وذكرنا النبيذ وما هو(1)، وما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، وما روي عنه عليه السلام: أن أمته تستحل الخمر باسم تسميه إياه(2).
قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ}(3).--------------------------------------------
(1) قال ابن الأثير: وقد تكرر في الحديث ذكر النبيذ، وهو ما يعمل من الأشربة من: التمر، والزبيب، والعسل، والحنطة، والشعير، وغير ذلك، يقال: نبذت التمر والعنب إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذاً، فصرف من مفعول إلى فعيل، وانتبذته: اتخذته نبيذاً، وسواء كان مسكراً أو غير مسكر فإنه يقال له: نبيذ، ويقال للخمر المعتصر من العنب نبيذ كما يقال للنبيذ خمر. … [النهاية في غريب الحديث: 5/ 6].
(2) روى أبو داود في سننه: 3/ 329 باب في الداذي كتاب الأشربة عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها. ورواه ابن ماجة في سننه: 2/ 385 باب العقوبات أبواب الفتن، وأحمد في مسنده: 5/ 342، وابن حبان في صحيحه: 15/ 160، والبيهقي في سننه: 8/ 295 باب الدليل على أن الطبخ لا يخرج هذه الأشربة من دخولها في الاسم والتحريم إذا كانت مسكرة كتاب الأشربة. وروي من طريق رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، رواه النسائي في سننه: 8/ 715 منزلة الخمر كتاب الأشربة، وأحمد في مسنده: 4/ 237.
ومن طريق عائشة رواه الحاكم في المستدرك: 4/ 164 كتاب الأشربة وصححه، والبيهقي في سننه: 8/ 294 الموضع السابق. ومن طريق عبادة بن الصامت رواه ابن ماجة في سننه: 2/ 256 باب الخمر يسمونها بغير اسمها أبواب الأشربة، والبزار في مسنده: 7/ 138، 159. ومن طريق أبي أمامة الباهلي ابن ماجة في سننه: 2/ 256 الموضع السابق.
(3) [سورة المائدة: الآية 90]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1101)
قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: الميسر النرد، ونهى عنها، وقال: هممت أن أوجه إلى ديار قوم هي في بيوتهم، وأحرقها عليهم(1). وقال علي -رضوان الله عليهم-: الشطرنج(2) ميسر العجم(3). وقال ابن عمر: الميسر القمار(4). وقال ابن مسعود: الكعاب(5). وقال القاسم: كل ما ألهى عن ذكر الله عز وجل فهو من الميسر(6). وقال ابن سيرين: كل ما قومر به فهو ميسر(7).--------------------------------------------
(1) سنن البيهقي: 10/ 215 باب كراهية اللعب بالنرد كتاب الشهادات، التمهيد: 13/ 178.
(2) الشَّطْرَنج والشِّطْرَنج - والكسر فيه أجود -: لعبة معروفة، قيل: إنه فارسي معرب، وقيل مأخوذ من الشطارة، وقيل من التشطير. … [لسان العرب: 2/ 308، القاموس المحيط: 250].
(3) مصنف ابن أبي شيبة: 5/ 288 في اللعب بالنرد وما جاء فيه كتاب الأدب، تفسير ابن أبي حاتم: 2/ 391، 4/ 1197، سنن البيهقي: 10/ 212 باب الاختلاف في اللعب بالشطرنج كتاب الشهادات وقال البيهقي: وهذا مرسل، لكن له شواهد، ثم ذكر هذه الشواهد.
(4) الأدب المفرد: 431، تفسير الطبري: 2/ 359، تفسير ابن أبي حاتم: 4/ 1197، سنن البيهقي: … 10/ 213 باب ما يدل على رد شهادة من قامر كتاب الشهادات.
(5) تفسير عبد الرزاق: 1/ 88، مصنفه: 10/ 467، مصنف ابن أبي شيبة: 5/ 288 الموضع السابق، الأدب المفرد: 434، تفسير الطبري: 2/ 357، 358، تفسير ابن أبي حاتم: 2/ 390، 4/ 1196، سنن البيهقي: 10/ 215 باب كراهية اللعب بالنرد كتاب الشهادات، شعب الإيمان: 5/ 238.
(6) تفسير الطبري: 2/ 358، تفسير ابن أبي حاتم: 2/ 391، 4/ 1197، سنن البيهقي: 10/ 217، 218 باب من كره كلما لعب به الناس من الحزة ونحوها كتاب الشهادات، شعب الإيمان: 5/ 242.
(7) مصنف ابن أبي شيبة: 5/ 290 في لعب الصبيان بالجوز، تفسير الطبري: 2/ 358.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1102)
وقال سعيد بن المسيب نحو ذلك(1). وقال مالك بن أنس: كل ما قومر به من شطرنج ونرد وغير ذلك فهو ميسر، وهو القمار، ونهي عن النرد خاصة، وعن الشطرنج إذا قومر بها(2)، وسئل عن الغناء، فقال: إذا كان يوم القيامة أوتي بالحق والباطل، فالغناء مع أيهما يكون، أمع الحق * أو الباطل؟ فحرمه(3). وقال القاسم بن محمد وقد سئل عن الغناء فقال: فماذا بعد الحق إلا الضلال(4).
