قديماً، وأما من عرف به قديماً في جميع حديثه فلا يقبل حديثه ولا يؤمن أنْ يكون ما حفظه مما لقن»(1).
فالراوي إذا لقن ففطن إلى الصواب، ولم يقبل التلقين فهو في رتبة الثقة بل في رتبة الحفظ والاتقان، ومن لا يفطن ففي رتبة الترك لا سيما إنْ كثر منه ذلك(2).
أما من كان يتلقن، فلا يقبل إذا حدَّث من حفظه، وأما إذا حدث من كتابه المصحح فيقبل؛ لأنَّ الاعتماد على كتابه لا على حفظه(3).
صوره:
أ- أن يؤتى للراوي بأحاديث ليست من سماعه، فتقرأ عليه على أنها من أحاديثه، ويسكت دون أنْ يبين أنَّها ليست من سماعه، وهذا مما وقع فيه ابن لهيعة.
ب- أن يقف الراوي على مرويات عنده، ولا يدري هل هي من سماعه أم لا؟ فيقال له: إنَّها من مروياته، فيحدث بها على أنَّها كذلك، كما حصل لعبد الله بن صالح(4).
أسباب قبول التلقين:
يقع قبول التلقين للراوي إما بسبب الغفلة أو التساهل في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أو نسيانه أو كونه قليل الفطنة مفرطاً في إحسان الظن أو التهاون عديم المبالاة والحرص أو جامعاً بين حسن الظن بالملقِّن وسوء الحفظ لمروياته، وقد يدفعه ميله إلى الكذب ورغبته فيه وعدم تحرجه عنه(5)، ومنهم من فعله ليرويه بعد ذلك عمن لقنه(6)، وقد يقود الشره الحديثي إلى قبوله التلقين فيحدث بما ليس من حديثه.--------------------------------------------
(1) " الكفاية ": 149
(2) انظر: " النفح الشذي " 1/ 326.
(3) انظر: " قواعد في علوم الحديث ":287.
(4) انظر: ضوابط الجرح والتعديل عند الحافظ الذهبي رحمه الله 2/ 848.
(5) انظر: " لسان المحدّثين " (التلقين).
(6) انظر: " فتح المغيث " 1/ 386 ط. العلمية و 2/ 270 ط. الخضير.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 145)
حكم رواية الملقَّن: في رواية الملقن ثلاثة أقوال:
الأول: من كان يلقن أحياناً قليلة فيتلقن، وهو مكثر من الرواية فلعله يصلح للاعتبار به كشأن الضعيف السيئ الحفظ؛ لأنَّ الغالب فيه عدم ذلك التلقين(1).
الثاني: قال السخاوي: «أو قبل التلقين الباطل ممن يلقنه إياه في الحديث إسناداً أو متناً وبادر إلى التحديث بذلك ولو مرة، لدلالته على مجازفته، وعدم تثبته، وسقوط الوثوق بالمتصف به، لا سيما وقد كان غير واحد يفعله
اختباراً، لتجربة حفظ الراوي وضبطه وحذقه»(2)، فالسخاوي رحمه الله يرى أنَّ من لقن حديثاً باطلاً ولو مرة واحدة ردت عامة أحاديثه، وقد سبقه إلى ذلك ابن حزم كما تقدم النقل عنه.
الثالث: إذا تميز حديثه الذي كان يحفظ من حديثه الذي لقن فيه قُبل ما حفظ ورُد ما لقن فيه، وإنْ لم يتميز رُد جميع حديثه، وأما من لزقه هذا الوصف ولم يعرف بضبط أصلاً فكل حديث مردود من طريقه(3).
ولا يخفى أنَّ الأول والثالث ينحيان منحى واحداً، وإن اختلفت الألفاظ وبنحوه قال به الحميدي والمعلمي، فخلاصة القول: إنَّ الملقن إذا مُيزَ ما لُقن طرح الذي تلقنه واحتج بما سواه، وإذا كان الراوي واسع الرواية ولم يثبت أنَّه لقن غير أحاديث يسيرة فعند ذاك يقبل حديثه؛ لأنَّ الغالب عليه عدم التلقين، ويجب أنْ يقيد هذا في حال لم تظهر نكارة أو شذوذ في ذلك الحديث أي: أنْ يكون موافقاً لما يرويه غيره، والله أعلم. ويجب أنْ يتنبه على أنَّ الراوي قد يكثر من تلقن أحاديث موضوعة فيصيّر بذلك الراوي متروكاً أو مطروح الحديث(4). وقد يكون التلقين مدعاة لكشف كذب الرواة فمن ذلك: «ما وقع--------------------------------------------
(1) انظر: " لسان المحدّثين " (التلقين).
(2) " فتح المغيث " 1/ 385 ط. العلمية و 2/ 270 ط. الخضير.
(3) انظر: " تحرير علوم الحديث " 1/ 425.
(4) وانظر في تفسير هذا المصطلح: " الموقظة ": 34 - 35.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 146)
لحفص بن غياث فإنَّه لقي(1) هو ويحيى القطان وغيرهما موسى بن دينار المكي فجعل حفص يضع له الحديث، فيقول: حدثتك عائشة ابنة طلحة، عن عائشة رضي الله عنها بكذا وكذا فيقول: حدثتني عائشة، ويقول له: وحدثك القاسم بن محمد، عن عائشة بمثله، فيقول: حدثني القاسم بن محمد، عن عائشة بمثله .. فلما فرغ حفص مدَّ يده لبعض من حضر ممن لم يعلم المقصد، وليست له نباهة، فأخذ ألواحه التي كتب فيها ومحاها، وبيّن له كذب موسى»(2).
ويجب أن يزاد نوع آخر على ما ذكرته، وإنما أخرته عن موضعه لأهميته. وهذا النوع تكون عملية التلقين فيه مقبولة، وهو إذا كان الملقن ثقة وأظهر المتلقن وثوقه بمن لقنه، ولا يعرف للمتلقن تلقين من غير هذا الثقة، ولم تظهر نكارة على الأحاديث المتلقنة فتكون تلك الأحاديث جيدة في حيز القبول.
