Arabic source text

📘 মুসনাদু আবি বকরিস সিদ্দিক - লিবনি কাছীর (ইবনে কাসীর - মৃত্যু 774 হিজরী)

📘 مسند أبي بكر الصديق - لابن كثير (ابن كثير - ت 774 هـ)

📘 মুসনাদু আবি বকরিস সিদ্দিক - লিবনি কাছীর (ইবনে কাসীর - মৃত্যু 774 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
البحرية في الحكم بالتآمر والتسلط، والغدر والخيانة؛ جعل البلاد - طوال فترة حكمهم - مسرحًا للفتن والفوضى والثورات والمؤامرات، والاغتيالات المستمرة، والانقلابات المتلاحقة(1)؛ عدا مدة حكم السلطان الناصر محمد بن قلاوون(2) بعد عودته للمرة الثالثة (709 - 741 هـ)، ومدة حكم نائب السلطنة سَيْف الدِّين تَنْكِز(3) على دِمَشْق (712 - 740 هـ)(4).--------------------------------------------
=الأسد في عام 588 هـ، على أن تكون بيت المقدس بيد المسلمين مع السماح للمسيحين بالحج إليها، وقد توالت الحملات الصليبية بعد ذلك على مصر والشام، واستمر كفاح المسلمين ضدهم حتى عصر دولة المماليك حيث تلاشى الوجود الصليبي رويدًا رويدًا في عهد السلطانين: بيبرس وقلاوون. قاسم: قاسم عبده قاسم، ماهية الحروب الصلبية، عالم المعرفة، الكويت (ص: 9 - 12، 39، 109، 142 - 148، 150 - ، 159)، الصلابي: علي بن محمد الصلابي، صلاح الدين الأيوبي، وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس، دار ابن كثير، دمشق، بيروت (ص: 21 - 25) رنسيمان: ستيفن رنسيمان، تاريخ الحروب الصليبية، ترجمة: السيد الباز العريني، دار الثقافة، بيروت، ط 2، 1982 م (ص: 173).
(1) مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك لسعيد عاشور (ص: 348)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: 18) مقدمة كتاب البداية والنهاية لابن كثير (1/ 12).
(2) هو: السلطان، الملك الناصر محمد بن قلاوون بن عبد الله الصالحي، سلطان مصر والشام، تولَّى الحكم ثلاث مرات، كان يعزل نفسه في المرتين الأولَيَيْن، وهو قائد وقعة شقحب التي انتصر فيها المسلمون على المغول بنى الجوامع والمدارس والخوانق، وفُتِحت في أيامه: ملطية وطرابلس، وغيرها، مات عام (741 هـ). البداية والنهاية لابن كثير (16/ 295)، ابن حجر: ابن حجر العسقلاني، الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1418 هـ - 1997 م (4/ 90)، ابن العماد: أبو الفلاح عبد الحيّ بن أحمد، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 2، 1433 هـ - 2012 م (6/ 311).
(3) هو سيف الدين، أبو سعيد تَنْكِز بُغَا الأشرفي، الناصري، الأمير الكبير، المملوكي، نائب السلطنة بالشام، بدأ حياته مملوكًا في مصر ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح أقوى شخصية إدارية وعسكرية في عهد السلطان محمد بن قلاوون بنى أوقافًا كثيرة بدمشق وغيرها من المدن، قُتِلَ بالإسكندرية عام (740 هـ)، وقيل: عام (741 هـ)، وقيل: عام (744 هـ)، وقيل: (759 هـ). البداية والنهاية لابن كثير (16/ 290)، الدرر الكامنة لابن حجر (1/ 308)، ابن تغري بردي: أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي الأتابكي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، دار الكتب العلمية بيروت، ط 1، 1413 هـ 1992 م (10/ 259).
(4) مقدمة كتاب البداية والنهاية لابن كثير (1/ 1)، مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك لسعيد عاشور (ص: 231).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)

وقد كانت مدة حكم السلطان النَّاصِر من أفضل عصور المماليك ازدهارًا، واستقرارًا، ورقيًا، ورخاءً(1)؛ وبعد وفاته تولّى الحكم ثمانية من أولاده في الفترة ما بين (741 - 762 هـ)، وأربعة من أحفاده في الفترة ما بين (762 - 784 هـ)؛ عانت فيها الدولة الكثير من الضعف، والاضطراب، والفوضى، وعدم الاستقرار؛ أثر عليها سلبًا سياسيًا، واجتماعيًا، واقتصاديًا(2).
وتعرضت البلاد للكوارث الطبيعية كالزلازل، والفيضانات، والجراد، والمجاعات، والأوبئة؛ فقد بُليت البلاد بانتشار وباء خطير عُرِفَ بالوباء الأسود أو الطاعون سنة (749 هـ)، تسبب في وفاة الكثير من الناس، فساءت الحياة الاجتماعية، والأحوال الاقتصادية حتى كادت أن تتوقف تمامًا؛ فقد تراجعت الزراعة، وأفلست التجارة، وغَلَت الأسعار، وفُرضت الضرائب وتفشّت البطالة، وانتشر البغاء بسبب الفقر رغم مُحاربة العلماء له بفتواهم وكتاباتهم(3).
ولحسن الحظ لم تؤثر هذه الأحوال السيئة على الحياة العلمية في بلاد الشام ومصر بل ظلَّت مزدهرة؛ فنشطت الحركة العلمية بازدياد نشاط العلماء وكَثُرَ عددهم وتآليفهم، وأنشئت المكتبات العامة، وبُنيت المدارس الكثيرة، ودور القرآن والحديث، وأوْقِفَت عليها الأوقاف الخيرية، ورُصِدَت لها الأموال لأجل رعاية ومعيشة وسكنى طلابها، وعلمائها، وموظفيها؛ وذلك لأنَّ سلاطين المماليك كانوا يتقربون إلى الناس برفع منزلة العلماء، وتكريمهم بالوظائف الدينية المختلفة، وتقديم الجوائز لهم، ويعززون نفوذهم في الشعب ببناء المساجد والمدارس(4).
وقد امتاز القرن الثامن الهجري، وخاصة عصر المماليك، بالعناية الشديدة--------------------------------------------
(1) مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك لعاشور (ص: 233).
(2) مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك لعاشور (ص: 236).
(3) مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك لعاشور (ص: 236)، مقدمة كتاب البداية والنهاية لابن كثير (1/ 13).
(4) ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: 21، 22، 40) الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص/35)، مقدمة كتاب البداية والنهاية لابن كثير (1/ 14).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)

