* وحكي عن أبي الحسن(1): «أنَّه لا صيغة للعموم»، وهو مذهب المرجئة.
* وأما الفقهاء وأهلُ الظَّاهر: فذهبوا إلى أن للعموم صيغة تقتضي الاستغراق والشمول؛ لا من طريق نص في الاستغراق، ولكن من طريق الظاهر، وهو الذي نصره الشافعي في كثير من كتبه(2).
قالوا(3): والوعيد لا يلحق العصاة؛ لأنَّ الآيات المتناولة للوعيد متعارضةٌ، كقوله: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمِ}(4)، وقول تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا}(5)، وقوله: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ … الآية}(6). وهذه الآياتُ في معارضتها ومقابلتها آيات، كقوله تعالى: {لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَّحْمَةِ اللَّهِ}(7)، {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}(8)، فلم يمكن القول بالعموم مع التعارض، وهذا--------------------------------------------
(1) في المخطوط: (حنيفة)، وهو تحريف. قارن مع: «البحر المحيط» (3/20).
(2) نقل الزركشي عن إلكيا إنكاره أن يكون مذهب الشافعي هو أن دلالة العام على أفراده قطعية ــ كما نقله عنه إمام الحرمين والغزالي وابن القشيري والأبياري في شرح البرهان ــ، فقال الزركشي ما نصه: «قد أنكره الإمام أبو الحسن الطبري المعروف بـ إلكيا، فقال في كتابه التلويح: نُقل عن الشافعي أن الألفاظ إذا تعرت عن القرائن المخصصة كانت نصا في الاستغراق، لا يتطرق إليها احتمال، وهذا لم يصح عنه، وإن صح عنه فالحق غيره، فإن المسميات النادرة يجوز أن لا تراد بلفظ العام، ويجب منه أن التخصيص إذا ورد في موضع آخر كان نسخا، وذلك خلاف رأي الشافعي. انتهى». «البحر المحيط» (3/27). وانظر: «تخريج الفروع على الأصول» (ص 282).
(3) أي: المرجئة. ويحتمل أنها محرفة من: (قال)، أي: الأشعري. قارن مع: «البحر المحيط» (3/24).
(4) الانفطار: 13، 14.
(5) النساء: 93.
(6) النساء: 14.
(7) الزمر: 53.
(8) النساء: 48، 116.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
لا يعتمد عليه(1)(2).
فصل (3)
اعلم أنَّ «الألف واللام» إذا دخلت على ألفاظ الجموع، كان مقتضاها الاستغراق؛ هذا ما صار إليه كثير من الأصوليين والفقهاء.
وحكي عن أبي هاشم الجُبَّائي أنَّه قال: «لا يدلُّ على الاستغراق، بل يقتضي تعريف الجنس»(4).
فصل (5)
الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام، كان مقتضيا للاستغراق(6).--------------------------------------------
(1) قوله: (وهذا لا يُعتمد عليه) ملحق بالطرة دون الإشارة إلى موضعه، ولعل هذا موضعه الصحيح.
(2) قارن مع: «البحر المحيط» (3/24 - 25).
(3) انظر: «الوصول» (1/ 215).
(4) وقد أورد الزركشي هنا عن إلكيا مزيد تفصيل، ونصه: «ثم أنكر إلكيا هذا، وقال: الألف واللام معناها في لسان العرب تعريف العهد لا غير، هكذا قال سيبويه، وأن الألف الأصل لما كانت ساكنة، ولم يتوصل إلى النطق بها، وأن حرف التعريف هو اللام، فثبت أنه لا يصير عاما ومستوعبا بدخول الألف واللام، وقد كان ولم يكن مستوعبا قبل دخولها، ولو كان اللام مفيدا للاستيعاب لما صح دخوله على الأسماء المفردة؛ لأن معناه لا يتغير بكون الاسم مفردا أو مجموعا، كما لا يتغير معنى سائر الحروف.
قال: ولذلك زعم المحققون أن عموم قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ}، {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} في معناه، وهو ترتب الحكم على الوصف بفاء التعليل، وهو أقرب من ادعاء العموم من لفظه. ولعل إلكيا بني هذا على قول أرباب الخصوص، فإنه قال بعد ذلك: الصحيح أن هذه الألفاظ للعموم».
«البحر المحيط» (3/ 87). وقارن مع نفس الكتاب (3/ 88، 214).
(5) انظر: «المنخول» (ص 144)، «الوصول» (1/ 217).
(6) أي: لاستغراق الجنس. وقد نقل الزركشي عن الكيا تصحيحه لهذا القول. انظر: «البحر المحيط»
(3/ 98)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
وحكي عن أبي هاشم أيضًا أنه قال: لا يقتضي الاستغراق، وإنَّما هو [لتعريف] الجنس، كما تقدم مثل ذلك.
واعلم أن فائدة قولِ مَنْ قال: «إِنَّ ذكر الألف واللام لا يدلُّ على الاستغراق، وإنَّما يقتضي الجنس» يظهر فيما إذا حمل اللفظ على واحدٍ ممَّا يقتضيه؛ فإنَّه يقول: «قضيتُ حقَّ اللفظ لما ورد وإنَّما يقتضي الجنس، والواحد من الجنس».
