بها. ذكرها ابن ناصر الدين الدمشقي والداوودي(1)، وقد تقدم.
* مذهبه الفقهي والعقدي
الإمام ناصر الدين ابن المُنيّر أحد أئمة المذهب المالكي بالإسكندرية وقاضي قضاتها، وقد أطبقت على ذلك المصادر التاريخية، وترجمته في طبقات المالكية، كالديباج المذهب(2)، وشجرة النور الزكية(3).
أما في الاعتقاد فهو على مذهب أبي الحسن الأشعري بلا نزاع أيضا، أولا لأنه الأصل الغالب في تلك الأزمنة على أهل المذهبين: المالكي والشافعي(4)، ثُمَّ إِنَّ كلامه المتفرّق في ثنايا «الانتصاف»، وكذا «المتواري»، ولا سيما في تعليقاته على «كتاب التوحيد» منه، وكلامه في مواضع كثيرة من «مختصر البرهان» يدلُّ على ما قلناه، فلن أطيل في هذه الجزئية لكونها من المسائل التي لا يتنازع فيها اثنان، فهو مالكي المذهب في الفروع، وأشعري المعتقد في الأصول.
* شَيءٌ من شعره
كان ابن المُنَيّر من المبرزين في اللغة والأدب ومتبحرًا فيها، فله اليد الطولى في علومها. وكان مع ذلك خطيباً بليغاً، وكان يقول الشعر، ويجيد ذلك، وقد تقدم أنه نظم غريب القرآن كاملاً في قرابة 1500 بيت، ووجدنا--------------------------------------------
(1) توضيح المشتبه (8/ 290)، طبقات المفسرين للداوودي (1/ 90).
(2) (1/ 243).
(3) (1/ 269).
(4) انظر للاستزادة: موقف ابن تيمية من الأشاعرة (2/ 498 - 504)، المصادر الأصلية المطبوعة للعقيدة الأشعرية (ص 39 - 45).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
في كتب التراجم والتواريخ طرفًا من شعره، فمن ذلك:
* ما قاله لما وردت إليه المراسيم بالإسكندرية، وعفي متوليها أثر المحرمات:
لَيْسَ لإبليس عندنا أربٌ … غر بِلَادِ الْأَمِير مَأْوَاه
حَرَمْتَه الْخمر والحشيش معًا … حَرَمْتَه مَاءَهُ ومرعاه
* ومن ذلك رثاؤه لابن عصفور علي بن مؤمن (ت 669 هـ)، حامل لواء العربية بالأندلس:
أسند النحو إلينا الدولي … عن أمير المؤمنين البطل
بدأ النَّحو عليٌ وكذا … قُلْ بحقِّ خَتَمَ النَّحْوَ عَلِي
* ومن رثائه لشيخه ابن الحاجب:
ألا أيها المختال في مطرف العُمر … هلم إلى قبر الفقيه أبي عمرو
ترى العلم والآداب والفضل والتُّقى … ونيل المنى والعِزَّ غُيَّبْنَ في قبر
وتوقن أن لا بد ترجع مَرَّةً … إلى صَدَفِ الأجداث مكنونة الدرّ
فتدعو له الرحمن دعوة رحمة … يُكافأ بها في مثل منزله القَفْرِ
* ومنه ما كتبه لقاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان (ت 681 هـ) في صدر كتاب:
ليس شمس الضحى كأوصاف شمس الد … ين قاضي القضاة حاشا وكلا
تلك مهما علت محلا ثنت ظ … ــلا، وهذا مهما علا مدَّ ظلَّا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
* ومنه هجاؤه لأحد القضاة لما نازعه في الحكم:
قل لمن يدعي المناصب بالجهـ … ل تنح عنها لمن هو أعلم
إن تكن في ربيع وليت يوما … فعليك القضاء أمسى محرّم
* ومنه ما كتبه إلى الوزير هبة الله بن صاعد الفائزي (ت 655 هـ) أبياتا مدحه بها، منها:
ويا سيّدا تأتي الوفود لبابه … فيلقاهم بالبشر والنائل الغمر
ويا من له في الجود ضرب بلاغة … يقابل منظوم المدائح بالنثر
متى ما أقمت العبد في الخمس نائبا … غدا مستقلا بالدعاء وبالشكر
وغير ذلك كثير.
