً منكر» " الجامع في العلل " (287) برواية المروذي.
(3) " الرسالة " (1044) بتحقيقي.
(4) انظر: " العلل " لابنه (258) و (907) و (915) و (213) و (232) على التوالي.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 424)
الوهم؟!»(1)، وقال ابن معين: «من لا يخطئ في الحديث، فهو كذاب»(2)، ومعرفة الخطأ في حَدِيْث الثقة لا يتمكن من مَعْرِفَته إلا الأئمة الجامعون، وَقَدْ يطلع الجهبذ عَلَى حَدِيْث ما فيحكم عليه بخطأ راويه الثقة، مع أنَّ ظاهر الْحَدِيْث السلامة من هَذِهِ العلة القادحة، لَكِن العالم الفهم لا يحكم بِذَلِكَ عن هوى، بَلْ يترجح لديه أنَّ أحد الرُّوَاة قَدْ أخطأ فيه؛ وذلك للقرائن الَّتِيْ تحيط به، ومثل هَذِهِ الْمَعْرِفَة لا تتضح لكل أحد، بَلْ هِيَ لِمَنْ منحه الله فهماً دقيقاً، واطلاعاً واسعاً، وإدراكاً كبيراً، ومعرفة بعلل الأسانيد ومتونها، ومشكلاتها وغوامضها، ومعرفة واسعة بطرق الْحَدِيْث ومخارجه، وأحوال الرُّوَاة وصفاتهم.
وما دام إدراك الخطأ في حَدِيْث الثقة أمراً خفياً لا يتمكن مِنْهُ كُلُّ أحد، ولا ينكشف لكل ناقد، فإنَّ بعضاً من أخطاء الثقات قَدْ ظن بِهَا جَمَاعَة من القوم الصحة؛ لظاهر ثقة رجالها، واتصال إسنادها، وظاهر خلوها من العلة، وَقَدْ أخذوا بتلك الأحاديث وعملوا بِهَا تحسيناً لظنهم بأولئك الرُّوَاة الثقات، فحصل اختلاف بَيْنَ الأحاديث.
مثال ذَلِكَ: حَدِيْث وائل بن حجر في الجهر بـ (آمين) بَعْدَ قِرَاءة الفاتحة في الصلاة.
فَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيْث: سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل(3)، عن حجر بن العنبس(4)، عن وائل بن حجر، قَالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قرأ: {غَيْرِ--------------------------------------------
(1) " الكامل " 1/ 191.
(2) " تاريخ ابن معين " (2682) برواية الدوري.
(3) هُوَ سلمة بن كهيل الحضرمي، أبو يحيى الكوفي: ثقة. انظر: " التقريب " (2508).
(4) هُوَ حجر بن العنبس الحضرمي، أبو العنبس، ويقال: أبو السكن، الكوفي، أدرك الجاهلية، رَوَى عن علي بن أَبِي طالب، ووائل بن حجر قَالَ فيه يحيى بن معين: شيخ كوفي ثقة مشهور، وَقَالَ الْخَطِيْب: كَانَ ثقة احتج بِهِ غَيْر واحد من الأئمة. انظر: " تهذيب الكمال " 2/ 69 (1120)، وذكره ابن حبان في "الثقات"6/ 234، وَقَالَ الذهبي في "الكاشف" (950): «ثقة».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 425)
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} فَقَالَ: «آمين» و مد بِهَا صوته»(1).
وَقَدْ أخطأ الإمام الحافظ شعبة بن الحجاج في هَذَا الْحَدِيْث، فخالف سفيان في رِوَايَة هَذَا الْحَدِيْث إِذْ رَوَاهُ عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس، عن علقمة بن وائل، عن وائل، قَالَ: «صَلى بنا رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَلما قرأ: {غَيْر المغضوب عليهم ولا الضالين} قَالَ: «آمين» وأخفى بِهَا صوته»(2).
فَقَدْ خالف شعبةُ سفيانَ في سند الْحَدِيْث:
1. عندما أضاف علقمة.--------------------------------------------
(1) أخرجه: ابن أبي شيبة (8035)، وأحمد 4/ 315 و 317، والدارمي (1247)، ومسلم في " التمييز " (37)، وأبو داود (932)، والترمذي (248) وفي " علله الكبير ": 217 (54)، والدارقطني 1/ 332 و 333 ط. العلمية و (1267) و (1269) ط. الرسالة، والطبراني في " الكبير "22/ (111)، والبيهقي 2/ 57، والبغوي (586).
(2) رَوَاهُ عن شعبة: سليمان بن حرب، وأبو الوليد الطيالسي (مقرونين) عِنْدَ الحاكم 2/ 232، ووكيع بن الجراح عِنْدَ الطبراني في " الكبير " 22/ (112).
واختلف عَلَى شعبة فِيْهِ.
