المنتخب من حديث شيوخ بغداد (أبو حيان الأندلسي)القسم: كتب السنة
الكتاب: المنتخب من حديث شيوخ بغداد
للإمام الحافظ العلاء محمود بن أبي بكر الفرضي البخاري (ت 700 هـ)
تخريج: جمال الدين ابن الظاهري (ت 696 هـ)
انتخاب: أبي حيان الأندلسي (ت 745 هـ)
تحقيق ودراسة: رياض حسين عبد اللطيف الطائي
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، 1433 هـ - 2012 م
عدد الصفحات: 263
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 2 ذو الحجة 1446
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)
مقدمة التحقيق
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد:
فإن الكلام عن هذا الكتاب يعني الكلام عن بغداد. . . نشأتي، وسني حياتي، وأهلي وأحبتي ممن هم اليوم على ظاهر الأرض أو واراهم ترابها.
عن حياتي في مساجدها، ومدارسها، وشوارعها، وأزقتها. . .
أحن إلى تلك البلاد وأهلها … كأني أسير في السلاسل راهن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 5)
بلاد بها أهلي ولهوي ومولدي … جرت لي طيور السعد فيها الأيامن
إذا برقت نحو «البلاد» غمامة … دعا الشوق مني برقها المتيامن
وما إن خرجنا رغبة عن بلادنا … ولكنه ما قدر الله كائن
نعم، هي بغداد «أم الدنيا وسيدة البلاد»(1)، تلك المدينة الناعمة الدافئة التي امتحنت منذ نشأتها الأولى بالجمال والغنى والعافية، والتي ما برحت أنموذجا دائما للعبرة عما تعانيه الثقافة من هجمات جاهلية؛ تروم طمس كل نور تشعه أمثال هذه المنارات العظيمة.
وقد كانت هذه المدينة الراسخة القدم في العراقة، الثابتة الأصل في الحضارة، تنفض وعثاء الزيف عن مرآتها كلما عكرت صفوها النائبات، لتنهض كالشمس كرة بعد كرة، فتكون - كما اختار الله تعالى لها ولأخواتها من حواضر العالم الإسلامي - قبلة لرواد المعرفة وحجاج العلم.
وقد ننسى - وللأسف - هذه الروح الصامدة الصامتة التي تتمتع بها بلدان العالم الإسلامي عموما، وحواضره مراكز العلم والمعرفة خصوصا، تلك الروح التي جعلت من هذه الحواضر مضغة عصية على المضغ بين فكي المحن على شراسة تكالبها عليها؛ ننسى هذا في مقابل ما تركز عليه من حلكة الظلام الزائف الذي تزوره في عيوننا غيمة رعناء، تهب تارة من الشرق - كما حل ببغداد قديما - أو سحابة خاوية تتمطى على حدود آفاقنا من الغرب - كما حل ببغداد حديثا - ويأبى الحق إلا--------------------------------------------
(1) وصفها بذلك ياقوت في «معجم البلدان» 1/ 456.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 6)
أن يتم نوره.
أقول هذا لما درج عليه الكتاب المعاصرون من الوقوف عند حادثة سقوط بغداد جريحة - ولا أقول صريعة كما يزعمون! - بيد مغول الشرق سنة (656 هـ)، وكأن هذه الحادثة كانت نهاية مجد هذه المدينة المتينة وآخر شوط في سعيها إلى الخلود، غاضين الطرف عن نهضتها التي كانت بعد تلك الحادثة بسنوات قلائل، حيث عادت إليها بهجة العلم ورونق المدارس ونضرة المجالس، وعاد طلاب العلم إلى قصدها فوجا بعد فوج؛ مدركين أنها إن كانت قد سلبت أبهة الملك ورفعة السلطان؛ فإنها لم تفقد - البتة - عزة الدين وهيبة العلم.