فالقمار أكل المال بالباطل وهو الميسر في كل شيء كان، وينبغي أن ينتهي العبد عن كل ما ألهى عن ذكر الله عز وجل، وبالله التوفيق.--------------------------------------------
(1) ما وقفت عليه عن سعيد بن المسيب ما رواه مالك في الموطأ: 2/ 507 كتاب البيوع حديث: 65 عن سعيد ابن المسيب قال: من ميسر أهل الجاهلية بيع الحيوان باللحم والشاة والشاتين، ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره: … 2/ 391، 4/ 1198، والبيهقي في سننه: 5/ 297 باب بيع اللحم بالحيوان كتاب البيوع.=
قال القرطبي بعد ذكره لهذا الأثر: وهذا محمول عند مالك وجمهور أصحابه في الجنس الواحد، حيوانه بلحمه، وهو عنده من باب المزابنة، والغرر، والقمار؛ لأنه لا يُدرى هل في الحيوان مثل اللحم الذى أعطى، أو أقل، أو أكثر. … [الجامع لأحكام القرآن: 3/ 54].
(2) الموطأ: 2/ 730 كتاب الرؤيا، المدونة: 4/ 19، تفسير ابن أبي حاتم: 6/ 1951، أحكام القرآن لابن العربي: 3/ 9، تفسير القرطبي: 8/ 337.
* لوحة: 137/أ.
(3) تاريخ دمشق: 27/ 8، تفسير القرطبي: 14/ 52.
(4) سنن البيهقي: 10/ 224 باب الرجل يغني فيتخذ الغناء صناعة كتاب الشهادات، التمهيد: 22/ 199.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1103)
قال الله عز وجل: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا}(1) الآية.
قال البراء: إن هذه الآية نزلت فيمن كان يشرب الخمر قبل التحريم، ومات على ذلك قبل أن تحرم(2). وقال جابر بن عبد الله: اصطبح(3) قوم الخمر، ثم قتلوا شهداء(4).--------------------------------------------
(1) [سورة المائدة: الآية 93]
(2) سنن الترمذي أبواب التفسير سورة المائدة، وقال: هذا حديث حسن صحيح. تحفة الأحوذي: 8/ 419، مسند الطيالسي: 2/ 88، مسند أبي يعلى: 2/ 161، تفسير الطبري: 7/ 37، تفسير ابن أبي حاتم: 4/ 1201، صحيح ابن حبان: 12/ 172، أسباب النزول للواحدي: 210.
(3) اصطبح أي: شربوا الصبوح، وهو ما شرب بالغداة من لبن أوغيره. [لسان العرب: 2/ 503].
(4) صحيح البخاري: 3/ 1036 كتاب الجهاد باب فضل قوله تعالى (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا)، 4/ 1487 كتاب المغازي باب غزوة أحد، 4/ 1688 كتاب التفسير سورة المائدة.
وقد ذكره ابن كثير وعزاه إلى البزار في مسنده عن جابر بن عبد الله قال: اصطبح ناس الخمر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثم قتلوا شهداء يوم أحد، فقالت اليهود: فقد مات بعض الذين قتلوا وهي في بطونهم فأنزل الله هذه الآية. قال البزار: وهذا إسناد صحيح، قال ابن كثير: وهو كما قال ولكن في سياقه غرابة.
[تفسير القرآن العظيم: 2/ 95]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1104)
وقال أنس: إن الذين شربوها قبل التحريم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألوه عما مضى من أفعالهم فنزلت الآية(1). وقد كان قوم شربوها في أيام عمر رضي الله عنه، فكتب إليه يزيد بن أبي سفيان(2) بذلك، فأحضرهم واستتابهم؛ لأنهم تأولوا الآية، فلما تابوا ضربهم للشرب ثمانين ثمانين. واتفق رأي عمر وعلي على ذلك ففعله عمر(3)، فالآية تنبئ بزوال الإثم عمن شربها قبل التحريم، وتوجب أن يكون قوله في المستأنف: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا}(4) مما أحل لهم دون ما حرم، والله أعلم.
قال الله تبارك وتعالى: {لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ}(5).
الذي تناله الأيدي من الطير والفراخ والبيض، وما يؤخذ من الأوكار(6)،--------------------------------------------
(1) ما وقفت عليه من حديث أنس: هو أن الذين شربوها سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عما مضى من أفعال من مات قبل تحريمها. صحيح البخاري: 2/ 869 كتاب المظالم باب صب الخمر في الطريق عن أنس قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، فقال لي: أبو طلحة اخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها فجرت في سكك المدينة، فقال بعض القوم: قد قتل قوم وهي في بطونهم فأنزل الله هذه الآية. ومسلم في صحيحه: 3/ 1570 كتاب الأشربة حديث: 3، وانظر تفسير الطبري: 7/ 37، أسباب النزول للواحدي: 209.
(2) في الأصل: أبو عبيدة، والتصويب من مصادر التخريج.
(3) سبق تخريجه ص: 672.
(4) [سورة المائدة: الآية 93]
(5) [سورة المائدة: الآية 94]
(6) الأوكار: جمع وكر، ووكر الطائر عشه. [لسان العرب: 5/ 292].