فَقَدْ رَوَاهُ أبو داود الطيالسي (1024)، ومن طريقه البيهقي 2/ 57 ويزيد بن زريع عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ 1/ 333 ط. العلمية و (1270) ط. الرسالة، وأحمد بن جعفر عِنْدَ أحمد 4/ 316 ثلاثتهم عن شعبة، عن سلمة، عن حجر، عن علقمة، يحدِّث عن وائل وقد سمعته من وائل.
ورواه أبو الوليد الطيالسي وحجاج بن نصير عِنْدَ الطبراني في "الكبير" 22/ (109) و (110) على التوالي كلاهما عن شعبة، عن سلمة، عن حجر، عن وائل، بِهِ. وَلَمْ يدخلوا فِيْهِ علقمة.
ورواه وهب بن جرير، وعبد الصمد بن عَبْد الوارث عِنْدَ ابن حبان (1805) كلاهما عن
شعبة، عن سلمة، عن حجر أبي عنبس، عن علقمة، عن وائل، بِهِ. وَلَمْ يذكروا فِيْهِ: «إنَّه خفض صوته».
ورواه أبو الوليد الطيالسي عِنْدَ البيهقي 2/ 58 عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي عنبس، عن وائل، وذكر فِيْهِ: «أنه قال: «آمين» رافعاً بِهَا صوته».
فعلى هَذَا يَكُوْن خطأ شعبة في الْمَتْن ظاهراً، إِذْ إنه رجع إلى الصواب، وهذا معنى كلام البيهقي الَّذِيْ سنذكره بَعْدَ قليل. إن شاء الله.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 426)
2. أبدل حجر أبو العنبس بـ(1): (حجر بن عنبس).
3. خالفه في الْمَتْن فَقَالَ: «خفض بِهَا صوته».
قَالَ الإمام الترمذي: «سَمِعْتُ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيْل يقول: حَدِيْث سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل في هَذَا الباب أصح من حَدِيْث شعبة، وشعبة أخطأ في هَذَا الْحَدِيْث في مواضع، قَالَ: عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العَنْبس، وإنَّما هُوَ حجر بن عنبس وكنيته أبو السكن، وزاد فيه عن علقمة بن وائل، وإنَّما هو حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر، ليس فِيْهِ علقمة، وَقَالَ: «وخفض بِهَا صوته» وَالصَّحِيْح أنَّه جهر بِهَا، وسألت أبا زرعة فَقَالَ: حَدِيْث سفيان أصح من حَدِيْث شعبة، وَقَدْ رَوَاهُ العلاء بن صالح(2)»(3).
قال الإمام أحمد: «كان شعبة يقلب أسامي الرجال»(4)، وقال أبو حاتم: «وشعبة ربما أخطأ في أسماء الرجال»(5)، وقال العجلي: «وكان يخطئ في أسماء الرجال قليلاً»(6) والسبب في خطأ شعبة في الأسانيد عنايته بالمتون، قال الدارقطني: «وكان شعبة رحمه الله يغلط في أسماء الرجال؛ لاشتغاله بحفظ المتن»(7).
وَقَدْ عقّب البيهقي عَلَى قَوْل هذين الجهبذين فَقَالَ: «أما خطؤه في متنه--------------------------------------------
(1) من معاني حرف الجر الباء: باء الترك، وتدخل الباء مع الإبدال على المتروك، لا على المتأتى به، قال تعالى: {ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل} البقرة: 108.
انظر: " معجم الشوارد النحوية ": 160
(2) هُوَ العلاء بن صالح التيمي العبدي، الأسدي الكوفي العطار: صدوق لَهُ أوهام.
انظر: "تهذيب الكمال" 5/ 524 - 525 (5161)، و" الكاشف " (4334)، و" التقريب " (5242).
(3) " الجامع الكبير " عقب (248) و" العلل الكبير "، له: 217 - 218 (54) واللفظ من العلل، ورواية العلاء بن صالح ستأتي.
(4) " العلل ومعرفة الرجال " (40) رواية المروذي.
(5) " العلل " لابنه (45).
(6) " الثقات " (728).
(7) " العلل " 11/ 314 س (2305).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 427)
فبيّن، وأما قوله: (حجر أبو العنبس) فكذلك ذكره مُحَمَّد بن كثير عن الثوري(1)،
وأما قوله: عن علقمة فَقَدْ بيّن في روايته أنَّ حجراً سمعه من علقمة، وَقَدْ سمعه أَيْضاً من وائل نفسه(2)، وَقَدْ روَاهُ أبو الوليد الطيالسي عن شعبة نحو رِوَايَة الثوري»(3).
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: «كَذَا قَالَ شعبة: وأخفى بِهَا صوته، ويقال: إنَّه وهم فِيْهِ؛ لأنَّ سفيان الثوري ومحمد بن سلمة بن كهيل وغيرهما، رووه عن سلمة، فقالوا: ورفع صوته بآمين، وَهُوَ الصواب»(4).
