فرعان:
* الأول: المخالف وافق فيما إذا احتمل أن يكون سبب التخصيص العادة، كما في قوله تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما} [النساء: 35]. وبقوله صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها»(1).
* الثاني: تقييد الحكم بالصفة في جنس، كما في قوله عليه السلام: «في سائمة الغنم زكاة»(2)، إنما ينفي ذلك الحكم عما عداه في ذلك الجنس. خلافا لبعض فقهائنا(3).
* لنا: أن دليل الخطاب نقيض النطق، وإن لم يتناول غير ذلك الجنس.
احتجوا بأن السوم يجري مجرى العلة لوجوب الزكاة، فينتفي الحكم حيث تنتفي العلة.
وجوابه: أن المذكور سوم الغنم لا مطلق السوم.
* * *
العاشرة: في أن الأمر هل يدخل تحت الأمر؟! قال أبو الحسين(4): يمكن أن يقول الإنسان لنفسه: "افعل" مريدا للفعل، لكنه لا يسمى أمرا؛ لأن--------------------------------------------
(1) تقدم.
(2) لم أقف عليه بهذا اللفظ. ومعناه عند البخاري (رقم: 1454).
وانظر: «موافقة الخبر الخبر» (2/ 112).
(3) انظر: «الوسيط» للغزالي (3/49) [ط القره داغي]، و «البيان» للعمراني (3/ 149).
(4) في «المعتمد» (1/ 147 - 148).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
الأمر يطلب الفعل قولا من الغير. والحق: أنه لا يحسن؛ لأن الفائدة منه إعلام طلب الفعل. ولو حكى أمر الغير بلفظ نفسه، فإن تناوله لكونه أن فلانا [يأمرنا](1) بكذا دخل فيه، وإلا فلا. وإن حكاه بلفظ ذلك الغير، كقوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11]، دخل فيه الكل، لعموم الخطاب.
***
الحادية عشرة: إن أمر عقيب أمر بحرف عطف أو بغيره، فالأمر الثاني إن تناول مخالف الأمر الأول [وجبا مفترقين]، إذا امتنع اجتماعهما عقلا، كالصلاة في مكانين. أو سمعا، كالصدقة والصلاة. وإن صح اجتماعهما لم يتعين الجمع والتفريق إلا بدليل منفصل. وإن [تناول](2) مثل تناول الأول - وصح الزائد في المأمور به ولم يكن الثاني معطوفا عليه -، قال عبد الجبار(3): إنه يفيد ما أفاده الأول إلا أن تمنع منه العادة، كقوله: "اسقني اسقني". أو التعريف، كقوله: "صل ركعتين، صل الصلاة". وقال أبو الحسين(4): الأشبه الوقف.
والمختار الأول؛ لأن الأمر للإيجاب، وإيجاب الواجب محال. ولأن صرفه إلى متعلق الأول يفيد تأكيدا، وصرفه إلى غيره يفيد فائدة أصلية، فإن الثاني أولى.--------------------------------------------
(1) في الأصل (يأمر). والإصلاح من «المحصول» و «المعتمد».
(2) أي الأمر الثاني.
(3) انظر: «المعتمد» (1/ 174).
(4) في «المعتمد» (1/ 175).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
وإن عطفه عليه ولم يكن معرفا له اقتضى شيئا آخر، إذ الشيء لا يعطف على نفسه، وإن كان معرفا كقوله: "صل ركعتين وصل الصلاة"، فعند أبي الحسين، الأشبه الوقف(1)، لتعارض «لام» التعريف و «واو»، العطف. والعطف أرجح؛ لأن اللام قد تكون لتعريف الماهية أو لمعهود آخر سابق.
وإن لم يصح الزائد في المأمور به، فقد يكون للعقل مرة وللسمع أخرى، ثم الأمران إن كانا عامين أو خاصين اتحد مأمورهما، والثاني يؤكد الأول. وإن كان أحدهما عاما والآخر خاصا، فإن لم يعطف الثاني على الأول، كان الخاص مؤكدا للعام. وإن عطف عليه كقوله: "صم كل يوم وصم يوم الجمعة". فقيل: يوم الجمعة لا يدخل [تحت] الأول، ليصح حكم العطف(2). والأشبه: الوقف(3)، لمعارضة(4) ظاهر العموم إياه. والله أعلم.--------------------------------------------
(1) «المعتمد» (1/ 176).
(2) هذا قول القاضي عبد الجبار، «المعتمد» (1/ 176).