وبعد … فلا مفر من البشرى، فعند مطالعتي لمخطوطة هذا الكتاب ترسخ التفاؤل في ضميري بأن تعود بغداد - بعد أن التهمها اليوم «مغول الغرب» ونهشوا ثوبها - كما كانت؛ مروج حضارة، ورياض مجد، وجنة علم. وهذا العهد بها؛ سرعة النهوض بعد الكبوات، وتدارك الخطى بعد العثرات، وعمارة العلم بعد النائبات.
وبالله تعالى الأمل أن يردها إلينا وأن يردنا إليها، {والله غالب على أمره} [يوسف: 1/ 21].
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما … يظنان كل الظن أن لا تلاقيا
من أجل ذلك عزمت على تحقيق هذا الكتاب رغبة مني في خدمة مدينتي الحبيبة، التي طالما جمعتني فيها هموم وهمم شاطرني حملها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 7)
بعض من طلبة العلم ورواده في خدمة بغداد من خلال تحقيق ودراسة ما يتعلق بها من مصنفات ومؤلفات.
وها هو كتاب «المنتخب من حديث شيوخ بغداد» في سلسلة هذه ثاني حلقاتها، بعد تحقيقي لكتاب «المشيخة البغدادية» للرشيد ابن مسلمة رحمه الله أقدمه للمكتبة العربية والإسلامية، عسى أن أكون موفقا في إخراجه بهذه الصورة.
وقبل أن أفارق قلمي؛ أرى أن من واجبي الأدبي والأخلاقي أن أعطف بكلامي؛ منوها ومذكرا بما قام به الأخ الوفي والشيخ الألمعي محمد بسام حجازي من جهد في إعانتي على مقابلة الكتاب ومراجعته وتقويم ما ند لي من عبارات وكلمات، وما قدمه لي من نصح يدل على كريم جنابه ونبيل أخلاقه.
والحمد لله أولا وآخرا، ظاهرا وباطنا.
وكتبه
رياض حسين الطائي البغدادي
حلب الشهباء
بعد عصر يوم الأربعاء
22 رجب 1430
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 8)
الفصل الأول دراسة الكتاب
* أولا - الحالة السياسية والعلمية:
شهد العالم الإسلامي عامة والعراق خاصة فاجعة لم يعرف التاريخ البشري لها مثيلا، بل لم يصب الإسلام وأهله بمثلها قط، (حديث يأكل الأحاديث، وخبر يطوي الأخبار، وتاريخ ينسي التواريخ، ونازلة تصغر كل نازلة، وفادحة تطبق الأرض، وتملؤها ما بين الطول والعرض)(1).
ففي شهر صفر من سنة 656 هـ(2)، اكتسح التتار بجيوشهم الكافرة الفاجرة أرض العراق، واستولوا على عاصمة الخلافة العباسية بغداد،--------------------------------------------
(1) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 467، و «سمط النجوم العوالي» 3/ 522.
(2) دخل المغول بغداد في 7 صفر تحديدا. انظر: «محنة الإسلام الكبرى أو: زوال الخلافة العباسية من بغداد على أيدي المغول». تأليف: د. مصطفى طه بدر ص 177.
ومن عجائب تقدير الله تعالى أن كان دخول جيوش الكفر والضلال الأمريكية ببغداد في 7 صفر من عام 1424 هـ، وهو الموافق ليوم 9/ 4/ 2003 م!! فلله الأمر من قبل ومن بعد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 9)
أعانهم على ذلك خيانة، وحقد دفين، مع ضعف في أواصر الأمة، وسوء تدبير ولاتها، واضمحلال أسباب التمكين فيها: {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم} [الأنفال: 53].
دخل التتار العراق، وقتلوا الخليفة المستعصم بالله رحمه الله وجميع من معه من مساعديه وقواده، وقتلوا كثيرا من العلماء والقضاة والأعيان، ودمروا المساجد والمدارس والبيوت، ووضعوا السيف في الناس.
قال ابن كثير، وهو يصف ما فعله المغول في بغداد: قتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان(1)، ودخل كثير من الناس في الآبار، وأماكن الحشوش، وقني الوسخ، وكمنوا كذلك أياما لا يظهرون.