مثال ذلك ما وقع لسهل بن أبي صالح فإنَّه كان يقول في بعض أحاديثه: حدثني ربيعة عني، عن أبي.
مثال ما حصل فيه التلقين، وقدح في روايته: ما رواه الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا يزيد بن أبي زياد بمكة، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، قال: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه. قال سفيان: قدم الكوفة فسمعته يحدث به، فزاد فيه: «ثم لا … يعود»(3).
هذا الحديث على ما فيه من كلام فإنَّ في متنه لفظة منكرةً فقوله: «ثم لا يعود» لُقنها يزيد في الكوفة، وقد نص الأئمة النقّاد على ذلك، قال سفيان - أي ابن عيينة -: «فظننتُ أنَّهم لقنوه، وكان بمكة يومئذ أحفظ منه يوم رأيته--------------------------------------------
(1) في ط. العلمية: «نهى» وهو خطأ.
(2) " فتح المغيث " 1/ 386 ط. العلمية و 2/ 271 ط. الخضير.
(3) " المسند " (724).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 147)
بالكوفة، وقالوا لي: إنَّه قدْ تغيرّ حفظه، أو ساء حفظه»(1).
وقال الشافعي: «وذهب سفيان إلى أن يغلّط يزيد في هذا الحديث، يقول: كأنه لقّن هذا الحرف فتّلقنه»(2)، وقال الدارمي: «ومما يحقق قول سفيان بن عيينة أنَّهم لقنّوه هذه الكلمة أن سفيان الثوري وزهير بن معاوية وهشيماً وغيرهم من أهل العلم لم يجيئوا بها، إنَّما جاء بها مَن سمع منه … بأخرة»(3)، وقال الدارقطني: «وإنَّما لّقن يزيد في آخر عمره: «ثم لم يعد» فتلقنه، وكان قد اختلط»(4)، وقال ابن حبان: «وكان يزيد بن أبي زياد يروي عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه، ثم قدم الكوفة في آخر عمره فروى هذا الحديث فلقنوه: «ثم لم يعد» فتلقن»(5)، وقال الخطيب: «ذكر ترك العَود إلى الرفع ليس بثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم فكان يزيد بن أبي زياد يروي هذا «الحديث قديماً ولا يذكره، ثم تغير وساء حفظه فلقنه الكوفيون ذلك فتلقنه، ووصله بمتن الحديث»(6).
ثم جلّى سفيان بن عيينة عن أصْرح دليل في تلقن يزيد لتلْك العبارة، فنقل عنه - أي: عن سفيان - ابن عبد البر أنَّ يزيد حدثهم قديماً، وليس فيه: «ثم لا يعود» ثم حدثهم به بعد فذكر فيه: «ثم لا يعود» قال: فنظرته فإذا ملحقٌ بين سطرين.
قال ابن عبد البر: «ذكره أحمد بن حنبل والحميدي عن ابن عيينة، وذكره أبو داود»(7).--------------------------------------------
(1) المصدر السابق.
(2) نقله البيهقي في " السنن الكبرى " 2/ 76.
(3) نقله البيهقي في " السنن الكبرى " 2/ 76.
(4) " السنن " 1/ 296 ط. العلمية وقبل (1132) ط. الرسالة.
(5) نقله ابن الجوزي في " الموضوعات " 2/ 98 ط. الفكر وعقب (964) ط. أضواء السلف.
(6) " الفصل للوصل " 2/ 433 ط. العلمية و (37) ط. الهجرة.
(7) انظر: " التمهيد " 4/ 146.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 148)
وبهذا نخلص إلى أنَّ عبارة: «ثم لا يعود» تلقنها يزيد في الكوفة، ومن المعروف أنَّ مذهب أهل الكوفة أنَّهم يرفعون أيديهم في تكبيرة الإحرام فقط. وقدْ ذهب كوكبة من العلماء إلى تضعيف حديث البراء، قال ابن الملقن: … «حديث البراء فهو حديث ضعيف باتفاق الحفاظ كسفيان بن عيينة، والشافعي، وعبد الله بن الزبير الحميدي شيخ البخاري، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والدارمي، والبخاري وغيرهم من المتقدمين، وهؤلاء أركان الحديث وأئمة الإسلام فيه»(1)--------------------------------------------
(1) " البدر المنير " 3/ 487، وللتوسع في تخريج الحديث، وبيان طرقه راجع كتابنا " أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء ": 122 - 124.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 149)
المبحث الثالث
حكم المختلف في توثيقه وتجريحه من الرواة
في هذا المبحث فرعان:
الأول: اختلاف أقوال النقاد في الراوي الواحد.
الثاني: اختلاف قول الناقد الواحد في الراوي الواحد.
الفرع الأول: هناك أسباب كثيرة لاختلاف أقوال النقاد في الراوي، كأنْ يطلع بعضهم على جارح في الراوي فيجرحه بسبب ذلك، ولا يطلع عليه الآخر، وقد يكون بعض من أئمة الجرح والتعديل متشدداً(1)
في الجرح فيجرح الراوي ويصفه بالضعف؛ لأدنى سبب مما لا يعده غيره سبباً موجباً لسقوط روايته، أو قد يطلع بعضهم على جارح فيضعف العالم من أئمة الجرح والتعديل هذا الراوي بسبب الأمر الجارح، ثم يتوب الراوي من ذلك أو تزول العلة التي بسببها ضعف الراوي، و لا يعلم ذلك المجرح ويطلع عليه غيره؛ فيكون ذلك سبباً في اختلاف التجريح و التعديل في الرواة(2)، ومن ذلك المخالفة في العقائد فإنَّها أوجبت تكفير الناس بعضهم بعضاً، أو تبديعهم وأوجبت عصبية اعتقدوها ديناً يتدينون به كما ذكر ذلك ابن دقيق العيد(3).
