وجُنادة(1) بن أبي أمية، وسليمان بن حبيب المحاربي، والحارث بن عَمِيرة الزَّبِيدي(2)، وخالد بن مَعدان، وعبد الرحمن بن غَنْم الأشعري، وجُبَير بن نُفَير.
ثم كان بعدهم: عبد الرحمن بن جُبَير بن نُفَير، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز، ورجاء بن [14/أ] حَيْوَة، وكان عبد الملك بن مروان يُعَدُّ في المفتين قبل أن يلي ما ولي، وحُدَير بن كُرَيب.
ثم كان بعدهم: يحيى بن حمزة القاضي، وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وإسماعيل بن أبي المهاجر، وسليمان بن موسى الأموي، وسعيد بن عبد العزيز، ثم مَخْلَد بن الحسين، والوليد بن مسلم، و [أبو] العباس بن مَزْيَد(3) صاحب(4) الأوزاعي، وشعيب بن إسحاق صاحب أبي--------------------------------------------
(1) في النسخ الخطية: "حبان"، وهو تصحيف ما أثبت من "الإحكام"، ورسالة "أصحاب الفتيا". واسم أبيه: كبير، وهو دوسي مخضرم، وقد أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم. من كبار التابعين، مات بالشام سنة 67. وهو غير الصحابي جنادة بن أبي أمية الأزدي. انظر: "الإصابة" (2/ 295).
(2) كذا ضُبط "عَمِيرة" في ح، وهو الصواب. وضبط في المطبوع بضم العين وفتح الميم. ونصَّ في "الإصابة" (3/ 17) على ضبط "الزبيدي" بفتح الزاي. وفي "توضيح المشتبه" (4/ 272) أنه أخو يزيد بن عميرة الزبيدي، وذكرهما من الزُّبَيديين بضم الزاي.
(3) ح، ت، ف: "مرثد". وضبط في س بضم الميم مع إهمال الراء. وفي ع: "يزيد"، وكذا في "الإحكام" (5/ 101) ورسالة "أصحاب الفتيا" (ص 332). وكل أولئك تصحيف، والصواب ما أثبت. فهو أبو العباس الوليد بن مزيد العذري، مات سنة 203. ترجمته في "سير أعلام النبلاء" (9/ 419). وانظر: "توضيح المشتبه" (1/ 677).
(4) كذا بالإفراد في النسخ الخطية والمطبوعة و"الإحكام". وفي الرسالة كتب بعد "الوليد بن مسلم" أيضًا: "صاحب الأوزاعي"، فالوليدان صاحباه. فكان الأولى هنا أن يقال: "صاحبا الأوزاعي". قال النسائي: "الوليد بن مزيد أحبُّ إلينا في الأوزاعي من الوليد بن مسلم، لا يخطئ ولا يدلس". انظر: "توضيح المشتبه" (8/ 119).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
حنيفة، وأبو إسحاق الفزاري صاحب ابن المبارك.
فصل
في المفتين من أهل مصر: يزيد بن أبي حبيب، وبُكَير بن عبد الله بن الأشَجّ.
وبعدهما عمرو بن الحارث ــ وقال ابن وهب: لو عاش لنا عمرو بن الحارث ما احتجنا معه إلى مالك ولا إلى غيره(1) ــ والليث بن سعد، وعبيد الله بن أبي جعفر.
وبعدهم: أصحاب مالك، كعبد الله بن وهب، وعثمان بن كنانة، وأشهب، وابن القاسم على غلبة تقليده لمالك إلا في الأقل.
ثم أصحاب الشافعي، كالمُزَني، والبُوَيطي، وابن عبد الحكم.
ثم غلب عليهم تقليد مالك وتقليد الشافعي، إلا قومًا قليلًا لهم اختيارات، كمحمد بن علي بن يوسف(2)، وأبي جعفر الطحاوي.--------------------------------------------
(1) رواه أحمد بن علي الأبّار في تاريخه ــ ومن طريقه ابن عساكر في "التاريخ" (45/ 463) ــ، وأبو محمد ابن النحاس في الجزء التاسع من أماليه (29).
(2) كذا في النسخ و"الإحكام" (5/ 102). وقال ابن حزم فيه (6/ 143): "خالف محمد بن علي بن يوسف المزنيَّ في كثير". وهذا يدلُّ على أنه من أصحاب المزني. وفي رسالة "أصحاب الفتيا" (ص 333): "محمد بن علي بن يوسف النسائي". وذكره مع محمد بن عُقيل الفِريابي من المائلين إلى قول الشافعي. قلت: محمد بن عقيل معروف، ولكن محمد بن علي بن يوسف لم أجد له ترجمة. أما ما ذهب إليه محقق المطبوع (1/ 47) من احتمال أن يكون المراد محمد بن علي بن وهب الشهير بـ "ابن دقيق العيد" فما أبعده! ألم ير أن ابن حزم الذي نقل ابن القيم من كتابه توفي سنة 456، فكيف يذكر ابن دقيق العيد الذي ولد سنة 625 بعد وفاة ابن حزم بأكثر من قرن ونصف قرن!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
وكان بالقيروان سَحْنون بن سعيد، وله يسير(1) من الاختيار؛ وسعيد بن محمد الحداد.