للعلوم المختلفة، لاسيَّما عِلْمَا الحديث والتاريخ، وشهد نشاطًا كبيرًا، واضحًا فيهما؛ كما امتاز هذا العصر بظهور المصنفات، والمجاميع، والموسوعات، والملخصات، والمعاجم؛ وتميز - أيضًا - بكثرة الحفاظ، والعلماء، والأئمة الذين اشتهروا بالدقة والإتقان في عملهم حتى غدَا عصر المماليك بفضلهم من العصور الذهبية في الحديث وعلومه(1)، ونسرد - هاهنا بإيجاز - جُملة من الذين عاصرهم الحافظ ابن كثير رحم اللهُ وهم:
الذهبي، وابن تيمية، والمزي (ت 742 هـ)(2)، وابن دقيق العيد (ت 702 هـ)(3)، والزَّيلعي (ت 762 هـ)(4)، وصلاح الدين العلائي(5)، والصَّفدي(6)، وابن السَّبكي (ت 771 هـ)(7)، والبرزالي (ت 739 هـ)(8)،--------------------------------------------
(1) ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: 250).
(2) المزي هو: يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف القضاعي، المزِّي. انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف في (ص: 64).
(3) ابن دقيق العيد هو: أبو الفتح محمد بن عليّ بن وهب القشيري، المنفلوطي، المصري، الإمام، العالم، الحافظ، القاضي، المعروف كأبيه بابن دقيق العيد، مات عام 702 هـ. سير أعلام النبلاء للذهبي (4/ 1002)، البداية والنهاية لابن كثير (16/ 28)، شذرات الذهب لابن العماد (6/ 139).
(4) الزيلعي هو: عبد الله بن يوسف الزيلعي. انظر: ترجمته في تلاميذ المؤلف (ص:66).
(5) صلاح الدين العَلائي هو: خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي، العلامة، الإمام الحافظ، المفسر، المحدّث، المفتي المدرس، سكن القدس، ولي التدريس في عدة مدارس، ووُلِيَ مشيخة دار حديث بالقدس، مات عام 761 هـ. البداية والنهاية لابن كثير (16/ 397)، النعيمي: عبد القادر بن محمد النعيمي، الدارس في تاريخ المدارس، دار الكتب العلمي، ط 1، 1410 هـ - 1990 م (1/ 45 - 46)، شذرات الذهب لابن العماد (6/ 381 - 382).
(6) الصَّفَدي هو: أبو الصفا خليل بن أيبك بن عبد الله الألبكي، الصفدي، الإمام، العالم، الكاتب، وكيل بيت المال بدمشق، مات عام 764 هـ. البداية والنهاية لابن كثير (16/ 445)، شذرات الذهب لابن العماد (6/ 393).
(7) ابن السبكي هو: عبد الوهاب بن عليّ بن عبد الكافي السبكي، القاضي، مات عام 771 هـ. شذرات الذهب لابن العماد (6/ 419).
(8) البرزالي هو: القاسم بن محمد بن يوسف البرزالي. انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: 64).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)

وابن الجزري (ت 833 هـ)(1)، وابن شاكر الكتبي (ت 764 هـ)(2)، وابن الشّيرازي (ت 723 هـ)(3)، وابن حجي (ت 726 هـ)(4)، وابن قاضي شهبة (ت 726 هـ)(5) وابن رافع(6).
ومما يؤسف له أن ظهرت في المجتمع بعض الظواهر السلبية؛ كالخلافات الاعتقادية بين السنة والشيعة، ووُجود التعصب المذهبي بين المذاهب الأربعة، واحيانًا بين أصحاب المذهب الواحد؛ ودور بعض الفرق الصوفية في نشر البدع، والخرافات، والعادات الباطلة، ومجاهدة العلماء في كشفها ومحاربتها؛ وعدم الاهتمام بالعلوم الدنيوية كالزراعة، والتجارة، والصناعة والنجارة، والملاحة، والاقتصار على تحصيل العلوم الشرعية؛ والجمود الفقهي، وعدم الاجتهاد في مسائله؛ والتقليد الأعمى للمذاهب، ونقل النصوص والتقليد، وعدم الابتكار والإبداع؛ والخلافات العديدة بين بعض الأئمة، وبين الفقهاء--------------------------------------------
(1) ابن الجزري هو: محمد بن محمد بن محمد بن علي الجزري. انظر: ترجمته في تلاميذ المؤلف (ص: 71).
(2) ابن شاكر الكتبي هو: محمد بن شاكر بن أحمد الداراني، وقيل الدَّارني، الدمشقي، المؤرخ، مات عام 764 هـ. البداية والنهاية لابن كثير (16/ 444)، شذرات الذهب لابن العماد (6/ 396).
(3) ابن الشيرازي هو: محمد بن محمد بن محمد بن هبة الله الشيرازي. انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: 57 - 58).
(4) ابن حجي هو: أحمد بن حجي بن موسى السعدي. انظر ترجمته في تلاميذ المؤلف (ص 70).
(5) ابن قاضي شهبة هو: عبد الوهاب بن محمد بن ذؤيب الأسدي. انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: 59).
(6) ابن رافِع هو: أبو المعالي محمد بن رافع بن هَجرس السّلامي، العميدي، وقيل: الصميدي الأصل، المصري، الدمشقي، الإمام العالم، الحافظ، المحدّث، سكن دمشق، مات عام 742 هـ، وقيل: عام 774 هـ. أبو المحاسن الدمشقي: محمد بن علي بن الحسن الحسيني الدمشقي، ذيل تذكرة الحفاظ للذهبي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 2، 2007 م (3/ 34)، ذيل طبقات الحفاظ للسيوطي (3/ 242)، شذرات الذهب لابن العماد (6/ 435).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)