ومن قال: «إنَّ ذكرهما يدلُّ على الاستغراق» يقول: «يجب(1) حمله على العموم إلا أن يَرِدَ دليل يقتضي التخصيص، ولا يكون قاضيًا حق اللفظ عند وروده إلا أن يحمله على الجمع والاستغراق، ولا يجوز حمله على واحد من الجنس»، والله أعلم.
فصل (2)
إذا ورد صيغة جمع الكثرة منكَرةً، دلت على الاستغراق عند علماء الجماعة.
وعند أبي هاشم الجُبَّائي: أنَّه لا يقتضي الاستغراق، بل يُحمل على أقل الجمع. قال: لأنَّ النَّاس قد اختلفوا في أقل الجمع؛ فقال قوم: هو اثنان، وقال قوم: هو ثلاثة؛ فقد اتفقوا على أنَّ الثلاثة جمع حقيقةً.
فمن قال: «إنَّ لفظ الجمع إذا ورد لا يقتضي الاستغراق» قال: «لأنه إذا حمل على ثلاثة، كان محمولاً على حقيقته؛ لأنه حقيقة في الثلاثة».--------------------------------------------
(1) في المخطوط: (لا يجوز)، وهو تحريف يحيل المعنى. والصواب ما أثبت.
(2) انظر: «المنخول» (ص 141)، «الوصول» (1/ 206).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
فَصْلٌ (1)
فأما ما أُلحق بالعموم وليس منه:
فمن ذلك: الأسماء المشتركة - كلفظ العين والقُرْء واللون(2) - وما جرى مجرى ذلك من الاسم الواحد الواقع على معاني مختلفةٍ إذا ورد مطلقًا، ولم يكن هناك قرينة تدل على أحدهما؛ قد اختلف الناس فيها:
* فصار صائرون إلى أنَّها تُحمل على الاستغراق، وكان عامًا فيهما جميعاً إذا تجرد عن قرينة تخصصه بأحدهما.
* وصار آخرون إلى أنها لا تقتضي الاستغراق، ولا يُحمل(3) عليهما جميعاً.
أما مَنْ قال: «يُحمل عليهما جميعًا» استدل على ذلك بأنَّ شوف الشَّرع إلى تكثير الفوائد والمنافع، لا إلى تقليل ذلك؛ وإذا لم ترد قرينةٌ، فقد تصدى لنا أمران؛ إما أن تُهمَل اللفظ ونطرحه؛ وإما أن نستعمله ونقرّره، فرأينا الإعمال أولى من الإهمال، فحملناه على العموم.
قيل لهم: إذا قلتم إنَّها مستغرقة وحملتم هذه الأسماء على العموم، لم يكن فرق بينها وبين ألفاظ العموم، فلا بُدَّ من الفرق وإظهار المزية، فما الفرق؟
* قالوا: الفرق بينهما أنَّ ألفاظ العموم إذا وردت وطرقت الأسماع بها:--------------------------------------------
(1) انظر: «البرهان» (1/ 235)، «المنخول» (ص 147).
(2) كذا في المخطوط و «البرهان» (1/ 235)، وفي أكثر المصادر: (الجون)، وفي بعضها - كـ: «الواضح» (3/ 232) - (اللون والجون).
(3) أي: الاسم المشترك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
- تُحمل على العموم قبل الفرض على [وجود] أدلة التخصيص، والبحث والفحص عنها؛ فإذا لم نلق(1)، حملناه على عمومه.
- فأما الأسماء المشتركة، فلا تحمل على الاستغراق إلا بعد البحث عن قرينة التخصيص، فإذا لم نلق، بل تجردت عن القرائن المخصصة بأحد معنييه، فحينئذ حملناه عليهما جميعاً. وهذا قول من خالف العامة والسُّنَّة(2)(3).
فَصْلٌ (4)
حُكي عن الشافعي أنَّه قال: «ترك الاستفصال في حكايات الأحوال مع الاحتمال يتنزل منزلة العموم في المقال»(5).
مثال ذلك: أن يُذكر للنَّبي صلى الله عليه وآله أنَّ زيدًا قد أفطر، فيقول: «عليه كفَّارةٌ»؛ فإنَّ إجابة الرسول صلى الله عليه عن السؤال وتركه للاستفصال عن كيفية الحال مع الاحتمال يُتنزَّل منزلة صريح المقال.
وذلك لأنَّ اللفظ يحتمل أن يكون بالجماع أو بالأكل والشرب؛ فإيجابه--------------------------------------------
(1) أي: أدلة التخصيص. والرسم مشتبه في المخطوط، والمثبت هو الأقرب للرسم والسياق.
(2) قوله: «وهذا قول من خالف العامة والسنة» ملحق بالطرة دون إشارة، فلعل هذا موضعه. انظر: الحاشية التالية.