وكان بالأندلس ممن له شيء من الاختيار يحيى بن يحيى، وعبد الملك بن حبيب، وبقيّ بن مَخْلَد، وقاسم بن محمد صاحب الوثائق، يُحفظ لهم فتاوٍ يسيرة، وكذلك مسلمة(2) بن عبد العزيز القاضي، ومنذر بن سعيد.
قال أبو محمد(3): وممن أدركنا من أهل العلم على الصفة التي من بلغها استحقَّ الاعتدادَ به [14/ب] في الاختلاف: مسعود بن سليمان(4)،--------------------------------------------
(1) ع: "كثير". وكذا في "الإحكام" (5/ 102).
(2) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة، ولا أدري كيف وقع هذا، والصواب: "أسلم" كما في "الإحكام" (5/ 102). وهو الإمام الفقيه الحافظ قاضي القضاة بالأندلس أسلم بن عبد العزيز بن هاشم القرطبي المتوفى سنة 319. انظر ترجمته في "تاريخ ابن الفرضي" (1/ 141) و"جذوة المقتبس" (ص 245) و"السير" للذهبي (14/ 549).
(3) يعني ابن حزم في "الإحكام" (5/ 102) والكلام متصل بما سبق.
(4) ابن مُفْلِت أبو الخِيار، من شيوخ ابن حزم. توفي سنة 426. انظر ترجمته في "الصلة" لابن بشكوال (2/ 257).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
ويوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر.
فصل
وكان باليمن مطرِّف بن مازن قاضي صنعاء، وعبد الرزاق بن همّام، وهشام بن يوسف، ومحمد بن ثور، وسِمَاك بن الفضل(1).
فصل
وكان بمدينة السلام من المفتين خلق كثير. ولمّا بناها المنصور أقدَمَ إليها من الأئمة والفقهاء والمحدثين بشرًا كثيرًا، فكان(2) من أعيان المفتين بها أبو عبيد القاسم بن سلام، وكان جبلًا نُفِخ فيه الروحُ علمًا وجلالةً ونبلًا وأدبًا. وكان منهم أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي صاحب الشافعي، وكان قد جالس الشافعي وأخذ عنه. وكان أحمد يعظِّمه ويقول: هو في مِسْلاخ الثوري(3).
وكان بها إمام أهل السنّة على الإطلاق أحمد بن حنبل الذي ملأ الأرض علمًا وحديثًا وسنّةً، حتى إن أئمة الحديث والسنّة بعده هم أتباعه إلى يوم القيامة. وكان رضي الله عنه شديد الكراهة لتصنيف الكتب، وكان يحبُّ تجريد الحديث، ويكره أن يُكتَب كلامُه، ويشتدُّ عليه جدًّا(4)، فعلِم الله--------------------------------------------
(1) هنا انتهى النقل من كتاب "الإحكام" لابن حزم.
(2) ت: "وكان".
(3) رواه الخطيب في "التاريخ" (6/ 576). و"المسلاخ": الجِلد. يعني أنه نظير الثوري في علمه وفضله وسمته.
(4) انظر: "مناقب الإمام أحمد" (1/ 261 - 265).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
حسن نيته وقصده، فكُتِب من كلامه وفتاواه(1) أكثر من ثلاثين سِفْرًا، ومنَّ الله سبحانه علينا بأكثرها فلم يفُتْنا منها إلا القليل. وجمع الخلَّال نصوصه في "الجامع الكبير"، فبلغ نحو عشرين سِفْرًا أو أكثر(2). ورُويت فتاويه ومسائله وحُدِّث بها قرنًا بعدَ قرنٍ فصارت إمامًا وقدوةً لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم، حتى إنَّ المخالفين لمذهبه بالاجتهاد والمقلِّدين لغيره لَيُعظِّمون نصوصه وفتاواه، ويعرفون لها حقَّها [15/أ] وقربَها من النصوص وفتاوى الصحابة. ومن تأمَّل فتاواه وفتاوى الصحابة رأى مطابقةَ كلٍّ منهما للأخرى، ورأى الجميعَ كأنها تخرج من مشكاة واحدة، حتَّى إنَّ الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عنه في المسألة روايتان.
وكان تحرِّيه لفتاوى الصحابة كتحرِّي أصحابه لفتاويه ونصوصه، بل أعظم، حتَّى إنَّه لَيُقدِّم فتاواهم على الحديث المرسل. قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ في "مسائله"(3): قلتُ لأبي عبد الله: حديثٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلٌ برجالٍ ثَبَتٍ أحبُّ إليك أو حديثٌ عن الصحابة والتابعين متصلٌ برجال ثَبَت؟ قال أبو عبد الله رحمه الله: عن الصحابة أعجَبُ إليَّ.
وكانت فتاويه مبنية على خمسة أصول:
أحدها: النصوص. فإذا وجد النص أفتى(4) بموجبه، ولم يلتفت إلى ما--------------------------------------------
(1) ع: "وفتواه"، وكذا في النسخ المطبوعة.