وقد بين المنذري أسباب اختلاف النقاد فقال: «واختلاف هؤلاء كاختلاف الفقهاء، كل ذلك يقتضيه الاجتهاد، فإن الحاكم إذا شهد عنده بجرح شخص، اجتهد في أن ذلك القدر مؤثراً أم لا؟ وكذلك المحدّث إذا أراد--------------------------------------------
(1) انظر: " الموقظة ": 83، و " الرفع والتكميل ": 282، و " النكت لابن حجر " 1/ 482
و:267 بتحقيقي.
(2) المصادر السابقة و " ظفر الأماني ": 459، و" أسباب اختلاف المحدثين " 2/ 542.
(3) الاقتراح: 291.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 150)
الاحتجاج بحديث شخص وَنُقِلَ إليه فيه جرح، اجتهد فيه هل هو مؤثرٌ أم لا؟ ويجري الكلام عنده فيما يكون جرحاً، في تفسير الجرح وعدمه، وفي اشتراط العدد في ذلك، كما يجري عند الفقيه، ولا فرق بين أن يكون الجارح مخبراً بذلك للمحدّث مشافهةً أو ناقلاً له عن غيره بطريقة، والله عز وجل أعلم»(1).
فهذا الذي قدمناه يتلخص فيه سبب اختلاف النقاد في توثيق وتجريح الرواة، ولنتطرق الآن لحكم الراوي المختلف فيه، فإذا وجد للنقاد المتقدمين أحكاماً مختلفة في راوٍ واحدٍ فلعلماء الحديث في التعامل مع تلك الأقوال للوصول إلى حكم جامع شامل على الراوي مذاهب:
1 - قال الخطيب: «اتفق أهل العلم على أنَّ من جرحه الواحد والاثنان وعدّله مثل عدد من جرحه فإنَّ الجرح به أولى، والعلة في ذلك أنَّ الجارح يخبر عن أمر باطن قد علمه ويصدق المعدل ويقول له قد علمت من حاله الظاهرة ما علمتها، وتفردت بعلم لم تعلمه من اختبار أمره، وإخبار المعدل عن العدالة الظاهرة لا ينفي صدق قول الجارح فيما أخبر به فوجب لذلك أن يكون الجرح أولى من التعديل»(2)، وقال ابن الصلاح: «إذا اجتمع في شخص جرح وتعديل فالجرح مقدم؛ لأنَّ المعدل يخبر عما ظهر من حاله والجارح يخبر عن باطن خفي على المعدل .. »(3).
هذه القاعدة متداولة بين أهل الحديث، وظاهر كلام الخطيب أن يكون ما عند الجارح ليس عند المعدل. فإن ظهر اطلاع المعدل على الجرح، هذا الاحتمال أجاب عنه الآمدي فقال: «إذا تعارض الجرح والتعديل، فلا يخلو إما أن يكون الجارح قد عين السبب أو لم يعينه، فإن عينه، فقول الجارح يكون مقدماً لاطلاعه على ما لم يعرفه المعدل ولا نفاه لامتناع الشهادة على النفي وإنْ عيّن السبب بأنْ يقول تقديراً: رأيته وقد قتل فلاناً، فلا يخلوا إما أن لا يتعرض المعدل لنفي ذلك أو يتعرض لنفيه، فإنْ كان الأول فقول الجارح--------------------------------------------
(1) جواب المنذري: 83.
(2) " الكفاية ": 105 - 106.
(3) " معرفة أنواع علم الحديث ": 221 بتحقيقي.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 151)
يكون مقدماً لما سبق، وإن تعرض لنفيه بأن قال: رأيت فلاناً المدعى قتله حياً بعد ذلك فهاهنا يتعارضان، ويصح ترجيح أحدهما على الآخر بكثرة العدد، وشدة الورع والتحفظ وزيادة البصيرة إلى غير ذلك مما ترجح به إحدى الروايتين على الأخرى»(1).
2 - التعديل مقدم على الجرح: إذا كان المعدلون من الأئمة المعروفين بهذا الشأن فيقدم قولهم على قول الجارح، فإنْ قيل: إنَّ هذا القول يتنافى مع قول ابن الصلاح: «فإن كان عدد المعدلين أكثر فقد قيل: التعديل أولى. والصحيح والذي عليه الجمهور: أنَّ الجرح أولى لما ذكرناه، والله أعلم»(2).
فنقول: لا تعارض بين القولين، وإنَّما القولان يفسر أحدهما الآخر، فإنَّ القول الأول مطلق، قيده القول الثاني، فإذا رأيت الكبار - غالبهم - على توثيق راوٍ ما، ومخالفوهم على تضعيفه فلا عبرة بمن خالفهم؛ لأنَّ قول الجمهور مقيد بكون المعدلين من الأئمة المعروفين لا ينافيه قول ابن الصلاح، والله أعلم.
ويلتحق بمبحث تقديم التعديل على الجرح بعض المباحث فمنها إذا كان الجارح زائغاً عن الحق، بأنْ كان معروفاً ببدعة، وكان المجروح على نقيض تلك البدعة كأن يكونا ناصبياً ورافضياً وغيرها، وكان الجمهور على توثيق أحدهما فيكون التعديل مقدماً على الجرح. ومنها إن كان الجارح والمجروح من الأقران، فإن جرح أحدهما الآخر، فتأن ولا تهجم على تضعيفه حتى
تراجع كلام بقية النقاد فإن وجدتهم يوثقونه فاعمل بما أجمعوا ولا تنظر إلى مخالفهم.
ويلتحق به أيضاً إذا كان الجارح فيه حدة كأن يكون الجارح يحيى بن سعيد القطان أو أبا حاتم الرازي وأمثالهم، وكان مخالفوهم من المتوسطين كأن يخالفهم أحمد والبخاري وأبو زرعة؛ فقول الفريق الثاني أقرب بما عرفته من حال الفريق الأول.--------------------------------------------
(1) " الإحكام في أصول الأحكام " 2/ 87.