وكان الفئام من الناس يجتمعون إلى الخانات ويغلقون عليهم الأبواب فتفتحها التتار إما بالكسر وإما بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي المكان فيقتلونهم في الأسطحة، حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.--------------------------------------------
(1) قال الذهبي في (تاريخ الإسلام) (14/ 73 - بشار): واستمر القتل والسبي في بغداد بضعا وثلاثين يوما، ولم ينج إلا من اختفى. فبلغنا أن هولاكو أمر - بعد ذلك بعد القتلى فبلغوا ألف ألف وثمانمئة ألف وكسر. والأصح أنهم بلغوا ثمانمئة ألف. ثم نودي - بعد ذلك - بالأمان، وظهر من كان قد تخبأ وهم قليل من كثير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 10)
وكذلك في المساجد والجوامع والربط، ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى، ومن التجأ إليهم، وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي(1)، وطائفة من التجار أخذوا لهم أمانا، بذلوا عليه أموالا جزيلة حتى سلموا وسلمت أموالهم.
وعادت بغداد بعدما كانت أنس المدن كلها كأنها خراب ليس فيها أحد إلا القليل من الناس، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة(2).
وقال السبكي: هذه بغداد لم تكن دار كفر قط جرى عليها هذا الذي لم يقع منذ قامت الدنيا مثله وقتل الخليفة، وإن كان وقع في الدنيا أعظم منه إلا أنه أضيف له هوان الدين والبلاء الذي لم يختص بل عم سائر المسلمين. وهذا أمر قدره الله تعالى، فثبط له عزم هذا الخليفة ليقضي الله ما قدره(3).--------------------------------------------
(1) قال السبكي في «الطبقات» 8/ 273 - 274: وأما الوزير فإنه لم يحصل على ما أمل، وصار عندهم أخس من الذباب وندم حيث لا ينفعه الندم. ويحكى أنه طلب منه يوما شعيرا فركب الفرس بنفسه ومضى ليحصله لهم، وهذا يشتمه، وهذا يأخذ بيده، وهذا يصفعه، بعد أن كانت السلاطين تأتي فتقبل عتبة داره، والعساكر تمشي في خدمته حيث سار من ليله ونهاره، وأن امرأة رأته من طاق، فقالت له: يا ابن العلقمي! هكذا كنت تركب في أيام أمير المؤمنين؟! فخجل وسكت، وقد مات غبنا بعد أشهر يسيرة، ومضى إلى دار مقبره ووجد ما عمل حاضرا. اهـ.
(2) «البداية والنهاية» 17/ 359 - 360.
(3) «طبقات الشافعية» 8/ 272.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 11)
وسقطت بغداد عاصمة الخلافة العباسية، ودمرت معالمها الحضارية وصروحها العلمية، وخضعت لحكم المغول الإلخانيين لغاية عام (737 هـ).
ثم إن هولاكو أمر - قبل أن يغادر بغداد بإصلاح بعض المباني العامة، فأعيد بناء دار الخلافة وجامعها، كما أعيدت المدارس والربط، وبدأت الحياة في بغداد تدب شيئا فشيئا.
وكان أن أسندت ولاية بغداد والعراق سنة (657 هـ) إلى صاحب الديوان علاء الدين عطا ملك الجويني(1)، وقد كان عادلا حسن السيرة فاضلا، له إحسان إلى العلماء والفضلاء، فصرف همه إلى تعمير ما خربه المغول، وأعاد إلى بغداد عمارتها، وأزال عن أهلها ما نالهم، ووجدوا--------------------------------------------
(1) عطا ملك بن محمد بن محمد، الأجل، علاء الدين الجويني، صاحب الديوان. كان ذا كرم وسؤدد وخبرة بالأمور وعدل ورفق بالرعية وعمارة البلاد، وكان له نظر في العلوم العقلية والأدبية. وبالغ بعض الناس فقال: كانت بغداد أيام الصاحب علاء الدين أجود ما كانت أيام الخليفة! توفي سنة (681 هـ).