والمتصوفة. والخوض في علم الكلام، وغيره من الأمور التي تهدد الأمة بالفرقة، وانقسام الصفوف بين علمائها وأفرادها(1).
وفي نهاية القول نستطيع أن نجزم أنَّ هذا العصر بما فيه من تناقضات، كان عصرًا مجيدًا تمّت فيه إنجازات علمية كثيرة في مجال علوم القرآن والحديث واللغة والرياضيات، والتاريخ، وغيرها من العلوم المختلفة(2).
* * *--------------------------------------------
(1) ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: 41، 42) الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 43، 48)، مقدمة كتاب البداية والنهاية لابن كثير (1/ 14 - 15).
(2) الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 48).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)

‌‌المبحث الأول نسبه ومولده، ونشأته وحياته، وأخلاقه وصفاته
‌‌أولًا: نسبه:
هو: الشيخ(1)، العلامة، الإمام، الحافظ المفسِّر، المحدِّث، المؤرخ، الفقيه عِمَادُ الدِّين، أبو الفِدَاء(2) إسماعيل بن عُمر بن كَثِير بن ضَوْء بن كثير بن ضوْء بن درع(3)، وقيل: ذُرع(4)، وقيل: زرع(5)، القُرَشيُّ(6)، القَيْسِيُّ(7)،--------------------------------------------
(1) ذيل تذكرة الحفاظ لأبي المحاسن الدمشقي (3/ 38)، الدرر الكامنة لابن حجر (1/ 218).
(2) الأدنروي: أحمد بن محمد الأدنروي، طبقات المفسرين، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة (ص: 260)، بروكلمان: كارل بروكلمان، تاريخ الأدب العربي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر (ص: 183) ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: 52).
(3) ابن حجر: أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، إنباء الغمر بأبناء الغمر، دار الكتب العلمية (1/ 45). البداية والنهاية لابن كثير (16/ 35).
(4) ذيل تذكرة الحفاظ للذهبي لأبي المحاسن الدمشقي (3/ 38). ابن قاضي شهبة الدمشقي أبو بكر بن أحمد بن محمد الدمشقي، طبقات الشافعية، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، الهند، ط 1، 1399 هـ - 1979 م (3/ 113). المقريزي:: أحمد بن علي المقريزي، درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة، دار الكتب العلمية، 2009 م (1/ 312).
(5) الدارس للنعيمي (1/ 27) شذرات الذهب لابن العماد (6/ 432).
(6) نسبة إلى قريش، وقيل: قُرَيْش هو فهر بن مالك بن النَّضَر، وينتهي إلى مضر، ولا يقال قريش إلا لمن كان من ولد فهر. البداية والنهاية لابن كثير (16/ 35)، القلقشندي: أبو العباس أحمد بن علي بن أحمد، نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 2، 2012 م (ص: 356). الداوودي: محمد بن علي بن أحمد الداوودي، طبقات المفسرين، مراجعة وضبط: لجنة من العلماء، دار الكتب العلمية، بيروت، 1403 هـ - 1983 م. (1/ 112). الطيب با مخرمة: أبو محمد الطيب بن عبد الله بن أحمد بامخرمة الهجراني، قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر، دار المنهاج، السعودية، ط 1، 1428 هـ - 2008 م (6/ 313)، تاريخ الأدب العربي لبروكلمان (ص: 183).
(7) نسبة إلى قيس بن عَيْلان، ويقال قيس بن عيلان بن مُضر، وقيس بطن من بكر بن وائل. ذيل=

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)

الخُصَيْليُّ(1)، وقيل: الحَصليُّ(2)، الجَعْفَريُّ(3)، البُصرويُّ(4) الأصل، ثم الدِّمَشْقِيُّ(5)، الشَّافِعِيُّ(6)، المعروف بابن كثير(7).
واسم والده: شهاب الدِّين أبو حَفْص عُمر بن كثير بن ضوء القُرشيّ، الخُصَيْليّ، وكان أبوه من العلماء، الفقهاء، الخطباء، وكان له عناية باللغة--------------------------------------------
= طبقات الحفاظ للسيوطي (3/ 238). الدرر الكامنة لابن حجر (1/ 218). نهاية الأرب للقلقشندي (ص: 362).
(1) من خُصيلة، وهو: بُطين ينتسب إلى الشرف الرفيع لقريش. البداية والنهاية (16/ 35). الفاسي: محمد بن أحمد الفاسي، وفيات، وفيات سير أعلام النبلاء للذهبي، دار المعرفة، بيروت (ص: 224).
كحالة: عمر رضا كحالة، معجم قبائل العرب، مؤسسة الرسالة دمشق /بيروت، ط 1، 1432 هـ 2011 م (1/ 439).
(2) من بني حصلة الذين ينتسبون في الشرف الرفيع إلى قريش. البداية والنهاية لابن كثير (16/ 35)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 53)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: 49)، مقدمة التحقيق كتاب البداية والنهاية لابن كثير (1/ 16).
(3) نسبة إلى بني جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن قيس بن عيلان. ابن حزم: أبو محمد علي بن سعيد بن حزم الأندلسي، جمهرة أنساب العرب، تحقيق: أ. ليفي بروفنسال، شركة نوابغ الفكر، القاهرة، ط 1، 1430 هـ - 2009 م (ص: 286 - 290)، وفيات سير أعلام النبلاء للفاسي (ص: 224)، معجم قبائل العرب لعمر رضا كحالة (1/ 256).
(4) نسبة إلى بصرى الشام، حيث تقع قريته مجيدل بها، وتقع بصرى في الجنوب الشرقي من سورية الآن. الدرر الكامنة لابن حجر (1/ 218) تاريخ الأدب العربي لبروكلمان (ص: 183)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: 50).
(5) الدارس للنعيمي (1/ 27).
(6) نسبة إلى الإمام الشافعي؛ فقد تفقه الحافظ ابن كثير على مذهب الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ (ت 204 هـ)، وتأثر به، وصنف بعض الكتب ملتزما بأصول هذا المذهب وفروعه. درر العقود للمقريزي (1/ 212)، تاريخ الأدب العربي لبروكلمان (ص: 183)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: 51).
(7) ذيل طبقات الحفاظ للسيوطي (3/ 238)، كحالة: محمد رضا كحالة، معجم المؤلفين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1، 1414 هـ - 1993 م (1/ 283).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)