(2) " معرفة أنواع علم الحديث ": 221 بتحقيقي.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 152)
3 - إذا تعارض الجرح والتعديل فلا يترجح أحدهما إلا لمرجح، قال السبكي: «إنَّ قولهم الجرح مقدم إنَّما يعنون به حالة تعارض الجرح والتعديل، فإنْ تعارضا لأمر من جهة الترجيح قدمنا الجرح لما فيه زيادة العلم، وتعارضهما هو استواء الظن عندهما؛ لأنَّ هذا شأن المتعارضين، أما إذا لم يقع استواء الظن عندهما فلا تعارض، بل العمل بأقوى الظنين من جرح أو تعديل»(1)(2).
4 - النظر في عدد المعدلين والمجرحين قال الخطيب: «إذا عدل جماعة رجلاً وجرحه أقل عدداً من المعدلين، فإنَّ الذي عليه جمهور العلماء أنَّ الحكم للجرح والعمل به أولى، وقالت طائفة: بل الحكم للعدالة، وهذا خطأ لأجل ما ذكرناه من أنَّ الجارحين يصدقون المعدلين في العلم بالظاهر، ويقولون عندنا زيادة علم لم تعلموه من باطن أمره»(3).
ضوابط في الحكم على الرواة المختلف فيهم
1 - إنَّ حكم الناقد على الراوي هو أمر اجتهادي قال عبد العظيم بن عبد القوي المنذري: «واختلاف هؤلاء كاختلاف الفقهاء، كل ذلك يقتضيه الاجتهاد، فإنَّ الحاكم إذا شهد عنده بجرح شخص اجتهد في أنَّ ذلك القدر مؤثر أم لا. وكذلك المحدث إذا أراد الاحتجاج بحديث شخص، ونقل إليه فيه جرح اجتهد فيه هل هو مؤثر أم لا، ويجري الكلام عنده فيه ما يكون جرحاً في تفسير الجرح وعدمه، وفي اشتراط العدد في ذلك كما يجري عند الفقيه، ولا فرق بين أنْ يكون الجارح مخبراً بذلك للمحدث مشافهة، أو ناقلاً له عن غيره بطريقه، والله عز وجل أعلم»(4).
2 - رد كلام الأقران: قال ابن عبد البر: «هذا باب قد غلط فيه كثير من--------------------------------------------
(1) نقله الأعظمي في: " دراسات في الجرح والتعديل ": 238.
(2) انظر هذه الأقوال في " دراسات في الجرح والتعديل ": 237 بتصرف.
(3) " الكفاية ": 107.
(4) " رسالة في الجرح والتعديل ": 47.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 153)
الناس وضلت به نابتة جاهلة لا تدري ما عليها في ذلك .. »(1)، وقال اللكنوي: «الجرح إذا صدر من تعصب أو عداوة أو منافرة أو نحو ذلك فهو جرح مردود، ولا يؤمن به إلا مطرود»(2).
3 - الانتباه لاختلاف العقائد بين الجارح والمجروح، وقد تقدم بيان ذلك.
4 - بلدي الرجل أعرف بحال شيخه قال حماد بن زيد: «كان الرجل يقدم علينا من البلاد، ويذكر الرجل ويحدث عنه ويحسن الثناء عليه فإذا سألنا أهل بلاده، وجدناه على غير ما يقول، قال: وكان يقول: بلدي الرجل أعرف بالرجل»(3). فإذا عدل أو جرح الراوي أهل بلده فهم مقدمون على غيرهم.
5 - قولهم: «الجرح مقدم على التعديل» هذا ليس على إطلاقه، وإنَّما تقوى هذه القاعدة ويستوجب العمل بها لو كان الجرح مفسراً، غير أنَّ الرائج في كتب التراجم أنَّ غالب الأقوال ليست مفسرة، وهذا الأمر أوقع بعض اللبس لطلبة العلم، وجوابه إِننا عوضنا تفسير الجرح بإجماع النقاد أو توافق أقوالهم في الراوي فحينئذ يمكن غض النظر عن تفسير الجرح.
6 - قال المعلمي: «ابن معين والنسائي وآخرون غيرهما يوثقون من كان من التابعين أو أتباعهم إذا وجدوا رواية أحدهم مستقيمة بأنْ يكون له فيما يروي متابع أو مشاهد(4)، وإنْ لم يرو عنه إلا واحد، ولم يبلغهم عنه إلا حديث واحد»(5).
7 - كثرة العبادة والتقوى والصلاح تنفع الراوي من حيث عدالته، أما من حيث الضبط والاتقان فإنها لا تنفعه بشيء، فإن التوثيق من حيث العدالة أمر والتوثيق من حيث الحفظ والاتقان أمر آخر.
وقد آن أوان سوق الأمثلة:--------------------------------------------
(1) " جامع بيان العلم وفضله " 2/ 152.
(2) " الرفع والتكميل ": 409.
(3) " الكفاية ": 106.
(4) كذا الأصل، ولعله خطأ صوابه: شاهد.
(5) " التنكيل " 1/ 66.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 154)
مثال حديث اختلف النقاد في الحكم عليه؛ لاختلافهم في أحد رواته تجريحاً وتعديلاً مثاله: روى شعبة، عن عمرو بن مُرَّةَ، عن عبد الله بن سلمة، قال: أتيتُ على عليٍّ أنا ورَجُلان، فقالَ: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقضي حاجتَهُ، ثُمَّ يَخرُجُ فيقرأ القرآنَ، ويأكلُ مَعنا اللحمَ، ولا يحجزُهُ - وربَّما قال: يَحجبُه - منَ القرآنِ شيءٌ ليسَ الجَنابة(1).