* وفاته
توفي رحمه الله قيل مسموما(1) - في يوم الخميس مستهل ربيع الأول سنة 683 هـ بثغر الإسكندرية، وكان عمره إذ ذاك 62 سنة وبضعة أشهر، ودفن بتربة والده عند الجامع الغربي(2).--------------------------------------------
(1) انظر: البدر السافر عن أنس المسافر (2/ 752)، والله أعلم بحقيقة الحال.
(2) ولا يزال هذا الجامع موجوداً، يعرف اليوم بجامع المنير، وبه قبره، وهذا الجامع يقع على رأس تقاطع شارع المنير بشارع الباب الأخضر بالإسكندرية. انظر: النجوم الزاهرة (7/ 361)، (الهامش).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
ثانيا مختصر ابن المنير وعلاقته بالبرهان
تناول البرهان عدداً من العلماء بالشرح والبيان والاختصار والتهذيب والتنكيت، وكان عامة هؤلاء من أتباع المذهب المالكي؛ فلماذا المالكية دون غيرهم؟ وقبل أن نتحدث عن شيء من أسبابها، نشير إلى المصنفات التي ارتبطت ببرهان الجويني، وذلك على وجه الاختصار حسب ترتيبها الزمني.
والغرض من ذلك رصد تلك المصنفات لعموم فائدتها، وإظهار عناية العلماء به على مر العصور، ومعرفة موقف كتاب ابن المُنَيّر من هذه السلسة.
فأول كتاب في هذه القائمة، هو «المنخول من تعاليق الأصول» لأبي حامد الغزالي الشافعي (ت 505 هـ)، تلميذ إمام الحرمين، وهذا الكتاب عداده ضمن مختصرات البرهان، والمقصود بذلك أنه جعل البرهان أصلا لمنخوله، واستخلص منه مادته مع مخالفته إياه في أسلوبه وآرائه وشيء من ترتيبه. يظهر ذلك بالاستقراء وتتبع مسائل الكتابين، والتوافق في ترتيب أكثر المسائل وتبويبها وطريقة العرض فيهما. ويمكن أن نقول إن الترابط بين الكتابين يشبه العلاقة بين «روضة الناظر» مع «المستصفى».
والدليل على أنه تلخيص للبرهان، ومستمدٌّ منه؛ ما أشار إليه الغزالي في خاتمته أنه قد لخصه من تعاليق الأصول لإمام الحرمين(1). ويعني بـ: «التعاليق»--------------------------------------------
(1) انظر: المنخول (ص 504).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
هنا: برهان الجويني. وفي ذلك يقول العلامة حسن العطار (ت 1250 هـ) في حاشيته على شرح المحلي(1): « … فإنَّ المنخول في الحقيقة تلخيص البرهان للإمام، كما يدل عليه تسميته بـ: المنخول من تعليق الأصول، وتصريح حُجَّةِ الإسلام في آخره بأنه لم يزد فيه على ما في تعليق الإمام، يعني البرهان»(2).
*ومنها: «البيان لشرح البرهان» لأبي عبد الله محمد بن المسلم بن محمد بن أبي بكر القرشي المخزومي الصقلي المازري، ساكن الإسكندرية (530 هـ)، وهو من تلاميذ أبي بكر الطرطوشي(3).
ومنها: شرح الإمام المازري (ت 536 هـ)، وهو «إيضاح المحصول من برهان الأصول»، ولم يتمه. وهذا الكتاب يعتبر من أوائل شروحه، وأصله كان إملاء على البرهان أثناء تدريسه للطلبة(4)، وقد نُشر ما عُثر عليه منه في مجلد، ولم يظهر لي استفادة ابن المنير منه في مختصره.
*ومنها: (النكت) لتقي الدين المقترح الشافعي (ت 612 هـ)، وهي--------------------------------------------
(1) (1/ 268).
(2) ولم يشر إلى هذه الجزئية محقق «المنخول» فضلا عن مناقشتها، وَجَعَلَ «المنخول» كتابًا مستقلا من كتب الغزالي المتقدمة. وفي ذلك تهوين من قيمة الكتاب الحقيقية، كما أنه هضم لِحَقِّ البرهان، لأن المنخول دائر في فلكه.
(3) انظر: الغنية للقاضي عياض (ص 88). وقد استفدت هذه المعلومة من حساب الأستاذ أبي بكر سعداوي في الفيسبوك.
