وفصل الاستسعاء من الحديث، فجعله من رأي قتادة وقوله، لا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم(1).
و (الاِستِسعَاء): من السعي، وهو طلب الكسب، و (مَشقُوقٌ عَلَيْهِ): من المشقة، و (الشِّقصُ) و (الشَّقِيصُ): النصيب، و (الشِّركُ) و (الحِصَصُ): جمع حصة، وهي وهي النصيب.
ومن باب الولاء لمن أعتق
[282] حديث بريرة(2): في الحديث دليل على إباحة قبول هدية الفقير؛ وإن كان أصلها صدقة، وفيه: أن بيع الأمَة ذات الزوج ليس بطلاق لها، وقال بعض العلماء: إن بريرة عجزت؛ فلذلك استجيز بيعها(3).
وقيل معنى: (وَاشتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ)؛ أي: عليهم، ومثله: {أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ} [الرعد: 25] أي: عليهم اللعنة، وفيه دليل أن الولاء لمن يعتق، وإذا ثبت فلا يجوز تحويله، ولا هبته، وفيه أن الشرط إذا كان مع العتق فإنه لا يفسده، وفيه: أن الأمَة إذا أعتقت تحت حر؛ لم يكن لها خيار.
وفي حديث هشام بن عروة: (وَلَو كَانَ حُرًّا لَم يُخَيِّرْهَا) بيان شاف ألا خيار لها إذا كانت تحت الحر، وفيه: أن المكاتب إذا اعترف بالعجز عن أداء الكتابة؛ جاز له فسخ الكتابة، وقيل: قوله: (اشْتَرِطِي لَهُمُ) أمر بمعنى الإيعاد(4)، وفيه:--------------------------------------------
(1) الطبقات الكبرى: 7/ 202، الضعفاء لابن الجوزي: 1/ 323، تهذيب التهذيب: 4/ 64.
(2) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: 1504، وأخرجه البخاري برقم: 2561.
(3) هذا تأويل حديث بريرة لبعض من لم ير بيع المكاتب، ونسبه ابن مزين الأندلسي في تفسير الموطأ لعيسى بن دينار، ينظر: تفسير الموطأ للقنازعي: 1/ 403.
(4) الإيعاد في كلام المؤلف بمعنى: الوعد؛ من باب التجوز.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)
أن الشرط في العتق جائز، وذلك مخصوص، وفيه أن الصدقة لم تكن تحل للنبي صلى الله عليه وسلم، وفيه: أن المكاتب يوضع عنه شيء لا بد منه، وفي قولها: (كَاتَبتُ أَهْلِي عَلَى تِسع أَوَاقٍ) دلالة على إجازة الكتابة معلومة، وقوله: (كُلّ سَنَةٍ أُوقِيَّةٌ) أي: يكون الأداء مقرونا بانقضاء كلِّ سنة.
وفي الحديث دلالة على معونة المكاتب، والدليل عليه قبوله وفك الرقبة، وفي اختلاف بريرة إلى عائشة رضي الله عنها وإلى مواليها مساوِمة بنفسها؛ دلالة على رضاها بالعيب، ودلالة على أنها إذا رضيت بأن تباع جاز، ويكون رضاها دليل(1) على العجز، وفيه: أن شرط العتق في الشراء جائز، وفيه: إجازة أخذ نجوم المكاتب(2) من مسألة الناس؛ لترك النبي صلى الله عليه وسلم زجر بريرة عن سؤال عائشة رضي الله عنها.
وفي قوله: (كُلُّ شَرطٍ لَيسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ)(3) الزجر عن اشتراط ما لا يجوز شرطه، وفيه: أن كل ما حكم به نبي الله صلى الله عليه وسلم فجائز أن يقال إنه حكم الله تعالى وقضاؤه.
وفي بيع المكاتب دليل أن المكاتب عبد، وفيه دليل أنه لا يجوز له الجمع بين أربع نسوة، ولا يجوز له أن يتسرى، كما لا يجوز للعبد، وفيه: أن المكاتب إذا قُذف لم يكن على قاذفه حد، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَن قَذَفَ مَملُوكَه ضُرِبَ لَهُ الحَدُّ يَومَ القِيَّامَة)(4) فلو ضُرب في الدنيا لم يُثَنَّ عليه في الآخرة.--------------------------------------------
(1) هكذا في الأصل، وسياق الكلام يقضي بكونه خبرا منصوبا.
(2) من تنجيم الدين، وهو جعله أقساطا ومقادير، وأصله أن العرب كانت تجعل مطالع منازل القمر ومساقطها مواقيت حلول الديون، ينظر: النهاية: 5/ 24، اللسان: 12/ 570.
(3) هذا لفظ النسائي برقم: 3451، ولفظ مسلم: (ما كان من شرط ليس في كتاب الله عز وجل فهو باطل).
(4) رواه مسلم برقم: 1660، بلفظ قريب (من قذف مملوكه بالزنا، يقام عليه الحد يوم القيامة)،=
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)
وفيه: إجازة بيع الأمَة في العتق دون ولدها، لأن في خبر ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّهُ أَبُو وَلَدِكِ)(1) يريد زوج بريرة، وإذا لم يكن الشراء بشرط العتق؛ لم يجز بيعها دون ولدها.
وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: (شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ) دلالة ألا حق لأحد مع شرط الله تعالى بخلاف شرطه، وفيه دلالة أن كل لحم يشتريه مسلم من مسلم؛ فجائز أكله من غير أن يسأل: أذكاة مسلم أم مجوسي؟(2)، وفيه: قبول رواية المرأة؛ لما ذكر أن عائشة رضي الله عنها قالت: (أُهْدِيَ لِبَرِيرَة)(3).
وفي سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لبريرة أن تَقرَّ عند زوجها بعد الحرية، دلالة على إباحة تزويج العبد الحرة، وفيه دلالة أن الإمام إذا أراد عظة رعيته قدم قبلها حمد الله والثناء عليه، وفيه: أن الأمَة إذا بيِعت لم تُطلَّق من زوجها، لأن بريرة بيعت ولها زوج، فخيَّرها النبي صلى الله عليه وسلم بعد البيع، واختلفت الرواية في خبر عائشة، رضي الله عنها فروى أهل العراق أنه كان حرًّا(4)، وروى أهل الحجاز أنه كان عبدًا(5)، فإن صحت الروايتان تعارضتا وسقطتا، وانفرد الحكم لحديث ابن عباس رضي الله عنه--------------------------------------------
= والبخاري بنحوه: 6858.
(1) رواه النسائي برقم: 5417، وابن ماجة برقم: 2075.
(2) في حديث بريرة أنها أهدت عائشة لحما، فأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم.
(3) اللفظ عند مسلم: (تصدق به على بريرة): أي اللحم.
(4) عند البخاري برقم: 6758، مسلم برقم: 1504، أبو داود برقم: 2235.
(5) مسلم برقم: 1504، أبو داود برقم: 2233، قال النووي: (والروايات المشهورة في صحيح مسلم وغيره أن زوجها كان عبدا، قال الحفاظ ورواية من روى أنه كان حرا غلط، وشاذة مردودة لمخالفتها المعروف في روايات الثقات) شرح مسلم: 10/ 141، وينظر في مقارنة الروايات: فتح الباري: 9/ 410.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 316)
أنه كان عبدا(1).
وفيه: أن اختيارها الفراق فسخ غير طلاق، وفيه أن للحاكم: أن يشفع فيما كان قد بان له الحكم فيه بترك ما قد وَجب؛ إذا كان مما يحل تركه، إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم (لَوْ رَاجَعْتِيهِ)(2)، وفيه: أن الزوج لا يملك بعد الفسخ الرجعة، وفيه: أن الكتابة عقد على غرر معفو عنه؛ إذ شرط العقود بين المتعاقدين أنه لا ينفسخ إلا باتفاقهما على الفسخ.
ومن باب النهي عن بيع الولاء وهبته
[283] حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (نَهَى عَن بَيعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ)(3)، فيه بيان ثبوت
الولاء، وفيه: أن الولاء لا يوهب ولا يحول، فإنه ثابت كالنسب.
ومن باب لعن من تولى غير مواليه
[284] حديث جابر رضي الله عنه: (كَتَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: عَلَى كُلِّ بَطنٍ عُقُولَهُ)(4)، البطن: القبيلة، والعُقُول: جمع العقل، وهو الدِّيَّة، وذلك أن الرجل إذا جنى على آدمي جناية خطأ، فإنها تكون على عاقلته، وهم العصبة لا يُنقل عنهم ما كان فيهم من يحملها.--------------------------------------------
(1) رواه البخاري برقم: 5282، وأبو داود برقم: 2232.
(2) عند البخاري برقم: 5283، والنسائي برقم: 5417.
(3) أخرجه برقم: 1506، وأخرجه البخاري برقم: 2535.
(4) أخرجه برقم: 1507، وأخرجه النسائي برقم: 4829.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)
[285] وفي حديث علي رضي الله عنه: (وَذِمَّة المُسلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسعَى بِهَا أَدْنَاهُم، وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوِ انتَمَى إِلَى غَير مَوَالِيهِ، فَعَلَيهِ لَعَنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقبَلُ اللهُ مِنهُ يَومَ القِيَامَةِ صَرفًا، وَلَا عَدلًا)(1) في الحديث: إيعاد لمن انتقل بولاية عمن له الولاء إلى غيره، وإيعاد لمن لم ينصر أهل ولايته، وفيه أن من أمَّنَ من المسلمين؛ فأمانه جائز عبدا كان أو امرأة، وفيه: أن الإحداث في المدينة يوجب عظيم العقوبة.
و (الصَّرفُ): قيل: النافلة، و (العَدلُ): الفريضة، وقيل: الصرف: الكسب، قال الشاعر:
قَد يُرْزَقُ الجِلْفُ الهدَانُ الجَافِي … بِغَير لَا عَسْفٍ وَلَا اصْطِرَافِ(2)
الهِدَانُ: الأحمق الخامل، والاصطراف: الاكتساب.