(3) وهو اختيار أبي الحسين، «المعتمد» (1/ 176).
(4) في الأصل (لمعارضته).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
القسم الثاني: في المباحث المعنوية
والنظر في ثلاثة أمور:
* الأول: في الوجوب، وينقسم بحسب نفسه إلى معين ومخير، وبحسب وقته إلى مضيق وموسع وبحسب المأمور إلى فرض عين وفرض كفاية.
المسألة الأولى: وقالت المعتزلة: الأمر بالأشياء على التخيير يقتضي وجوب الكل على التخيير(1). [و] قال الفقهاء: الواجب واحد لا بعينه(2). وهو خلاف في اللفظ دون المعنى؛ لأن كل طائفة عنت بقولها أنه لا يجوز الإخلال بالجميع، ولا يجب إتيان الجميع. وللمكلف أن يختار أي واحد كان.
لكن ههنا مذهب يرويه أصحابنا عن المعتزلة، والمعتزلة عن أصحابنا، وهو: أن الواجب واحد معين عند الله تعالى غير معين عندنا، لكنه تعالى علم أن المكلف لا يختار إلا ذلك(3).--------------------------------------------
(1) انظر: «المغني» لعبد الجبار (17/ 123)، و «المعتمد» (1/ 87)، و «المجزي» لأبي طالب (1/ 137).
(2) انظر: «شرح اللمع» (1/ 255)، و «القواطع» (1/ 183)، و «الإحكام» للباجي (1/ 214)، و «البحر» (1/ 186)، و «الفصول» لأبي بكر (2/ 149)، و «التقريب» للقاضي (2/ 147).
(3) هذا يلقب بـ «قول التراجم»، ولا أعرف من قال به من الأعيان سوى أبي الخطاب من أصحاب أحمد رحمه الله، فقد ذكره في «التمهيد» (1/ 337) بحثا. وانظر: «رفع الحاجب» (1/ 508)، و «البحر» (1/ 187)، و «التحبير» للمرداوي (2/ 892).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
والدليل على فساده، أن معنى التخيير: يجوز ترك كل واحد بشرط الإتيان بالآخر. ومعنى التعيين: ينافي ذلك. والجمع بين جوازه وعدم جوازه متناقض.
احتجوا بأنه إذا أتى بالجميع دفعة أتى بالواجب واستحق ثوابه وسقط الفرض، فيجب أن يكون لواحد معين، إذ يمتنع أن يكون لكل واحد منهما أو لمجموعها، لعدم [وجوب](1) ذلك، والواحد غير معين لعدم وجوده.
واحتج من قال الواجب واحد غير معين، بما لو قال: "اعتقت عبدا من عبيدي؛ أو "بعت قفيزا من هذه" فالمعتق والمبتاع واحد غير معين يتعين باختياره.
والجواب عن الأول: أن كل واحد معرف لسقوط الفرض لا مؤثر، لئلا يجتمع المؤثران على أثر واحد، وكل واحد واجب على البدل، على ما فسرناه. وإنما استحقاق الثواب والعقاب بفعل الواجب، وتركه على البدل.
وعن الثاني: أن كل واحد من العبيد والقفيزان مبتاع ومعتق، وإنما يتعين الملك ويعتق المختار باختياره.
فرع: إذا أمرنا بأشياء، فقد تكون على الترتيب، أو على البدل. وعلى التقديرين، قد يحرم(2) الجمع بينهما، وقد يباح، وقد يكون مندوبا.--------------------------------------------
(1) مستدرك في الحاشية.
(2) في الأصل (يخرج) كذا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
الثانية: الفعل إن ساوى الوقت فظاهر. وإن زاد على الوقت امتنع الأمر به إلا إذا جوزنا تكليف ما لا يطاق. أو قصد به القضاء، كما لو طهرت الحائض - وقد بقي من الوقت قدر ركعة -. وإن نقص عنه، فهو الواجب الموسع، فمنهم من أنكر. وهؤلاء منهم من قال: الواجب يختص بأول الوقت، وما يأتي به بعده قضاء(1). ومنهم من قال: إذا أتى به في أول الوقت وبقي مكلفا إلى آخره كان ما فعله واجبا، وإلا نفلا(2). ومنهم من قال: الواجب يختص بآخر الوقت، وما يأتي به قبله تعجيل. وهذا قول الحنفية(3).