والشعر والأدب، توفي في شهر جمادى الأولى سنة 703 هـ(1)، واسم أمه: مريم بنت فرج بن مفرج عليّ، وهي من قرية مُجَيْدل، توفيت في عام 729 هـ(2).
وللحافظ ابن كثير أخوة من جهة والده وهم: إسماعيل، ويونس، وإدريس، ومن جهة والدته: عبد الوَهَّاب (ت 750 هـ)(3)، ومحمد، وعبد العزيز، وله أخوات عدَّة(4)، وكان هو أصغر الجميع(5).

‌‌ثانيا: مولده:
وُلِدَ الحافظ ابن كَثير في مطلع القرن الثامن الهجري(6)، سنة 701(7) هـ وقيل: سنة 700 هـ(8) (عام 1301 م)(9)، والأول أصحّ(10).--------------------------------------------
(1) انظر: ترجمته في البداية والنهاية لابن كثير (16/ 35 - 36). النجوم الزاهرة لابن تغري بردي (11/ 98). الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 51 - 52).
(2) انظر ترجمتها في البداية والنهاية لابن كثير (16/ 220).
(3) انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: 65).
(4) البداية والنهاية لابن كثير (16/ 36)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 52).
(5) البداية والنهاية لابن كثير (16/ 36)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 52).
(6) ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: 58).
(7) البداية والنهاية لابن كثير (16/ 19)، إنباء الغمر لابن حجر (1/ 45)، ذيل طبقات الحفاظ للسيوطي (3/ 23)، شذرات الذهب لابن العماد (6/ 432).
(8) النجوم الزاهرة لابن تغري بردي (11/ 98)، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (3/ 113).
الشوكاني: محمد بن علي الشوكاني، البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن التاسع، المكتبة العصرية، بيروت، ط 1، 1432 هـ - 2011 م (1/ 121).
(9) تاريخ الأدب العربي لبروكلمان (ص: 183).
(10) قطع الحافظ ابن كثير الشك باليقين عندما حدّد سنة ولادته في عام 701 هـ. البداية والنهاية لابن كثير (16/ 19).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)

وكانت ولادته بمُجَيْدل القرية من أعمال مدينة بُصرى(1)، والتي منها والدته - رحمها الله - وكان أبوه خطيبًا فيها(2).
وقد سُمِّيَ ابن كثير على اسم أخيه الأكبر: إسماعيل، الذي سقط من سَطحِ إحدى المدارس فلم يمكث سوى أيامًا ومات(3).

‌‌ثالثًا: نشأته وحياته:
في عصر مضطرب، مشبع بالفتن والقلاقل، والمؤامرات السياسية، والانقلابات بين سلاطين المماليك؛ وفي قلب أحداث دامية، وحروب متوالية عانى منها العالم العربي، لاسيَّما مصر والشام وفي وسط مجتمع مليء بالتناقضات والصراعات المذهبية بين أفرادها؛ وفي مناخ علمي نشط، حافل بالعلم والعلماء ظهر مؤلفنا: ابن كثير إلى النور، فيجيء ميلاده ليضيف فرحة أخرى إلى قلب أبيه، وأمه، وإخوته، وأملًا بمستقبل أفضل(4).
كانت نشأة ابن كثير في أسرة علمية، متدينة، محافظة؛ فقد كان أبوه شهاب الدين أبو حفص عُمر بن كثير، الشيخ، الإمام، العالم، الفقيه، الخطيب(5)، معتنيًا باللغة العربية والنحو، حافظًا لأشعار العرب وقصائدهم حتى أنه كان يقول بعض الشّعر الجيد في المدح، والرِّثاء، والهِجاء(6)، وحريصًا كل الحرص على--------------------------------------------
(1) درر العقود للمقريزي (1/ 312) ذيل تذكرة الحفاظ لأبي المحاسن الدمشقي (3/ 38).
(2) البداية والنهاية لابن كثير (16/ 36)، ذيل تذكرة الحفاظ لأبي المحاسن الدمشقي (3/ 38).
(3) البداية والنهاية لابن كثير (16/ 36)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 52).
(4) ابن القيم وآراؤه الكلامية لمحمد الزيني (ص: 26).
(5) ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص:58)، مقدمة كتاب البداية والنهاية لابن كثير (1/ 18).
(6) البداية والنهاية لابن كثير (16/ 36)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 53).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)