ومن باب فضل من أعتق رقبة مؤمنة
[286] حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أَعتَقَ اللهُ بِكُلِّ إِربٍ مِنه إربًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ)(3) الإرب: العضو، وفي الحديث: فضيلة العتق، وفيه فكاك من النار.--------------------------------------------
(1) أخرجه برقم: 1370، وأخرجه البخاري برقم: 7300.
(2) بيت للعجاج التميمي، ورد في أكثر المصادر:
قد يكسب المال الهدانُ الجافي … بغير لا عصف ولا اصطراف
ينظر العين: 4/ 26، الأضداد لابن الأنباري: 214، تهذيب اللغة: 6/ 115، ديوانه برواية الأصمعي: 147.
(3) أخرجه برقم: 1509، وأخرجه البخاري برقم: 2517، ولفظ مسلم: (إرب منها) أي: الرقبة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)
ومن باب عتق الولد الوالد
[287] حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (لَا يَجزِي وَلَدٌ وَالِدًا)(1)، وفي رواية ابن أبي شيبة: (وَلَدٌ وَالِدَه)(2)، في الحديث دليل أن الرجل إذا ملك أباه أو ابنه عُتِق عليه، وقوله: (فَيَشتَرِيَهُ فَيُعتِقَهُ): أي: يُعتَق باشترائه إياه، فيكون ذلك سببا لعتقه، وإذا كان كذلك كان هو المعتق، ومِلك الولد لا يستقر على الوالد، لأن بعضهما من بعض.--------------------------------------------
(1) أخرجه برقم: 1510، وأخرجه الترمذي برقم: 1906.
(2) عند مسلم في حديث الباب، وفي مصنف ابن أبي شيبة: 25398، واللفظ عند غيرهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)
باب النهي عن الملامسة والمنابذة
[288] قد ذكر مسلم تفسير الحديث(1) بالإسناد: قال أهل العلم: (المُلَامَسَةُ: أَن يَلْمِسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوبَ صَاحِبِهِ مِن غَيرِ تَأَمُّلٍ، وَالمُنَابَذَةُ: أَن يَنبِذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوبَهُ إِلَى الْآخَرِ، وَلَمْ يَنظُر كُل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى ثَوبِ صَاحِبه)(2).
ومن باب بيع الحصاة وبيع الغرر
[289] فمن (بيع الغَرَر)(3): أن يبيعه شيئا مجهولا لا يعرفانه، ومنه: أن يبيع الشيء ولا يمكنه تسليمه، ومثله العبد الآبق يباع، والسمك في الماء لا يوصل إليه إلا بالاصطياد، والشيء يباع بغير إذن صاحبه.
و (بَيعُ الحَصَاةِ): البيع بالحصاة، وذلك أنهم كانوا يتراضون على أن أحدهما إذا نبذ الحصاة إلى صاحبه الذي يساومه بالسلعة، فقد وجب البيع بينهما.--------------------------------------------
(1) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: 1511، وأخرجه البخاري برقم: 1993.
(2) رواه مسلم في حديث الباب، وكذلك البخاري.
(3) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: 1513، وأخرجه أبو داود برقم: 3376.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)
ومن باب النهي عن بيع حبل الحبلة
[290] قيل: (بَيعِ حَبَلِ الحَبَلَةِ)(1): أن يباع ما ينتج جنين هذه الناقة بهذا البعير، أو بهذا الشيء فيفترقان على ذلك، أو يبيع ما يلده نتاج نتاج هذه الناقة، ولا يدري أتلد أو لا تلد، وقال ابن عمر رضي الله عنه: (كَانَ أَهلُ الجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لَحمَ الجَزُورِ إِلَى حَبَلِ الحَبَلَةِ، وَحَبَلُ الحَبَلَةِ أَن تُنْتَجَ النَّاقَةُ ثُمَّ تَحْمِلَ الَّتِي نُتِجَتْ)(2).
ومن باب النهي عن بيع بعضهم على بعض
[291] حديث: (لَا يَبع الرَّجُلُ عَلَى بَيع أَخِيهِ)(3)، وفي رواية أبي هريرة: رضي الله عنه (لَا يَسُمِ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ المُسْلِم)(4) وفي رواية: (نَهَى أَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ)(5) وفي رواية: (عَلَى سِيمَةِ أَخِيهِ)(6).
قال أهل اللغة(7): استام الرجل يستام استياما، إذا طلب بسلعته ثمنا، وفي الحديث: (نَهَى عَن السَّوم قَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ)(8)، قال الزجاج: السوم أن يساوم سلعته في ذلك الوقت لأنه وقت ذكر الله لا يشتغل فيه بشيء(9) قيل: إذا ركن--------------------------------------------
(1) حديث ابن عمر: أخرجه مسلم برقم: 1514، وأخرجه البخاري برقم: 2143.
(2) حديث الباب.
(3) حديث ابن عمر أخرجه مسلم برقم: 1412، وأخرجه البخاري برقم: 2139.
(4) أخرجه مسلم برقم: 1515 بلفظ: (على سوم أخيه)، وأخرجه الترمذي برقم: 1292.
(5) رواية البخاري برقم: 2727، والنسائي برقم: 4491.
(6) رواية الدورقي: ذكرها مسلم في الباب نفسه، وكذا عند أحمد برقم: 10850.