(4) انظر: إيضاح المحصول (ص 191، 251). ذكر ابن السبكي في طبقاته الكبرى (5/ 192) أن المازري عمل على البرهان «مشكلات»، وأنه كتاب آخر، غير الشرح السابق، لكن حقق د. عمار الطالبي أن الإملاء على البرهان، والمشكلات، وإيضاح المحصول من برهان الأصول، وشرح البرهان كلها أسماء لمسمى واحد. انظر مقدمته على إيضاح المحصول (ص 18).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
تعليقات وحواش على مواضع من البرهان(1).
* ومنها: «مختصر البرهان»(2) لابن عطاء الله الإسكندراني(3).
* ومنها: «شرح مختصر البرهان» لابن عطاء الله(4).
* ومنها: «التحقيق والبيان في شرح البرهان»(5). للإمام أبي الحسن الأبياري (ت 618 هـ)، وهو يعتبر من الشروح المكتملة للبرهان مما وصل إلينا.
*ومنها: شرح أبي يحيى زكريا بن يحيى بن يوسف الشريف المغربي--------------------------------------------
(1) تسمى: النكت - أو التعليق - على البرهان، مخطوط. وذكر الدكتور علي الجزائري في مقدمته لشرح الأبياري أنه قد حققها، ولم ينشرها إلى الآن، وإن كان قد بث شيئا منها في حواشي تحقيقه.
(2) نقل عنه الزركشي في موضعين من البحر المحيط (4/ 234)، (1/ 299) وسماه بـ: «مختصر البرهان».
(3) من المرجح عندي أن يكون المقصود به ابنُ عطاء الله الإسكندري الجَدُّ، وليس الحفيد، فالجد هو الفقيه الأصولي اللغوي أبو محمد رشيد الدين عبد الكريم بن عطاء الله السكندري المالكي (ت 612 هـ)، كان رفيقا لابن الحاجب، وتفقه على أبي الحسن الأبياري الأصولي الفقيه شارح «البرهان». انظر ترجم الجد في الديباج المذهب (2/43). أما حفيده أحمد بن محمد، المتوفى سنة 709 هـ (الديباج المذهب 1/ 242)، فلم يشتهر بالتأليف في العلوم الشرعية، بل غالب تصانيفه في الزهد والتصوف والمواعظ، فغَوْصُه في بحر «البرهان» بعيد عندي لما ذكرتُ، والله أعلم.
(4) انظر: المعيار المعرب (5/ 396). هل هو الجد (ت 612 هـ) أم الحفيد (ت 709 هـ): لا أستطيع أن أجزم بشيء، ولعله الأول. فعلى هذا يكون قد شرح البرهان، واختصره كابن المنير، والله أعلم.
(5) صدر عن دار الضياء عام 1432 هـ في أربعة أجلاد، بتحقيق د. علي بن عبد الرحمن الجزائري.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
(كان حيًّا سنة 629 هـ)، وسماه «كفاية طالب علم البيان في شرح البرهان»(1)، جمع فيه بين شرحي المازري والأبياري(2).
*ومنها: «شرح البرهان» لابن علاف(3)، وهو كذلك - حسب الزركشي - من المغاربة.
*ومنها: «شرح البرهان» لناصر الدين ابن المُنَيِّر الإسكندراني (ت 683 هـ)(4).
ومنها: مختصر البرهان المسمّى بـ: «الكفيل بالوصول إلى ثمرات الأصول»، له أيضاً، وهو كتابنا هذا(5).
*ومنها: مختصر البرهان، المسمّى بـ: «ناظر العين في مختصر البرهان لإمام الحرمين»، لعتيق بن أحمد بن محمد الفراء الوادي آشي (ت 696 هـ)(6).
فمن خلال هذه القائمة يتضح جلياً أن تصنيف ابن المنير مسبوق بعدد من الشروح والتعليقات، بل هو يعتبر من أواخر الكتب في منظومة الأعمال على البرهان، مما جعله يستفيد من بعضها، كشرح الأبياري على أقل تقدير؛--------------------------------------------
(1) مخطوط، توجد منه نسخة ناقصة بمكتبة القيروان بفاس برقم (1397)، وأخرى بالخزانة الحمزاوية في المغرب برقم (35)، كما توجد منه نسخة ثالثة بمكتبة بريل بهولندا برقم (807). وقد حققه محمد عبد الإله الشعيري في جامعة عبد المالك السعدي بتطوان.