تنشئة أولاده تنشئة إسلامية صحيحة؛ فكان من ذلك أن حفظ ابنه إسماعيل الأوّل(1) القرآن على يديه، وصار ابنه عبد الوهاب ذا علم ومعرفة بالفِقه(2).
وبعد وفاة والده، انتقل ابن كثير مع عائلته وأخيه الأكبر كمال الدين عبد الوهاب إلى دمشق في سنة 707 هـ(3) - وكان عمره سبع سنين - فكان قدومه إليها وسكنه فيها مباركًا عليه(4)؛ إذ كانت دمشق - آنذاك - حاضرة العلم والعلماء، ومدارسها ومكتباتها الكثيرة كانت قبلة للعلماء وطلبة العلم من كل صَوْب وحَدْب.
وقد اعتنى به أخوه عبد الوهاب أشدّ الاعتناء، وكان خير أخٍ له؛ فتلقى على يديه العلم.
ومن المهم بمكان أن نُبَيِّن أنَّ العلم السائد في الحضارة الإسلامية هو العلم الديني: حفظ القرآن، وتعلّم مناهج المفسرين، والاطلاع على كتب الفقه بمذاهبه المختلفة، وكتابة الحديث، وهذا ما سنراه واضحًا عند ابن كثير(5).
وقد حفظ ابن كثير القرآن الكريم في عام 711 هـ(6) على يد الشيخ الإمام أبي عبد الله محمد بن حسين بن غيلان الحنبليّ (ت 730 هـ)(7).--------------------------------------------
(1) هو: إسماعيل بن عمر بن كثير، الأخ الأكبر للمؤلف من الزوجة الأولى، سقط من سطح إحدى المدارس بدمشق، وعندما وُلِدَ ابن كثير سَمَّاهُ أبوه باسمه. البداية والنهاية لابن كثير (16/ 36)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: 60)، مقدمة كتاب البداية والنهاية لابن كثير (1/ 21).
(2) ابن تغري بردي: يوسف بن تَغْرِي بَرْدي الأتابكي، المنهل الصافي، الهيئة المصرية العامة للكتاب/ مركز تحقيق الكتاب، 1984 م (2/ 415)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: 58، 71).
(3) البداية والنهاية لابن كثير (16/ 37)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 53).
(4) الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 53).
(5) البداية والنهاية لابن كثير (16/ 37)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: 58).
(6) البداية والنهاية لابن كثير (16/ 231) الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 53).
(7) هو: ابن غيلان البعلبكي. انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: 62).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)

وحفظ كتاب (التنبيه) في الفقه الشافعي لأبي إسحاق الشيرازي (ت 476 هـ)(1)، وعرضه وشرحه وعمره ثماني عشرة سنة(2)، وما زال يحفظه ويستحضره إلى آخر وقت(3).
ثم أقبل بعد ذلك على تحصيل العلوم بأنواعها، وحفظ متون الأحاديث، ومعرفة الأسانيد، والعِلل ومعرفة الرجال، والتاريخ، وجدّ واجتهد حتى برع فيها(4)؛ وهذا إنْ دلَّ على شيء فإنما يدلّ على همة عالية، وحافظة قوية مميزة، وإرادة تعشق العلم، ورغبة في الاستزادة منه(5).
ولم يتوان ابن كثير عن السعي في طلب العلم وتحصيله في كل مكان، ولما كانت روحه شغوفة بالعلم وحب المعرفة ارتحل إلى الحجاز ومصر، والقدس، وغيرها من المدن والبلدان للقاء العلماء والشيوخ، وحضور مجالسهم؛ فكان أن ظَفِرَ بالسَّماع ونال الإجازات.
وصَاحَبَ شيخيه المزي وابن تيمية، لازمهما، وتعلَّق بهما كثيرًا، وانتفع بكلامهما وعِلْمُهما، واعتنق بعض آرائهما وفتواهما، وعكف على مؤلفاتهما يلخّصها، وأضافها إلى مؤلفاته، وقرأ عليهما كتبه.--------------------------------------------
(1) أبو إسحاق الشيرازي هو: أبو إسحاق إبراهيم بن عليّ بن يوسف الفيروزاباديّ، الشيرازيّ، الشافعي، الفقيه، مدرّس النظامية، قال عنه ابن العماد: "انتهت إليه رئاسة المذهب في الدنيا" مات في عام 476 هـ. البداية والنهاية لابن كثير (13/ 212 - 213)، شذرات الذهب لابن العماد (4/ 45).
(2) إنباء الغمر لابن حجر (1/ 45)، شذرات الذهب لابن العماد (6/ 432)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 53 - 54).
(3) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (3/ 115) شذرات الذهب لابن العماد (6/ 432)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 54).
(4) طبقات المفسرين للداوودي (1/ 112)، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (3/ 113 - 114).
(5) ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: 119).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)

وكانت علاقته بشيخه ابن تيمية وطيدة، ولها خصوصية حيث لازمه طويلًا وأخذ عنه، وناضل عنه في أغلب المناسبات، وامتحن بسبب ذلك(1).
وكان من شدّة ملازمة ابن كثير شيخه المزي، وحبّ الأخير تلميذه وعطفه عليه، أن صاهره فتزوج ابنته(2): أَمَة الرَّحيم زَينب(3) بنت يوسف بن عبد الرحمن المزي، التي أنجب منها خمسة ذكور وإناث عِدَّة منهم:
1 - عزّ الدين، عُمر بن إسماعيل بن كثير، وهو أكبرهم، ابن كثير الفقيه، كتب مصنفات أبيه بيده وعمل في الحِسْبة، ونَظَرَ الأوقاف، والتدريس، مات عام 783 هـ(4).
2 - زين الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن كثير: قال ابن حجر: "وقد ذَيَّلَ على تاريخ أبيه قليلًا". توفي في دمشق عام 792 هـ(5).
3 - شهاب الدين، أحمد بن إسماعيل بن كثير: قال عنه السخاوي في الضوء اللامع: "تزيا بزي الجند، وحصل له إقطاع". وقال أيضًا: "قال عنه الشهاب بن حجي: أحسن أخوته سمتًا، عارفًا بالأمور". وله ابنة محدثة اسمها: أسماء، توفي عام 801 هـ(6).--------------------------------------------
(1) الدرر الكامنة لابن حجر (1/ 218)، طبقات المفسرين للداوودي (1/ 113)، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (3/ 115).
(2) الدرر الكامنة لابن حجر (1/ 218)، درر العقود للمقريزي (1/ 313)، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (3/ 113) طبقات المفسرين للأدنروي (ص: 260).
(3) البداية والنهاية لابن كثير (16/ 109، 297)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: (62)، حيث ذكر اسم زوج المؤلف.
(4) وفيات سير أعلام النبلاء للفاسي (ص: 224)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: 63).
(5) ابن حجر: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، إنباء الغمر بأبناء العمر، دار الكتب العلمية، ط 1، 1406 هـ - 1986 م (3/ 39)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: 64)، مقدمة كتاب البداية والنهاية لابن كثير (1/ 22).
(6) الضوء اللامع للسخاوي (1/ 201 - 202)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: 65)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 114)، مقدمة كتاب البداية والنهاية لابن كثير (1/ 22).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)

4 - بدر الدين، أبو البقاء محمد بن إسماعيل بن كثير: ويُعرف كأبيه بابن كَثير، وُلِدَ بدمشق عام 759 هـ، ودرس الفقه، وكان حسَن الخط وجيد الضبط، ودرَّس في المدرسة الصالحية(1)، وصنّف تاريخًا للحوادث في زمنه فيه غرائب، توفي في ربيع الآخر عام 803 هـ(2).
5 - تاج الدين عبد الوهاب بن إسماعيل بن كثير: سمع من أبيه وغيره من المشايخ، توفي عام 840 هـ(3).