(7) الغريبين: 3/ 955، تفسير غريب ما في الصحيحين: 287.
(8) رواه ابن ماجة عن علي: 2206.
(9) الغريبين: 3/ 955، غريب ابن الجوزي: 1/ 510.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)
البائع إلى السائم، وجعل يشترط وزن الذهب، ويتبرأ من العيوب وما أشبه هذا؛ مما يعرف به أن البائع قد أراد مبايعة السائم، هذا هو السوم المنهي، وما كان قبل ذلك فلا بأس به.
ومن باب بيع النجش
[292] حديث: (وَلَا تَنَاجَشُوا)(1)، النجش: أن يعطي الرجلُ بالسلعة ثمنا: كثيرا وهو لا يريد [شراءها](2) ليغر به غيره، فيعطي ذلك الثمن، وذلك خيانة، فمن باع على النجش فللمشتري رد السلعة.
وأما (التَّصْرِيَة) فمن قولك: صرَّيت الشيء، أي جمعته، قال صاحب المجمل: صرَّى الماء يُصرِّيه إذا جمعه، وماء صَرًى مجموع، وكأن الصَّرَاة منه، وسُمّيت المُصَرَّاة من الشاء لاجتماع اللبن في ضرعها(3).
[293] وحديث: (المُصَرَّاة)(4) أصل في الرد بالعيوب في الحيوان.
[294] وحديث: (دَعُوا النَّاسَ يَرزُقِ اللهُ بَعضَهُم مِن بَعض)(5)، هذا نظر من النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الحاضرة على أهل البادية، يفضلهم عليهم لإقامتهم--------------------------------------------
(1) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: 1515، وأخرجه البخاري برقم: 2140.
(2) في الأصل: شراءه، والمثبت أليق بالسياق والمعنى.
(3) مجمل اللغة: 555.
(4) حديث أبي هريرة: (من اشترى شاة مصراة فلينقلب بها، فليحلبها، فإن رضي حلابها أمسكها، وإلا ردها ومعها صاع من تمر): أخرجه مسلم برقم: 1524، وأخرجه البخاري برقم: 2148.
(5) حديث جابر: أخرجه مسلم برقم: 1522، وأخرجه أبو داود برقم: 3442.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
الجماعات، ولعلمهم بالسنن، قال بعض العلماء: لا بأس أن يشتري حاضر لباد، وأما إذا باع حاضر لباد لم يجز(1).
قال بعض العلماء: قوله: (لا يَبع) أي: لا يشتر(2)، وقيل: معناه: لا يساوم(3)، وقال الشافعي: هو أن يتبايع الرجلان السلعة، ولم يتفرقا فيجيء رجل فيعرض على المشتري سلعة أجود مما اشتراه بأقل من ثمنها، فيفاسخه البيع، ويشتري هذه الرخيصة، فهو عاص؛ لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم(4).
وفي الحديث دليل على تحريم الخديعة والغرور، وأما: (تَلَقِّي الرُّكبَانِ): كانوا إذا أشرفوا على بلدة بسلعهم؛ ولا يعرفون سعرها؛ يتلقاهم متلقٍّ فيشتريها منهم بالغبن فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، لئلا يُخدعَ مسلم، ثم جعل له الخيار إذا قدم السوق.
وأما: (بَيعُ الحَاضِرِ لِلْبَادِ)، فإن العرب إذا قدموا بسلعهم الأسواق؛ ولم يكن لهم من يتوكل لهم في البيع؛ لم يتربصوا بها وباعوها بسعر يومها، فأصاب الناس ربحا، وإذا تربصوا بها بطَل هذا المعنى، وهذا النهي على معنى الاختيار: (دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ) فلو لم يجز البيع؛ لم يكن في ذلك ما--------------------------------------------
(1) الكلام الأول لابن أبي أويس، والآخر لعيسى بن دينار، ينظر: تفسير الموطأ للقنازعي: 2/ 490.
(2) قال الباجي: يريد، والله أعلم لا يشتر، وقال ابن حبيب: إنما النهي للمشتري دون البائع، ينظر: المنتقى: 5/ 100، وينظر كذلك: مجمل اللغة: 140، ابن بطال: 6/ 267.
(3) وهو ما تشير إليه رواية أبي هريرة: (لا يسم)، وفسر مالك رحمه الله البيع في الحديث بقوله: (أن يسوم الرجل على سوم أخيه) الموطأ: كتاب البيوع: 96، وينظر: مشارق الأنوار: 1/ 107.
(4) الأم للشافعي: 3/ 10، مختصر المزني: 8/ 186، الحاوي الكبير: 5/ 343.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)
يمنع الرزق، فاستُدِل بذلك على أن البيع جائز، والإثمَ حاصل.
قال بعض العلماء(1): (أصل الغرر هو ما طوي عنك علمه، وخفي عليك باطنه وسرُّه، وهو مأخوذ من قولهم: طويت الثوب على غِرِّه، أي: على كسره الأول، فكل بيع كان المقصود منه مجهولا غير معلوم، أو معجوزا عنه غير مقدور عليه فهو غرر، وذلك مثل: أن يبيعه سمكا في الماء، أو طيرا في الهواء، أو لؤلؤة في البحر، أو عبدا آبقا، أو جملا شاردا، أو ثوبا في جراب لم يره، ولم ينشره، أو طعاما في بيت لم يفتحه، أو ولد بهيمة لم يولد، أو ثمرة شجرة لم تثمر، في نحوها من الأمور التي لا تعلم، ولا تُدرى هل تكون أم لا، فإن البيع فيها مفسوخ.
وإنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه البيوع، تحصينا للأموال أن تضيع، وقطعا للخصومة، وجماع الأمر: الغرر ما دخل المقصود منه الجهل، ومن ذلك: بيع الحصاة، وهو أن يعترض الرجل القطيع من الغنم فيرمي فيها بحصاة، فأية شاة منها أصابت الحصاةُ فقد استحقها البيع).
وأما (المُصَرَّاة): فقال الشافعي: التَّصرية: أن يربط أخلاف الناقة أو الشاة، وتُترك من الحلب يومين أو ثلاثة حتى يجتمع لها لبن؛ فيراه مشتريها كثيرا، فيزيد في ثمنها لما يرى من كثرة لبنها، فإذا حلبها بعد تلك الحَلْبة حَلْبة أو حَلْبتين، عرف أن ذلك ليس بلبنها، وهذا غرور(2).
قال أهل اللغة: أصل التَّصرية: حبس الماء وجمعه، والشاة المُصَرَّاة: التي--------------------------------------------
(1) الخطابي في معالم السنن: 3/ 88.
(2) مختصر المزني: 8/ 180، الحاوي الكبير: 5/ 23، البيان في مذهب الإمام الشافعي: 5/ 265.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
قد صُرِّي اللبن في ضرعها، يعني: حُقِن وجُمع فلم يحلب، وسميت الصَّراة صَراةً لأنها مياه اجتمعت، قال أبو عبيد: ولو كان من الربط لكانت مصرورة أو مصرَّرة(1).
وقول الشافعي صحيح، والعرب تَصُرُّ ضروع الحَلوبات إذا أرسلتها تسرح، ويسمون ذلك الرباط صِرارًا، فإذا راحت حُلَّت تلك الأَصِرَّة وحلبت، ومن هذا حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر يحل صرار ناقة بغير إذن صاحبها، فإنه خاتم أهلها عليها)(2)، ومن هذا قول عنترة:
العَبْدُ لا يحُسنُ الكَرَّ … إنما يُحسن الحَلْبَ والصَّرَّ(3)
وقال مالك بن نويرة - وكان بنو يربوع جمعوا صدقاتهم ليوجهوا بها إلى أبي بكر رضي الله عنه، فمنعهم من ذلك، ورد على كل رجل منهم صدقته، وقال: أنا جنة لكم مما تكرهون - وقال:
وقُلْتُ خُذُوها هذِهِ صَدَقاتكُمْ … مُصَوَّرَة أَخْلَافُها لَمْ تُجَرَّدِ--------------------------------------------
(1) غريب الحديث: 2/ 241.
(2) رواه أحمد برقم: 11419، والبيهقي في الكبرى: 19656.
(3) ذكر في كتب الأدب أن هذا البيت كان سببا في الاعتراف بنسب عنترة إلى بني عبس، وقد كان في عداد العبيد لأن أمه كانت أمة حبشية فألحق بها، فظل الأمر كذلك إلى أن أغارت طيء على بني عبس فأصابوا منهم واستاقوا إبلا، فتبعهم العبسيّون فلحقوهم فقاتلوهم عمّا معهم، وعنترة يومئذ فيهم؛ فقال له أبوه: كرّ يا عنترة، فقال عنترة: العبد لا يحسن الكرّ .. (البيت)، فقال له: كر وأنت حر، فكر واسترد الأموال، فألحقه أبوه به، ينظر: الشعر والشعراء: 1/ 243، الأغاني: 8/ 387، شرح المعلقات التسع للشيباني: 214.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)
سأَجْعَلُ نَفْسِي دُونَ مَا تَحْذَرُونه … وأَرْهَنُكُمْ يَوْمًا بِمَا قُلْتُهُ يَدِي(1)
قيل: يحتمل أن يكون أصل المُصَرَّاة: المُصَرَّرَة، أبدل إحدى الراءين ياء كقولهم: تقضى البازي، وأصله تقضض، كرهوا اجتماع ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة، فأبدلوا حرفا منها بحرف آخر ليس من جنسها، قال العجاج:
تَقَضِّيَ البازِي إِذا البازِي كَسَرْ(2).
وممن قال بظاهر الحديث، وقال يردها ويرد معها صاعا من تمر: مالك والشافعي وأحمد، وأبو عبيد(3)، وقال أبو حنيفة: إذا حلب الشاة فليس له أن يردها، ولكن يرجع على البائع بأرشها ويمسكها(4)، لأن فيه تقويم المتلف بغير النقود، وإبطال رد المثل في ما له مثل، وتقويم القليل والكثير من اللبن بقيمة واحدة وبمقدار، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: (الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ)(5)، وقال أبو يوسف: يرد قيمة اللبن(6).