ومنهم من جوزه، وهم جمهور أصحابنا(4)، وأبو علي وأبو هاشم وأبو الحسين(5). ثم منهم من قال: الوجوب متعلق بكل الوقت، وإنما يجوز التأخير إلى بدل وهو: العزم. وهو قول أكثر المتكلمين. ومنهم من قال: لا حاجة إلى هذا العزم. وهو قول أبي الحسين(6)، وهو المختار.
* لنا: أن الأمر تناول جميع الوقت، ولم يتعرض لجزء منه، فوجب أن--------------------------------------------
(1) قد يتوهم هذا متوهم من عبارة الشيخ أبي إسحاق في «التبصرة» (ص: 60)، بيد أنه قد بين مراده في «شرح اللمع» (1/ 246)، بما لا يخرج عن قول أصحابه.
وانظر: «الأم» للشافعي (3/ 294)، و «شرح المعالم في أصول الفقه» (1/ 335)، «الإبهاج» (1/ 195) [ط ابن حزم]، و «البحر» (1/ 213)، و «نهاية السول» (1/ 171).
(2) هذا أحد الروايات عن أبي الحسن الكرخي رحمه الله، واختلف أصحابه في النقل عنه، انظر: «الفصول» لأبي بكر الرازي (2/ 125)، و «الميزان» للسمرقندي (ص: 217).
(3) انظر: «الفصول» (2/ 124)، و «أصول السرخسي» (1/31)، و «أصول البزدوي» (ص: 162)، «تقويم الأصول» للدبوسي (1/ 145).
(4) انظر: «التقريب» للقاضي (2/ 227)، و «القواطع» (1/ 174).
(5) انظر: «المعتمد» (1/ 134)، و «المجزي» (1/ 144).
(6) في «المعتمد» (1/ 141).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
يتخير المأمور به إيقاعه في أي جزء أراده. فإن قيل: جواز الترك في أول الوقت ينافي وجوبه، فيحمل على البدل. قلنا: قد أبطلنا جواز التأخير إلى بدل.
يدل على أنا نعني تعلق الوجوب بكل الوقت: عدم جواز خلاءه عن الفعل وعدم اشتغاله به فترجع حقيقة الموسع إلى المخير.
فرع: الواجب الموسع في جميع العمر - كالقضاء والنذور -، إنما يجوز تأخيره إذا غلب على ظنه البقاء، وإن لم يبق. وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يجوز تأخير الحج إلى سنة؛ لأن البقاء إلى سنة لا يغلب على الظن(1). والشافعي رحمه الله تعالى [يرى] البقاء إلى سنة غالب على الظن في حق الشاب الصحيح، دون الشيخ والمريض. والمعزر إذا غلب على ظنه السلامة، فهلك ضمن ولم يأثم.
***
الثالثة: إذا تناول الأمر جماعة، فإن كان على سبيل الجمع، فقد لا يكون فعل البعض شرطا في فعل البعض. وقد يكون، كصلاة الجمعة. وإن تناول على سبيل البدل، فهو فرض كفاية، وذلك إذا كان الغرض حاصلا بفعل البعض، كالجهاد. والتكليف فيه منوط بغلبة الظن، إذ الممكن تحصيل الظن بأن غيري ما قام بهذا الفعل، لا العلم.--------------------------------------------
(1) نقله عنه ابن شجاع الثلجي، واختلف أصحابه عنه، انظر: «التجريد» للقدوي (4/ 1668)،
و «المبسوط» (4/ 163).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
* النظر الثاني: في أحكام الوجوب
* مسألة: الأمر المطلق بالشيء أمر بما لا يتم إلا به إذا كان مقدورا. وقالت الواقفية: إن كانت المقدمة سببا للمأمور به كان أمرا بها، وإلا فلا(1).
* لنا: أن الأمر اقتضى إيجاب الفعل على كل حال، إذ الكلام فيه، فلو لم يقتض مقدمته لكان قد كلف بالفعل حال عدمها، وهو تكليف ما لا يطاق.
فإن قلت: أمر بالفعل بشرط حضور المقدمة. قلت: ذلك خلاف الظاهر.
ثم يبطل بأمر السيد لعبده بسقي الماء، وهو على مسافة، فإنه لا يتقيد الأمر بحال قطع المسافة، وإلا لو قعد عن قطعها لم يتوجه الأمر إليه. وجوابكم عنه هو جوابنا.
فرعان:
* الأول: اختلفوا فيما زاد على الواجب الغير مقدر، كمسح الرأس والطمأنينة، فقيل باتصافه بالوجوب(2). وهو باطل، إذ جواز تركه ينافي وجوبه.