(2) في "سير أعلام النبلاء" (14/ 297) أيضًا: "يكون عشرين مجلدًا". وقد ذكر ابن الجوزي في "مناقب الإمام أحمد" (2/ 682) أنه "نحو من مائتي جزء"، ولا تعارض بين القولين.
(3) (2/ 165).
(4) ت: "أفتى به". و"به" مقحمة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
خالفه ولا من خالفه(1) كائنًا مَن كان. ولهذا لم يلتفت إلى خلاف عمر في المبتوتة لحديث فاطمة بنت قيس(2)، ولا إلى خلافه في التيمُّم للجنب لحديث عمار بن ياسر(3)، ولا خلافه في استدامة المحرِم الطيبَ الذي تطيَّبَ به قبل إحرامه(4) لصحة حديث عائشة(5) في ذلك، ولا خلافه في منع المفرِد والقارن من الفسخ إلى التمتُّع، لصحة أحاديث الفسخ(6).
وكذلك لم يلتفت إلى قول علي وعثمان وطلحة وأبي أيوب وأُبي بن كعب في ترك الغسل من الإكسال(7) لصحة حديث عائشة أنها فعلته هي ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلا(8).
ولم يلتفت إلى قول ابن عباس(9) وإحدى الروايتين عن [15/ب]--------------------------------------------
(1) "ولا من خالفه" ساقط من ت.
(2) أخرجه مسلم (1480). وانظر: "زاد المعاد" (5/ 466 - 482).
(3) أخرجه البخاري (338) ومسلم (368).
(4) رواه مالك (1180، 1181)، وابن أبي شيبة (13674، 13675)، وأحمد (26759).
(5) أخرجه البخاري (271) ومسلم (1190). وانظر: "زاد المعاد" (2/ 278).
(6) وانظر ما يأتي في فتاوى النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الكتاب و"زاد المعاد" (2/ 177 - 223)، و"تهذيب السنن" (1/ 293 - 309) وفيه تفصيل الأحاديث المروية في الفسخ وتخريجها.
(7) انظر ما أخرجه البخاري (179، 292، 293) ومسلم (347).
(8) أخرجه مسلم (350).
(9) أخرجه البخاري (4909) ومسلم (1485).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
علي(1) أنّ عِدَّة المتوفَّى عنها الحامل أقصى الأجلين، لصحة حديث سُبيَعة الأسلمية(2).
ولم يلتفت إلى قول معاذ(3)
ومعاوية(4) في توريث المسلم من الكافر، لصحة الحديث المانع من التوارث بينهما(5).
ولم يلتفت إلى قول ابن عباس في الصَّرْف، لصحة الحديث بخلافه(6)، ولا إلى قوله بإباحة لحوم الحُمُر كذلك(7).
وهذا كثير جدًّا.
ولم يكن يُقدِّم على الحديث الصحيح عملًا ولا رأيًا ولا قياسًا، ولا قولَ صاحب، ولا عدمَ علمِه بالمخالف، الذي يسمِّيه كثير من الناس إجماعًا--------------------------------------------
(1) رواه عبد الرزاق (11714)، وسعيد بن منصور (1516، 1517، 1519)، وابن أبي شيبة (17381، 17385، 17386).
(2) أخرجه البخاري (3991، 5319) ومسلم (1484). وانظر: "زاد المعاد" (5/ 528 - 532).
(3) رواه الطيالسي (569) ، وابن أبي شيبة (32101)، وأحمد (22005). وصححه الحاكم (4/ 345).
ووازِن بـ"السنن" لأبي داود (2912، 2913)، و"العلل" للدارقطني (6/ 87 - 88)، و"الأباطيل" للجورقاني (549 - 551).
(4) رواه سعيد بن منصور (145، 146، 147)، وابن أبي شيبة (32092، 32102).
(5) أخرجه البخاري (1588، 6764) ومسلم (1614) من حديث أسامة بن زيد.
(6) انظر حديث أبي سعيد في "صحيح مسلم" (1594) وسؤال أبي نضرة ابن عمر وابن عباس عن الصرف ثم سؤاله أبا سعيد.
(7) انظر: "صحيح البخاري" (5529).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
ويقدِّمونه على الحديث الصحيح. وقد كذَّب أحمد(1) من ادَّعى هذا الإجماع، ولم يُسوِّغ(2) تقديمه على الحديث الثابت. وكذلك الشافعي أيضًا نصَّ في "رسالته الجديدة" على أنَّ ما لا يُعلَم فيه خلافٌ لا يقال له "إجماع"، ولفظه: "ما لا يُعلَم فيه خلافٌ فليس إجماعًا"(3).
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل(4): سمعت أبي يقول: "ما يدَّعي فيه الرجل الإجماع فهو كذب. من ادَّعى الإجماع فهو كاذب. لعل الناس اختلفوا، ما يَدريه، ولم ينتهِ إليه؟ فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا. هذه دعوى بِشْر المَرِيسي والأصمّ(5). ولكن يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغني--------------------------------------------
(1) ت: "الإمام أحمد".
(2) ع: "يسغ"، وكذا في النسخ المطبوعة.