* لوحة: 137/ب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1105)
والرماح: فالرمح *، والنَّبْلُ، والنُشَّابَة(1)، والمِعْراض(2)، وغير ذلك مما يصاد به(3)، والله أعلم.
قال الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}(4).--------------------------------------------
(1) النُشَّابة: واحد النُشَّاب، وهي: النبل. [المرجع السابق: 1/ 757].
(2) المِعراض: سهم بلا ريش ولا نصل، وإنما يصيب بعرضه دون حده. [النهاية في غريب الحديث: 3/ 215].
(3) تفسير عبد الرزاق: 1/ 193، تفسير الطبري: 7/ 39، تفسير ابن أبي حاتم: 4/ 1203، أحكام القرآن لابن العربي: 2/ 171، تفسير ابن كثير: 2/ 97.
(4) [سورة المائدة: الآية 95]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1106)
لما كان قتل الصيد باليد والرمح تذكيته، وكان حلالاً في غير الحرم وفي الإحلال، فقيل: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}(1) علم أنه حَرُمَ أكله، فصار بمنزلة الميتة، سواء ذبح المحرم أو قتل؛ لأن الحالين جميعاً تذكية في الصيد؛ لأنه لما قيل: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ}(2) فكلما تناله اليد يذبح، وما تناله بالرمح يقتل، وكانا جميعاً وجوه تذكية الصيد، وحَرَّمَ الصيد على المحرم، عُلم أنه حَرُمَ عليه تذكيته بالوجهين جميعاً واصطياده، فلا فرق بين ما ذبح منه وما قتل، وبين الميتة في التحريم، فإن قال قائل: فلم لا يكون من ذبح بسكين غصبها محرمٌ أكله؟ قيل له: لأن الفساد لم يقع في نفس التذكية، وإنما وقع في غصب السكين، وليس الخطاب في الآلة المذكى بها، ألا ترى أن المجوسي يذكي ويذكر اسم الله فلا تأكل، ويذكي الكتابي فتأكل، وإنما الخطاب في السكين المغصوبة بين الغاصب والمغصوب، اللهم إلا أن يقصد المذكي بالتذكية بالسكين المغصوبة لإفساد الذكاة، فإن فعل ذلك لم تؤكل(3)، والله أعلم.
قال الله عز وجل: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا}(4).--------------------------------------------
(1) [سورة المائدة: الآية 95]
(2) [سورة المائدة: الآية 94]
(3) ماذ كره المؤلف من أن ذبح المحرم للصيد كقتله، وأنه لا يجوز أكله وهو كالميتة، هذا ما ذهب إليه مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي، وحكي عن الشافعي قول في القديم: أنه يحل لغير المحرم أكله.
[أحكام القرآن للجصاص: 2/ 657، أحكام القرآن لابن العربي: 2/ 137، بدائع الصنائع: 5/ 141، المغني: 5/ 139، تفسير القرطبي: 6/ 302، المجموع: 7/ 322].
(4) [سورة المائدة: الآية 95]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1107)
قال قوم من التابعين: يحكم على المتعمد، ولا يحكم على الخاطئ(1). وقال الكثير من المفسرين: يحكم على العامد والمخطئ جميعاً، وممن قال ذلك عمر(2)، وعثمان(3)، وابن عمر(4)، وجماعة من التابعين(5)(6)--------------------------------------------
(1) هذا يروى عن: ابن عباس من الصحابة، ومن التابعين: سعيد بن جبير، وطاوس، ومجاهد، وعطاء، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وهو ما ذهب إليه ابن المنذر، وأهل الظاهر، ورواية عن أحمد، ورجحه ابن جرير. [تفسير عبد الرزاق: 1/ 194، مصنفه: 4/ 392، سنن سعيد بن منصور: 4/ 1620، مصنف ابن أبي شيبة: 3/ 378 من قال عمد الصيد وخطأه سواء كتاب الحج، تفسير الطبري: 7/ 42، 43، تفسير ابن أبي حاتم: 4/ 1205، المحلى: 7/ 215، المغني: 5/ 397، تفسير القرطبي: 6/ 307].
(2) مصنف عبد الرزاق: 4/ 393، مصنف ابن أبي شيبة: 3/ 377 الموضع السابق، تفسير ابن أبي حاتم: … 4/ 1204، أحكام القرآن للجصاص: 2/ 660، سنن البيهقي: 5/ 180 باب قتل المحرم الصيد عمداً أوخطأ كتاب الحج.
(3) أحكام القرآن للجصاص: 2/ 660، زاد المسير: 2/ 422.
(4) لم أقف عليه.
(5) في الأصل: وجماعة من التابعين الصحابة. والصواب ما أثبت.
(6) يروى هذا عن: عطاء، والحسن، وإبراهيم، والحكم، وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء، وهو قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، ورواية عن أحمد. [مصنف عبد الرزاق: 4/ 391، مصنف ابن أبي شيبة: الموضع السابق، تفسير الطبري: 7/ 42، أحكام القرآن للطحاوي: 2/ 277، أحكام القرآن للجصا ص: 2/ 660، سنن البيهقي: الموضع السابق، المغني: 5/ 396، تفسير القرطبي: 6/ 308، تفسير ابن كثير: 2/ 98].