‌‌رابعًا: أخلاقه وصفاته:
كانت للحافظ ابن كثير أخلاق حسَنة، كريمة، وصفات حميدة، وفضائل محمودة، لمسها فيه كل من اقترب منه، وصاحبه وعاصره؛ وصارت هذه الأخلاق الحسنة غالبةً عليه حتى أنَّ بعض المصنفين وصفوه بها في مؤلفاتهم عندما ترجموا له، وهي: حُسن الخُلُقِ، والتواضع(4) الجَمّ، والحِلْم، وسِعَةَ الصدر لآراء الآخرين؛ وحُسن الصحبة لزملائه ومعاصريه، والوفاء والإخلاص لأصدقائه، والتقدير الكبير والاحترام لشيوخه، والاعتراف بدورهم في تكوينه العلمي، وبناء فكره الديني؛ فقد ذكر فضائلهم، وعدَّد مناقبهم، وأشاد بدورهم في خدمة الإسلام، وأثنى عليهم بالخير، واعترف بالأخذ منهم، والاغتراف من علمهم؛ وذلك عندما ترجم لعدد كبير منهم في كتابه (البداية والنهاية)(5).--------------------------------------------
(1) المدرسة الصالحية هي: دار حديث وقرآن بتربة أم الصالح بدمشق بناها الصالح إسماعيل بن أبي بكر بن أيوب (ت 648 هـ)، وأوقف عليها. الدارس للنعيمي (1/ 239)، السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي (1/ 472) الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 76).
(2) درر العقود للمقريزي (3/ 66)، الضوء اللامع للسخاوي (7/ 122)، شذرات الذهب لابن العماد (7/ 159).
(3) ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: 64)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 114).
(4) درر العقود للمقريزي (1/ 313)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 65).
(5) ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: 126).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)

والحقيقة التي لا مراء فيها أنَّ هذا العالم الفذ تميّز بصفات فريدة جعلته محبوبًا، مقربًا إلى قلوب شيوخه، وتلامذته، ومريديه، وجلسائه، وكل من عاصره واقترب منه؛ ولعل من أهمّ الصفات الطيبة التي لمُست فيه، واشتهر بها:
حرصه، وجدّه، واجتهاده في طلب العلم النافع المفيد، وأمانته في نقل كلام العلماء وآرائهم في كتبه ومصنفاته(1)، وحرصه على الالتزام بالحديث، والإحاطة بسنده، والسنة النبوية، والدعوة إلى اتباع منهج السَّلف، والدفاع عنه؛ ومن يتابع العلوم التي نَبغَ ومَهَرَ فيها ابن كثير يدرك مدى سعة علمه، واطلاعه، ومعارفه، وثقافاته المتعددة(2).
ولا عجب أنه اشتهر باستقامة السلوك، والوَرَع، والزهد عن طيبات الدنيا، وحب العَدْلِ والإنصافِ مع المخالفين له في الرأي والمذهب؛ وزد على ذلك أنه كان واثقًا بنفسه، معتدًا بشخصيته دون تكبر وغرور(3)؛ واتصف بطول الصبر والأناة(4)، وتتجلى هاتان الصفتان بوضوح في الجهد الكبير الذي بذله في جمع وتأليف مصنفاته الضخمة دون كَلَلٍ أو مَلَلٍ، وهي: (جامع المسانيد والسنن) (البداية والنهاية)، وغيرها من الكتب.
وكان ابن كثير - أيضًا - طيب المعاشرة، رقيق الحاشية، ليِّن الجانب، حسَن المُفاكَهة(5)، صادقًا في تعامله الناس، وقد شهد له بذلك جلساؤه ومن اختلط به من علماء البصرة وتلاميذه.--------------------------------------------
(1) الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 65).
(2) ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: 124).
(3) الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: (65).
(4) الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 181).
(5) درر العقود للمقريزي (1/ 313)، الدرر الكامنة لابن حجر (1/ 218).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)

وتؤكد المراجع التاريخية أنَّ هذا العالم الفذّ، والمؤرخ الكبير جيد الفهم، كثير الحفظ والاستحضار، حادُّ الذهن، قويّ الذاكرة، قليل النِّسيان(1)؛ فقد كانت له ذاكرة ممتازة، وحافظة متميزة، وعقل يَقِظ(2)؛ واتصف بالإتقان في عمله، وقد غلبت عليه هذه الصفة في الحديث والفقه؛ مما لفت انتباه بعض المصنفين فشهدوا بها عند ترجمتهم له في مصنفاتهم، فقال عنه ابن قاضي شهبة والداوودي (ت 945 هـ)(3): (محدث متقن)، وقال عنه أبو المحاسن الدمشقي (ت 765 هـ)(4): "فقيه متقن"، وقال المقريزي (ت 845 هـ)(5): "وكان حافظًا متقنًا"(6).
ولا شك أنَّ من يحصِّل ويبرع في علوم مثل: الحديث والفقه كابن كثير؛ يتميز بذكاء وافرٍ، وموهبة متفوقة، وطموحٍ شديدٍ، وهِمَّةٍ عاليةٍ، وحُسْن اختيارٍ للشيوخ الذين تلقى العلم منهم، ونَهِل من معينهم(7).--------------------------------------------
(1) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (3/ 115)، إنباء الغمر لابن حجر (1/ 46)، الدرر الكامنة لابن حجر (1/ 218)، طبقات المفسرين للداوودي (1/ 112)، الإمام ابن كثير للندوي (ص: 182).
(2) ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: 119).
(3) الداوودي هو: محمد بن علي بن أحمد الداوودي، وقيل: الداودي، المصري، الإمام، العلامة، الحافظ، المحدّث، المفسر، مات عام 945 هـ. شذرات الذهب لابن العماد (8/ 313)، الأعلام للزركلي (6/ 291)، معجم المؤلفين لكحالة (3/ 496).
(4) أبو المحاسن الدمشقي هو: محمد بن علي بن الحسن الحسيني. انظر: ترجمته في تلاميذ المؤلف (ص: 67).
(5) المقريزي هو: أحمد بن علي بن عبد القادر الحسيني المقريزي. انظر: ترجمته في تلاميذ المؤلف (ص: 71).
(6) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (3/ 115)، ذيل تذكرة الحفاظ لأبي المحاسن الدمشقي (3/ 38)، طبقات المفسرين للداوودي (1/ 112)، درر العقود للمقريزي (1/ 313).
(7) ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: 119)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 53).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)