(2) أفاده التاج السبكي في طبقاته (5/ 192).
(3) وهو من مصادر الزركشي في البحر المحيط، ولم أقف على ترجمة لابن علاف.
(4) انظر ما تقدم في (ص 21).
(5) انظر: (ص 33 - 35).
(6) انظر: الذيل والتكملة (3/ 96)، درة الحجال (3/ 181).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
فقد استفاد ابن المنير منه في عدد من المواضع، وأشرنا إلى ذلك في الحواشي دون تتبع لجميعها.
ومن اللافت للنظر في القائمة السابقة أن أكثرهم مالكيون، ويرجع تاج الدين ابن السبكي ذلك إلى أمرين(1):
أحدهما: عدم تقيد الجويني باختيارات أبي الحسن الأشعري، والمالكية يستصعبون مخالفة أبي الحسن، فكأنهم أقبلوا على كتاب الجويني دفاعا عن معتقد أبي الحسن الأشعري وآرائه.
والثاني: نيل الجويني من الإمام مالك في مواضع من «البرهان»، فأتباعه لم يتحملوا منه ذلك، وربما تحاملوا عليه.
وكلا الأمرين عند التأمل يرجع إلى طبيعة شخصية الجويني الفذّة أصوليا ومتكلّما، وطول باعه في العلوم العقلية والنقلية؛ وقد سلك في البرهان مسلك من بلغ الغاية في الاجتهاد والمرتبة العليا في العلوم، فهو يقرر ويرجح ويزيف حسب اجتهاده، وإن أدى ذلك في أحيان كثيرة إلى مخالفة الأئمة الكبار، كمالك والشافعي والأشعري والباقلاني وغيرهم. لكن من الأهمية بمكان أن نذكر هنا أن حضور الجويني في المغرب معروف ومشهور، لا سيما في علم الكلام، فليس محصوراً على البرهان؛ فإنَّ أكثر من عُني بـ: «إرشاد» الجويني، كانوا من المغاربة، كأبي الحجاج الضرير (ت 520 هـ)، والمازري (ت 536 هـ)، والسلالجي (574 هـ)، وابن دِهاق (ت 611 هـ)، وأبي يحيى الإدريسي (كان حيا عام 629 هـ)، وابن دوناس الفاسي (ت 639 هـ)،--------------------------------------------
(1) انظر: طبقات الشافعية الكبرى (5/ 192 - 193).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
وابن بزيزة التونسي (ت 662 هـ)، وغيرهم(1). وقد ذكر القاضي عياض(2) أنه قرأ على شيخه أبي الحجاج الضرير (ت 520 هـ) السالف ذكره نظم الإرشاد له، كما أن مختصر الإرشاد(3) للسلالجي (ت 574 هـ)، المسمى بـ: «العقيدة البرهانية» كانت هي العقيدة المعتمدة في المدارس، والجوامع، والمؤسسات التعليمية في بلاد المغرب، وأنَّ السلطة المعرفية فيها قد كانت لتلك العقيدة(4)، على الأقل قبل انتشار عقائد محمد بن يوسف السنوسي (ت 895 هـ)(5).--------------------------------------------
(1) انظر: جامع الشروح والحواشي (1/ 149 - 154)، المصادر المغربية للعقيدة الأشعرية (2، 202، 21601، 199، 197، 194، 188، 166، 165، 1/ 118).
(2) انظر: الغنية (ص 226).
(3) أفاد ابن رشيد السبتي (ت 721 هـ) وابن تيمية (ت 728 هـ) أنّ العقيدة البرهانية للسلالجي ما هي إلا اختصار الإرشاد الجويني. انظر: ملء العبية (2/ 226)، شرح الأصبهانية (ص 475).
(4) انظر: مدخل إلى تاريخ العلوم بالمغرب المسلم (2/ 381)، المصادر المغربية للعقيدة الأشعرية (1/ 165).