* الثاني: إذا اختلطت منكوحة بأجنبية وجب الكف عنهما. ثم قيل: الحرام هو الأجنبية، والمنكوحة حلال(3). وهو باطل؛ لأن رفع الحرج عن--------------------------------------------
(1) انظر: «القواطع» (1/ 188)، و «شرح اللمع» (1/ 259)، و «البحر المحيط» (1/ 226).
(2) انظر: «المسودة» (ص: 58).
(3) هذا قول الحنابلة، «التحبير» (2/ 943)، وانظر تخريج الطوفي لهذا القول في «شرح مختصر الروضة» (1/ 346).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
الفعل ينافي حرمته. وإنما حرمت الأجنبية لكونها أجنبية، والمنكوحة لاشتباهها بالأجنبية(1).
أما إذا طلق إحدى زوجتيه، احتمل أن يقال بحلهما؛ لأن الطلاق شيء معين، فلا يحصل إلا في متعين. ومنهم من حرمهما إلى وقت البيان، تعليقا للحرمة.
***
الثانية: الأمر بالشيء نهي عن ضده. خلافا لجمهور المعتزلة(2) وبعض أصحابنا(3).
* لنا: أن الدال على الشيء دال على ما هو من ضروراته، والمنع من الترك من ضرورات الطلب الجازم، فكان دالا عليه التزاما. ولأن الطلب الجازم يناقضه الإذن في الترك.
فإن قلت: الآمر بالشيء قد يكون غافلا عن ضده. قلت: نحن ندعي أن الأمر بالشيء نهى عن ضده المشعور به، على أنه ينتقض بما سلمتموه من أن الأمر بالشيء أمر بمقدماته وإن غفل عنها.
***
الثالثة: ليس من شرط الوجوب تحقق العقاب؛ لأن العفو عن الكبائر--------------------------------------------
(1) انظر: «المستصفى» (1/ 204).
(2) انظر: «المعتمد» (1/ 106)، و «عيون المسائل» (ص: 175). عندهم أن الأمر لا يدل على
ذلك من جهة المعنى ولا من جهة اللفظ.
(3) انظر: «التقريب» للقاضي (2/ 198)، و «التلخيص» (1/ 411)، «البرهان» (1/ 250).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
جائز. وقال الغزالي به(1)، وهو مناقض لما زيفه(2) من أن الوجوب ما يعاقب على تركه.
* * *
الرابعة: الوجوب إذا نسخ بقي الجواز. خلافا للغزالي(3). لنا: أن المقتضي للجواز قائم، وهو الأمر المقتضي للوجوب بمعنى الإذن في الفعل، إذ هو جزؤه. والمعارض لا يصلح مزيلا؛ لأنه إنما يقتضي زوال الوجوب بزوال المنع من الترك، فيبقى جواز الفعل، وهو المطلوب.
* * *
الخامسة: ما جاز تركه لا يجب فعله، لتنافيهما. وقال الكعبي(4) وأتباعه: المباح واجب؛ لأنه ترك الحرام، وهو واجب وجوابه: أن المباح ليس نفس ترك الحرام، بل هو فرد من أفراد ما يترك به الحرام.
وقال كثير من الفقهاء: الصوم واجب على المريض والحائض والمسافر(5).--------------------------------------------
(1) في «المستصفى» (1/ 190).
(2) انظر ما تقدم في تعريف الواجب.
(3) في «المستصفى» (1/ 207). وهذا اختيار القاضي أبي بكر، والقاضي أبي محمد عبد الوهاب البغدادي، وأبي الوليد الباجي، «التقريب» (2/ 253)، و «إحكام الفصول» (1/ 226).
(4) أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي الكعبي (ت 319 هـ). وقوله شائع في كتب الأصوليين، ولكن لم أقف عليه في كتب أصحابه وانظر: «التقريب» للقاضي (2/17)، و «درء التعارض» (1/ 213)، و «جامع الرسائل» (2/ 165) [تـ رشاد].
(5) قال ابن برهان: هو قول الفقهاء قاطبة" «المسودة» (ص: 29).
وانظر: «العدة» (1/ 315)،
و «البحر» (1/ 238).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
وقيل: إنما يجب على المسافر فقط(1). وعندنا: يجب صوم أحد الشهرين بدلا(2).
احتجوا بقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185]. ولأن المأتي به بعد زوال العدد يسمى قضاء. وينوى قضاء، فيحكي وجوبا سابقا. ولأنه يتقدر بقدره، فكان بدلا عنه، كغرامات المتلفات.