(3) نقل الزركشي عن إلكيا مبالغته في رد هذا القول، ونقل عنه عبارةً ليست في تعليقتنا إلا أنها تتفق مع مضمون الكلام هنا، ونص ما نقله عنه: «هذا غلط، فإنه لم يوضع وضع عموم، ولكن وضع لأحاد المحامل على البدل، فالتعميم فيه إخراجه عن موضوعه، وإلحاقه بقبيل آخر. قال: وهذا قاطع». «البحر المحيط» (3/ 166).
(4) انظر: «البرهان» (1/ 237)، «المنخول» (ص 150).
(5) في المخطوط وردت العبارة هكذا: (ترك الاستفصال في محل الأقوال وكنايات الأحوال تثزد منزلة العموم في المقال)، وهي محرفة كما ترى، والمثبت من المصادر السابقة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
الكفَّارة عليه مع هذا الاحتمال يقتضي كونَ الحُكم عاما في المواضع؛ سواءً كان الجماع هو الذي أفطر به أو غيرُه، فيكون كأنه صلى الله عليه صرَّح بلفظ عام ابتداءً فقال: «من أفطر فعليه كفَّارةٌ»؛ فإنَّه يُحمل على العموم في حق كلِّ من أفطر؛ فكذلك في المثال الذي ذكرناه؛ لأنه لم يستفصل عن الحال عند السؤال.
فهذا عام لا من جهة اللفظ(1)، بل بقرينة [حال] الرسول صلى الله عليه؛ حيث لم يستفصل، ولم يسأل عن حقيقة الحال؛ فإنَّ هذا وقت الحاجة، ولا يجوز له صلى الله عليه أن يؤخّر البيان عن وقت الحاجة؛ فلما أمسك، عُلم أنَّ الحكم لا يختلف، بل هو عام، والعموم المتلقّى من حاله لا يجوز أن يُضاف إلى اللفظ الذي لا دلالة فيه على العموم(2).
فَصْل (3)
ومما يلحق بالعام أيضا:
إذا سأل سائل النَّبيَّ صلى الله عليه عن حكم خاص في حق نفسه، وعن شيء وقع له، وواقعة حدثت له، فيجيبه صلى الله عليه، فيقول: «عليك كذا وكذا» ــ كما قال للمجامع: «أعتق رقبة»(4):--------------------------------------------
(1) هذا القول حكاه الزركشي عن إلكيا، وجعله مذهبا مستقلا في المسألة، حيث قال: «والثالث: أنه
ليس من أقسام العموم، بل إنما يكفي الحكم فيه من حاله عليه السلام، لا من دلالة الكلام، وهو قول
إلكيا الهراسي». «البحر المحيط» (3/ 149).
(2) كتب على الطرة بمحاذاتها بقلم أحمر: «أصحاب أبي حنيفة يخالفون هذا». وكتب بعدها بالسواد:
قالوا: إن كان النَّبيُّ عالما بالحال: لم يكن الحكم عاما، وإن لم يكن عالما بالقضية: اقتضى
العموم، والظاهر أنها من إضافات الناسخ.
(3) انظر: «البرهان» (1/ 238)، «المنخول» (ص 150).
(4) أخرجه البخاري (6164) من حديث أبي هريرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
فإنَّ هذا الحكم يكون عاما، ويكون غيرُ السائل داخلا في هذا الحكم، ويلزمه مثل ما يلزم السَّائل إذا وُجد منه مثل ذلك السبب؛ لا تلقيا من اللفظ، ولكن من دليل آخر - وهو قوله صلى الله عليه: «حكمي في الواحد حكمي في الجماعة» _(1).
وأما اللفظ المنقول، فلا دلالة فيه على العموم بحال، ولأنه قد ثبت من وضع الدين وقواعد الشرع أنَّ النَّاس في الشَّرع شَرَع(2)، وفي الدُّنيا(3) فوضى.
فَصْل (4)
ومما ألحق بالعموم:
وهو أن يُسأل النبي صلى الله عليه عن حكم، فيعلله بعلَّةٍ تُوجد في غيره، فيكون ذلك الحكم عاما، حتَّى إِنَّ حكم غير المسئول عنه إذا وجدت العلة التي علل بها صلى الله عليه - حُكْمُ المسئول عنه.
مثال ذلك: ما روي عنه صلى الله عليه [أنه] سئل عن الهرة، فعلل فقال: «إنَّها من الطَّوافين عليكم والطَّوافات»(5)؛ فإنَّه يُلحق بهذا الفأرة وابنُ--------------------------------------------
(1) هذا مشهور في كتب الأصوليين، إلا أنه لا يوجد حديث بهذا اللفظ. ويؤدي معناه ما أخرجه أحمد (27008)، والترمذي (1597) وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة». انظر: «تحفة الطالب» لابن كثير (ص 245)، «موافقة الخبر الخبر» (1/ 527)، «كشف الخفاء» (1/ 364).
(2) أي: سواء.
(3) في المخطوط: (الدين).
(4) انظر: «المعتمد» (1/ 208)، «القواطع» (1/ 272)، «الواضح» (5/ 497).