(5) علما بأن السنوسي لم يخالف في عقائده إرشاد الجويني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
ثالثاً عنوان الكتاب وإثبات نسبته إلى مؤلفه
نصٌّ غير واحدٍ من العلماء على أنَّ لابن المُنَيِّرِ مُختصراً لبرهان الجوينيّ؛ فقد صرَّح بذلك البدر الزركشيُّ (ت 794 هـ) في مقدمة «البحر المحيط»(1)، وذلك أثناء تعداد المصادر التي عوَّل عليها في جمع كتابه. وأما محمد بن أحمد التُّونسيُّ الوَانُّوغِيُّ (819 هـ)(2) فقد أثنى عليه قائلاً: «وقد اختصره ابن المنير فأبدع»(3).
ولما كان الكتاب اختصاراً للبرهان، غلب عليه هذا الوصف؛ وهو ما نجده مدوَّناً على الصفحة الأولى والأخيرة من النُّسخة الإسبانية. أمَّا النُّسخة التُّونسية، فالعنوان في غاشيتها: «الكفيل بالوصول إلى ثمرة الأصول»، وقد صرَّح المُصنِّفُ بذلك في قوله: «وباسمه نستفتحُ هذا الكتاب، وهو الكفيل بالوصول إلى ثمرات الأصول، فليقتطفها الطالبُ من هذه الفصول»، لكن نلاحظ أن هناك فارقاً يسيراً بين ما نص عليه ابن المنير وما جاء في غاشية إحدى النسختين، وقد رجَّحتُ أن أُثبتَ ما ذكره المُصنِّفُ، والأمر في ذلك قريبٌ. وقد يسمى الكتاب اختصاراً بـ: الكفيل.--------------------------------------------
(1) (1/5).
(2) ترجمته في: العقد الثمين (2/25)، الضوء اللامع (3/7)، بغية الوعاة (1/31).
(3) العقد الثمين (2/28).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
والكتاب ثابت النسبة إلى ناصر الدين أبي العباس ابن المنير، ويمكن تلخيص ذلك فيما يلي:
*أولا: جاء الكتاب منسوبًا إلى مؤلّفه في النسخة التونسية - التي اتخذناها أصلا لأسباب سوف نذكرها لاحقا ـ، ففي غاشيتها بخط كبير: «الكفيل بالوصول إلى ثمرة الأصول، تأليف الشيخ المحقق العلامة ناصر الدين أحمد بن محمد المالكي الشهير بابن المنير … ». وهذه النسخة مصححة مقابلة مقروءة على مصنّفه، وعليها سماع ومطالعة لبعض العلماء. وهذا وحده كاف في إثبات نسبة الكتاب إليه. وأما النسخة الأخرى فقد جاء في غاشيتها وخاتمتها: «مختصر البرهان». ولم نجد في هذه النسخة تصريحا بنسبته إلى ابن المُنَيّر؛ إلَّا أنَّه متوافق مع النسخة الأصل تمام الموافقة.
*ثانيا: قد نقل الحافظ السخاوي (ت 902 هـ) من هذا الكتاب في «فتح المغيث»(1)، فقال: «قال ابن المنير في الكفيل»: للتعديل قسمان: صريحي وغير صريحي، فالصريحي واضح، وغير الصريحي، وهو الضّمني، كرواية العدل وعمل العالم». وهذا النص موجود في كتابنا باختلاف يسير(2).
*ثالثا: أنَّ بدر الدين الزركشي الشافعي وأبي عبد الله الوانوغي المالكي قد نسبا له مختصرا لبرهان الجويني(3)، ويصدق عليه كتابنا هذا. فصح بما قدمنا نسبة الكتاب إليه، والحمد لله.--------------------------------------------
(1) (2/43). ونقل في (3/ 170) كلامًا آخر بالمعنى، وهو موجود في كتابنا (ص 194).
(2) انظر: (ص 188).