والجواب: أنه استدلال بالظواهر والأقيسة على الجمع بين النقيضين، فلا يسمع.
فروع:
*الأول: الحق أن المندوب غير مأمور به، لما سبق.
*الثاني: التطوع لا يجب بالشرع فيه. خلافا لأبي حنيفة رضي الله عنه(3). لنا قوله عليه السلام: «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر»(4).--------------------------------------------
(1) نقله في «شرح اللمع» (1/ 254) عن أصحاب أبي حنيفة. ويدل عليه ما في: «البدائع» للكاساني (2/ 89). وفي «أصول البزدوي» (ص: 734)، و «السرخسي» (2/ 339)، ما يخالفه.
(2) نسبه الشيخ أبو إسحاق إلى الأشعرية [ما تقدم]، وانظر: «التقريب» (2/ 237)، و «التلخيص» (1/ 422)، و «الوصول» (1/ 90).
(3) «أصول البزدوي» (ص: 333)، و «أصول السرخسي» (1/ 115).
وانظر: «تخريج الفروع» للزنجاني (ص: 138).
(4) رواه الترمذي (رقم: 732)، والنسائي في «الكبرى» (رقم: (3288)، من حديث أم هانئ. قال الترمذي: "في إسناده مقال". وتكلم فيه النسائي.
وانظر: «العلل» للدارقطني (15/ 364)، و «الضعفاء» للعقيلي (1/ 206).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
* الثالث: قال الأستاذ أبو إسحاق: المباح من التكليف، بمعنى أنه يجب اعتقاد إباحته(1). وهو ضعيف؛ لأنه لم يرد تكليف بفعله، بل اعتقاده، وهما متغايران.
* الرابع: المباح حسن إن عني به رفع الحرج عن فعله. وإن عني به ما يثاب عليه، فلا.
* الخامس: قال بعضهم(2): المباح ليس من الشرع؛ لأن انتفاء الحرج عن الفعل والترك كان معلوما قبل الشرع.
والحق أنه إن عنى به أن الشرع أثبت حكما لم يكن، فليس كذلك. وإن عنى به أنه ورد خطاب من الشرع بتحققه، فهو كذلك؛ لأن جواز الفعل والترك ورفع الحرج عنهما إنما ثبت بالشرع، فإذا لم يرد الشرع بذلك انعقد الإجماع على أنه مباح.
***
النظر الثالث: في المأمور به.
وفيه مسائل:
الأولى: تكليف ما لا يطاق جائز. خلافا للمعتزلة(3).--------------------------------------------
(1) انظر: «البرهان» (1/ 102).
(2) في «المغني» للقاضي عبد الجبار (17/ 145): "الأقرب في الأدلة السمعية أنها إنما تدل على أحكام غير متقررة في العقول، دون الإباحة، وأن تكون الإباحة جارية على طريقة العقل لا المباحات التي لها مدخل في الألطاف، كذبح البهائم وما شاكله".
وانظر: «المسودة» (ص: 36).
(3) انظر: «الفائق في أصول الدين» للملاحمي (ص: 229، 246)، و «زيادات شرح الأصول» =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
* لنا وجوه:
الأول: أن الله تعالى أمر الكافر بالإيمان بالنصوص، وهو منه محال لإفضائه إلى انقلاب العلم جهلا، وهو على الله تعالى محال. فإن قيل: لا تسلم أن الإيمان منه محال، بدليل أنه لو فرض الإيمان بدلا عن الكفر كان العلم في الأزل متعلقا به دون الكفر، فلم يلزم محال. قلت: علمه في الأول(1) لما تعلق بعدم الإيمان، فلولا حصول متعلقه انقلب العلم جهلا في الماضي.
الثاني: أنه تعالى أمر أبا جهل بالإيمان، ومن الإيمان: تصديق الله تعالى بكل ما أخبر عنه، ومما أخبر عنه: أنه لا يؤمن، فقد صار مكلفا بأن يؤمن وبأن لا يؤمن. وهو جمع بين الضدين.
الثالث: أن صدور الفعل من العبد يتوقف على داعية يخلقها الله تعالى على ما سبق، وحينئذ يلزم الجبر(2).