* لوحة: 138/أ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1108)
*. وقال الزهري: جاء القرآن بالجزاء على العامد، والسنة على المخطئ(1). والزهري أعلم الناس بالسنن، ولولا أن الله تبارك وتعالى قال: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا}(2) لكان لا جزاء على المتعمد لقتله، مُشبهاً بقتل المؤمن، فأراد الله تبارك وتعالى التخفيف عن عباده بذكر العمد لئلا يبلغ به حرمة المؤمن، وكان الجزاء بقوله عز وجل: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا}(3) وإنما حرم قتله فلما كان جزاء ما كان المخطئ مكفراً؛ لأن الله عز وجل قال: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً}(4)، ولكن من قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة، فإن قيل: قاتل الخطأ عليه دية وكفارة، قيل له: الدية، ليس على القاتل، وإنما هي على العاقلة، وعليه هو في نفسه الكفارة، ولو كان الصيد مملوكاً فقتله المحرم لكان عليه الجزاء، وعليه قيمته لمالكه.
قال الله عز وجل: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} إلى قوله تبارك وتعالى: {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا}(5).
قال مالك بن أنس رضي الله عنه: ما كان له مثل من النعم حكم بالمثل فيه، في النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الغزال كبش، وما أشبه ذلك، وقال فيما لا مثل له: قيمته(6).--------------------------------------------
(1) تفسير الطبري: 7/ 42، وروى نحوه: عبد الرزاق في تفسيره: 1/ 193، ومصنفه: 4/ 391.
(2) [سورة المائدة: الآية 95]
(3) [سورة المائدة: الآية 96]
(4) [سورة النساء: الآية 92]
(5) [سورة المائدة: الآية 95]
(6) الإشراف للقاضي عبد الوهاب: 1/ 493، الاستذكار: 13/ 274، المنتقى: 2/ 253، أحكام القرآن لابن العربي: 2/ 180، تفسير القرطبي: 6/ 310.
وهذا ما ذهب إليه الشافعي، وأحمد.
[الأم: 2/ 206، أحكام القرآن للكياالهراسي: 3/ 290، المغني: 5/ 401، تفسير ابن كثير: 2/ 99].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1109)
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن المحرم إذا أصاب صيداً فإنما عليه قيمته(1). فتركوا كتاب الله، قال الله عز وجل: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ}(2) والمثل إنما هو في مثل الخلقة *، ولو أريد القيمة لقيل ذلك، وقد حكم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون في النعامة بدنة، أفيظن ظان أن النعامة تثبت قيمتها في القرن الأول والثاني على بدنة؟ ثم قال تأكيداً: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ}(3)، وقد ذكر الله الهدي في غير موضع فقال: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}(4) وساق رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي، وقال: {وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا}(5)(6)، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الضبع، فقال: هي صيد(7) وجعل فيها كبشاً، رواه جابر بن عبد الله(8). وحكم عمر بمثل ذلك(9)، وحكم علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الضبع بمثل ذلك(10)،--------------------------------------------
(1) هذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وأما محمد بن الحسن فوافق الجمهور.
[أحكام القرآن للطحاوي: 2/ 278، أحكام القرآن للجصاص: 2/ 661، بدائع الصنائع: 2/ 198].
(2) [سورة المائدة: الآية 95]
* لوحة: 138/ب.
(3) [سورة المائدة: الآية 95]
(4) [سورة البقرة: الآية 196]
(5) [سورة الفتح: الآية 25]
(6) انظر: أحكام القرآن لابن العربي: 2/ 181.
(7) في الأصل: صيداً، والتصويب من مصادر التخريج.
(8) سنن أبي داود: 3/ 355 كتاب الأطعمة باب أكل الضبع، سنن ابن ماجة: 2/ 196 جزاء الصيد يصيده المحرم أبواب المناسك، مصنف ابن أبي شيبة: 3/ 245 في الضبع يصيده المحرم، مسند أبي يعلى: 2/ 322، صحيح ابن خزيمة: 4/ 182، الأوسط لابن المنذر: 2/ 310، صحيح ابن حبان: 9/ 277، سنن الدارقطني: 2/ 246 المواقيت حديث: 48، المستدرك: 1/ 622 كتاب المناسك وصححه ووافقه الذهبي، سنن البيهقي: 5/ 183 باب فدية الضبع كتاب الحج.
(9) موطأ مالك: 1/ 331 كتاب الحج حديث: 230، الأم: 2/ 192، مصنف عبد الرزاق: 4/ 403، الأوسط لابن المنذر: 2/ 311، أحكام القرآن للطحاوي: 2/ 286، سنن البيهقي: 5/ 183 الموضع السابق.
(10) الأم: 2/ 193، مصنف عبد الرزاق: 4/ 403، مصنف ابن أبي شيبة: 3/ 245 الموضع السابق، سنن البيهقي: 5/ 184 الموضع السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1110)
وابن عباس بمثل ذلك(1)، وقال ابن عباس: قضى عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، ومعاوية: في النعامة بدنة من الإبل(2). ومن التابعين بمثل ذلك(3).