(3) نقل هذا اللفظ ابن حزم في "الإحكام" (4/ 188). قال: "وهذا الشافعي يقول في رسالته المصرية … ". وهي الرسالة الجديدة التي أحال عليها ابن القيم، وقد وصلت إلينا، ولكن لا يوجد هذا النصّ في المطبوعة بتحقيق الشيخ أحمد شاكر. وقد نقله المؤلف في "كتاب الصلاة" له (ص 174) عن "الرسالة" دون وصفها بالجديدة. وفي "مختصر الصواعق" (4/ 1636): "قال الشافعي في رواية الربيع عنه … ". وفيه "نزاع" مكان "خلاف".
(4) في "مسائله" (ص 438 - 439). والنصّ هنا أقوَم. وقد نقله المؤلف في "كتاب الصلاة" (ص 171) و"الصواعق" أيضًا. انظر "مختصره" (4/ 1635)، ولكن مصدره فيهما "العُدَّة" لأبي يعلى (4/ 1060) أو "المسودة" (ص 315).
(5) هو أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصمّ، صاحب تفسير. من طبقة أبي الهذيل العلّاف، وله معه مناظرات. توفي سنة 200 أو 201. انظر: "الفهرست" (1/ 594) و"طبقات المعتزلة" لابن المرتضى (ص 56 - 57).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
ذلك"، هذا لفظه(1).
ونصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلُّ عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يُقدِّموا عليها توهُّمَ إجماعٍ(2) مضمونُه عدمُ العلم بالمخالف. ولو ساغ هذا لتعطلَّت النصوص، وساغ لكلِّ من لم يعلم مخالفًا في حكم مسألة أن يُقدِّم جهلَه بالمخالف على النصوص. فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع، لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده(3).
فصل
الأصل الثاني من أصل فتاوى الإمام [16/أ] أحمد: ما أفتى به الصحابة، فإنه إذا وجد لبعضهم فتوى لا يُعرَف له مخالفٌ منهم فيها لم يَعْدُها إلى غيرها. ولم يقل: إنَّ ذلك إجماع، بل من ورعه في العبارة يقول: لا أعلم شيئًا يدفعه، أو نحو هذا، كما قال في رواية أبي طالب(4): لا أعلم شيئًا يدفع قولَ ابن عباس(5) وابن عمر(6) وأحد عشر من التابعين عطاء ومجاهد وأهل--------------------------------------------
(1) وانظر كلام الإمام أحمد في الردِّ على مدعي الإجماع برواية أصحابه الآخرين كالمرُّوذي وأبي طالب وغيرهما في "كتاب الصلاة" (171 - 172) و"مختصر الصواعق" (4/ 1635 - 1636).
(2) في المطبوع: "ما تُوُهِّم إجماعًا".
(3) وانظر المصدرين المذكورين آنفًا.
(4) ذكرها الزركشي في "شرح الخرقي" (5/ 132) وابن مفلح في "المبدع" (7/ 179) بلفظ مختلف. وانظر: "المغني" (9/ 474).
(5) يُنظر: "السنن الكبير" (7/ 152)، و"معرفة السنن والآثار" للبيهقي (5/ 272).
(6) رواه البيهقي في "السنن الكبير" (7/ 152)، ويُنظر: "معرفة السنن والآثار" (5/ 271 - 272)، و"التمهيد" لابن عبد البر (13/ 296).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
المدينة على تسرِّي العبد(1). وهكذا قال أنس بن مالك: لا أعلم أحدًا ردَّ شهادةَ العبد(2)، حكاه عنه الإمام أحمد(3). وإذا وجد الإمام أحمد هذا النوع عن الصحابة لم يقدِّم عليه عملًا ولا رأيًا ولا قياسًا.
فصل
الأصل الثالث من أصوله: إذا اختلف الصحابة تخيَّر من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنّة، ولم يخرُج عن أقوالهم. فإن لم يتبيَّن له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها ولم يجزِم بقول.
قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ في "مسائله"(4): قيل لأبي عبد الله: يكون الرجل في قريةٍ فيُسأل عن الشيء فيه اختلاف. قال: يفتي بما وافق الكتاب والسنة، وما لم يوافق الكتاب والسنة أمسك عنه. قيل له: أفتخاف عليه؟ قال: لا.
فصل
الأصل الرابع: الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف، إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو الذي رجَّحه على القياس(5). وليس المراد--------------------------------------------
(1) ع: "قبول شهادة العبد"، وكذا في المطبوع. وهو غلط.
(2) نقله ابن المنذر في "الإشراف" (4/ 273). وعنه البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (7/ 393).
(3) وانظر: "الصواعق المرسلة" (2/ 583).
(4) (2/ 167).
(5) ذكر هذا الأصل أيضًا في "الفروسية المحمدية" (ص 202 - 203).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر، ولا ما في رُواته متَّهَم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه والعمل به. بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح، وقسمٌ من أقسام الحسن. [16/ب] ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف، والضعيفُ(1) عنده مراتب(2). فإذا لم يجد في الباب(3) أثرًا يدفعه ولا قولَ صاحب، ولا إجماعَ على خلافه كان العملُ به عنده أولى من القياس. وليس أحد من الأئمة إلّا وهو موافقُه على هذا الأصل من حيث الجملة، فإنه ما منهم أحدٌ إلّا وقد قدَّم الحديثَ الضعيفَ على القياس.