وفي الحديث بيان أن دين الإسلام تعبد، فما كشف لنا عن دليله فالدليل--------------------------------------------
(1) الأبيات لمالك بن نويرة يحرض قومه بني يربوع على منع الصدقة، ينظر: كتاب الردة للواقدي: 108، معالم السنن: 3/ 112.
(2) عجز بيت للعجاج التميمي، وصدره: (دَانِي جَنَاحَيْه من الطّور فَمَرّ) وأروده بعضهم بغير هذا، ينظر: الكامل للمبرد: 1/ 269، أدب الكاتب: 487، أمالي القالي: 2/ 171، ديوانه برواية الأصمعي: 83.
(3) المدونة: 3/ 309، مختصر المزني: 8/ 180، المغني: 4/ 104، الإشراف: 6/ 36، الاستذكار: 6/ 533.
(4) المبسوط: 13/ 38، عمدة القاري: 11/ 272، والأرش: ما يؤخذ عوضا عن العيب.
(5) رواه أبو داود برقم: 3508، والترمذي برقم: 1285.
(6) شرح مختصر الطحاوي: 3/ 62، الإشراف: 6/ 36.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)
متبوع، وما تعرى عن الدليل؛ فما عقل من ظاهره فالعمل واجب بذلك، فلما كانت ألبان الإبل والبقر والغنم تختلف لا محالة، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم قيمة الزيادة التي حدثت في الضروع بالتصرية صاع تمر لا سَمْراء، علم أن ذلك تعبد لا لعلة، وهو مسَلَّم لحكمه لا اعتراض عليه بالعلل.
وقول أهل العراق: إنه يرجع على بائعها بنقصان عيبها، وليس له ردها، قال بعض العلماء التصرية: جمع اللبن في الضرع بترك الحِلاب، والتحفيل - كذلك -: يقال شاة محفّلة.
ومن باب ما ورد في فساد البيع قبل القبض
[295] حديث ابن عباس: قال طاووس فقلت له: وكيف ذاك؟ قال: (دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ وَالطَّعَامُ مُرجَأٌ)(1)، قال أهل العلم: لا يجوز بيع الطعام قبل القبض، واختلفوا فيما عداه من الأشياء، فقال أبو حنيفة: ما عدا الطعام بمنزلة الطعام، إلا الدور والأرضين؛ فإن بيعها قبل قبضها جائز(2).
وقال الشافعي: الطعام وغير الطعام من السلع والدور والعقار في هذا سواء؛ لا يجوز بيع شيء منها حتى يقبض(3)، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه(4)، قيل: قاس--------------------------------------------
(1) حديث: (من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يكتاله) وفي رواية: (حتى يقبضه): أخرجه مسلم برقم:
1525، وأخرجه البخاري برقم 2132، ولفظ المؤلف عنه، وأما لفظ مسلم فقال ابن عباس
رضي الله عنه: (ألا تراهم يتبايعون بالذهب والطعام مرجأ).
(2) المبسوط: 13/ 8، الإشراف: 6/ 51.
(3) الأم: 3/ 70، مختصر المزني: 8/ 179، الحاوي الكبير: 5/ 220.
(4) قال رضي الله عنه: (وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام) رواه البخاري برقم: 2135، ومسلم برقم: 1525.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)
ما عدا الطعام على الطعام بعلة أنه عين مبيعة لم يقبض، أو لأنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن(1)، والشيء المبيع ضمانه قبل القبض على البائع، فلم يجز للمشتري ربحه.
وقال أحمد بن حنبل: يجوز بيع كل شيء منها ما خلا المكِيل والموزون(2).
وفي هذه الأخبار بيان أن من ابتاع شيئا لم يجز له بيعه حتى يقبضه، لأن ملك المشتري عليه لم يتكامل عليه، وجعل أحمد الحديث مخصوصا في المكيل والموزون.
والقبض يختلف: فقبض ما يحول: بالنقل من موضع البائع إلى موضع المشتري، وقبض ما لا يحول من العقار: وأن(3) يُسلم بلا حائل دونه.
واحتج بعض من ذهب إلى جواز بيع ما عدا الطعام قبل أن يقبض، بخبر ابن عمر رضي الله عنه أنهم كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيعون الإبل بالبقيع بالدنانير؛ فيأخذون الدراهم، وبالدراهم فيأخذون الدنانير، فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وقع التقابض قبل التفرق(4)، وهذا بيع للثمن الذي وقع به العقد قبل قبضه، فدل أن النهي مقصور على الطعام وحده.--------------------------------------------
(1) الحديث عند أبي داود برقم: 3504، والترمذي برقم: 1234، عن عبد الله بن عمرو.
(2) مسائل الإمام أحمد وإسحاق: 6/ 2563، المغني: 4/ 84.
(3) هكذا في الأصل، وحذف الواو أليق بالمعنى: أن غير المنقول يقبض بالتخلية، وهي أن يخلى بينه وبين المبيع.