وعمر(4) وابن مسعود(5) حكما في الظبي بكبش. فأما التابعون فكثر ذكر من حكم منهم بالمثل من النعم متبعاً في ذلك الصحابة، ما قال أحد من الصحابة ولا من التابعين إن في شيء من ذلك قيمة، ولو كان الواجب القيمة لما قيل في النعامة بدنة، وفي الضبع والظبي شاة، وفي كذا كذا(6) وفي كذا كذا، حتى ينظر الحكمان إلى النعامة المقتولة ويقومانها، ثم يقومان البعير الذي يحكمان فيه، هذا ما لا يذهب على ذي لب أنه لم يخطر للقوم في وهم، ومع ذلك فقد قالوا: ما لم يبلغ الهدي ففيه ثمنه، وذلك أن الله عز وجل يقول: {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ}(7)--------------------------------------------
(1) الأم: 2/ 192، مصنف عبد الرزاق: 4/ 403، مصنف ابن أبي شيبة: الموضع السابق، الأوسط لابن المنذر: 2/ 311، سنن البيهقي: الموضع السابق.
(2) مصنف عبد الرزاق: 4/ 398 عن عطاء الخراساني عن ابن عباس، وليس فيه ذكر معاوية. وكذلك رواه ابن حزم في المحلى: 7/ 227.
ورواه الشافعي في الأم: 2/ 190 من قول عطاء الخراساني، وفيه: معاوية، قال الشافعي: هذا غير ثابت عند أهل العلم بالحديث. ورواه أيضاً من قول عطاء: ابن أبي شيبة في مصنفه: 3/ 289 في النعامة يصيبها المحرم، وابن حزم في المحلى: 7/ 227، والبيهقي في سننه: 5/ 182 باب فدية النعام وبقر الوحش كتاب الحج.
(3) مجاهد، وعطاء، وأبو عبيدة بن عبد الله، وإبراهيم، وعروة، وطاوس، وسعيد بن المسيب.
[مصنف عبد الرزاق: 4/ 398، مصنف ابن أبي شيبة: الموضع السابق، المحلى: 7/ 227، سنن البيهقي: الموضع السابق].
(4) موطأ مالك: 1/ 331 كتاب الحج حديث: 230، الأم: 2/ 193، مصنف عبد الرزاق: 4/ 401، 403، أحكام القرآن للطحاوي: 2/ 273، سنن البيهقي: 5/ 184 باب فدية الضبع، وباب فدية الغزال كتاب الحج، معالم التنزيل: 3/ 98.
(5) الاستذكار: 13/ 284.
(6) في الأصل: وفي كذا وكذا. والصواب ما أثبت.
(7) [سورة المائدة: الآية 95]
* لوحة: 139/أ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1111)
ففيه {صِيَامًا}، فإذا أصاب * المحرم من الصيد ما لا يكون له مثل من النعم، مثل: الشاة وما فوقها، حكم في ذلك بالطعام أو الصيام، يقيم ذلك بالطعام أو الدراهم، ثم يردها إلى الطعام، فإن عجز عن الطعام صام مكان كل مد يوماً، ذلك قول مالك، وأهل المدينة(1). وقال آخرون: مكان كل مدين يوماً، وهم أهل العراق(2)، وكلٌ بنى ذلك على أصوله، وكلا الفريقين قاله المفسرون(3).
قال الله تبارك وتعالى: {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ}(4).
اختلف السلف في ذلك، فقال قوم: {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} قبل التحريم {وَمَنْ عَادَ} بعد التحريم. وقال آخرون: {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} يعني القتلة الأولى، التي أوجب فيها الجزاء. فمن قال بالأول على العامد الجزاء كلما عاد(5)،--------------------------------------------
(1) وهو مذهب الجمهور أيضاً: الموطأ: 1/ 288، المدونة: 1/ 444، النوادر والزيادات: 2/ 480، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: 1/ 495، المغني: 5/ 417، تفسير القرطبي: 6/ 315، تفسير ابن كثير: 2/ 100.
(2) أحكام القرآن للطحاوي: 2/ 286، أحكام القرآن للجصاص: 2/ 668.
(3) تفسير الطبري: 7/ 57، تفسير ابن أبي حاتم: 4/ 1208، أحكام القرآن للجصاص: 2/ 668.
(4) [سورة المائدة: الآية 95]
(5) هذا يروى عن: عطاء، ومجاهد، وإبراهيم، وسعيد بن جبير، والحسن.
الأم: 2/ 184، مصنف عبد الرزاق: 4/ 390 - 393، سنن سعيد بن منصور: 4/ 1620، مصنف ابن أبي شيبة: 3/ 423 المحرم يصيب الصيد فيحكم عليه، تفسير الطبري: 7/ 58، تفسير ابن أبي حاتم: 4/ 1209، معرفة السنن والاثار: 7/ 399.