فقدَّم أبو حنيفة حديث القهقهة في الصلاة(4) على محض القياس، وأجمع أهل الحديث على ضعفه. وقدَّم حديثَ الوضوء بنبيذ التمر(5) على--------------------------------------------
(1) ع: "وللضعيف".
(2) وانظر: "الفروسية المحمدية" (ص 203) و"منهاج السنة" (4/ 341 - 342)، و"مجموع الفتاوى" (18/ 23 - 25).
(3) س، ت، ع: "الكتاب"، وكذا كان في ح، ثم صُحِّح في الحاشية.
(4) رواه ابن عدي في "الكامل" (4/ 101، 102)، والدارقطني في "السنن" (1/ 164)، وللحديث طرق كثيرة جدا، لا يصح منها شيءٌ. ويُنظر: "الكامل" لابن عدي (4/ 99 - 105)، و"السنن" للدارقطني (1/ 295 - 315)، و"السنن الكبير" للبيهقي (1/ 225 - 228)، و"تنقيح التحقيق" لابن عبد الهادي (1/ 296 - 307)، و"نصب الراية" للزيلعي (1/ 47 - 54)، و"البدر المنير" لابن النحوي (2/ 402 - 406).
(5) رواه أبو داود (84)، والترمذي (88)، وضعّفه.
قال ابن حجر في "الفتح" (1/ 354): "وهذا الحديث أطبق علماء السلف على تضعيفه". ويُنظر: "العلل" لابن أبي حاتم (14، 99)، و"العلل" للدارقطني (5/ 343 - 347)، و"السنن الكبير" للبيهقي (1/ 14 - 18)، والأباطيل للجورقاني "1/ 498 - 502)، وتعليقة ابن أبي حاتم على العلل (ص 29 - 36).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
القياس، وأكثرُ أهل الحديث يضعِّفه. وقدَّم حديثَ "أكثر الحيض عشرة أيام"(1) ــ وهو ضعيف باتفاقهم ــ على محض القياس؛ فإنَّ الدَّم الذي تراه في اليوم الحادي عشر(2) مساوٍ في الحدِّ والحقيقة والصفة لدم اليوم العاشر. وقدَّم حديث "لا مهر أقل من عشرة دراهم"(3) ــ وأجمعوا على ضعفه، بل بطلانه ــ على محض القياس، فإنَّ بذلَ الصداق معاوضة في مقابلة بذلِ البضع، فما تراضيا عليه جاز قليلًا كان أو كثيرًا(4).--------------------------------------------
(1) رواه الطبراني في "الكبير" (7586)، وفي "الأوسط" (599)، وفي "مسند الشاميين" (1515، 3429)، وابن حبان في "معرفة المجروحين" (2/ 182)، وابن عدي في "الكامل" (3/ 255)، والدارقطني (847)، وضعّفه.
ويُنظر: "السنن" للدارقطني (1/ 406 - 407)، و"تنقيح التحقيق" لابن عبد الهادي (1/ 408 - 413)، و"نصب الراية" للزيلعي (1/ 191 - 192)، و"سلسلة الأحاديث الضعيفة" للألباني (1414).
(2) س، ت، ع: "الثالث عشر". وكذا كتب في ح، ولكن صحح في الهامش مع علامة "صح".
(3) رواه أبو يعلى (2094)، والعقيلي (6/ 100)، وابن حبان في "معرفة المجروحين" (3/ 31)، والطبراني في "الأوسط" (3)، وابن عدي في "الكامل" (8/ 162) وحكم ببطلانه، والدارقطني في "السنن" (3601، 3602)، وقال: "مبشّر بن عبيد متروك الحديث، أحاديثه لا يُتابَع عليها". ومن طريقه رواه البيهقي (7/ 133)، وقال: "حديث ضعيف بمرّة". ورواه أيضًا من طريق ابن خزيمة الذي تبرّأ من عهدة مبشّر. ورواه البيهقي أيضًا (7/ 240)، ونقل إعلال الحافظ أبي علي النيسابوري إياه بمبشّر.
(4) سيأتي الكلام على بعض هذه الأحاديث ومناقشة الحنفية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
وقدَّم الشافعيُّ خبر تحريم صيد وَجٍّ(1)، مع ضعفه على القياس. وقدَّم خبرَ جواز الصلاة بمكة في وقت النهي(2)، مع ضعفه ومخالفته لقياس غيرها من البلاد. وقدَّم في أحد قوليه حديثَ "من قاء أو رعَف فليتوضَّأ، وَلْيَبْنِ على صلاته"(3) على القياس، مع ضعف الخبر وإرساله.
وأما مالك فإنه يقدِّم الحديثَ المرسل والمنقطع والبلاغات وقولَ الصحابي على القياس.
فإذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نصٌّ، ولا قول [17/أ] الصحابة أو واحد منهم، ولا أثر مرسل أو ضعيف= عدَلَ إلى الأصل الخامس، وهو القياس، فاستعمله للضرورة.