ترجمته في: «تلخيص مجمع الآداب» 2/ 1034، و «تاريخ الإسلام» للذهبي 15/ 453، والسير - الجزء المفقود (17/ 353: التوفيقية)، والوافي بالوفيات للصفدي 20/ 84، و «فوات الوفيات» لابن شاكر الكتبي 2/ 452، و «تاريخ العراق بين احتلالين» للأستاذ المحامي عباس العزاوي رحمه الله 1/ 309. وقد أفرده بالترجمة: الدكتور محمد السعيد جمال الدين في كتابه «علاء الدين عطا ملك الجويني حاكم العراق بعد انقضاء الخلافة العباسية في بغداد».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 12)
به راحة، فرممت في عهده المدارس كالمستنصرية والنظامية، بل إنه كان يحضر بعض الدروس فيها، وأعيد بناء مئذنة جامع الخليفة، وأمر ببناء الربط، وأعيدت عمارة مسناة جامع قمرية بالجانب الغربي، وأكملت عمارة الشيخ معروف الكرخي، وغير ذلك.
وقد بقيت بغداد خاضعة لحكم المغول الإلخانيين لغاية عام (737 هـ).
وفي ظل ما وقع لبغداد من مآس وفتن، انعكس ذلك على الحالة العلمية لبغداد، فبعد أن كانت حاضرة العلم والمعرفة، وقبلة المحدثين والفقهاء والعلماء؛ نالها ما نالها من الخراب والدمار والقتل والتهجير.
إلا أنها سرعان ما نهضت من كبوتها، ونفضت غبار الفتنة التي غشيتها، فعمرت المساجد والمدارس، وعاد النشاط العلمي إلى كثير من صروحها العلمية. بل عاد كثير من علمائها إلى مزاولة التدريس في دور القرآن والحديث.
ولعل الناظر في حال شيوخ كتابنا هذه يتلمس هذا الواقع الطيب، فقد عاشوا - كلهم أو جلهم - هذه الحقبة من تاريخ بغداد والعراق، وكان منهم الفقيه والمحدث والأديب، وغير ذلك، مما جعل إماما كالحافظ أبي العلاء البخاري الفرضي يرحل إلى بغداد، ويسمع من علمائها، ويذكرهم في «مشيخته»، التي صنع منها الإمام أبو حيان الأندلسي هذا المنتخب، وما ذاك إلا لما تتمتع به هذه المدينة المعطاء من مزية يخصها العلماء بالذكر والتصنيف والتأليف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 13)
* ثانيا - ترجمة الحافظ أبي العلاء الفرضي (1):
- اسمه ونسبه:
هو شمس الدين، أبو العلاء، محمود بن أبي بكر بن أبي العلاء بن علي بن أبي العلاء البخاري، الكلاباذي، الحنفي، الصوفي، الإمام، الحافظ، المحدث، الفرضي.
- مولده، ونشأته، وطلبه العلم:
ولد الحافظ أبو العلاء الفرضي ليلة الأربعاء مستهل جمادى--------------------------------------------
(1) ترجمته في: «المقتفي» للبرزالي 3/ 129 (278)، و «معجم الشيوخ» للذهبي 2/ 338 (915)، و «المعجم المختص» ص 278 (357)، و «تاريخ الإسلام» (15/ 961: بشار، و 52/ 490: تدمري) (وفيات سنة 700)، و «المعين في طبقات المحدثين» ص 224 (2318)، و «العبر» 5/ 412، و «تذكرة الحفاظ» 4/ 1502، و «السير - الجزء المفقود» (17/ 120: التوفيقية)، و «أعيان العصر وأعوان النصر» للصفدي 5/ 365 (1836)، و «الجواهر المضية لابن أبي الوفاء 3/ 453 (1637)، و «مرآة الجنان» لليافعي 4/ 176، و «التبيان لبديعة البيان» لابن ناصر الدين 3/ 1451 (1191)، و «توضيح المشتبه» له 6/ 229، و «منتخب المختار» للفاسي (182)، و «الدرر الكامنة» 4/ 342 (931)، و «عقد الجمان» 4/ 147، و «تاج التراجم» ص 286 (272)، و «السلوك» 2/ 343، و «المنهل الصافي»، ومختصره «الدليل الشافي» 2/ 721 (2463)، و «النجوم الزاهرة» 8/ 157، و «شذرات الذهب» 7/ 798، و «الطبقات السنية»، و «الفوائد البهية» للكنوي ص 345 (458)، و «كشف الظنون» 2/ 1249، 1735، و «إيضاح المكنون» 1/ 417 و 2/ 185، 486، و «هدية العارفين» 2/ 406، و «الأعلام» للزركلي 7/ 166، و «معجم المؤلفين» لكحالة 3/ 801 (16553).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)
الآخرة، عام 644 هـ(1)، بمحلة كلاباذ بخارى.