(4) فقال صلى الله عليه وسلم: (لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء) رواه أبو داود برقم: 3354، والترمذي برقم: 1242.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)
ومن العلماء من جعل البيع كافلا بوجوب الصفقة، وقالوا: إن الملك ينتقل بنفس العقد؛ بدليل أن المبيع لو كان عبدا فأعتقه المشتري قبل القبض عتق، وإذا ثبت الملك جاز التصرف ما لم يكن فيه إبطال حق لغيره، قيل: ومقتضي الدراهم عن الدنانير لا يقصد به الربح، فلم يدخل تحت النهي عن ربح ما لم يضمن(1).
قال أهل اللغة(2): أرجيت الشيء ورجَّيته: أخرته، ويُتكلم به مهموزا وغير مهموز، فقوله: (مُرْجَأٌ) أي: مؤخرا عن التسليم غير حاضر، وهو من باب السلف، وذلك أن يشتري منه طعاما إلى أجل، فيبيعه قبل أن يقبضه منه بدينارين، وهو غير جائز لأن في التقدير بيع ذهب بذهب، والطعام مؤجل غائب غير حاضر، وإنما صار ذلك بيع ذهب بذهب، لأن المسْلِف إذا باعه الطعام الذي لم يقبضه، وأخذ منه ذهبا؛ فقد تقابل الذهبان في التقدير، فكأنه إنما باعه ديناره الذي كان أسلفه الطعام؛ بدينارين وهو فاسد.
ومن باب ما جاء في خيار المتبايعين
[296] فيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما: في هذه الأحاديث بيان أن التفرق بالبدن لا بالكلام، وذلك واضح في حديث الليث بن سعد إذ قال: (فَإِن خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَقَد وَجَبَ البَيْعُ، وَإِن تَفَرَّقَا بَعدَ أَن تَبَايَعَا وَلَم يَتْرُك وَاحِدٌ مِنْهُمَا البَيعَ، فَقَد وَجَبَ البَيعُ)(3)، فهذا التفرق بعد البيع ليس التفرق نفسه، وذلك أنهما يكونان متساومين، ثم يكونان متبايعين.--------------------------------------------
(1) معالم السنن: 3/ 136، فتح الباري: 4/ 352.
(2) الغريبين: 3/ 724، غريب ابن قتيبة: 1/ 253، عريب الخطابي: 2/ 456.
(3) أخرجه مسلم برقم: 1531، والبخاري برقم: 2112، وفيه عند مسلم: (فإن خير أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك .. ).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)
وفي حديث عبد الله بن دينار: (كُلُّ بَيِّعَيْنِ فَلَا بَيعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلَّا بَيعُ الخِيَارِ) فنفى البيع إلا بعد أن يتفرقا، فعلم أن التفرق غيره.
ومن باب ما ورد في نفي الخديعة
[297] حديث: (فَقُل: لَا خِلَابَةَ)(1) قوله: (لَا خِلَابَةَ) أي: لا خداع، وفيه: إبطال الخداع، وأن البيع إذا وقع على ذلك بطَل، وفيه: أن الغبن الفاحش لا يجوز.
ومن باب النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها
[298] فيه حديث ابن عمر رضي الله عنه(2): في هذه الأحاديث: بيان أن بيع الثمار لا يجوز إذا لم تكن مدركة أو مُزهِية، وفيها: أنه إذا باعها على أن يقطعها من ساعته؛ أن البيع جائز لأن النهي عما يستبقى إلى وقت الإدراك، بدليل قوله: (أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ)(3)، فإذا قطعه من وقته أمن من الآفة.
[299] وقوله: (حَتَّى يُحزَرَ)(4): من الحَزْر: الذي هو الخَرْص(5).--------------------------------------------
(1) حديث ابن عمر: أخرجه مسلم برقم 1533، والبخاري برقم: 2117.
(2) حديث ابن عمر: (نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحها) أخرجه مسلم برقم: 1534، والبخاري برقم: 2194.
(3) رواه البخاري برقم: 2198، واللفظ له، ومسلم: 1555.
(4) حديث ابن عباس: أخرجه مسلم برقم: 1537، والبخاري برقم: 2246، ووقع عنده: (حتى يحرز) أي: يحفظ.
(5) وهو التقدير بالحدس والتخمين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)
ومن باب بيع التمر بالتمر
[300] حديث ابن عمر رضي الله عنه(1) وفيه ذكر المزابنة والعَرِيَّة، قيل: بيع المزابنة: بيع جزاف، وقيل: بيع العرايا رخصة، والعرايا تتصرف على وجوه، منها: أن يقول الرجل للرجل: أعريتك ثمر هذه النخلة، أي: جعلت لك ثمرها هذا العام، ومنه الحديث: (إِنَّ فِي الْمَالِ الْعَرِيَّةِ وَالْوَصِيَّة)(2).
والوجه(3): أن يكون للرجل النخلة الواحدة وسط نخل كثير لرجل آخر، فيمر إلى تلك النخلة وسط نخل هذا، فيتأذى بمروره عليه، فرخص له إذا كانت ضرورة؛ أن يبيعها بخرصها تمرا.
والوجه الثالث: أن الرخصة جاءت على سبب، ثم صارت مطلقة في المقدار، وصار خبر داود بن الحصين(4) مفسرا للأخبار المجملة، قال الخطابي: (أصل العرايا في اللغة من قول القائل: أعريت الرجل النخلة، أي: أطعمته ثمرها يعروها متى شاء، أي: يأتيها فيأكل رطبها، يقال: عروتَ الرجل إذا أتيته تطلب معروفه، كما يقال: طلب إلي فأطلبته، وسألني فأسألته.