وقد قال في "كتاب الخلال": سألتُ الشافعيَّ عن القياس، فقال: إنما(4)--------------------------------------------
(1) رواه أبو داود (2032). ويُنظر: "العلل" للدارقطني (2/ 150 - 151)، و"زاد المعاد" (3/ 444).
(2) رواه أحمد (21462)، وابن خزيمة (2748) ــ وشكّك في اتصاله ــ، والطبراني في "الأوسط" (847)، وابن عدي في "الكامل" (5/ 224، 9/ 187)، والدارقطني (1571، 2636)، والبيهقي في "السنن الكبير" (2/ 461، 462)، من حديث أبي ذر مرفوعا، وسنده ضعيف منقطع. ويُنظَر: "تنقيح التحقيق" (2/ 371 - 374)، و"البدر المنير" (3/ 273 - 278).
(3) رواه ابن ماجه (1221) بسند منكر مُعلّ، ولا يصح الحديث من جميع طرقه. ويُنظر: "السنن" (563 - 573)، و"العلل" (14/ 361)، كلاهما للدارقطني، و"الإمام" لابن دقيق العيد (2/ 343 - 346، 354 - 358).
(4) "إنما" ساقط من ت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
يُصار إليه عند الضرورة(1)، أو ما هذا معناه.
[وقال في رواية أبي الحارث: ما نصنع بالرأي والقياس، وفي الحديث ما يغنيك؟ وقال في رواية عبد الملك الميموني: يجتنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين: المجمل والقياس(2)](3).
فهذه الأصول الخمسة من أصول فتاويه، وعليها مدارها. وقد يتوقَّف في الفتوى لتعارُض الأدلّة عنده، أو لاختلاف الصحابة فيها، أو لعدم اطلاعه فيها على أثر أو قول أحدٍ من الصحابة والتابعين. وكان شديد الكراهة والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف، كما قال لبعض أصحابه(4): إياك أن تتكلَّم في مسألةٍ ليس لك فيها إمام.
وكان يسوِّغ استفتاءَ فقهاء الحديث وأصحاب مالك، ويدلُّ عليهم؛ ويمنع من استفتاء من يُعرض عن الحديث، ولا يبني مذهبه عليه؛ ولا يسوِّغ العمل بفتواه.
قال ابن هانئ(5): سألتُ أبا عبد الله عن الذي جاء في الحديث:--------------------------------------------
(1) سيذكره المؤلف مرة ثانية، وثالثة عن "المدخل" (ص 204) للبيهقي الذي نقله من رواية الميموني. وانظر: "العدة" (4/ 1336) و"رسالة الشافعي" (ص 599).
(2) انظر الروايتين في "المسودة" (ص 367).
(3) ما بين الحاصرتين ورد في حاشية ح مع علامة اللحق في المتن و"صح" في آخر الزيادة ولكنه ليس بخط الناسخ. ولم يرد في س، ت، ع. نعم في ف جاءت الزيادة في المتن، ووُضعت بعد "عند الضرورة".
(4) وهو الميموني. انظر: "المسودة" (543) و"مجموع الفتاوى" (10/ 321) و (21/ 291). وسينقله المؤلف مرة أخرى في هذا الكتاب.
(5) في "مسائله" (2/ 165 - 166). وسيذكره المؤلف مرة أخرى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
"أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار"(1). قال أبو عبد الله رحمه الله: يفتي بما لم يسمع.
قال(2): وسألتُه عمَّن "أَفْتى بفتيا يَعْيا فيها، فإثمُها على من أفتاها"(3)، على أي وجه يُفتي حتى يعيا(4) فيها؟ قال: يفتي بالبَخْت(5)، لا يدري أيشٍ أصلُها(6).--------------------------------------------
(1) رواه الدارمي (159) من حديث عبيد الله بن أبي جعفر معضلًا، وعبيد الله هذا من أتباع التابعين.
(2) في "مسائله" (2/ 165) أيضًا.
(3) هذا أثر ابن عباس. أخرجه الدارمي (162) والبيهقي في "المدخل" (186) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (1626، 1627، 1892، 1898). ويشبهه حديث أبي هريرة في "سنن ابن ماجه" (53): "من أُفتِيَ بفتيا غير ثبَت فإنما إثمه على من أفتاه".
وقد ضُبِط لفظ "أفتى" في ح بالبناء للمجهول، كما في حديث أبي هريرة، ولكن السياق هنا يقتضي البناء للمعلوم. ولفظ "يَعْيا" كذا رسم بالألف في النسخ ما عدا ع، وضبط في س بضم أوله. وفي المصادر المذكورة: "يعمى فيها" أو "يعمى عنها". وفي "سنن الدارمي" ضبط بضم أوله وفتح الميم المشددة، وفي "المدخل" بضم أوله. وفي "مسائل ابن هانئ" "يعمل"، وكأنه تحريف "يعمى"، ولكن لما أعاد الكلمة في السؤال رسمت "يعيا" بإهمال أوله. والكلمتان بمعنًى. وفي "اللسان" (20/ 111 - 112): "والرجل يتكلَّف عملًا، فيعيا به وعنه إذا لم يهتدِ لوجه عمله".