الرابع: أنه تعالى أمر بمعرفته، فالمأمور إما عارف بالله تعالى - وهو تحصيل الحاصل -. أو غير عارف(3) - وهو تكليف ما لا يطاق ـ، إذ علمه بالأمر فرع معرفته بالآمر.--------------------------------------------
= لأبي طالب الهاروني (ص: 256)، و «متشابه القرآن» للقاضي عبد الجبار (2/ 724)، والجز الحادي عشر من «المغني» عظمه في هذا. وهذا هو المشهور عند الشيخ أبي منصور الماتريدي وجل أصحابه، انظر: «كتاب التوحيد» للماتريدي (ص: 349)، و «تأويلات القرآن» له (2/ 228) [ط الميزان تركيا] و «تبصرة الأدلة» (2/ 583)، و «التمهيد» لأبي شكور السالمي (ص: 290).
(1) كذا، والأظهر (الأزل).
(2) تصحف في الأصل إلى (الخبر).
(3) في الأصل (الحاصل) ولا معنى له.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
احتج المخالف بوجوه:
الأول: قوله تعالى: {لا تكلف نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286]، {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78].
الثاني: أن في العرف من كلف الأعمى نقط المصحف عد عابثا، تعالى الله عن ذلك.
الثالث: لو جاز الأمر بالمحال، لجاز أمر الجماد وبعثة الرسل إليها.
والجواب عن الأول: أن ظواهر النقل لا تعارض القواطع العقلية، على أنها تعلم أنها مأولة. ثم هو معارض بقوله تعالى: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286].
وعن الثاني: إن عنيت بالعبث الخالي عن المصلحة، منعنا استحالته.
وعن الثالث: أن الأمر عندنا الإعلام، وذلك يختص بالفاهم دون الجماد.
***
الثانية: قال الأكثرون منا(1) ومن المعتزلة(2): الكفار مخاطبون بفروع الإسلام، بمعنى: أنهم يعاقبون على تركها. خلافا لجمهور الحنفية(3). وقيل:--------------------------------------------
(1) انظر: «التقريب» (2/ 186)، و «شرح اللمع» (1/ 277)، و «التبصرة» (ص: 80)، و «القواطع» (1/ 194).
(2) انظر: «المعتمد» (1/ 294)، و «المجزي» (1/ 127).
(3) هذا قول جماعة من حنفية سمرقند وبلاد ما وراء النهر، وأما أهل العراق منهم فعلى قول=
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
يتناولهم النهي دون الأمر(1).
* لنا وجوه:
الأول: المقتضي للوجوب قائم، وهو قوله تعالى: {ياأيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: 21]. والكفر ليس بمانع، إذ يمكنه الإيمان أولا، ثم يأتي بالعبادات ثانيا، ولهذا قلنا: المحدث مأمور بالصلاة، والدهري مكلف بتصديق الرسول عليه السلام.
الثاني: قوله تعالى: {ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين} [المدثر: 42 - 43]. عللوا دخولهم سقر بتركهم الصلاة وغيره ولم يكذبهم الله تعالى فيه.
الثالث: تناولهم النهي، فكذا الأمر، بجامع تحصيل مصلحة التكليف. فإن قلت: العقاب إنما كان لمجرد التكذيب، فإنه سبب مستقل، فيحال الحكم عليه. سلمناه، لكن المراد من المصلين كما في قوله عليه السلام: «نهيت عن قتل المصلين»(2)، لئلا يلزم الكذب، فإن أهل الكتاب في سقر مع أنهم يصلون. ثم هو معارض بأنه لو وجبت عليه الصلاة مثلا لوجبت في حال الكفر، وهو--------------------------------------------
= الجمهور كما في «الفصول» لأبي بكر (2/ 158). قال السمرقندي في «الميزان» (ص: 194): "قال بعض مشايخ ديارنا إنهم غير مخاطبين أصلا لا بالعبادات ولا بالمحرمات إلا ما قام دليل شرعي عليه تنصيصا أو استثني في عهود أهل الذمة كما في حرمة الربا ووجوب الحدود والقصاص وغيرها".
(1) هذه رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، انظر: «العدة» لأبي يعلى (2/ 359)، و «التمهيد» لأبي الخطاب (1/ 299)، و «الواضح» (4/ 232 أ).
(2) رواه أبو داود (رقم: 4928) من حديث أبي هريرة. قال الدارقطني: "لا يثبت"، «العلل» (11/ 230).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
ممتنع. أو بعده وهو باطل إجماعا. ولأنها لو وجبت لوجب قضاؤها بالقياس على المسلم.