وتفقه بها، وسمع بها بعد سنة 670 هـ وما حولها الحديث من أبي بكر بن محمد بن أحمد التوبني، وأبي الفضل محمد بن أحمد بن نصر الحارثي، وأبي نصر أحمد بن محمد بن أبي بكر المعصفر، وهم من أصحاب أبي رشيد الغزال، ثم دخل بغداد سنة بضع وسبعين، فسمع بها من محمد بن يعقوب بن الدينة وآخرين، وأقام بها مدة يسمع ويصنف ويكتب، وسمع بالموصل من الموفق الكواشي أحمد بن يوسف بن الحسن المفسر، وسمع بمرو، وأبيورد، وهوامند من بلاد خوارزم، وسرخس، والدامغان، وبماردين ودنيسر، ثم دخل دمشق سنة 684 هـ فسمع بها من ابن شيبان، وابن البخاري، وابن مؤمن، وابن العماد، وزينب بنت مكي، ثم دخل مصر سنة 687 هـ فسمع بها من خطيب المزة، وغازي الحلاوي، وابن حمدان، والأبرقوهي، والبرجي.
وحج سنة 697 هـ.
وقد كان واسع الرحلة، بلغ عدد شيوخه بالسماع سبعمئة وخمسين شيخا.
- صفاته الخلقية والخلقية:
كان رحمه الله أشقر، ربع القامة، وافر اللحية، كبير الهامة،--------------------------------------------
(1) أما ابن أبي الوفاء القرشي فجعل ولادته سنة (649 هـ)، وهو وهم بلا شك، إلا أن يكون تصحيفا من الناسخ أو المحقق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 15)
منعجم اللسان، كثير التودد، حسن الأخلاق، حسن الديانة والمعتقد، نزها ورعا متحريا، كثير المعارف، حسن العشرة، كثير الإفادة(1)، محبا للطلبة، جم الفضائل. وكان من أعيان صوفية الخانقاه السميساطية(2).
وكان له خط مليح. وكان لا يمس الأجزاء إلا على طهارة.
ومن جميل المواقف التي حفظها لنا صاحبه الإمام أبو حيان منتخب هذا الكتاب - ما ذكره غير واحد من المؤرخين عنه، قال: قدم علينا الشيخ المحدث أبو العلاء محمد بن أبي بكر البخاري الفرضي بالقاهرة في طلب الحديث، وكان رجلا حسنا طيب الأخلاق لطيف المزاج، فكنا نسايره في طلب الحديث، فإذا رأى صورة حسنة قال: هذا حديث على شرط البخاري! فنظمت هذه الأبيات:--------------------------------------------
(1) ومن إفادته للطلبة أنه كان يسعى في تحصيل الإجازات لهم من قبل من يلقى من المشايخ، كما يظهر في هذا المنتخب. ويبدو أن هذا الأمر كان دأبه مع كثير من الطلبة. قال ابن الفوطي في ترجمة فخر الدين أبي محمد إبراهيم بن خليل المارديني 3/ 59: كتب لنا الإجازة بجميع مسموعاته ورواياته بسعي رفيقنا الإمام شمس الدين الفرضي البخاري سنة أربع وثمانين وستمئة.
(2) الخانقاه: فارسي معرب، وتعني: دار الصوفية.