(3) انظر ما سبق في الصفحة السابقة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
وقد صنف ابن المُنَيّر مختصره هذا قبل وفاته بما يقارب الثلاثين سنة، ونحن وإنا كنا لا نستطيع أن نحدد عمره على وجه الـ الدقة حين كتابته له؛ إلا أنَّ النسخة التونسية (الأصل) أفادتنا بأنَّها مقروءة على مصنفه سنة 656 هـ، وكان عمره إذ ذاك 36 سنة، فيكون تصنيفه لمختصر البرهان قبل هذا التاريخ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
رابعًا قيمته العلمية، ومنهج ابن المنير في اختصاره
قد ذكرنا فيما مضى أنَّ ابنَ المُنَيّرِ قد شرح البرهان في تصنيف، واختصره في هذا الكتاب الذي نحن بصدد تحقيقه؛ فأما شرحه على البرهان، فهو لم يصل إلينا، ولا نملك عنه إلا معلومات ضئيلة؛ لكن من خلال نقول الزركشي عنه في عشرات المواضع يظهر أنه شرح مبسوط، يذكر فيه المذاهب والأقوال، ويناقش فيه إمام الحرمين، ويعتني بإيراد الاعتراضات، وله فيه ترجيحات واختيارات، خلافًا لصنيعه في هذا المختصر؛ فإنه قد سلك فيه - في الجملة - مسلكا آخر يلائم طبيعة المختصرات؛ وإن كان قد يعترض على الجويني، وربما يخالفه - من غير تصريح - في عدد من المسائل الجزئية، وقد أشرنا إلى شيء منها في مواضعها؛ وأما تتبع ذلك فهو مما يعسر؛ لكونه يعتمد على المقارنة الدقيقة بين الكتابين، ولعل الله ييسر من يقوم بذلك.
كان الهدف الأساسي لابن المنير في هذا الكتاب هو بيان معاني البرهان بعبارات موجزة. وقد أشار إلى ذلك في طليعة مقدمته قائلا: «فهذا الكتاب، والبرهان فرسا رهان، كلاهما خيَّم في بحبوحة الفصاحة وطنب، فهذا أوجز، وذاك أطنب … ». إذا؛ فالهدف - في الأصل - تقريب البرهان وتسهيل معانيه.
إلَّا أنَّ المختصر نفسه في مواضع بحاجة إلى شرح وتوضيح؛ لوجازة عبارته. ففي مواضع ليست قليلة، لا يظهر مقصوده إلا بعد التأمل وإدامة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
النظر في كلامه أو الرجوع إلى أصله، وقد عانينا من هذا الأمر أثناء تحقيق الكتاب وضبطه كثيرًا، وهو ما جعلنا نلجأ إلى أن نُحلّيه بتعليقات موجزة لتكميل الفائدة. وفي المقابل في مواضع كثيرة من البرهان لا يتضح مقصود الجويني فيها إلا بعد الرجوع إلى مختصر ابن المنير؛ لكن الفرق بين الأمرين أنَّ التعقيد أو الاضطراب أو القلق في البرهان راجع: إما إلى طبيعة تعبير الجويني من جهة علو عبارته ومصطلحاته الخاصة به؛ أو إلى الأخطاء المطبعية؛ أو غير ذلك، بينما عدم الوضوح في عبارة ابن المنير سببه الإيجاز والاختصار(1)، وهذا ليس عيبًا في الكتاب؛ لأنه طبيعة المختصرات.
فالحاصل أنه من الكتب العالية مبنى - لكون ابن المنير من أئمة اللغة والأدب -، ومعنى - تبعًا لأصله البرهان -، فهو لا يناسب المبتدئين في فنّ الأصول، لكن لا غنى عنه للباحثين وأهل العلم المشتغلين بهذا العلم الشريف، لا سيما المعتنين ببرهان الجويني.
أما سبب تصنيفه للكتاب، فقد أشار في المقدمة بعد الكلام السابق أنه كان بطلب أحدهم منه؛ وهل كان الطالب أحد شيوخه أو من تلاميذه؟ والله أعلم بذلك.
كان ابن المُنيّر ماهرًا في فنّ الاختصار، وقد تقدم في سرد مؤلفاته أنَّ له في ذلك كتابين؛ هما: مختصر التهذيب في الفقه، ومختصر البرهان، وهو--------------------------------------------
(1) في الجملة؛ لكن قول المصنف: «كلاهما خيَّم في بحبوحة الفصاحة وطنب» يشير إلى غرض من أغراض هذا التصنيف، وهو تحريه الفصاحة والبلاغة مع الاختصار، فيظهر أن عدم الوضوح في مواضع سببه تكلّف تعابير وتراكيب على حساب التقريب والتسهيل، والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
كتابنا هذا. فأما الأول؛ فلم نطلع عليه لكونه لم يصل إلينا، فهو في حكم المفقود، لكن علمنا بشهادة الفقيه ابن فرحون أنه قد أجاد في تهذيبه واختصاره؛ وأما تلخيصه للبرهان - وهو كتابنا هذا ـ؛ فقد حوى في طياته عدة مميزات مما يجعله من المصنفات الأصولية الهامة.