أخرجه: الطيالسي (101)، وأبو عبيد في " فضائل القرآن " (1/ 26)، وابن الجعد (59) ط. العلمية و (61) ط. الفلاح، وأحمد 1/ 83 و 84 و 107 و 124، وأبو داود (229)، وابن ماجه (594)، والبزار (708)، والنَّسائيُّ 1/ 144 وفي " الكبرى "، له (261) ط. العلمية و (257) ط. الرسالة، وابن الجارود (94)، وأبو يعلى (287) و (406) و (407) و (408)، وابن خزيمة (208) بتحقيقي، وابن المنذر في " الأوسط " (626)، والطحاوي في " شرح المعاني "1/ 87 وفي ط. العلمية (536) و (537) و (538) و (539)، والآجري في " أخلاق أهل القرآن " (76)، والحاكم 1/ 152 و 4/ 107، والبيهقي 1/ 88 و 89 وفي " شعب الإيمان "، له (2109) ط. العلمية و (1933) ط. الرشد، والبغوي (273)، والمزي في " تهذيب الكمال " 4/ 154 (3301) من طرق عن شعبة(2)، بهذا الإسناد.
قال أحمد فيما نقله عنه ابن عدي في " الكامل " 5/ 280: «لم يرو أحد: لا يقرأ الجنب غير شعبة، عن عمرو بن مرَّة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي».
قلت: إلا أنَّ شعبة توبع على هذا الحديث.--------------------------------------------
(1) لفظ رواية أحمد 1/ 84 والروايات مطولة ومختصرة.
(2) جاء الإسناد في مطبوع " المستدرك " 1/ 152 هكذا: «سليمان بن حرب (و) حفص بن عمرو بن مرة، عن عبد الله سلمة»، وبعد مراجعتي " لإتحاف المهرة " 11/ 497 (14505) وجدت السند هكذا: «سليمان بن حرب وحفص بن عمر، وحجاج بن منهال، ومسلم بن إبراهيم، قالوا: حدثنا شعبة، به»، ما يدل أنَّ هناك سطراً كاملاً سقط من المطبوع.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 155)
فقد أخرجه: الحميديُّ (57)، والبيهقي في " المعرفة " (110) ط. العلمية و (774) ط. الوعي من طريق شعبة ومِسْعر وابن أبي ليلى.
وأخرجه: ابن حبان (799)(1) و (800)(2)، والدارقطني 1/ 118 … ط. العلمية و (429) ط. الرسالة، والبيهقي في " المعرفة " (114) ط. العلمية و (782) ط. الوعي، والخطيب في " الجامع " (1374) ط. العلمية و (1402) ط. الرسالة، والسمعاني في " الإملاء والاستملاء ": 80 من طريق شعبة ومِسْعر. وأخرجه: أبو عبيد في " فضائل القرآن " (2/ 26)، وابن أبي شيبة (1085)، وأحمد 1/ 134، والبزار (707)، وأبو يعلى (348) و (524) و (579) و (623)، والطحاوي في " شرح المعاني " 1/ 87 وفي ط. العلمية (541)، وابن عدي في "الكامل" 5/ 280 من طريق ابن أبي ليلى.
وأخرجه: ابن أبي شيبة (1084) و (1113)، والبزار (706)، والنَّسائيُّ 1/ 144 وفي " الكبرى "، له (262) ط. العلمية و (258) … ط. الرسالة، والطحاوي في "شرح المعاني" 1/ 87 وفي ط. العلمية (540) من طريق الأعمش.
وأخرجه: الترمذي (146) من طريق ابن أبي ليلى والأعمش.
وأخرجه: الخطيب في " موضح أوهام الجمع والتفريق " 2/ 486 من طريق أبي عبد الله الجعفي، عن أبان بن تغلب.
خمستهم: (شعبة، ومِسْعر، وابن أبي ليلى، والأعمش، وأبان) عن عمرو بن مرَّة(3)، بالإسناد السابق.
أقول: هذا إسناد ظاهره الصحة، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى تصحيح--------------------------------------------
(1) وقال: «وذكر أبو قريش آخر معهما» أقول: لعله ابن أبي ليلى؛ لأنَّ من أسباب الإبهام عند المحدّثين ضعف الراوي، على أنَّ الإبهام في هذا الموضع لا يضر؛ لأنَّه على سبيل المتابعة.
(2) وقال: «وذكر ابن قتيبة آخر معهما».
(3) تحرف عند ابن أبي شيبة إلى: «عمرة» والمثبت من مصادر التخريج.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 156)
هذا الحديث أو تحسينه، فقال سفيان بن عيينة فيما نقله ابن عدي في "الكامل " 5/ 280: «سمعت هذا الحديث من شعبة، قال سفيان: قال شعبة: لم يرو عمرو بن مرة أحسن من هذا الحديث … »، ونقل ابن الملقن في " البدر المنير " 2/ 554 عن شعبة أنَّه قال: «هذا ثلث رأس مالي»، وقال الترمذي عقب (146): «حديث عليٍّ حسنٌ صحيحٌ»، وكذا أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في " صحيحيهما " ولم يتكلما عليه بشيء ما يدل على صحته عندهما، وقال الحاكم 4/ 107: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، وقال عبد الحق في " الأحكام الوسطى " 1/ 204: «والصحيح حديث النَّسائي(1)»، وصححه ابن السكن كما في " التلخيص الحبير " 1/ 375 (184)، وقال البغوي عقب (273): «هذا حديث حسن صحيح»، وقال ابن حجر في " فتح الباري" 1/ 530 عقيب (305): «والحق أنَّه من قبيل الحسن يصلح للحجة، لكن قيل: في الاستدلال به نظر؛ لأنَّه فعل مجرد فلا يدل على تحريم ما عداه».
وخالفهم جمع آخر فذهبوا إلى تضعيفه، فقال البزار عقب (708): «وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن عليٍّ، ولا يروى عن عليٍّ إلا من حديث عمرو بن مرَّة عن عبد الله بن سلمة، عن علي، وكان عمرو بن مرَّةَ يحدث عن عبد الله بن سلمة فيقول: يعرف في حديثه وينكر(2)»، وقال ابن المنذر في " الأوسط " عقب (627): «وحديث علي لا يثبت إسناده؛ لأنَّ عبد الله بن سلمة تفرد به، وقد تكلم فيه عمرو بن مرة، قال: سمعت عبد الله بن سلمة وإنا لنعرف وننكر، فإذا كان هو الناقل بخبره فجرحه بطل الاحتجاج به، ولو ثبت خبر علي، لم يجب الامتناع من القراءة من أجله … »، وقال الدارقطني عقب طريق أبان فيما نقله الخطيب في " الموضح " 2/ 486: «هذا الحديث غريب من حديث أبان بن تغلب، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي، تفرّد به أبو عبد الله الجعفي - وهو معلى بن هلال - عنه».--------------------------------------------
(1) يعني: حديثنا هذا.