والذي يهمنا في مجال بحثنا هُوَ خطأ الإمام شعبة بقوله: «أخفى بِهَا صوته»، والمرجح هنا هُوَ رِوَايَة سفيان، وعند الاختلاف من غَيْر مرجحات فرواية سفيان أقوى من رِوَايَة شعبة؛ إِذْ قَالَ شعبة نفسه: «سُفْيَان أحفظ مني»، وَقَالَ لَهُ رجل: وخالفك سُفْيَان قَالَ: «دمغتني»، وَقَالَ يحيى بن سعيد القطان: «ليس أحدٌ أحب إليّ من شعبة، ولا يعدله عندي، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان»(5). وَقَالَ البيهقي: «لا أعلم اختلافاً بَيْنَ أهل العلم بالحديث أنَّ--------------------------------------------
(1) رِوَايَة مُحَمَّد بن كثير عن الثوري عِنْدَ أبي داود (932)، والطبراني في " الكبير " 22/ (111).
ويزاد على هَذَا أنَّ رِوَايَة وكيع بن الجراح - وَهُوَ ثقة - " التقريب " (7414) -، والمحاربي: عَبْد الرحمان بن مُحَمَّد بن زياد، وَهُوَ ثقة - انظر: " تهذيب الكمال " 4/ 466 (3937) -، روياه عِنْدَ الدَّارَقُطْنِي 1/ 332 ط. العلمية و (1267) ط. الرسالة عن سفيان الثوري، عن سلمة، عن حجر أبي عنبس، بِهِ لذا نجد المزي صدّر الترجمة بقوله: «حجر بن العنبس الحضرمي، أبو العنبس» " تهذيب الكمال " 2/ 69 (1120).
(2) كَمَا بينا - فِيْمَا سبق - في تخريج حَدِيْث شعبة، فبعض الرُّوَاة رووا الْحَدِيْث عن حجر، عن علقمة، عن وائل، أو حجر عن وائل فيشبه، أن يَكُوْن حجر قَدْ سمعه من علقمة، ومن أبيه وائل أَيْضاً.
(3) " السنن الكبرى " 2/ 57 - 58.
(4) سنن الدَّارَقُطْنِيِّ 1/ 333 ط. العلمية وعقب (1270) ط. الرسالة.
(5) نقل هذه الأقوال المزي في " تهذيب الكمال " 3/ 220 (2391).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 428)
سفيان وشعبة إذا اختلفا فالقول قَوْل سفيان»(1).
وَقَد احتج ابن قيم الجوزية لترجيح رِوَايَة سفيان بست حجج:
الأولى: قَوْل العلماء السابق في ترجيح رِوَايَة سفيان.
الثانية: متابعة العلاء بن صالح(2)،
ومحمد بن سلمة بن كهيل(3) لسفيان في روايتيهما عن سلمة بن كهيل(4).
الثالثة: أنَّ أبا الوليد الطيالسي رَوَى عن شعبة في الْمَتْن بنحو حَدِيْث الثوري، إذن فَقَد اختلف عَلَى شعبة في روايته فَقَالَ البيهقي: «فيحتمل أنْ يَكُوْن تنبه لِذَلِكَ فعاد إلى الصواب في متنه، وترك ذكر ذَلِكَ علقمة في
إسناده».
الرابعة: أنَّ رِوَايَة الرفع متضمنة لزيادة، وكانت هَذِهِ الزيادة أولى بالقبول.
الخامسة: أنَّ هَذِهِ الرِّوَايَة موافِقة ومُفسِّرة لحديث أبي هُرَيْرَة: «إذا أمّنَ الإمامُ فَأمنوا»(5).
السادسة: ما رواه الحاكم(6) بإسناد صحيح - حسب قوله - عن أبي--------------------------------------------
(1) " إعلام الموقعين " 2/ 511.
(2) وَهِيَ عِنْدَ أبي داود (933)، والترمذي (249)، والطبراني في " الكبير " 22/ (114).
تنبيه: وقع في رِوَايَة أبي داود: «علي بن صالح» قَالَ الإمام المزي: «إنَّ أبا داود سماه في روايته، علي بن صالح، وَهُوَ وهم». " تهذيب الكمال " 5/ 525 (5161). وانظر: "تحفة الأشراف" 8/ 327 (11758)، و" تهذيب التهذيب " 8/ 184، و" بذل المجهود " 5/ 233.
(3) ذكر هَذِهِ المتابعة الدَّارَقُطْنِيُّ 1/ 333 ط. العلمية وعقب (1270) ط. الرسالة، والبيهقي 2/ 57.
(4) قَالَ الحافظ ابن حجر في " التلخيص الحبير " 1/ 583 (353): «وَقَدْ رجحت رِوَايَة سفيان بمتابعة اثنين لَهُ بخلاف شعبة؛ فلذلك جزم النقاد بأنَّ روايته أصح، والله أعلم».
(5) أخرجه: البخاري 1/ 198 (780)، ومسلم 2/ 17 (410) (72) و (73)، وأبو داود (936)، وابن ماجه (852)، والترمذي (250).
(6) في " المستدرك " 1/ 223
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 429)