وإليه ذهب الجمهور: أحكام القرآن للجصاص: 2/ 668، معالم التنزيل: 3/ 98، تفسير القرطبي: 6/ 308، تفسير ابن كثير: 2/ 100.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1112)
ومن قال بالقول الثاني قال: الانتقام في الآخرة، ولا جزاء عليه في الأول أولاً(1)؛ لأن الله عز وجل في سائر ما حرم قال: {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ}(2) يريد ما كان قبل نزول التحريم، والذين حملوه على الانتقام عقوبة، وقد قال الله عز وجل: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}(3) فكان مُخرق الثوب عليه قيمته، وقال عز وجل: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}(4) فمن خرق ثوباً ألزم قيمته، وقد قال الله عز وجل حين أوجب الجزاء: {لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ}(5) بالجزاء: {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ}(6) قبل التحريم: {وَمَنْ عَادَ}(7) بعد التحريم: {فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ}(8) بالجزاء، هذه عقوبته وانتقامه، وذلك في أول مرة، فقتل في الحرم وهو محرم الصيد، فإذا جعل أن ذلك عطفاً على: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} * إلى قوله عز من قائل: {لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ}(9) وينتقم الله بذلك العزم منه، والله أعلم.--------------------------------------------
(1) أي: لم يحكم عليه بالكفارة في المرة الأولى، وهذا يروى عن: ابن عباس، وشريح، وإبراهيم، والشعبي، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن، وقتادة. [مصنف عبد الرزاق: 4/ 391 - 393، مصنف ابن أبي شيبة: الموضع السابق، تفسير الطبري: 7/ 60، أحكام القرآن للطحاوي: 2/ 288، تفسير ابن أبي حاتم: 4/ 1209].
(2) [سورة المائدة: الآية 95]
(3) [سورة البقرة: الآية 194]
(4) [سورة الشورى: الآية 40]
(5) [سورة المائدة: الآية 95]
(6) [سورة المائدة: الآية 95]
(7) [سورة المائدة: الآية 95]
(8) [سورة المائدة: الآية 95]
* لوحة: 139/ب.
(9) [سورة المائدة: الآية 95]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1113)
قال الله عز وجل: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}(1).
هذه الآية لم يحكم أبو بكر في قاتل الصيد حتى دعا أُبَيّاً، فحكما جميعاً(2). وعمر رضي الله عنه دعا عبد الرحمن بن عوف، فاجتمعا وحكما(3). وقال التابعون مثل ذلك(4). وقال مالك: من أصاب صيداً يعلم ما فيه فلا يهدي ولا يطعم إلا بعد أن يُحكِّم حكمين، فيَحكُمان عليه، فما حكما به فعله، ولا أعلم في ذلك اختلافاً فيما تقدم(5)، والله أعلم.
قال الله عز وعلا: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ}(6)--------------------------------------------
(1) [سورة المائدة: الآية 95]
(2) تفسير ابن أبي حاتم: 4/ 1206، وعزاه السيوطي في الدر: 2/ 329 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(3) موطأ مالك: 1/ 331 كتاب الحج حديث: 231، الأم: 2/ 207، مصنف عبد الرزاق: 4/ 406، تفسير الطبري: 7/ 48، 50، تفسير ابن أبي حاتم: 4/ 1206، المستدرك: 3/ 350 كتاب المناقب، سنن البيهقي: 5/ 180 باب جزاء الصيد بمثله من النعم يحكم به ذوا عدل من المسلمين كتاب الحج.
(4) شريح، وإبراهيم، وعطاء، ومقاتل بن حيان، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله.
[تفسير الطبري: 7/ 49، تفسير ابن أبي حاتم: 4/ 1206، 1207، أحكام القرآن للجصاص: 2/ 665].
(5) ذهب مالك? رحمه الله? إلى استئناف الحكومة في كل ما يصيب المحرم، وإن كان قد حكم في مثله الصحابة، ووافقه على هذا أبو حنيفة، وذهب الشافعي وأحمد إلى اتباع ما حكمت به الصحابة، وما لم يحكم فيه فيرجع فيه إلى حكمين عدلين. [النوادر والزيادات: 2/ 479، أحكام القرآن للجصاص: 2/ 665، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: 1/ 495، المغني: 5/ 404، تفسير القرطبي: 6/ 313، روضة الطالبين: 3/ 157، تفسيسر ابن كثير: 2/ 99].
(6) [سورة المائدة: الآية 96]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1114)
صيد البحر ما صيد وهو حي، وطعامه ما مات فيه، أو قذفه البحر فمات، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: هو الطهور ماؤه الحل ميتته(1). وقال عليه السلام: أحلت لنا(2) ميتتان: الحيتان والجراد(3). وقال أبو بكر(4)، وعمر(5)، وسائر من انتهى إلينا كلامه في الآية مثل ذلك(6)،--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه ص: 608.
(2) في الأصل: لي، والتصويب من مصادر التخريج.
(3) سبق تخريجه ص: 607.
(4) تفسير عبد الرزاق: 1/ 194، مصنفه: 4/ 503، تفسير الطبري: 7/ 65، تفسير ابن أبي حاتم: 4/ 1212، سنن البيهقي: 9/ 253 باب ما لفظ البحر وطفا من ميته كتاب الصيد والذبائح.
(5) مصنف عبد الرزاق: 4/ 433، سنن سعيد بن منصور: 4/ 1629، تفسير الطبري: 7/ 65، سنن البيهقي: 9/ 254 الموضع السابق.
(6) أبو هريرة، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعكرمة، وإبراهيم، والحسن، وسعيد بن المسيب، وغيرهم.