(5) أخرجه أحمد (22528، 22580، 22636)، وأبو داود (75)، والترمذي (92)، والنسائي=
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
عرس والحشرات وغيرها ممَّا وُجد فيه هذه العلة.
يبقى أن يقال: هل هذا الإلحاق على هذا الوجه طريق مسلوك معمول به أم لا؟
نحن نشرح ذلك في كتاب القياس إن شاء الله(1).
فَصْلٌ معقود في بيان مجمل(2) الأدلة المخصصة التي بها يُعرف التخصيص (3)
وينبغي أن يُقدم على ذلك بيان معنى التخصيص في نفسه لغة واصطلاحا.
اعلم أنَّ التخصيص - في اللغة -: «هو إفراد الشَّيء بالذكر»، وقولنا: «خصَّ الشَّيْءَ»، أي أفرده بالذكر.
وهو في اصطلاح الأصوليين: «عبارة عن بيان مراد المتكلم من اللفظ العام، وأنَّ ما قام الدليل على تخصيصه لم يكن مرادًا باللفظ»؛ فإذا سمعت الفقيه يقول: «إِنَّ هذا مخصوص أو خاص»، «أو خُصَّ العموم»: فاعلم أنه ليس المراد به أنَّ اللفظ العام صار خاصا، ولا أنَّ اللفظ انقلب عن وصفه وحقيقته، وإنَّما معناه أنه علم مراد المتكلم من خطابه(4).--------------------------------------------
= في «الكبرى» (63)، وفي «المجتبى» (68، 340)، وابن ماجه (367) وغيرهم من حديث أبي قتادة.
(1) وهذا الكتاب غير موجود في تعليقتنا.
(2) الرسم مشتبه في المخطوط، وقد اجتهدنا في قراءته.
(3) انظر: «المعتمد» (1/ 251)، «البرهان» (2/ 856)، «المنخول» (ص 162).
(4) قارن مع: «البحر المحيط» (3/ 241).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
إذا ثبت هذا؛ فاعلم أنَّ التخصيص ينقسم:
* إلى تخصيص زمان.
* وتخصيص أعيان.
فالتخصيص في الأزمان هو النَّسخُ.
والتخصيص في الأعيان هو ما قصد إثباته، وأنَّ ما خُصَّ، لم يكن مرادًا باللفظ.
والحقيقة في النسخ وفي التخصيص واحدةٌ؛ فهذا بيان ما لم يرد من الأعيان، وذا بيان ما لم يُرد من الزَّمان بعد(1) النسخ.
وبيانه: الأمر بالصلاة إلى بيت المقدس، ثُمَّ بعد ذلك الأمر بالصلاة إلى الكعبة؛ فإنَّا لما أمرنا بالصلاة إلى الكعبة، علمنا أن مراد الله تعالى كان في فعل الصلاة إلى بيت المقدس ذلك القدر من الزمان.
وقد قال بعض الفقهاء: إِنَّ النَّسخ ليس بتخصيص، وبينهما فروق؛ لأنَّ النسخ إنَّما يكون في النصوص، والتخصيص يكون في العمومات والظواهر.
فصل معقود في بيان القرائن المخصصة للعموم (2)
اعلم أن القرائن تنقسم:
* إلى قرائن حالية.--------------------------------------------
(1) في المخطوط: (نظر)، ويظهر أنه تحريف. ولعل المثبت هو الصواب.
(2) انظر: «البرهان» (1/ 253)، «المنخول» (ص 154).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
* وإلى قرائن مقالية:
- فأما القرائن الحالية؛ فلا يمكن حصرها وعدها، ولا وصفها ونعتُها؛ وإِنَّما يختص علمها بمن يشاهدها ويعاينها.
- وأما المقالية، فتنقسم إلى:
* متصلة.
* ومنفصلة.
- فالمنفصلة تنقسم:
* إلى قطعي يوجب العلم.
* وإلى ظنّي يوجب الظَّنَّ.
- فأما ما يوجب العلم: فأدلة العقل؛ فإنَّ الله تعالى قال: {اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ}(1)، فدل العقل أنه تعالى وصفاته لا تدخل تحت هذا اللفظ. وكذلك قوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}(2).
ومن الأدلة القطعية: نص كتاب الله تعالى، والأخبار المتواترة، والإجماع.
- وأما التي توجب الظَّنَّ: فأخبار الآحاد، والأقيسة الجلية.--------------------------------------------
(1) الرعد: 16، الزمر: 62.
(2) آل عمران: 185، الأنبياء: 35، العنكبوت: 57.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
فَصْلٌ (1)
وممّا عُدَّ من القرائن المخصصة وليس منها:
الرّقُّ ليس بقرينة مانعة من دخول العبيد تحت مطلق الخطاب الذي يتناول المسلمين؛ هذا ما عليه الجمهور من الأصوليين، وهو الصحيح(2).
وقال قوم: إِنَّ الرِّقَّ قرينة مانعة تمنع دخولهم تحت مطلق الخطاب(3).
