الرابعة: المكره الملجأ إلى الفعل لا يؤمر به ولا بتركه، لوجوب الفعل وامتناع الترك، وبين الإيقاع وعدمه تناف.
***
الخامسة: المأمور إنما يصير مأمورا بالفعل حال وقوعه، والموجود قبله إعلام له بأنه في الزمن الثاني يصير مأمورا(1). وقالت المعتزلة: مأمور قبله(2).
* لنا: أنه لو أمر بالفعل في الزمن الأول، فإن أمكن وقوعه كان مأمورا بالفعل حال إمكان وقوعه. وإن امتنع، فيكون مأمورا بالممتنع، وهو محال عندكم.
فإن قيل: هو مأمور في الزمن الأول بإيقاعه في الزمن الثاني. ولأنه لا قدرة على الفعل حال وجوده، وإلا لكان تحصيلا للحاصل.
قلنا: الجواب عن الأول: أن كونه موقعا للفعل إن كان عن القدرة أو غيرها - ولم يحصل في الزمن الأول - لم يوجد فيه إلا نفس القدرة. وإن حصل، كان مأمورا بالإيقاع زمان حصوله.
وعن الثاني: أن الفعل حال القدرة والداعي مأمور به، مع كونه واجب الوقوع. والله أعلم.
***--------------------------------------------
(1) انظر: «المجرد» لأبي بكر بن فورك (ص: 112، 197)، و التقريب» للقاضي أبي بكر (2/ 288)، و «التلخيص» (1/ 443).
(2) انظر: «المعتمد» (1/ 179)، و «عيون المسائل» للجشمي (ص: 173).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
السادسة: إذا علم الله تعالى [أن زيدا] يموت غدا، فيجوز أمره بالصلاة غدا بشرط أن يعيش عند القاضي أبي بكر(1) والغزالي(2). خلافا لجمهور المعتزلة(3).
دليل المجوزين أن الأمر كما يحسن لمصلحة المأمور به، فكذلك يحسن لمصلحة تنشأ من نفس امتحان العبد وتوطين نفسه على الامتثال، فيكون لطفا(4) له عاجلا وآجلا.
***--------------------------------------------
(1) في «التقريب» (2/ 274).
(2) في «المستصفى» (2/ 694).
(3) انظر: «المعتمد» (1/ 150).
(4) في الأصل (لفظا).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
القسم الثالث: في النواهي
وفيه مسائل:
الأولى: ظاهر النهي للتحريم، والمذاهب فيه كما في أن الأمر للوجوب.
* لنا: قوله تعالى: {وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7]، أمر بالانتهاء، ولا معنى لتحريم الفعل إلا وجوب الانتهاء عنه.
***
الثانية: النهي يفيد التكرار. ومنهم من منع(1)، وهو المختار.
* لنا وجهان:
الأول: أنه ورد لغير التكرار كما يقال للمريض: لا تأكل. وللصبي: لا تلعب. أي في هذا اليوم. والأصل عدم الاشتراك والمجاز.
الثاني: أنه يفيد بالدوام وعدمه وليس تكرارا ولا نقضا.
احتج المخالف بأن الصيغة لا تخصص وقتا، فيجب حمله على الدوام--------------------------------------------
(1) وهذا مشهور قول أبي الحسن الأشعري، والقاضي أبي بكر ومن وافقهما، «المجرد» (ص: 197)، و «التقريب» (2/ 131، 318). وهذا ملائم لمذهبهم في الوقف، وأن الأمر والنهي لا صيغة له تدل بمجردها على تكرار أو وجوب أو حظر إلا بدليل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
لإمكانه، بخلاف الأمر، لوجود المشقة.
والجواب: أن النهي إنما دل على نفس الامتناع فقط.
تنبيه: إن قلنا: إن النهي للتكرار أفاد الفور، وإلا فلا.
***
الثالثة: المأمور به لا ينهى عنه. وكذا عكسه؛ لأن المأمور: ما ليس في فعله حرج. والنهي ضده، فيتمانعان. والفقهاء جوزوه فيما له جهتان(1)، كالصلاة في الدار المغصوبة، فإن جهة الصلاة تباين جهة الغصب، فيجوز تعلق الأمر بأحدهما والنهي بالأخرى. ولأنها صلاة، فتناولها الأمر بالصلاة. ولأن إجماع السلف منعقد على عدم قضائها. وهذا ضعيف، لأن متعلق الأمر إن كان لازم متعلق النهي، كان المأمور به منهيا عنه. وإن لم يتلازما، فلا خلاف فيه. فإن قلت: هما منفكان في الجملة، لكن تلازما في هذه الصورة. ولأن الحركة والسكون جزء ماهية الصلاة، وهما شغل الحيز، فشغل الحيز جزء الصلاة، وهو منهي عنه، فلا يكون مأمورا بها؛ لأن الأمر بالمركب أمر بجميع أفراده. وأما الآية(2)، إن سلمنا عمومها، فهو مخصوص بما ذكرنا. وإن صح الإجماع، فنقول: يسقط الفرض عندها لا بها، كما قال القاضي أبو بكر رحمه الله(3).--------------------------------------------
(1) هذا اختيار أبي حامد الغزالي في «المستصفى» (1/ 216، 299).