انظر: المراجع السابقة في تخريج الأثرين، وموطأ مالك: 2/ 395 كتاب الصيد، مصنف ابن أبي شيبة: 4/ 254 ما قذف به البحر وجزر عنه الماء كتاب الصيد، سنن الدارقطني: 4/ 270 باب الصيد والذبائح، المحلى: 7/ 397. وهذا مذهب الجمهور: المغني: 2/ 102، تفسير القرطبي: 6/ 319، تفسير ابن كثير: 2/ 102.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1115)
إلا شيء شذ قائله، وضعف راويه، والله أعلم، فإنه فرق بين ما قذفه البحر فمات، وبين ما مات في البحر، وهذا قول لا أعرف وجهه(1)،--------------------------------------------
(1) روى أبو داود في سننه: 3/ 358 كتاب الأطعمة باب في أكل الطافي من السمك عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه. قال أبو داود: روى هذا الحديث سفيان الثوري، وأيوب، وحماد عن أبي الزبير أوقفوه على جابر، وقد أسند هذا الحديث أيضاً من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم. ا. هـ. ورواه ابن ماجة في سننه: 2/ 227 باب الطافي من صيد البحر أبواب الصيد، والدارقطني في سننه: 4/ 267 باب الصيد حديث: 7، 8، والبيهقي في سننه: 9/ 255 باب من كره أكل الطافي كتاب الصيد والذبائح، وضعفه.
وقد ضعف هذا الحديث، وأعله، ورجح وقفه جمع من أهل العلم. علل ابن أبي حاتم: 2/ 49، المحلى: 7/ 396، شرح النووي على صحيح مسلم: 13/ 128، فتح الباري: 9/ 765.
وممن روي عنه كراهية أكل الطافي من السمك: ابن عباس، وعلي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وجابر بن زيد، وطاوس، وابن سيرين، والحسن، وسعيد بن المسيب، وأصحاب الرأي، قال الجصاص بعد ذكره لأقوال السلف في هذه الآية: فإن قال قائل هذا يدل على إباحة الطافي؛ لأنه قد انتظم ما صيد منه وما لم يصد، والطافي لم يصد، قيل له: إنما تأول السلف قوله: (وطعامه) على ما قذفه البحر، وعندنا أن ما قذفه البحر ميتاً فليس بطاف، وإنما الطافي ما يموت في البحر حتف أنفه، فإن قيل قالوا: ما قذفه البحر ميتاً، وهذا يوجب أن يكون قد مات فيه ثم قذفه، وهذا يدل على أنهم قد أرادوا به الطافي. قيل له: وليس كل ما قذفه البحر ميتاً يكون طافياً؛ إذ جائز أن يموت في البحر بسبب طرأ عليه فقتله من برد أو حر أو غيره فلا يكون طافياً.
وقد أجاب عن هذا ابن حزم حيث قال: لا يطفو الحوت أصلا إلا حتى يموت أو يقارب الموت فإذا مات طفا ضرورة ولا بد، فتخصيصهم الطافي بالمنع وإباحتهم ما مات في الماء تناقض.
[مصنف عبد الرزاق: 4/ 505، تفسير الطبري: 7/ 68، أحكام القرآن للجصاص: 1/ 152، 2/ 672، المحلى: 7/ 394 - 398، تفسير القرطبي: 6/ 318].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1116)
وقد أكل النبي صلى الله عليه وسلم من ما قذفه البحر لما أتاه به أبو عبيدة(1)(2)، ولما كانت الآية مخاطبة للمحرمين كان للحلال أجوز وأحل، فأحل للمحرم صيد البحر، ومنعه عمر من الجراد، وأوجب الناس فيه(3)، ومُنع من صيد البر.
واختلف * الناس في صيد البر إذا صاده المحل فذكاه، هل يأكل المحرم منه؟ فقال قوم: لا يأكل(4).--------------------------------------------
(1) عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال القرشي الفهري، أبو عبيدة بن الجراح، مشهور بكنيته، وبالنسبة إلى جده، أحد العشرة السابقين إلى الإسلام، ممن هاجر الهجرتين، شهد بدراً وما بعدها، انتزع الحلقتين من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فسقطت ثنيا أبي عبيدة، سماه النبي صلى الله عليه وسلم: أمين هذه الأمة، مات في طاعون عمواس بالشام سنة 18 هـ. [الاستيعاب: 3/ 2، الإصابة: 2/ 252].
(2) صحيح البخاري: 4/ 1585 باب في غزوة سيف البحر كتاب المغازي، 5/ 2093 باب قول الله تعالى: (أحل لكم صيد البحر) كتاب الذبائح والصيد، وفيه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كلوا رزقاً أخرجه الله، أطعمونا إن كان معكم، فأتاه بعضهم بعضو منه فأكله)، ورواه مسلم في صحيحه: 3/ 1535 كتاب الصيد والذبائح حديث: 17.
(3) الأم: 2/ 195، مصنف عبد الرزاق: 4/ 410، سنن البيهقي: 5/ 206 باب ما ورد في جزاء ما دون الحمام كتاب الحج.
* لوحة: 140/أ.
(4) هذا يروى عن: علي، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، وطاوس، والحسن، وسعيد بن جبير.