والخانقاه السميساطية: أشهر خوانق دمشق، تنسب إلى واقفها أبي القاسم علي بن محمد بن يحيى السلمي السميساطي، المتوفى سنة (453 هـ). وعرفت أيضا بالخانقاه الشميصاتية. وهي تقع إلى يمين الخارج من باب الجامع الأموي الشمالي، ولا يزال بناؤها قائما إلى اليوم، وتشغله مدرسة شرعية. «خطط دمشق» لأكرم العلبي ص 398، و «معجم دمشق التاريخي» للدكتور قتيبة الشهابي 1/ 248.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 16)
بدا كهلال الأفق وقت طلوعه … ومال كغصن الخيزران المنعم
غزال رحيم الدل وافى مواصلا … موافقة منه على رغم لومي
مليح غريب الحسن أصبح معلما … بحمرة خد بالمحاسن معلم
وقالوا: على شرط البخاري قد أتى … فقلت على شرط البخاري ومسلم
قال: فقال لي: يا مولانا أنا البخاري فمن مسلم؟ قلت له: أنت البخاري وأنا مسلم.
- شيوخه:
كان الإمام الحافظ أبو العلاء الفرضي مكثرا واسع الرحلة، بلغ عدد شيوخه بالسماع (750) شيخا. فمن العسير جدا الوقوف على جميع شيوخه أو أكثرهم دون النظر في «معجمه» الذي صنعه لنفسه رحمه الله، والذي يعد كتابنا هذا منتخبا منه، لذا فأنا ذاكر شطرا ممن وقفت عليه من شيوخه، غير من تقدم ذكره قبل، ليكون ذلك دليلا إلى غيرهم، والله الموفق.
- إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم، الشيخ الإمام العلامة أبو إسحاق الطرزي الدامغاني الحنفي(1).
- أحمد بن إسحاق بن محمد بن المؤيد بن علي، الهمذاني الأصل الأبرقوهي، شهاب الدين أبو المعالي(2).--------------------------------------------
(1) توفي سنة (682 هـ). «الجواهر المضية في طبقات الحنفية» 1/ 70 (7).
(2) توفي سنة (701 هـ). «الوافي بالوفيات» 6/ 151 (368).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 17)
- أحمد بن يحيى بن محمد بن سالم بن يوسف العسقلاني، المعروف بابن الغافقي الحنفي(1).
- أحمد بن يوسف بن حسن بن رافع بن حسين بن سودان الشيباني، الشافعي، الكواشي(2).
- إسحاق بن يحيى بن إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل الآمدي، عفيف الدين أبو محمد الحنفي الصالحي(3).
- الحسين بن إياز، جمال الدين النحوي(4).
- عبد الجبار بن عبد الخالق بن محمد بن أبي نصر بن عبد الباقي ابن عكبر، الإمام الواعظ العلامة، جلال الدين، أبو محمد البغدادي، أحد المشاهير(5).
- عبد الدائم بن محمود بن مودود بن محمود بن بلدجي، الإمام أبو الحسن الموصلي، المحدث الحنفي(6).
- عبد العزيز بن عمر بن أبي بكر بن موسى بن أبي الفضل بن أحمد--------------------------------------------
(1) توفي سنة (707 هـ). «الدرر الكامنة» 1/ 334 (830).
(2) توفي سنة (680 هـ). «تاريخ الإسلام» 15/ 385.
(3) توفي سنة (715 هـ). «الدرر الكامنة» 1/ 358 (894).
(4) توفي سنة (681 هـ). «تاريخ الإسلام» 15/ 448 (وفيات 681 - 690).
(5) توفي سنة (681 هـ). «الوافي بالوفيات» 18/ 29 (6599).
(6) توفي سنة (680 هـ). «تاريخ الإسلام» 15/ 392.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 18)
ابن عباس ابن لطيف الأزدي الغساني سبط غازي الحموي(1).
- عبد المحسن بن سليمان بن عبد الكريم، عرف بابن السلم(2).