والجواب عن الأول: أن حمله على المجموع أولى لئلا يخلو الذكر عن فائدة. والتكذيب وإن كان سببا مستقلا في دخول النار، لكن لا يقتضي موضعا معينا فيها.
وعن الثاني: أنه تأويل لا يتأتى في قوله تعالى: {ولم نك من المصلين} [المدثر]. وأما الصلاة، فلما كانت في شرعنا عبارة عن الأفعال المخصوصة، لم يكن أهل الكتاب مصلين.
وعن الثالث: أنه لا يرد علينا؛ لأنا عنينا به زيادة العقاب. وأما القضاء، فهو منقوض بالجمعة. ثم الفرق بينهما: أن وجوب القضاء ينفره عن الإسلام، بخلاف المسلم.
***
الثالثة: فعل المأمور به يقتضي الإجزاء، بمعنى سقوط الأمر. خلافا لأبي هاشم وأتباعه(1).
* لنا: أنه أتى بما أمر به - إذ الكلام فيه ـ، فوجب الخروج عن العهدة، إذ الأمر لم يتناول غير المأتي به بالأصل. ولأنه لو قال السيد لعبده: "افعل هذا، فإذا فعلت لا يجزيك" عد متناقضا.--------------------------------------------
(1) انظر: «المعتمد» (1/ 99)، و «المغني» (17/ 125)، و «المجزي» لأبي طالب (1/ 152)،
فلهم في ذلك تفصيل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
احتجوا بوجوه: الأول: أن الأمر بالشيء إنما يفيد كونه مأمورا به، فكونه يقتضي الإجزاء لا يقتضيه الأمر.
الثاني: أن النهي لا يقتضي الفساد، فالأمر لا يقتضي الإجزاء.
الثالث أنه يجب إتمام الحج والصوم الفاسدين مع أنهما لا يجزئان.
والجواب عن الأول: أن الإتيان بالمأمور به يقتضي سقوط التكليف به وهو المعني بالإجزاء.
وعن الثاني: على تقدير التسليم أن النهي لا ينفي كونه سببا لحكم آخر، بخلاف الأمر، فإنه إنما يقتضي فعل المأمور به، فيستحيل بقاؤه بعده.
وعن الثالث: أنه يجزئ عن الأمر بإتمامهما، ولا يجزئ عن الأمر بالحج والصوم.
***
الرابعة: الإخلال بالمأمور به المقيد بوقت لا يوجب القضاء؛ لأن الأمر لم يتناول ما عدا ذلك الوقت، فلا يدل عليه بنفي ولا إثبات(1).
أما إذا كان الأمر مطلقا، كما إذا قال: "افعل"، فإذا لم يفعل في أول--------------------------------------------
(1) هذا قول جمهور أهل الفقه والكلام، ومنهم: أبو بكر الرازي في «الفصول» (2/ 168). والقاضي أبو بكر في «التقريب» (2/ 233)، و «التلخيص» (1/ 425)، وابن خويز منداد وأبو الوليد الباجي في «الإحكام» (1/ 223)، من المالكية. والشيخ أبو إسحاق في «شرح اللمع» (1/ 250)، وابن السمعاني في «القواطع» (1/ 179). من أصحاب الشافعي. وأبو الخطاب في «التمهيد» (1/ 252)، وابن عقيل في «الواضح» (4/ 186) من الحنابلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
وقت الإمكان، فهل يجب فعله فيما بعده، أو يحتاج إلى دليل آخر؟! أما نفاة الفور، فأوجبوا الفعل مطلقا. وأما مثبتوه، فاختلفوا فيه(1). ومنشأ الخلاف: أن قوله: "افعل"، هل معناه: افعل في الزمن الثاني والثالث أبدا. أو معناه: افعل في الزمن الثاني من غير بيان الزمن الثالث والرابع، فحينئذ تصير المسألة لغوية.
***
الخامسة: الأمر بالأمر بالشيء، كقوله عليه السلام «مروهم بالصلاة لسبع»(2)، لا يكون أمرا للصبي. أما لو قال: كل من أمرته بشيء فقد أمرته به، كان أمرا به، لكنه في الحقيقة إنما جاء من القول الثاني.
***
السادسة: الأمر بالماهية الكلية ليس أمرا بشيء من جزءياتها، إذ الجزء غير الكل، فلم يدل اللفظ عليه بالمطابقة ولا بالتضمن ولا الالتزام. اللهم إلا إذا دلت قرينة على الرضا ببعض الجزءيات حمل عليه، كقوله لوكيله: بع. فإن شهادة العرف تقيده بثمن المثل.