(2) معناه: توجد بعض الأحاديث الصحيحة وأحاديث أُخر منكرة في مجمل أحاديثه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 157)
وتعقّب الإمام النوويُّ تحسينَ الترمذيِّ لهذا الحديث، فقال في " الخلاصة " فيما نقله عنه ابن حجر في "التلخيص الحبير " 1/ 375 (184): «خالف الترمذيَّ الأكثرون فضعّفوا هذا الحديث»(1)، وقال ابن حجر عقبه: «وتخصيصه الترمذي بذلك دليل على أنَّه لم يرَ تصحيحه لغيره»، وقال الخطّابي في " معالم السنن " 1/ 66: «وكان أحمد بن حنبل يرخص للجنب أنْ يقرأ الآية ونحوها، وكان يوهن حديث عليٍّ هذا، ويضعف أمر عبد الله بن سلمة، وكذلك قال مالك في الجنب: إنَّه لا يقرأ الآية ونحوها»، وقال الشافعيُّ في " سنن حرملة " فيما نقله ابن حجر في " التلخيص الحبير " 1/ 375 (184): «إنْ كان هذا الحديث ثابتاً ففيه دلالة على تحريم القرآن على الجنب»، ونقل أيضاً أنَّه قال في " جماع كتاب الطهور ": «أهل الحديث لا يثبتونه»(2)، ونقل ابن عدي في " الكامل " 5/ 280، و المزيُّ في " تهذيب الكمال " 4/ 154 (3301) عن شعبة أنَّه قال: «روى عبد الله بن سلمة هذا الحديث بعدما كبر»، وقال البيهقيُّ في " المعرفة " عقب (110) معقّباً على كلام الشافعيِّ: «إنَّما توقف الشافعي رحمه الله في ثبوت الحديث؛ لأنَّ مداره على عبد الله بن سلمة الكوفي، وكان قد كبر وأنكر من حديثه وعقله بعض النكرة، وإنَّما روى هذا الحديث بعدما كبر، قاله شعبة».
قلت: وهذا الاختلاف بين أقوال أهل العلم يرجع في ظاهره إلى أنَّ قسماً منهم اعتمدوا على ظاهر الإسناد فصححوا الحديث، والقسم الآخر اطلعوا على علة خفية في هذا الإسناد فذهبوا إلى تضعيفه، وقديماً قالوا: من يعلم حجة على من لا يعلم، وقبل أنْ نرجح أحد الطرفين لا بد من أنْ نبينَ حال عبد الله بن سلمة. وذلك أنَّ أهل العلم قد اختلفوا فيه، فقال العجلي في "ثقاته " (898): «كوفيٌّ، تابعي، من ثقات الكوفيين»، ونقل المزي في "تهذيب الكمال " 4/ 153 (3301) عن يعقوب بن شيبة أنَّه قال فيه: «ثقة، يعد في--------------------------------------------
(1) ثم وقفت عليه في " الخلاصة " 1/ 207 (525) ولفظه: «قال الترمذي: حسن صحيح، وخالفه الأكثرون فضعّفوه».
(2) كذا في " البدر المنير " 2/ 555 إلا أنَّه قال: «وإن لم يكن أهل الحديث يثبتونه».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 158)
الطبقة الأولى من فقهاء الكوفة بعد الصحابة»، وقال ابن عدي في " الكامل " 5/ 81: «أرجو أنَّه لا بأس به»، وقال المزيُّ في " تهذيب الكمال " 4/ 153 (3301): «روى عنه عمرو بن مرَّة، وأبو إسحاق السبيعيُّ»، ونقل عن الإمام أحمد أنَّه قال: «لا أعلم روى عنه غيرهما، وكنيته أبو العالية»، وقال أبو حاتم فيما نقله ابنه في " الجرح والتعديل " 5/ 87 (345): «وروى عنه عمرو بن مرة، وأبو الزبير المكي»، وذكره ابن حبان في " الثقات " 5/ 12 وقال: «يخطئ»، وقال الذهبي في "الكاشف" (2760): «صويلح».
أما من ذهب إلى تضعيفه، فقد قال البخاريُّ في " التاريخ الكبير " 5/ 10 (285): «قال أبو داود: عن شعبة، عن عمرو بن مرَّةَ كان عبد الله يحدثنا، فنعرف وننكر، وكان قد كبر» وقال عنه أيضاً: «لا يتابع في حديثه»، وقال أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في " الجرح والتعديل " 5/ 88 (345): «تعرف وتنكر»، وقال النَّسائيُّ في "الضعفاء والمتروكون" (347): «يُعرف ويُنكر»، وذكره العقيلي في "الضعفاء الكبير" 2/ 260، وابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكون " (2038)(1).
أما ما ذكره الإمام أحمد من رواية أبي إسحاق عنه، فقد تُعُقِّب رحمه الله في ذلك، فقد نقل البخاريُّ في " التاريخ الكبير " 5/ 10 (285) عن ابن نمير أنَّه قال: «إنَّ عبد الله بن سلمة الذي روى عنه أبو إسحاق غير الذي روى عنه عمرو بن مرة» وقال ابن معين في " تاريخه " (3753) برواية الدوري: «وأبو العالية أيضاً عبد الله بن سلمة يروي عنه أبو إسحاق السبيعي، وليس هو الذي يروي عنه عمرو بن مرة»، وقال الخطيب في " تاريخ بغداد " 11/ 131 ط. الغرب: «وقد روى أبو إسحاق السبيعيُّ عن أبي العالية عبد الله ابن سلمة الهمداني، فزعم أحمد بن حنبل أنَّه الذي روى عنه عمرو بن مرة، وقال محمد بن عبد الله بن نمير: ليس به، بل هو رجل آخر، وكان يحيى بن معين، قال مثل قول أحمد بن حنبل، ثم رجع عنه».