- عطية بن إبراهيم بن عبد الرحمن. الشيخ سديد الدين، أبو الماضي اللخمي، الإسكندراني، المالكي(3).
- علي بن أحمد بن عبد المحسن الحسيني الغرافي(4).
- محمد بن أحمد بن عمر. العلامة جلال الدين العيدي، البخاري، الحنفي(5).
- محمد بن إسماعيل بن عبد الوهاب بن محمد بن عطية بن المسلم ابن رجا التنوخي المالكي، جمال الدين شرف القضاة، أبو عبد الله ابن المكين أبي الطاهر الإسكندراني(6).
- ابن دقيق العيد، محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة المنفلوطي الأصل المصري القوصي المنشأ المالكي ثم الشافعي(7).
- محمد بن عمر بن علي بن محمد بن يحيى بن مسلم الشحري--------------------------------------------
(1) توفي سنة (720 هـ). «الدرر الكامنة» 2/ 378 (2442).
(2) توفي سنة (686 هـ). «توضيح المشتبه» 5/ 146، و «تبصير المنتبه» 2/ 688.
(3) توفي بعد سنة (688 هـ). «تاريخ الإسلام» 15/ 612.
(4) توفي سنة (704 هـ). «الدرر الكامنة» 17/ 3 (31).
(5) توفي سنة (668 هـ). «تاريخ الإسلام» 15/ 158.
(6) توفي سنة (707 هـ). «الدرر الكامنة» 3/ 388 (1026).
(7) توفي سنة (702 هـ). «الدرر الكامنة» 4/ 91 (256).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 19)
اليمني، أبو عبد الله ابن الأصفر(1).
- أبو الفضل، محمد بن محمد بن نصر، ابن القلانسي، البخاري، الحنفي، العلامة حافظ الدين، شيخ بخارى(2).
- تاج الدين محمد بن محمد الزندني، العلامة مقرئ ما وراء النهر(3).
- يوسف بن بدران بن بدر الحجبي المقدسي، تقي الدين، أبو يعقوب الشامي، نزيل بلبيس(4).
- يونس بن إبراهيم بن عبد القوي بن قاسم بن داود، فتح الدين الكناني العسقلاني، أبو النون الدبابيسي، مسند الديار المصرية(5).
- أبو بكر بن عمر بن علي بن سالم. الإمام، العلامة، رضي الدين القسنطيني، الشافعي، النحوي(6).
- أبو بكر بن محمد بن أحمد بن جعفر بن محمد بن العباس النسفي التوبني، نزيل بخارى(7).--------------------------------------------
(1) توفي بعد سنة (680 هـ). «توضيح المشتبه» 5/ 62، و «تبصير المنتبه» 2/ 728.
(2) توفي سنة (693 هـ). «تاريخ الإسلام» 15/ 763.
(3) أخذ عنه الفرضي وعظمه. «توضيح المشتبه» 4/ 126، و «تبصير المنتبه» 2/ 667.
(4) توفي سنة (709 هـ). «الدرر الكامنة» 4/ 451 (1248).
(5) توفي سنة (729 هـ). «الدرر الكامنة» 4/ 484 (1331).
(6) توفي سنة (695 هـ). «الوافي بالوفيات» 10/ 151 (2394).
(7) توفي سنة (686 هـ). «توضيح المشتبه» 1/ 664، و «تبصير المنتبه» 1/ 186.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
- تلاميذه:
كان الإمام أبو العلاء الفرضي، محدثا حافظا فقيها فرضيا بارعا في الفرائض، وله في ذلك تصانيف، كما أنه كان حسن العشرة، كثير الإفادة، محبا للطلبة، جم الفضائل، مما حدا بكثير من طلبة العلم والعلماء والأئمة إلى الرواية عنه والتتلمذ على يديه، خاصة وأنه كانت له حلقة في تعليم الفرائض، وله أصحاب يشتغلون عليه فيها.