فَصْلٌ (4)
وممّا عُدَّ من القرائن المخصّصة وليس منها: هو أنَّ الرسول صلى الله عليه؛ هل يدخل في الخطاب العام أم لا؟
قد اختلف النّاس في ذلك:
* فقال قوم: إنَّه لا يدخل تحت مطلق خطاب الأمة.
* وقال آخرون: إنَّه يدخل تحت مطلق الخطاب؛ ويقولون: إنَّ اللفظ شامل صالح للرسول عليه السلام وغيره، وهو الصحيح.--------------------------------------------
(1) انظر: «البرهان» (1/ 243)، «المنخول» (ص 143)، «الوصول» (1/ 219).
(2) نقل الزركشي اختيار إلكيا في هذه المسألة. انظر: «البحر المحيط» (3/ 181).
(3) كتب في الطرة: (الأول عند ح). ويعني بذلك أبا حنيفة أو الحنفية. انظر: «تيسير التحرير» (1/ 253).
(4) انظر: «البرهان» (1/ 249)، «الوصول» (1/ 222).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
فَصْلٌ (1)
إذا حكم الله تعالى في حقّ رسوله صلى الله عليه بحكم وأمره بأمر؛ هل تشاركه فيه الأمة(2)، ويكون الحكم عامًا لهم، أم يكون النبي صلى الله عليه مختصًا به؟ اختلف فيه:
* فالصحيح: أنه يكون عامًا، ويكون حكم غيره حكمه فيه(3)، كما إذا حكم النبي صلى الله عليه في حق واحد من أمته بحكم؛ فإن الحكم يكون عامًا في الكل، شائعًا في حق الجميع؛ كذلك هاهنا؛ تأسّسيا بالنَّبي صلى الله عليه وآله؛ لقول الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}(4).
* وقال قوم: إنه يكون مختصا به(5)؛ لأنَّه يختص بخصائص لا يشاركه فيها أحد، فكان هذا من جملتها.
فَصْلٌ في أنَّ المخاطب؛ هل يدخل تحت الخطاب العام أم لا؟(6)
اختلف الأصوليون فيه:
* فقال قوم: لا يدخل تحته.--------------------------------------------
(1) انظر: «التبصرة» (ص 240)، «البرهان» (1/ 250).
(2) كتب في الطرة بجنبها: (أمته).
(3) بمحاذاتها في الطرة بقلم أحمر: (عند ح)، ويعني أبا حنيفة أو الحنفية.
(4) الأحزاب: 21.
(5) إلا بدليل. ونسبه الشيرازي في «التبصرة» إلى الأشعرية.
(6) انظر: «البرهان» (1/ 247)، «المنخول» (ص 143)، «الوصول» (1/ 179).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
* وقال آخرون: يدخل تحته(1).
فَصْل (2)
ومما عُدَّ من القرائن المخصصة وليس منها:
خصوص السَّبَب الذي ورد الخطاب عليه.
فلقد اختلف الأصوليون في خصوص السَّبَب، هل يمنع التَّعلُّق بعموم اللفظ أم لا؟
* فقال قوم: إنَّ ورود الخطاب العام على سبب خاص يمنع التعلُّق بعموم اللفظ، ويقتصر اللفظ على السَّبَب.
* وقال آخرون: إنَّه لا يمنع التعلُّق بعموم اللفظ، ولا يقتصر اللفظ على السَّبَب، بل يجري على عمومه؛ وهو الصحيح(3).--------------------------------------------
(1) هكذا جاءت المسألة في المخطوط، وفيها نقص ظاهر، ونقل الزركشي عن الكيا كلاما فيها ليس موجودا عندنا، حيث قال ما نصه: «القول الموجز فيه أن موجب الخلاف الاندراج، ولكن اشتهر عرف الاستعمال بخلافه، وذلك لا يوجب تأثيرا في موجب اللفظ إلا أن يكون عرف الاستعمال راجعا إلى غير اللفظ، لا إلى حال المخاطب. قال: وهذا دقيق قاطع خيال المخالف». «البحر المحيط» (3/ 193).
(2) انظر: «البرهان» (1/ 253، 363)، «المنخول» (ص 151)، «الوصول» (1/ 225).
(3) نقل الزركشي تصحيح إلكيا. «البحر المحيط» (3/ 203). ونقل كذلك عنه مسألة أخرى، وهي: أن العام الذي لم يرد على سبب أقوى من الذي ورد على سبب. انظر: (3/ 131) من نفس الكتاب. وجاء في موضع آخر كذلك أنه قال: «العام الذي لم يرد على سبب أقوى وهذا دونه، قال: ولا جرم قال الشافعي إن قوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} الآية لا نرى دلالته على حصر المحرمات فيما رآه مالك؛ فإنه نزل على سبب، وهو عادة العرب في تناول الموقوذة والمتردية، فيحتمل أن يكون أراد لا محرم مما يأكلون إلا كذا وكذا يعم، قد بان الشرع بصيغة=
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
واعلم: أنَّ المسألة مفروضة في لفظ لا يستقل بنفسه دون سببه، كقوله صلى الله عليه - وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر: «أينقص الرطب إذا يبس؟» فقيل: نعم، فقال: «فلا إذا»(1).