مصنف عبد الرزاق: 4/ 426، مصنف ابن أبي شيبة: 3/ 294 من كره أكله للمحرم، تفسير الطبري: 7/ 70، شرح معاني الآثار: 2/ 168، تفسير ابن أبي حاتم: 4/ 1213، سنن البيهقي: 5/ 194 المحرم لا يقبل ما يهدى له من الصيد كتاب الحج.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1117)
وقال قوم آخرون: يأكل(1)، وهو قول مالك(2)؛ لأن الله عز وجل حَرَّمَ على المحرم الصيد والقتل، ولم يحرم عليه(3) كل ما كان صاده في الحل، وذكاه قبل الإحرام؛ لأنه قد صار لحماً ليس بصيد، والله أعلم.
قال الله عز وجل: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ}(4).--------------------------------------------
(1) هذا يروى عن: عمر، وأبي هريرة، والزبير بن العوام، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، وهو ما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه من إباحة الإكل مطلقاً، ويحملون الأحاديث الواردة في التفريق بين ما صيد للمحرم ومالم يصد له على أن المراد (أن يصاد لكم بأمركم).
[الحجة لمحمد بن الحسن: 2/ 150، شرح معاني الآثار: 2/ 175، أحكام القرآن للجصاص: 2/ 675، المبسوط: 4/ 87، تفسير القرطبي: 6/ 322].
(2) ما ذكره المؤلف عن مالك ليس على إطلاقه، بل فيه تفصيل، فالمعروف من مذهب مالك وأصحابه التفريق بين ما صاده الحلال للمحرم أو من أجله، وبين ما لم يصد له ولا من أجله.
وهذا ما ذهب إليه الشافعي، وأحمد، والمروي عن عثمان رضي الله عنه.
[المدونة: 1/ 443، النوادر والزيادات: 2/ 465، الإشراف للقاضي عبد الوهاب: 1/ 499، الاستذكار: 11/ 273، المغني: 5/ 135، تفسير القرطبي: 6/ 321، المجموع: 7/ 345، تفسير ابن كثير: 2/ 103].
(3) في الأصل: عليهما، والصواب ما أثبت.
(4) [سورة المائدة: الآية 97]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1118)
قبلة لهم، وعصمة في أمر دينهم ما تمسكوا بذلك، وشدة في الدين، وصلاحاً لهم(1)؛
إذ كانت الصلاة عماد الدين، قال عمر رضي الله عنه: ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة(2).--------------------------------------------
(1) ذكر أهل التفسير في معنى قوله (قياماً) أقوالاً منها: صلاحاً لدينهم، أمناً لمن توجه إليها، وقيل: قياماً لدينهم ومعالم حجهم فلا يزال الدين في الأرض ما حجت واستقبلت، وقيل: قياماً للناس أي: مما أمروا به أن يقوموا بالفرض فيه من المناسك، وقيل: قياماً لمعاشهم ومكاسبهم بما يحصل لهم من التجارة عندها، قال ابن جرير بعد ذكره لبعض هذه المعاني: وهذه الأقوال وإن اختلفت من قائلها ألفاظها فإن معانيها آيلة إلى ما قلنا في ذلك من أن القوام للشيء هو: الذي به صلاحه، كالملك الأعظم قوام رعيته ومن في سلطانه؛ لأنه مدبر أمرهم وحاجز ظالمهم عن مظلومهم، والدافع عنهم مكروه من بغاهم وعاداهم، وكذلك كانت الكعبة، والشهر الحرام، والهدي، والقلائد قوام أمر العرب الذي كان به صلاحهم في الجاهلية، وهي في الإسلام لأهله: معالم حجهم ومناسكهم، ومتوجههم لصلاتهم، وقبلتهم التي باستقبالها يتم فرضهم. [مجاز القرآن: 1/ 177، تفسير الطبري: 7/ 77، معاني القرآن للزجاج: 2/ 210، معاني القرآن للنحاس: 2/ 365، أحكام القرآن لابن العربي: 2/ 208، زاد المسير: 2/ 430].
(2) جزء من حديث سبق تخريجه ص: 623.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1119)
قال الله تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}(1) الآية.
قال سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن أعظم المسلمين في(2) المسلمين جرماً(3) من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم عليهم من أجل مسألته(4). وقال(5): كانوا يسألون عن الشيء وهو لهم حلال، فما يزالون يسألون عنه حتى يحرم عليهم، فإذا حرم عليهم وقعوا … فيه(6). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذروني ما تركتم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على(7) أنبيائهم، ما نهيتكم عنه فانتهوا، وما أمرتكم(8) به فأتوا منه ما استطعتم(9).--------------------------------------------
(1) [سورة المائدة: الآية 101]
(2) في الأصل: على، والتصويب من مصادر التخريج.
(3) الجُرْم: الذنب. [النهاية في غريب الحديث: 1/ 262].
(4) صحيح البخاري: 6/ 2658 كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب ما يكره من السؤال وتكلف مالا يعنيه، صحيح مسلم: 4/ 1831 كتاب الفضائل حديث: 132، 133.
(5) أي: سعد بن أبي وقاص.
(6) مسند البزار: 4/ 63، وعزاه السيوطي في الدر: 2/ 336 إلى ابن المنذر.
(7) في الأصل: في، والتصويب من مصادر التخريج.
(8) في الأصل: أمركم، والتصويب من مصادر التخريج.
(9) جزء من حديث أبي هريرة عند مسلم، وقد سبق تخريجه ص: 334.
* لوحة: 140/ب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1120)