قلت: فهذه بعض أقوال أهل العلم في هذا الراوي، وقد اتفق ثلاثة من--------------------------------------------
(1) وذكره ابن حجر في " التقريب " (3365) ولم يذكر فيه شيئاً.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 159)
أكابر أهل العلم وهم: البخاري وأبو حاتم والنَّسائي على: «تعرف وتنكر» وهذه العبارة يطلقها المحدّثون على الراوي المجروح الذي جرحه ليس بالشديد، وإنَّما تتقلب أحاديثه ما بين موافق للثقات ومخالف، فما وافق الثقات فيه فهو داخل في تعرف، وما خالفهم فيه فهو داخل في تنكر، وأقل ما يلزم هو التوقف في الحكم عليه، والله أعلم.
وانظر: " تحفة الأشراف " 7/ 78 (10186)، و "إتحاف المهرة " 11/ 496 (14505).
وقد روي من غير هذا الطريق ولا يصح.
فأخرجه: أحمد 1/ 110، وأبو يعلى (365)، والضياء المقدسي في "المختارة " 2/ 244 (621)، والمزي في " تهذيب الكمال " 4/ 27 (3027) من طريق عائذ بن حبيب، قال: حدثني عامر بن السِّمْط، عن أبي الغَريف، قال: أُتي عليٌّ بِوَضوء فمضمَض واستنشق ثلاثاً، وغسلَ وجهه ثلاثاً، وغسلَ يديه وذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، ثُمَّ مَسَحَ برأسه، ثُمَّ غسلَ رجليهِ، ثمَّ قالَ: هكذا رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ، ثمَّ قرأ شيئاً من القرآن، ثُمَّ قالَ: «هذا لمن ليس بجُنُبٍ فأما الجُنُبُ فلا، ولا آيةً»(1).
وهذا إسناد ظاهره أنَّه حسنٌ، فعائذ صدوق(2)، وعامر بن السِّمط ثقة(3)، وأبو الغريف اسمه عبيد الله بن خليفة وهو صدوق(4)، إلا أنَّ هذا الإسناد ضعيف فقد خالف عائذاً من هم أكثر وأوثق منه.
فقد أخرجه: ابن أبي شيبة (1092) من طريق شريك.
وأخرجه: الدارقطني 1/ 117 ط. العلمية و (425) ط. الرسالة من طريق يزيد بن هارون.
وأخرجه: البيهقيُّ 1/ 89 من طريق الحسن بن حيٍّ.--------------------------------------------
(1) لفظ رواية أحمد، ورواية أبي يعلى: «فأما الجنب فلا والله».
(2) " التقريب " (3117).
(3) " التقريب " (3091).
(4) " التقريب " (4286).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 160)
وأخرجه: ابن المنذر في " الأوسط " (619)، والبيهقيُّ 1/ 90 من طريق خالد بن عبد الله.
وأخرجه: الخطيب في " تاريخ بغداد " 9/ 472 وفي ط. الغرب 11/ 147 من طريق نصير بن أبي الأشعث.
خمستهم: (شريك، ويزيد، والحسن، وخالد، ونصير) عن عامر بن السِّمْط.
وأخرجه: عبد الرزاق (1306)، وابن المنذر في " الأوسط " (620) من طريق عامر الشعبي(1).
كلاهما: (عامر بن السمط، والشعبي) عن أبي الغريف، قال: كُنَّا معَ عليٍّ في الرحبةِ، فخرجَ إلى أقصى الرحبةِ، فوالله ما أدري أبولاً أحدثَ أم غائطاً، ثمَّ جاءَ فدعا بكوزٍ منْ ماءٍ، فغسلَ كفيه، ثمَّ قبضهما إليه، ثمَّ قرأ حدراً من القرآنِ، ثمَّ قال: اقرؤوا القرآنَ ما لم يصبْ أحدُكم جنابةً، فإنَّ أصابته جنابةٌ فلا ولا حرفاً واحداً.
وقد رجح الدارقطني وقفه فقال: «وهو صحيح عن عليٍّ».
قلت: وما رجحه الدارقطني هو الحق، فرواية الجمع هي الصحيحة؛ لأنَّ كثرة العدد تَستبعد في ذهن الباحث تواردهم على الخطأ؛ لأنَّ حصول الوهم من الواحد أقرب من حصوله من العدد لا سيما إذا كان هذا الواحد قد عرف أنَّه يخطئ في حديثه أحياناً، والحال هاهنا كذلك، فعائذ لم ينزل من الثقة إلى صدوق إلا لأخطاء اعترته.
وانظر: " إتحاف المهرة " 11/ 686 (14868).
الفرع الثاني: اختلاف قول الناقد في الراوي: فإنَّك ترى بعض النقاد يضعّف الراوي تارة ويقويه أخرى ويصفه بالثقة تارة أخرى، ومن أشهر من نقل عنه ذلك إمام المجرحين والمعدلين يحيى بن معين فقد اختلفت أقواله في الرواة اختلافاً كثيراً، قال الزركشي في سبب اختلاف النقل عن يحيى بن--------------------------------------------
(1) ربما يكون من أوهام الدبري أنَّه قال: «عامر الشعبي»، وصوابه: «عامر بن السمط»،
والله أعلم. وجاء عند ابن المنذر: «عامر السعدي».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 161)
معين: «وقد سأله عن الرجال غير واحد من الحفاظ، ومن ثم اختلفت آراؤه وعباراته في بعض الرجال كما اختلفت اجتهادات الفقهاء، وصارت لهم الأقوال والوجوه، فاجتهدوا في المسائل كما اجتهد ابن معين في الرجال»(1)، «قال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في " المدخل ": وهذا لأنه قد يخطر على قلب المسؤول عن الرجل من حاله في الحديث وقتاً ما ينكره قلبه، فيخرج جوابه على حسب النكرة التي في قلبه، ويخطر له ما يخالفه في وقت آخر، فيجيب عما يعرفه في الوقت منه. قال: وليس ذلك بتناقض ولا إحالة، ولكنَّه صدر عن حالين مختلفين عرض أحدهما في وقت والآخر في غيره»(2)، وقال المعلمي: «كان ابن معين إذا لقي في رحلته شيخاً فسمع منه مجلساً أو ورد بغداد شيخ فسمع منه مجلساً فرأى تلك الأحاديث مستقيمة ثم سئل عن الشيخ وثقه، وقد يتفق أنْ يكون الشيخ دجالاً استقبل ابن معين بأحاديث صحيحة، ويكون قد خلط قبل ذلك أو يخلط بعد ذلك»(3).