ولذلك أمثلة كثيرة:
* منها: ما رُوي أنه صلى الله عليه سئل عن ماء بئر بضاعة، أيتوضأ بها؟ - وأنَّها يُطرح فيها لحوم الكلاب والمحايض -، فقال صلى الله عليه وآله: «خُلق الماء طهورا، لا ينجسه شيء؛ إلا ما غير طعمه أو ريحه»(2).
* وكذلك: قوله صلى الله عليه - وقد سئل عن رجل اشترى عبدا فاستغله، ثُمَّ وجد به عيبًا فردَّه، فطالبه البائع بالغلة والخراج، فقال: «الخراج بالضمان»(3).--------------------------------------------
= في تمهيد قاعدة. ثم يجعل محل السؤال كالفرع له، أو كالمثال، فذلك لا يوهن التعلق بعموم اللفظ، كقوله: "إنما الأعمال بالنيات"، ثم قال: فمن كانت هجرته الحديث. ومحل السؤال الهجرة، ولكن اللفظ لا يتأثر ولا ينحط عن غيره … ». «البحر المحيط» (3/ 209 - 210).
(1) أخرجه أبو داود (3359)، والترمذي (1225)، والنسائي في «الكبرى» (5991)، وابن ماجه (2264)، وأبو يعلى في «مسنده» (825)، والطوسي في «مستخرجه» (1134) وغيرهم من حديث سعد بن أبي وقاص.
(2) لم نجده بهذا اللفظ، وأخرجه أحمد (11119)، وأبو داود (67)، والترمذي - وحسنه - (66) وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: «إنَّ الماء طهور لا ينجسه شيء»، وأخرج ابن ماجه (521)، والطبراني في (الكبير) (7503) «والأوسط» (744)، والدارقطني (47، 49)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (1229) من حديث أبي أمامة مرفوعا: «الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه»، وفيه رشدين بن سعد، وهو ضعيف. وله طريق آخر عند عبد الرزاق (264) عن عامر بن سعد مرسلا، وقال البيهقي عقب الحديث: «والحديث غير قوي … »، يعني قوله: «إلا ما غلب على ريحه أو طعمه».
(3) أخرجه أحمد (24224، 25999)، أبو داود (3508، 3509، 3510)، والترمذي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
* وكذلك: روي أنه صلى الله عليه اجتاز على جماعة واقفين على شيء، فسأل عن ذلك، فقيل: «امرأة مقتولة»، فقال صلى الله عليه: «ما بالها قُتلت وهي لا تقاتل؟!»(1).
ففي مثل هذه المواضع نقول: المعتبر عموم اللفظ، لا خصوص السبب، ونحتج بعموم اللفظ، فنسوي بين بئر بضاعة وغيرها، ويُسوَّى بين البيع وغيره.
فَصْلٌ (2)
ومما عُدَّ من القرائن المخصصة وليس منها(3):
تخصيص العموم.
اختلف النَّاس في العموم إذا خُصَّ؛ هل يجوز التعلق به أم لا؟
* فالذي عليه جماهير العلماء: جواز التعلق بالعموم المخصوص.
* وقال عيسى بن أبان: «لا يجوز الاحتجاج به»(4).--------------------------------------------
= (1285، 1286)، والنسائي في «الكبرى» (6081)، و «المجتبى» (4490)، وابن ماجه (2243) وغيرهم من حديث عائشة رضي الله عنهما.
(1) أخرج نحوه أحمد (15992)، وأبو داود (2669)، وابن حبان في «الصحيح» (ترتيب ابن
بلبان) (4791) وغيرهم من حديث رباح بن الربيع رضي الله عنه.
(2) انظر: «البرهان» (1/ 275)، «المنخول» (ص 153)، «الوصول» (1/ 233).
(3) كذا في المخطوط، والمسألة معقودة لبيان أن العام إذا خص هل يجوز الاحتجاج به أم لا؟ وأما قوله: (ومما عد من القرائن المخصصة، وليس منها) يحتمل أن المعلق أضافه خطأ أو أن هناك مسألة ساقطة قبل مسألتنا هذه.
(4) حكاه القفال الشاشي عن أهل العراق، والغزالي عن القدرية. ونقل الزركشي عن الكيا مزيد كلام في المسألة، حيث قال: «وحُجَّتُهم أنَّ اللفظ موضوع للاستغراق، وإنَّما يخرج عنه بقرينة، =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
* وقال القاضي أبو بكر: «العموم إذا خُصَّ: صار مجازا، ولكن يجوز التعلق به، بل ربما وجب أن يُحتج به»(1).
* وقال آخرون(2): إن كان التخصيص بدليل منفصل: صار مجازا، لا يجوز التعلق به؛ وإن كان بدليل متّصل - كالتقييد بالشَّرط والصفة أو الاستثناء -: لا يصير مجازاً، ويجوز التمسك به.