(4) ح: "يفتي" وكذا في ت بإهمال أحرفه. وفي ع: "يعنى"، وكلاهما تصحيف.
(5) يعني: بما يتفق له دون علم وتبصُّر. وفي ع والنسخ المطبوعة: "بالبحث"، تصحيف.
(6) قارن النصَّ بما في المطبوع. والظاهر أن الناشرين تصرفوا فيه لإصلاحه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
وقال أبو داود في "مسائله"(1): ما أحصي ما سمعتُ أحمدَ سئل عن كثير مما فيه الاختلاف في العلم، فيقول: لا أدري.
قال(2): وسمعتُه يقول: ما رأيتُ مثلَ ابن عيينة في الفتوى أحسنَ فُتيا منه، كان أهون عليه أن يقول: لا أدري.
وقال عبد الله بن أحمد في "مسائله"(3): سمعتُ أبي يقول: قال عبد الرحمن بن مهدي: سأل رجلٌ من أهل الغرب مالكَ بن أنس عن مسألة فقال: لا أدري. [17/ب] فقال: يا أبا عبد الله تقول: لا أدري؟ قال: نعم، فأَبلِغْ مَن وراءك أنِّي لا أدري.
وقال عبد الله(4): كنت أسمع أبي كثيرًا يُسأل عن المسائل، فيقول: لا أدري؛ ويقف إذا كانت مسألة فيها اختلاف. وكثيرًا ما كان يقول: سَلْ غيري. فإن قيل له: من نسأل؟ قال: سَلُوا العلماء، ولا يكاد يسمِّي رجلًا بعينه.
قال(5): وسمعت أبي يقول: كان ابن عيينة لا يفتي في الطلاق، ويقول: مَن يُحسِن هذا؟--------------------------------------------
(1) (ص 367).
(2) في "مسائله" (ص 368). وسينقله المؤلف بأتمَّ من هذا.
(3) لم أجده في مسائله المطبوعة. وقد رواه عنه الخطيب في "الفقيه والمتفقة" (2/ 370)، والآجري في "أخلاق العلماء" (ص 116) من رواية صالح.
ويُنظر: "تقدمة المعرفة" لابن أبي حاتم (ص 18)، و"الحلية" لأبي نعيم (6/ 323).
(4) في "مسائله" (ص 438).
(5) لم أجده في "مسائله" المطبوعة. وقد رواه أخوه صالح في "مسائله" (1/ 239).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
فصل
وكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرُّعَ في الفتوى، ويودُّ أحدُهم(1) أن يكفيه إياها غيرُه. فإذا رأى أنها قد تعيَّنت عليه بذَلَ اجتهادَه في معرفة حكمها من الكتاب والسنة أو قول الخلفاء الراشدين، ثم أفتى.
وقال عبد الله بن المبارك(2): ثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركتُ عشرين ومائةً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ أراه قال: في المسجد ــ فما كان منهم محدِّث إلّا ودَّ أنَّ أخاه كفاه الحديثَ، ولا مفتٍ إلّا ودَّ أنّ أخاه كفاه الفتيا.
وقال الإمام أحمد: ثنا جرير عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركتُ عشرين ومائةً من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منهم رجلٌ يُسأل عن شيء إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه، ولا يحدِّث حديثًا إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه(3).
وقال مالك(4): عن يحيى بن سعيد أنّ بُكَير بن الأشجِّ أخبره عن--------------------------------------------
(1) "أحدهم" من س، ف، وهو ملحق بهامش ح، ع، ولم يظهر في الصورة إلا "أحد". وهو ساقط من ت. وفي المطبوع: "كل واحد منهم".
(2) في "الزهد" (58). ورواه أبو خيثمة في "العلم" (21)، والدارمي (137)، وابن سعد في "الطبقات" (8/ 230)، ويعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" (2/ 817)، وأبو زرعة الدمشقي في "التاريخ" (1/ 670 - 671)، والبيهقي في "المدخل" (800، 801).
(3) رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (2201، 2202) من طريقين عن الإمام أحمد.
(4) في "الموطأ" (2110) ــ وعنه الشافعي في "الأم" (6/ 357 - 358) ــ، والطحاوي في "شرح المعاني" (3/ 57).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
معاوية بن أبي عيّاش أنه كان جالسًا عند عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر، فجاءهما محمد بن إياس بن البُكَير فقال: إنَّ رجلًا من أهل البادية طلَّق امرأته [18/أ] ثلاثًا، فماذا تَرَيانِ؟ فقال عبد الله بن الزبير: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة، فإنِّي تركتُهما عند عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ائتِنا، فأخبِرنا. فذهبتُ، فسألتُهما، فقال ابن عباس لأبي هريرة: أَفْتِه يا أبا هريرة، فقد جاءتك مُعْضِلة. فقال أبو هريرة: الواحدةُ تُبِينها، والثلاثُ تُحرِّمها حتى تنكح زوجًا غيره.
وقال مالك عن يحيى بن سعيد قال: قال ابن عباس: إنَّ كلَّ من أفتى الناسَ في كلِّ ما يسألونه عنه لَمجنون(1).