***--------------------------------------------
(1) انظر: «المعتمد» (1/ 146)، و «الميزان» (ص: 222)، و «البحر» (2/ 405). وغالب كلام الأصوليين في الأمر المقيد بوقت.
(2) أخرجه أبو داود (رقم: 495)، من حديث عبد الله بن عمرو، بنحوه. ورواه أبو داود (رقم: 494)، والترمذي (رقم: 407)، من حديث سبرة عن أبيه عن جده. قال الترمذي: "حديث حسن".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
* النظر الرابع: في المأمور
وفيه مسائل:
الأولى: يجوز أمر المعدوم، بمعنى أن الشخص إذا وجد تعلق الأمر به. وإن وجد الأمر قبله(1). خلافا لسائر الفرق(2).
* لنا: أن الواحد منا مأمور بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم. والأمر موجود حال عدمنا.
فإن قلت: أمر النبي عليه السلام إخبار عن الله تعالى بأمر المكلف إذا وجد. ثم هو معارض بأنه تعالى لو أمر في الأزل مع عدم المأمور عد عابثا. ولا يجوز أن يكون خبرا لئلا يتطرق إليه التصديق والتكذيب، فيكون كمن أخبر نفسه، إذ ليس في الأزل غيره وهو عبث.
والجواب عن الكل: أنه مبني على التحسين والتقبيح العقليين، وقد أبطلناهما.
***
الثانية: تكليف الغافل لا يجوز، لقوله عليه السلام «رفع القلم عن ثلاثة»(3).--------------------------------------------
(1) انظر: «التقريب» (2/ 298). ومأخذهم في هذه المسألة: إثبات كلام النفس وأنه معنى واحد قائم بالنفس أزلا، فيكون الأمر ثابتا أزلا ولا مأمور. ولذا فإن الغرض من هذه المسألة - كما يقول أبو الحسن الأشعري: - "إثبات الأمر أزلا من غير مأمور، لا محاولة إثبات المنتفي مأمورا مع استمرار العدم"، «البرهان» (1/ 274).
(2) ونقل هذا عن أبي العباس القلانسي - من قدماء متكلمة الصفاتية - كما في «البرهان» (1/ 270).
واختلف في تخريج قوله على وجوه تجدها في «التحقيق والبيان» للأبياري (1/ 752).
(3) أخرجه أبو داود في «السنن» (رقم: 4398)، والنسائي في «المجتبى» (رقم: 3423)، وابن ماجه في «السنن» (رقم: 2041) من حديث عائشة رضي الله عنها. قال البخاري "أرجو أن يكون=
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
ولأن فعل الشيء مشروط بالعلم به، فحصول الأمر مع عدم العلم به تكليف ما لا يطاق.
فإن قيل: لا نسلم. وبيانه من وجوه: الأول: أنه قد خوطب السكران وهو غافل - بقوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} [النساء: 43]. الثاني: أن الصبي والمجنون والنائم غافلون، مع أن أفعالهم مضمونة عليهم. الثالث: ينتقض ما ذكرتم بالأمر بمعرفة الله تعالى، وبالأمر بالنظر، مع عدم علمه بهما.
والجواب عن الآية: أن المراد منها من ظهرت منه مبادئ النشاط.
وقوله: {حتى تعلموا} [النساء: 43]، أي حتى يتكامل فيكم العلم، كما تقول للغضبان: اصبر حتى تعلم ما تقول. وعن الثاني: أنه خطاب للولي في الحال، أو الصبي بعد البلوغ. وعن المعرفة: ما سبق في تكليف ما لا يطاق. وأما النظر، فقيل: العلم به ضروري. وهو ضعيف، بل تلك الصورة مستثناه.
* * *
الثالثة: يجب قصد إيقاع المأمور على سبيل الطاعة، لقوله عليه السلام: «إنما الأعمال بالنيات»(1). ويستثنى عنه: الواجب الأول، وهو: النظر، لعدم العلم بوجوبه قبل الإتيان به. وقصد الطاعة، دفعا للتسلسل.--------------------------------------------
= محفوظا" «العلل الكبير» للترمذي (1/ 225). وصححه أبو بكر بن المنذر في «الأوسط»
(4/16)، و «الإشراف» (2/ 83).
وانظر: «البدر المنير» لابن الملقن (3/ 225)، و «إبراز الحكم» للسبكي (ص: 28).
(1) أخرجه البخاري (رقم: 1)، ومسلم (رقم: 1907)، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)