* وقال قوم(3): إن خُصَّ بدليل معلوم: جاز التعلق به؛ وإن خُصَّ بدليل--------------------------------------------
= ومقدار التأثير للقرينة في اللفظ مجهول، فلا يدل عليه فيصير مجهولا.
قال: وهو متجه جدا، وغاية ما يرد عليه بأمرين:
أحدهما: أن الصحابة والتابعين علموا بما تطرق إليه التخصيص من العموم. وله أن يجيب بأنهم نقلوه من القرائن التي شاهدوها وألفوها، وكانوا بمرأى من الرسول، ومسمع من الوحي.
الثاني: أن صيغة العموم ليست نصا في الاستغراق لاحتمال إرادة الخصوص، وإجراء اللفظ على غالب المسميات من غير قرينة تخطر بالبال. نعم، إن كان مضمون التخصيص استثناء ما لا يشذ عن الذهن عند إطلاق اللفظ، فيتجه ما قاله عيسى بن أبان، ثم قضيته أنه لا يجوز التخصيص إلا بما يجوز النسخ به بأنه إسقاط أمر اللفظ العام، والممكن في الجواب عنه أن القدر الذي ظهر من القرينة أمرنا باتباعه، ولا يقدر وراءه قرينة هي غائبة عنا؛ فإن ذلك يلزم مثله في العموم الذي لم يتناوله تخصيص إجماعا؛ لإمكان أنه بناه على سؤال، وقرينة حال». «البحر المحيط». (3/ 269).
(1) نقل الزركشي أنَّ إلكيا نسب هذا القول إلى المحققين. انظر: «البحر المحيط» (3/ 259).
(2) وهو قول أبي الحسن الكرخي وأبي الحسين البصري وغيرهما. انظر: «التبصرة» (ص 122، 123). ونقل الزركشي عن إلكيا أنه قال: «ولكنه دونه (كذا، ولعلها دون) ما لم يتطرق التخصيص إليه، فيكسبه ضربا من التجوز، ولو رُجح نهيه عليه السلام عن أكل كل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير على عموم قوله: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} الآية بأن التخصيص يتطرق إليها، لكان الخمر والقاذورات المحرمة خارجة عنها». «البحر المحيط» (3/ 268 - 269).
(3) نسبه البدر الزركشي لبعض الحنفية. انظر: «سلاسل الذهب» (ص 244).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
مجهول: لا يجوز التعلُّق به(1).
فَصْلٌ فيما أُلْحِق بالعموم وليس منه (2)
وهو صيغ التذكير في جموع السلامة؛ إذا ورد مطلقا:
* يختص بالذكور، ولا يتناول الإناث(3)؛ هذا ما اختاره الشافعي، وإليه صار المحققون من الأصوليين.
* وذهب شراذم من الأصوليين إلى أنهنَّ يدخلن تحت مطلق اللفظ، وبه قال داود.
واعلم أنَّ ما ذكره الشافعي [مبنيٌّ] على أمرين:
أحدهما: أن صيغة الجمع يبتني على التثنية ويتنوع عليه، والتثنية مبنية على لفظ الوحدان، وقد فرّق في الوحدان والتثنيات بين المذكر والمؤنث في وضع اللغة قطعاً؛ فإنَّه يقال: مسلم، ومسلمان، ومسلمةٌ، ومسلمتان.--------------------------------------------
(1) وقد نقل الزركشي عن الكيا أن الكلام في هذه المسألة يقرر: «هل العام المخصوص حجة أم لا؟»، ثم إذا تقرر يكون الخلاف: «هل هو مجاز أو حقيقة؟»، وقد نبه الزركشي أن هذا عكس ما ذكره أبو حامد الإسفراييني وسليم، فقال ما نصه: «لكن إلكيا الطبري عكس ذلك، فقرر كونه حجة. ثم قال: وإذا تقرر أنه ليس بمجمل فاختلفوا هل هو مجاز أم حقيقة؟ والطريقة الأولى أقعد وأحسن». انظر: «البحر المحيط» (3/ 265).
(2) انظر: «البرهان» (1/ 244)، «المنخول» (ص 143)، «الوصول» (1/ 211).
(3) فدخول النساء يكون تبعا، وليس من عموم اللفظ. وقد نقل الزركشي اختيار إلكيا في هذه المسألة. انظر: «البحر المحيط» (3/ 179).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
والثاني: أن قال: وقد صح في الحديث(1) أن أم سلمة قالت: «يا رسول الله، إنَّ الله تعالى أكثر ذكرَ الرّجال في القرآن، ولا نجد للنساء ذكرًا، فنزلت الآية: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ}(2)، وقوله: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتِ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}(3)»، فلو كان جمع الذكران يتناول الإناث وأنَّ النساء يدخلن في مطلق الجمع: لما سألتِ النَّبيَّ صلى الله عليه عن ذلك.