وابن معين لم ينفرد بهذه الحالة، وإنما مثلت به لاشتهاره بذلك، وإلا فإن النسائي ضعف بعض الرواة ووثقهم في موضع آخر، وابن حبان ذكر بعض الرواة الثقات وذكرهم أيضاً في المجروحين(4)، فإذن هذه الحالة لم ينفرد بها يحيى بن معين.--------------------------------------------
(1) انظر: " جواب المنذري عن أسئلة في الجرح والتعديل ": 89.
(2) انظر: " جواب المنذري عن أسئلة في الجرح والتعديل ": 89.
(3) " التنكيل " 1/ 67.
(4) أكثر ابن حبان من ذلك - أعني ذكر الرجل في " الثقات " وإعادة ذكره في " المجروحين ": جداً، حتى جمع بعض الباحثين المعاصرين في ذلك كتاباً، وقد عيب على ابن حبان هذا الصنيع، قال الحافظ ابن عبد الهادي في " الصارم المنكي ": 94 - 95 «هكذا ذكر ابن حبان حفص بن سليمان في كتاب " الضعفاء " وقال إنه هو الذي يقال له: حفص بن أبي داود، وهذا الذي قاله صحيح لاشك فيه … فإن صح عنه - مع هذا - أنه ذكر حفص بن أبي داود في كتاب "الثقات " فقد تناقض تناقضاً بيناً وأخطأ خطأ ظاهراً ووهم وهماً فاحشاً، وقد وقع له مثل هذا التناقض والوهم في مواضع كثيرة، وقد ذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح أنه غلط الغلط الفاحش في تصرفه، ولو أخذنا في ذكر ما أخطأ فيه وتناقض من ذكره الرجل الواحد في طبقتين متوهماً كونه رجلين، وجمعه بين ذكر الرجل في الكتابين كتاب " الثقات " وكتاب " المجروحين " ونحو ذلك من الوهم والإيهام لطال الخطاب».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 162)
وقد بين الدكتور نور الدين عتر ما يجب على طالب العلم عمله في هكذا حال فقال: «وبناء على هذا يقدم الجمع بين الحكمين المنقولين عن العالم .. فإذا تحتم التعارض يأتي دور الترجيح بحسب قوة الرواية عن الإمام الذي نقل عنه الجرح والتعديل في الراوي الواحد، وبحسب تفسير الجرح أو عدم تفسيره(1) .. وربما صرح العالم بتغير اجتهاده»(2).--------------------------------------------
(1) مما يحسن ذكره هنا أن للدكتور سعدي الهاشمي دراسة وصفها الشيخ علي الصياح بالنفيسة عنوانها: " اختلاف أقوال النقاد في الرواة المختلف فيهم مع دراسة هذه الظاهرة عند ابن معين "، وقد ذكر الشيخ علي الصياح عنوانات الخطوات التي ينبغي اتباعها للجمع بين أقوال ابن معين المختلفة نقلاً عن الدراسة آنفة الذكر. انظر: " جهود المحدّثين في بيان علل الأحاديث ": 59.
(2) " أصول الجرح والتعديل " 208 - 209.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 163)
النوع الثالث من أنواع علل الإسناد التفرد
التَّفَرّد في اللغة:
مأخوذ من الفعل الثلاثي المزيد بحرفين (تَفَرَّدَ).
يقال: فَرَدَ بالأمر والرأي: انْفَرَدَ، وفَرَدَ الرجلُ: كَانَ وحده مُنْفَرِدًا لا ثاني مَعَهُ. وفَرَّدَ برأيه: اسْتَبَدَّ.
وَقَدْ أشار ابن فارس(1) إلى أنَّ جميع تراكيب واشتقاقات هَذَا الأصل تدل عَلَى الوحدة. إِذْ قَالَ: "الفاء والراء والدال أصل صَحِيح يدل عَلَى وحدة. من ذَلِكَ: الفرد وَهُوَ الوتر، والفارد والفرد: الثور المنفرد. . ."(2).
في الاصطلاح:
عرّفه أبو حفص الميانشي(3) قال: "أما المفرد فهو: ما انفرد بروايته--------------------------------------------
(1) الإمام العلامة اللغوي المحدّث أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا القزويني، المعروف بالرازي، المالكي، من مؤلفاته: " المجمل " و" الحجر " و" معجم مقاييس اللغة "، توفي سنة (395 هـ)، وَقِيْلَ: (390 هـ).
انظر: "سير أعلام النبلاء" 17/ 103، و" البداية والنهاية " 11/ 320، و" الأعلام " 1/ 193.
(2) " مقاييس اللغة " مادة (فرد). وانظر: " لسان العرب "، و" تاج العروس "، و" المعجم الوسيط "، و" متن اللغة " مادة (فرد).
(3) هُوَ أبو حفص عمر بن عَبْد المجيد القرشي الميانشي، له كراس في علم الْحَدِيْث أسماه: " ما لا يسع المحدّث جهله "، توفي بمكة سنة (581 هـ) أو سنة (583 هـ) على ما رجحه تقي الدين الفاسي في " العقد الثمين " 6/ 335.
انظر: " العبر " 3/ 83، و" العقد الثمين " 6/ 334، و" الأعلام " 5/ 53.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 164)