قال مالك: وبلغني عن ابن مسعود مثلُ ذلك. رواه ابن وضَّاح عن يوسف بن عدي، عن عَبِيدة بن حُمَيد(2)، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله(3). ورواه حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن عبد الله(4).--------------------------------------------
(1) رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (2204)، والبيهقي في "المدخل" (799)، وهو منقطع بين يحيى بن سعيد الأنصاري وابنِ عباس.
(2) في النسخ المطبوعة: "عبد بن حميد"، وهو خطأ. وضبط "عبيدة" في س بضم العين، وهو أيضًا خطأ. انظر: توضيح المشتبه" (6/ 130).
(3) رواه محمد بن وضاح، ومن طريقه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (2206).
ورواه أبو خيثمة في العلم (10) ــ وعنه أبو القاسم البغوي في الجعديات (320) ــ، والدارمي في "المسند" (176)، والطبراني في "المعجم الكبير" (8923، 8924)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (1590)، والبيهقي في "المدخل" (798).
(4) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (8924)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (2208، 2213)، وأبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام (515).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
وقال سَحنون بن سعيد: أجسَرُ الناس على الفتيا أقلُّهم علمًا، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم، يظنُّ أنَّ الحقَّ كلَّه فيه(1).
قلت: الجرأة على الفتيا تكون من قلّة العلم ومن غزارته وسعته. فإذا قلَّ علمُه أفتى عن كلِّ ما يُسأل عنه بغير علم، وإذا اتسع علمه اتسعت فتياه. ولهذا كان ابنُ عباس من أوسع الصحابة فُتيا، وقد تقدَّم(2) أنَّ فتاواه جُمِعت عشرين سِفْرًا(3). وكان سعيد بن المسيِّب أيضًا واسع الفتيا، وكانوا يسمُّونه "الجريء" كما ذكر ابن وهب عن محمد بن سليمان المرادي عن أبي إسحاق قال: كنتُ أرى الرجلَ في ذلك الزمان وإنّه لَيدخلُ يَسأل عن الشيء، فيدفعه الناس عن مجلس إلى مجلس، حتَّى يُدفَع إلى مجلس سعيد بن المسيِّب، كراهيةً للفتيا(4)، قال: وكانوا يدعون سعيد بن المسيِّب "الجريء"(5).
وقال سَحنون: إنِّي لأحفظ [18/ب] مسائل، منها ما فيه ثمانية أقوال من ثمانية أئمة من العلماء، فكيف ينبغي أن أَعجَل بالجواب حتَّى أتخيَّر(6)؟--------------------------------------------
(1) رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (2211).
(2) في أول الكتاب (1/ 20).
(3) في النسخ المطبوعة: "في عشرين سفرًا" ولعل زيادة "في" من تصرُّف الناشرين.
(4) ت: "كراهية الفتيا".
(5) رواه ابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (1971 - السفر الثالث)، ومن طريقه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (2205)،.
(6) في حاشية ح: "لعله: أتبحر". قلت: بل الصواب ما جاء في النسخة. وفي النسخ المطبوعة: "قبل الخبر"، وهو تحريف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
فلِمَ أُلامُ على حبس الجواب؟(1).
وقال ابن وهب: ثنا أشهل(2) بن حاتم، عن عبد الله بن عون، عن ابن سيرين قال: قال حذيفة: إنما يفتي الناسَ أحدُ ثلاثة: من يَعلم ما نُسِخ من القرآن، أو أميرٌ لا يجد بُدًّا، أو أحمق متكلِّف. قال: فربما قال ابن سيرين: فلستُ بواحد من هذين، ولا أحبُّ أن أكون الثالث(3)!
قلت: مراده ومراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفعُ الحكمِ بجملته تارةً وهو اصطلاح المتأخرين، ورفعُ دلالةِ العامِّ والمطلق والظاهر وغيرِها تارةً، إما بتخصيص أو تقييد أو حملِ مطلقٍ على مقيَّد وتفسيره وتبيينه به(4)، حتَّى إنهم لَيسمُّون الاستثناء والشرط والصفة نسخًا، لتضمُّنِ ذلك رفعَ دلالة الظاهر وبيانَ المراد. فالنسخُ عندهم وفي لسانهم هو بيانُ المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارج عنه. ومن تأمَّل كلامَهم رأى من ذلك فيه ما لا يحصى، وزال عنه به إشكالاتٌ أوجبها حملُ كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر.--------------------------------------------
(1) رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (2211).
(2) في حاشية ح: "سهل" مع علامة "صح"، وقد أخطأ المحشِّي.
(3) رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (2214) من طريق ابن وهب به. ورواه عبد الرزاق (20405)، والدارمي (177)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (2217)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (2/ 331)، والبيهقي في "المدخل" (71)، من طرق عن ابن سيرين عن حذيفة، ولم يسمع منه. لكن رواه الدارمي (178) من طريق ابن سيرين، عن أبي عبيدة بن حذيفة، عن أبيه.
(4) "به" ساقط من ع والنسخ المطبوعة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)