وقد كان ابن كثير مُتَفَنِّنًا في الفقه(1)، وبارِعًا في الحديث والفتوى(2)، ونَقَّادًا في التفسير(3)، مع حجة قوية واتزان في مناقشة آراء الناس(4).
وكان آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، محبًا للحقّ جهورًا به، ولا يخشى فيه لومة لائم(5)؛ وكان ابن كثير يهتم بالرياضة، لاسيَّما لعب الكرة، وكان ذا لياقة جسدية جيدة حتى وهو في الستينيات من عمره(6).
وموجز القول أنَّ ابن كثير كانت له صفات وأخلاق كريمة، حميدة تفرَّد بها بين قرنائه ومعاصريه، وجعلته موضع إعجاب شيوخه وتلامذته، ومريديه، وثناؤهم عليه خيرًا في مصنفاتهم(7).
* * *--------------------------------------------
(1) الذهبي محمد بن أحمد بن علي الذهبي، المعجم المختص (بالمحدثين)، مكتبة الصديق، الطائف، ط 1، 1408 هـ - 1988 م: (ص: 75)، طبقات المفسرين للداوودي (1/ 112)، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (3/ 114).
(2) درر العقود للمقريزي (1/ 313)، إنباء الغمر لابن حجر (1/ 46).
(3) طبقات المفسرين للداوودي (1/ 112)، ذيل تذكرة الحفاظ لأبي المحاسن الدمشقي (3/ 38).
(4) الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 66).
(5) الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 65).
(6) البداية والنهاية لابن كثير (16/ 460).
(7) الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 53).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)

‌‌المبحث الثاني ثقافته وشخصيته العلمية
‌‌أولا: ثقافته:
المطالع لفِكْر الحافظ ابن كثير، والمتتبع لعلمه الغزير، يستطيع أن يدرك بأنَّ هذا الرجل وهَب حياته للعِلم، وأنَّ هناك عوامل كثيرة أثرت في ثقافته؛ كعصره الذي انعكس على ثقافته العلمية، وحفَّزه على الاغتراف من كافة علوم عصره؛ ونشأته الدينية، والجو الأسري المحافظ الذي ترعرع فيه؛ فقد نشأ الحافظ ابن كثير في بيئة علمية، دينية، ثقافية، تشجع أبناءها على طلب العلم والمعرفة؛ فكان أبوه عُمر بن كثير خطيبًا، ولغويًا، وأديبًا فاضلًا، حرص على تربية أبنائه تربية دينية صحيحة، وتوجيههم للاطلاع على المعارف المختلفة، ودراسة العلوم الشرعية؛ وكان أخوه عبد الوهاب بن عمر بن كثير عالمًا بالفقه فتولَّى رعايته، وتعليمه، وتوجيهه؛ فكان من ذلك أن اهتم ابن كثير بدراسة معظم علوم الدين؛ كالتفسير، والقراءات، والحديث والفقه وأصوله، والتاريخ، وغيرها من العلوم التي ساهمت في تطور ثقافته، وبلورة تكوينه العلمي المتميز.
وسنذكر - هاهنا باختصار - العلوم المختلفة، التي تلقاها ابن كثير.

‌‌أ - في القرآن وعلومه:
قرأ ابن كثير القرآن الكريم وحفظه وختمه في سنة 711 هـ - عندما كان في الحادية عشر من عمره - على يد شيخه ابن غيلان البعلبكي(1).--------------------------------------------
(1) البداية والنهاية لابن كثير (16/ 231)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: 79، 87)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 53).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)

وبعدها قرأ القرآن على شيخ علم القراءات: محمد بن جعفر بن فرعوش اللّباد (ت 724 هـ)(1)، فأتقن قراءته حتى صار من القُرَّاء(2)؛ وأحبّ ابن كثير تفسير القرآن الكريم، وتعلّمه، وبَرَعَ فيه حتى أنه كان يدرسه في المدرسة النَّجِيبية(3)، ثم الجامع الأموي(4) بدمشق منذ عام 767 هـ(5).
ومن المعروف أن كبار العلماء هم الذين كانوا يتصدرون التدريس في هذا الجامع العريق، الذي أنشئ على يد الخليفة الوليد بن عبد الملك (ت 96 هـ)(6)(7).