غير أنه مات كهلا لم يبلغ الستين عاما، ومع ذلك فقد روى عنه أئمة كبار، كالإمام الحافظ شمس الدين الذهبي، والإمام الحافظ علم الدين البرزالي، والحافظ ابن رافع السلامي، والإمام الحافظ الكبير أبي الحجاج المزي، والإمام أبي حيان الأندلسي النحوي، والقطب الحلبي، وابن سيد الناس، وعبد المؤمن بن عبد الحق صفي الدين البغدادي الحنبلي، والمجد الصيرفي، وعثمان بن بلبان المقاتلي، وعلي بن سنجر البغدادي تاج الدين الحنفي، وأبي عبد الله محمد بن إبراهيم ابن المهندس، وغيرهم كثير.
- ثناء العلماء عليه:
جمع الحافظ أبو العلاء الفرضي بين الإمامة في العلم، ودمائة الأخلاق، وحسن الديانة والمعتقد، مما ترك أثر ذلك في ثناء كل من ترجم له.
وصفه ابن الفوطي بالإمام، وكان يقول عنه: رفيقنا وشيخنا.
وقال البرزالي: الشيخ الإمام، المحدث … كان رجلا فاضلا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
في علم الفرائض، له فيه عدة مصنفات، وكان محدثا متقنا، ضابطا، محترزا، صالحا، خيرا.
ووصفه أبو حيان في هذا «المنتخب» بالحافظ الرحال.
وقال الحافظ الذهبي: الإمام الفرضي، المحدث الحافظ المتفنن، الثقة الصالح، كان رأسا في الفرائض، عارفا بمذهب أبي حنيفة.
وقال - أيضا: وكان دينا، نزها ورعا متحريا، متقنا، كثير المعارف، حسن العشرة، كثير الإفادة، محبا للطلبة.
وقال في موضع آخر مثلما تقدم، ثم قال: انتفعت بصحبته.
وقال ابن رافع: كان إماما فقيها، دينا، خيرا، بارعا في الفرائض.
وقال الصفدي: كتب الكثير بخطه المليح الحلو، وصنف في الفرائض تصانيف، وكان فيها بارعا، له أصحاب يشتغلون عليه فيها، وكان دينا نزها ورعا متحريا.
وقال ابن أبي الوفاء القرشي: له المصنفات الفائقة في الفرائض وغيرها، وكان محدثا متقنا، فاضلا حسن الأخلاق.
وقال العيني: الشيخ الإمام العالم العلامة، أحد السادات الحنفية.
- مؤلفاته:
1 - تلقيح الأفهام في شرح مسائل ذوي الأرحام. (مخطوط).
2 - حل الفرائض.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
3 - شيوخ بغداد. وهو أصل هذا المنتخب، ولعله جزء من مسودة معجم شيوخه، والله أعلم.
4 - ضوء السراج. شرح فيه السراجية في الفرائض. قال ابن رافع: وهو كثير الفوائد. (مخطوط، وله عدة نسخ خطية).
5 - مشتبه النسبة. كتاب كبير في الأنساب. نقل منه الحفاظ، كالذهبي، وابن ناصر الدين، وابن حجر.
6 - معجم شيوخه. لم يبيضه. وقد نقل منه غير واحد، كالذهبي(1)، وابن الفوطي(2)، وغيرهما.
7 - المنهاج المنتخب من ضوء السراج. (مخطوط).
- وفاته:
بعد رحلة واسعة وتطواف في حمل العلم الشريف ونشره، وبعد عودته من الحج سنة 697 هـ رجع إلى دمشق، فلما انقضت أيام التتار سافر من دمشق خوفا من الغلاء إلى ماردين، فأقام بها أشهرا، وتوفي في أوائل ربيع الأول(3) سنة 700 هـ عن ست وخمسين سنة، رحمه الله تعالى ورضي عنه.--------------------------------------------
(1) قال في ترجمته من «تاريخ الإسلام» (15/ 961: بشار): سود معجما لنفسه، استفدنا منه.
(2) انظر: «تلخيص مجمع الآداب» 3/ 362.
(3) أما الصفدي فذكر وفاته في أواخر شهر ربيع الأول.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)