فمنها: صغر حجمه بالمقارنة مع البرهان، مع الحفاظ على عامة مسائل الكتاب، دون إغفال الأقوال، والمذاهب الأصولية، واختيارات الجويني؛ فجاء حجمه قدر السُّدس من أصله أو نحوًا من ذلك. ثُمَّ إنه ليس من المختصرات التي تحفظ لك المسائل الكبرى وتحذف الفضول فحسب، بل تكمن أهميته أيضًا في كونه قد أعاد صياغة البرهان من أوله إلى آخره، وعبر عن كلام الجويني بعبارات دقيقة تفتح إغلاق كلامه أو تجمع شتاته، فبهذا يكون قد هذبه وشرحه شرحا موجزا في نفس الوقت.
وأما تميز الجانب اللغوي فيه؛ فهذا ظاهر جدا؛ فإنَّ عباراته فيه دقيقة ومحررة، ولغته عالية، وقد ساعده على ذلك كله طول باعه وإمامته في اللغة والأدب.
ومن خصائص هذا الكتاب ومميزاته أنَّ المصنف لم يخرج فيه عن مسائل البرهان، - أعني المسائل الكبرى، ولا اختيارات الجويني، حتّى في المسائل التي نحن نجزم بأنه يخالف الجويني فيها ديانةً، كحجية عمل أهل المدينة، وتفضيل الإمام مالك على الإمام الشافعي، مما يدل على أنَّ غايته من ورائه هو خدمة البرهان، وإبراز الكتاب طبقا للأصل، وليس التَّعقب أو إبداء رأيه المخالف. وهذا في الجملة؛ وإلا فقد سبق التنبيه إلى أنه قد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
يخالفه في تفاصيل وقيود بعض المسائل.
ومن خلال مصاحبتي لهذا الكتاب تبين لي دقة ابن المنير وأمانته في اختصاره، وخير مثال على ذلك ما جاء في مسألة علم الله التي تُعرف بمسألة الاسترسال، وهي مسألة عقدية، وموقف المالكية من الجويني فيها معلوم، ومع ذلك فقد لخص كلام الجويني ثُمَّ أعقبه بقوله: «قلتُ: حاكي الضلالة ليس بضال، نعوذ بالله من ذلك». وهذا الموضع الوحيد الذي يعقب عليه بعبارة فيها شيء من القسوة.
ولعل من المناسب أن نذكر في هذا المقام بعض الفروق بين الأول وكتابنا هذا، وذلك لأنه لم يصل إلينا من مختصرات البرهان إلا هذين؛ فمن أهم تلك الفروق:
* أولا: أنَّ «المنخول» أسهل وأوضح من «الكفيل»، فقد تميز الأول بأسلوبه الميسر ولغته السَّلِسَة؛ وأَمَّا مختصر ابن المنير، فهو أكثر تعقيدا وعباراته أكثر دقةً، وذلك لأنَّ عملية الاختصار أصبحت صنعةً في عهده، وربما قد تأثر في ذلك بشيخه العلامة ابن الحاجب.
* ثانيًا: أن الكتابين يختلفان من حيث الحجم؛ وذلك أنَّ حجم كتابنا هذا قدر النصف من المنخول أو أقل من ذلك.
* ثالثا: أنَّ مختصر ابن المنيّر تميز بكونه مختصراً دقيقاً للبرهان، بخلاف المنخول.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
هذا، وقد استفتح ابن المُنَيّر كتابه بمقدمة قصيرة، أشار فيها إلى سبب التأليف، وأثنى على المختصر والأصل، كما أنه أثنى على الإمام الجويني، ثم شرع بعد ذلك مباشرةً في عرض المسائل. وانتهى الكتاب بانتهاء مسائل النسخ، وهو تمام كتاب البرهان بنص الجويني في الخاتمة، أما كتاب الاجتهاد والفتوى في مطبوعة البرهان، فهو كتاب مستقل، وليس جزءًا منه، ولذلك نجد أن الأبياري لم يتناوله أيضاً.