مسألة(4)
* اعلم أنَّ أدوات الشروط كُلَّها تقتضي العموم، [مثل]: «من»(5)، و «ما»، و «أينما»، و «حيثما»؛ هذا ما عليه أهل اللغة، وطابقهم عليه الأصوليون.
* وذهب شراذم من متفقهة أصحاب أبي حنيفة الذين لا علم لهم بالأصول: أن لفظة «من» تختص بالذكور، ولا تقع على الإناث.
وهذا الذي ذكره هؤلاء غير صحيح؛ فإنَّ صيغة «من» موضوعةٌ للذكور والإناث، وتشتمل الفريقين شمولاً واحداً(6). وقد قالوا: إِنَّ «من» لمن يعقل،--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد (26575، 26603)، والنسائي في «الكبرى» (11341) وغيرهما، وليس في شيء من روايات الحديث ذكر للآية الثانية التي أوردها الإمام الكيا.
(2) الأحزاب: 35.
(3) الفتح: 5.
(4) انظر: «المستصفى» (2/ 733)، «الوصول» (1/ 214).
(5) في المخطوط: (كم)، وهو خطأ ظاهر؛ إذ إنها ليست من أدوات الشروط، والمثبت هو الموافق للسياق.
(6) قارن مع: «البحر المحيط» (3/ 177).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
وأذن لنا في إطلاقها على الله تعالى، قال الله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ}(1)، {أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا}(2)(3)
فصل(4) اعلم أن التخصيص يقع بالأدلة المنفصلة، والأدلة المتصلة.
أما المتصلة: فتكون بالاستثناء والتقييد بالشرط(5) والصفة.
والاستثناء مأخوذ من: «ثنى الشيء»؛ أي عطفه، فكأن الكلام كان مسترسلا على مقتضاه، ثم بالاستثناء ثنى أعطافه، فرد أطرافه، صار كأنه قبض بعضه عن بعض؛ قال الله تعالى: {ثَانِيَ عِطْفِهِ}(6)، وقال تعالى: {إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ}(7).--------------------------------------------
(1) الملك: 16.
(2) النمل: 61.
(3) نقل الزركشي عن الكيا تصريحه بأن (أي) ليست من صيغ العموم، وليس هذا مما هو موجود في تعليقتنا. فقال عنه ما نصه: «وأما "أي" فهو اسم فرد يتناول جزءا من الجملة المضافة، قال تعالى: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا}، وإنما جاء به واحد، وقال: {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}. والعرب تقول: أي الرجال أتاك؟ ولا تقول: أي الرجال أتوك؛ إذ لا عموم في الصيغة. انتهى». «البحر المحيط» (3/ 78 - 79). وقارن مع: «البحر المحيط» (3/ 257).
(4) وسيتكرر هذا الفصل بأتم مما هنا، وسبق نحوها. أما ما يتعلق بتعريف الاستثناء وحقيقته، فانظر: «التقريب» (3/ 126)، «التلخيص» (2/ 60)، «الواضح» (3/ 460).
(5) نقل الزركشي عن الكيا قوله: «من حق الشرط أن يخص المشروط، وليس من حقه أن يختص به». «البحر المحيط» (3/ 334). ونقله عنه تصريحه «بأنه إذا قدر للعموم شرط متقدم أو متأخر اقتضى تخصيص المشروط». المصدر السابق (3/ 337).
(6) الحج: 9.
(7) هود: 5.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
فصل (1)
فأما الاستثناء المنفصل: فباطل؛ هذا ما اتفق عليه الكل.
وروي عن عبد الله بن عباس رحمه الله أنه قال: «هو صحيح»، وهذا لا يليق به، ولا يصح عنه.
ووجه فساده: إجماع الناس على [أن] من أقر لغيره بمال، ثم بعد شهر استثنى: عد هاذيا بنفسه، وإقراره لازم.
وحكم الاستثناء المنفصل حكم خبر المبتدأ إذا تأخر، كقول القائل: «زيد»، ثم يقول بعد أيام: «قائم»، فإنه لا يعقل(2).
فصل (3)
* الاستثناء من غير الجنس جائز، وقد نقل الفقهاء عن الشافعي أنه قال: «لو أقر مقر فقال له: "علي عشرة إلا ثوبا"، صح الاستثناء».
* أما أصحاب أبي حنيفة: فأنكروا ذلك. وأما أبو حنيفة؛ فنقل(4) عنه أنه يجوز استثناء المكيل من المكيل والموزون من الموزون؛ فإن اختلف الجنس فيقول(5): «له علي عشرة دنانير إلا درهمين»، وكذلك يقول: «له علي--------------------------------------------
(1) انظر: «البرهان» (1/ 261)، «المنخول» (ص 157)، «الوصول» (1/ 238).
(2) كذا في المخطوط، ويظهر أن المسألة لم تكتمل.
(3) انظر: «البرهان» (1/ 260، 268)، «المنخول» (ص 159)، «الوصول» (1/ 241).
(4) قوله: (وأما أبو حنيفة) في المخطوط: (وقال أبو حنيفة نقل)، ولعل الصواب ما أثبت.
(5) أي: المستثني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)