‌‌ب - في الحديث وعلومه:
كان الحديث الشريف من أكثر العلوم الشرعية المقرّبة إلى نفس الحافظ ابن كثير، وكانت له الغلبة على ثقافته(8)، وعلى سائر العلوم التي تعلّمها--------------------------------------------
(1) انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: 58).
(2) البداية والنهاية لابن كثير (16/ 177)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: 97).
(3) المدرسة النجيبية هي: مدرسة للفقه الشافعي، بناها الأمير جمال الدين أقوش النَّجيبي الصالحي، نائب دمشق، وأوقف عليها، وبها كان يسكن ابن كثير. الدارس للنعيمي (1/ 358 - 359)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 77).
(4) الجامع الأموي هو: جامع بني أمية، وجامع دمشق، والجامع المعمور، كان نصفه كنيسة والنصف الآخر به محراب للمسلمين أنشأه الخليفة الوليد بن عبد الملك بن مروان الأموي في تسع سنوات. الكامل في التاريخ لابن الأثير (4/ 242 - 243)، سير أعلام النبلاء للذهبي (1/ 1284)، الدارس للنعيمي (2/ 285 - 319).
(5) ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: 77، 100)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 56).
(6) هو: أبو العباس الوليد بن عبد الملك بن مَرْوَان بن الحَكَم الأمَوِيُّ، الدِّمَشْقِيُّ، الخليفة، أنشأ مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجامع بني أمية بدمشق، وفتح بوابة الأندلس وبلاد الترك، كانت خلافته تسع سنين وسبعة أشهر، مات عام 96 هـ. الكامل في التاريخ لابن الأثير (4/ 241 - 242)، سير أعلام النبلاء للذهبي (1/ 1284).
(7) الكامل في التاريخ لابن الأثير (4/ 242)، شذرات الذهب لابن العماد (1/ 202).
(8) الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 71).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)

واشتغل بها؛ لذلك لم يكن غريبًا على ابن كثير أن يتجه إليه بكل طاقاته، وجهده، ووقته فينهل منه استماعًا، ومطالعةً، وحفظًا، وجمعًا، وتصنيفًا، وهذا التحصيل العلمي، والاطلاع الواسع على علوم الحديث، والدراسات التي دارت حوله سيظهر لنا حينما نتناول التحقيق.
وقد تلقى ابن كثير الحديث الشريف من جُمْلَة متميزة من خِيْرَةِ علماء دمشق وهم: عيسى المُطَعِّم (ت) (719 هـ)(1)، وابن الشِّحنة (ت 730 هـ)(2)، وابن الفاكهاني (ت 734 هـ)(3)، وابن الشِّيرازيُّ، وإسحاق الآمديُّ (ت 725 هـ)(4)، ومحمد بن الزَّرَّاد (ت 726 هـ)(5)، والمزّي، وابن تيمية، وابن الرَّضِيّ (ت 738 هـ)(6)، والذهبي، وابن السويديّ (ت 711 هـ)(7)، والقاسِم ابن عسَاكر (ت 723 هـ)(8)، وخلقًا(9).--------------------------------------------
(1) انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: (48).
(2) ابن الشحنة هو: أحمد بن أبي طالب بن نعمة. انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: 62).
(3) ابن الفاكهاني هو: عمر بن عليّ بن سالم اللَّخمي، الإسكندري. انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: 63).
(4) انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: 58 - 59).
(5) انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: 59).
(6) ابن الرَّضي هو: أبو بكر بن محمد بن الرَّضيّ عبد الرحمن بن محمد المَقْدسي، الصالِحي، القطَّان، مات عام 738 هـ. الذهبي: محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، معجم شيوخ الذهبي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1410 - 1990 م (ص: 679)، الدرر الكامنة لابن حجر (1/ 270).
(7) ابن السّويدي هو: الطبيب الشيخ محمد بن إبراهيم بن محمد الأنصاري، الغَرْناطي، السويدي. انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: 56).
(8) انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: 57).
(9) المعجم المختص للذهبي (ص: 75)، الدرر الكامنة لابن حجر (1/ 445)، ذيل تذكرة الحفاظ لأبي المحاسن الدمشقي (3/ 38)، البداية والنهاية لابن كثير (16/ 261)، درر العقود للمقريزي (1/ 313)، طبقات المفسرين للأدنروي (ص: 260 - 261)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: 93).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)

وسمّع أيضًا على الشيخ أحمد بن محمد بن عُمر بن عثمان الصقلي (ت 725 هـ)(1) شيئًا من (سنن البيهقي)(2)، وسمّع كتاب (سنن الدارقطني) وغيره على الشيخ يحيى بن إسحاق بن خليل الشيباني (ت 724 هـ)(3)(4)، وسمع على شيخه ابن الشحنة خمسين، وقيل: نحو خمس مئة جزءًا بالسماع، والإجازات(5)، وسمّع (صحيح مسلم) على الشيخ نجم الدين بن العَسْقلاني(6)(7)، وقرأ الكثير من الأجزاء والفوائد على الشيخ عبد الله بن محمد بن يوسف بن نعمة (ت 737 هـ)(8)(9).
وكان ابن كثير دائم التردد على العلماء والمحدثين، وملازمتهم؛ فلازَم شيخه ابن تيمية، وأخذ عنه الكثير، وبرَع في علومٍ عديدةٍ بملازمته(10)، ولازم شيخه الحافظ المزِّيّ، وسمّع عليه معظم تصانيفه، واستفاد منه وأكثر عنه(11).--------------------------------------------
(1) انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: (58).
(2) البداية والنهاية لابن كثير (16/ 184).
(3) انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: 58).
(4) البداية والنهاية لابن كثير (16/ 178).
(5) البداية والنهاية لابن كثير (16/ 232)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 54).
(6) لم أقف على ترجمته في المصادر التي بين يديّ، وقد ذكره ابن كثير أثناء ترجمته للوزير العالم محمد بن سهل الأزدي، ولعله هو الذي ذكره النعيمي في كتابه الدارس باسم: النجم بن هلال العسقلاني، مات عام 730 هـ. البداية والنهاية لابن كثير (16/ 231)، الدارس للنعيمي (1/ 125).
(7) النهاية لابن كثير (16/ 231)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: 72).
(8) انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: 63).
(9) البداية والنهاية لابن كثير (16/ 278).
(10) درر العقود للمقريزي (1/ 313)، المنهل الصافي لابن تغري بردي (2/ 415)، طبقات المفسرين للداوودي (1/ 112).
(11) إنباء الغمر لابن حجر (1/ 46)، درر العقود للمقريزي (1/ 313)، ذيل تذكرة الحفاظ لأبى المحاسن الدمشقي (3/ 38)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: 72).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)