وقيل: سميت عريَّة لأن الرجل يعريها من جملة نخله، لا يبيعها مع النخل، فربما أكلها، وربما وهبها لغيره، فهي مستثناة من جملة النهي عن المزابنة، والمزابنة: بيع الرطب بالتمر، ألا تراه يقول: (وَرَخَّصَ فِي بَيْعِ العَرَايَا)، والرخصة--------------------------------------------
(1) أخرجه برقم: 1539، والبخاري برقم: 2183.
(2) مصنف ابن أبي شيبة: 10562.
(3) الوجه الثاني من وجوه العرايا.
(4) عند مسلم في الباب: (رخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)
إنما تقع بعد الحظر، وورود الخصوص على العموم لا ينكر في أصل الدين.
وسبيل الحديثين إذا اختلفا في الظاهر وأمكن التوفيق بينهما، ألا يُحملا على المنافاة، ولا يُضرب بعضها ببعض، لكن يستعمل كل واحد منهما في موضعه، وبهذا جرت قضية العلماء في كثير من الحديث: ألا ترى أنه لما نهى حكيما عن بيع ما ليس عنده(1)، ثم أباح السَّلَم، كان السلم عند جماعة الفقهاء محله مباحا، في وبيع ما ليس عند المرء محظورا في محله، وذلك أن أحدهما - وهو السَّلَم - من بيوع الصفات، والآخر من بيوع الأعيان، فإنما جاء تحريم المزابنة فيما كان من التمر موضوعا على وجه الأرض، وجاءت الرخصة في بيع العرايا فيما كان منها على رؤوس الشجر؛ في مقدار معلوم منه بكمية لا يزاد عليها وذلك من أجل ضرورة أو مصلحة، فليس أحدهما مناقضًا للآخر ولا مبطلا له)(2).
قال أهل اللغة: الزَّبْن: الدفع، وأصله أن المتبايعين إذا وقفا فيه على الغبن فأراد المغبون أن يفسخ البيع، وأراد الغابن أن يمضيه تزابنا، أي: تدافعا واختصما، ومنه قيل: زبانية أهل النار، لأنهم يدفعون أهلها فيها(3).
قال بعض العلماء(4): بيع المزابنة: بيع على وجه المكايسة والتجارة، وبيع العرايا: بيع على وجه المعروف لا مكايسة فيها، قال مالك: المزابنة: بيع جزاف بكيل من صنفه من التمر؛ مما لا يجوز فيه التفاضل في الكيل(5).--------------------------------------------
(1) عند أبي داود برقم: 3503، والترمذي برقم: 1232.
(2) معالم السنن: 2/ 79، بتصرف يسير.
(3) غريب الحديث لابن قتيبة: 1/ 193، الغريبين: 3/ 813.
(4) مالك بن أنس في الموطأ: كتاب البيوع: 55.
(5) المدونة: 3/ 159.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)
ومن باب من باع نخلا مؤبرة
[301] فيه حديث ابن عمر رضي الله عنه(1): في الحديث من الفقه: أن الثمار والزروع ليست بتابعة للأرضين والكروم، وأنها لا تدخل في البيع إلا بالشرط، والأشجار تابعة للأرض؛ اشترطت أو لم تشترط، وأما مال العبد فإنه ملك للسيد، وإضافته إلى العبد كإضافة السَّرج إلى الفرس، فما لم يكن مما يجزئ فيه الصرف - فاشترط في البيع وهو حاضر أو معلوم - فالبيع جائز.
قال أهل اللغة(2): الإبَّار: تلقيح النخل، يقال: نخلة مأبورة ومؤبرة، وتأبر النخل: قبل الإبار، وقوله: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} [الحجر: 22] أي: تلقح بما تمر عليه؛ كما تلقح الأنثى إذا حملت، وفي الحديث: (خَيْرُ المَالِ: مُهرَةٌ مَأْمُورَةٌ، أو سِكَّةٌ مَأبُورَةٌ)(3)، المأبورة: الملقحة، يقال: أبَّرتُ النخل، وائتبرتُ غيري: إذا سألتَه أن يأْبُر لك نخلك، قال طرفة:
وَلِي الأَصلُ الَّذِي فِي مثلِه … يُصلحُ الآبِرُ زَرْعَ المؤتَبِرْ(4)
فالآبر: العامل، والمؤتبر: رب الزرع، والمعنى: إني عريق في الكرم، لأن أبي كان أصلا لكل مكرمة.--------------------------------------------
(1) أخرجه برقم: 1543، والبخاري برقم: 2204.
(2) مجمل اللغة: 83.
(3) أخرجه أحمد برقم: 15845، عن سويد بن هبيرة.
(4) طرفة بن العبد البكري، ينظر البيت في: المعاني الكبير: 1/ 551، شرح ديوان الحماسة للأصفهاني: 150، معجم ديوان الأدب: 4/ 233، ديوانه بشرح الأعلم الشنتمري: 71.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)