قدم ابن المنير بمقدمة، فتحدث أولاً عن حقيقة أصول الفقه ومواده، ثم عقد فصلا لبيان معنى «الحكم»، وتناول بعدها مسألة التحسين والتقبيح وبعض فروعها، ثم تحدث عن التكليف في عدة مسائل، ثم عن العلم وحده، ومدارك العلوم ومراتبها، ومراتب العلوم الدينية، وتناول «البيان» وبعض مسائله، وذكر القول في اللغات، وفروعاً لغوية كثيرة، وقد شغلت هذه المقدمات قدر العُشر من حجم الكتاب.
ثُمَّ بعد ذلك شرع في الكتاب الأول، وهو «كتاب الأوامر»، وذكر تحته فصولاً ومسائل، وانتقل بعد ذلك إلى الكتاب الثاني، وهلم جرا إلى آخر الكتاب.
وقد قسم المختصر إلى تسعة كتب:
1 - كتاب الأوامر
2 - كتاب النواهي
3 - كتاب العموم
4 - كتاب التأويل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
5 - كتاب الأخبار
6 - كتاب الإجماع
7 - كتاب القياس
8 - كتاب الترجيح
9 - كتاب النسخ
- لم يعتن بوضع عناوين للمسائل إلا قليلا، كما في: «القول في اللغات»، و «مسألة في صيغة الأمر»، و «القول في الصيغة المقيدة»، و «مسألة في حمل المطلق على المقيد»، و «مسألة في الفرق بين النسخ والتخصيص»، و «مسألة في الزيادة على النص». والأصل أنه يصدر كلامه بقوله: «فصل»، أو: «مسألة»، أو «مسألة على التنزل»، ثم يشرع في الموضوع.
- جعل تحت الأبواب فصولاً، وتحت الفصول مسائل، وتحت بعض المسائل فروعًا، يعنون لها بقوله: «فرع مرتب» ويعني بذلك كونه مبنيًا على مسألة سابقة.
- يختلف حجم المسائل باختلاف حجمها في البرهان؛ فبعض المسائل لا تعدو سطرًا أو سطرين، وبعضها قد تتجاوز الصفحة والصفحتين.
- يعتني بذكر تعريفات للمصطلحات؛ والأصل في ذلك أن التعريف المختار هو المذكور أولاً، وما عداها يُعرف ضعفها بتصديره إياها بصيغة التمريض.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
- القول المختار والمرجح؛ إما أن يذكره في صدر المسألة، وإما بعد حكاية الأقوال والرد عليها.
- أما الأقوال والخلافات في المسألة، فتارة يسردها كُلَّها، ثُمَّ يعقب عليها واحدًا واحدا، وتارة يحكي القول ويناقشه، ثُمَّ ينتقل إلى قول آخر، وهلم جرا.
- اعتنى بترتيب كلام الجويني، وجمع شتاته في موضع واحد.
- الكتاب تابع للبرهان في ترتيب المسائل؛ إلَّا أنَّ ابن المنير قد يجمع المسألتين أو الثلاث تحت عنوان واحد.
- يكتفي بمحل الشاهد من الآية أو الحديث.
- المراد في كلامه بـ: «الشيخ»: أبو الحسن الأشعري (ت 336 هـ)، وبـ: «القاضي»: أبو بكر ابن الطيب الباقلاني (ت 403 هـ)، وبـ: «الأستاذ»: أبو إسحاق الإسفراييني (ت 418 هـ)، وبـ: «الإمام»: الجويني.
- يشير إلى ترجيحات الجويني واختياراته بقوله: «والمختار»، «والحق» ونحو ذلك من العبارات. وإذا عبّر عنها بقوله: واختار الإمام كذا أو «مختار الإمام كذا»، أشعر بأنه مخالف له في تلك المسألة.
- يفرق بين «التحقيق» - معرَّفًا -، و «تحقيق» - منكرا ـ؛ فالأول مرادف للقول المختار، والثاني شد انتباه إلى أهمية المسألة.
- أما مصدره في هذا الكتاب فهو البرهان بطبيعة الحال، وقد اعتمد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
عليه كلياً، لكن يظهر أنه كان يستعين ببعض المصادر المساعدة؛ فقد ثبت لدينا استفادته من شرح الأبياري، ونخمّن أنَّ من موارده كذلك غير شرح الأبياري، وذلك لأنه في مواضع قليلة لم نجد في البرهان، ولا في شرح الأبياري ما يوازي كلامه في المختصر؛ فإما أن يكون ذلك منه أو من مصدر آخر، والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)