(2) كذا في الأصل، ويقصد ما تقدم من ذكر الأمر بالصلاة.
(3) في «التقريب» (2/ 355).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
الرابعة: قال أكثر الفقهاء: النهي لا يفيد الفساد(1). ويفيده عند بعض أصحابنا(2). وقال أبو الحسين(3): يفيده في العبادات دون المعاملات. وهو المختار. ونعني بالفساد في العبادات: عدم الإجزاء. وفي المعاملات: عدم الملك.
* لنا في العبادات: أنه لم يأت بالمأمور به؛ لأن المنهي عنه لا يؤمر به على ما بينا، فلا يخرج عن العهدة. فإن قيل: لم لا يكون المنهي عنه سببا للخروج عن العهدة، إذ الصلاة في الثوب والماء المغصوبين، وفي الأوقات المكروهة صحيحة. ولأنه لو اقتضى الفساد لزم الترك بالمقتضي لصحتها، وهو خلاف الأصل.
والجواب عن الأول: أن النهي في تلك الصور إنما تعلق بالمأمور به بالمجاورة إذ ليس ذلك جزءا من الصلاة.
وعن الثاني أن المقتضي لصحتها فرع الأمر بها وقد بينا أن المنهي عنه لا يؤمر به.--------------------------------------------
(1) هذا قول المتكلمين من المعتزلة كأبي علي وأبي هاشم وأبي عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار، وبعض الفقهاء، كحنفية ما وراء النهر، وأبي بكر القفال، وأبي جعفر السمناني، ورواية أبي عبد الله البصري عن الكرخي، «المغني» للقاضي عبد الجبار (17/ 136)، «التقريب» (2/ 340)، و «التلخيص» (1/ 481)، و «شرح اللمع» (1/ 297)، و «المجزي» لأبي طالب للبطحاني (1/ 155) و «الإحكام» للباجي (1/ 234)، و «القواطع» (1/ 234)، وبذل النظر للأسمندي (ص: 184).
(2) هذا قول أكثر العلماء والفقهاء، قديما وحديثا، كما في «أعلام الحديث» للخطابي (2/ 1017)، و «الفصول» (2/ 175)، و «التقريب» (2/ 339). و «العدة» (2/ 433). وما تقدم.
(3) في «المعتمد» (1/ 184).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
وأما المعاملات، فلأن النهي إنما يدل على الزجر. ولا يمتنع أن نقول: "لا تبع وإذا بعت أفادك الملك، فلم يدل عليه بلفظه ولا بمعناه إذ عدم الملك لا يلازم النهي.
فإن قيل: هذا ينتقض بالعبادات. ثم نقول: يدل بمعناه لوجوه:
الأول: أن الملك نعمة، والمنهي عنه معصية فيناسب.
الثاني: المنهي عنه يشتمل على المفسدة الخالصة أو الراجحة أو المساوية، وإلا لما نهى عنه، فالإقدام عليه عبث.
الثالث: المعارضة بإجماع الصحابة فإنهم تمسكوا في فساد الربا ونكاح المتعة بالنهي. ثم القياس على المنهيات الفاسدة.
والجواب عن الأول والقياس الأخير: ما بينا من تباين المعنيين.
وعن الثاني والثالث: المذكور في الخلافيات.
وعن الرابع: إنما تمسكوا بالنهي فيما ذكرتم للقرينة، فإنهم حكموا في كثير من المنهيات بالصحة.
***
الخامسة: القائلون بأن النهي في المعاملات لا يدل على الفساد، منهم من قال: إنه يدل على الصحة، وهو: أبو حنيفة ومحمد بن الحسن رحمهم الله(1).--------------------------------------------
(1) انظر: «التقويم» (1/ 112)، و «أصول البزدوي» (ص: 176)، وشرحه «كشف الأسرار» (1/ 458)، و «أصول السرخسي» (1/ 80)، و «المغني» للخبازي (ص: 72)، و «أصول الفقه» للامشي (ص: 109).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
وأنكره أصحابنا، لقوله صلى الله عليه وسلم: «دعي الصلاة أيام أقرائك»(1)، ونهى عن بيع الملاقيح والمضامين(2)، مع عدم الصحة.
احتجوا: بأن النهي عن غير [المقدور] عبث. وجوابه: أنا نحمل النهي على النسخ، أو نصرفه إلى البيع اللغوي، وهو [مقدور] عليه. ثم ينتقض بما ذكرنا من النهي.
***
السادسة: المطلوب عندنا بالنهي: فعل ضد المنهي عنه. وعند أبي هاشم: [نفس] أن لا يفعل المنهي عنه(3).
* لنا: أن العدم المستمر غير مقدور عليه، والنهي تكليف، فلا يرد إلا بما يقدر عليه. فإن قلت: ترك المنهي عنه على العدم الأصلي مقدور عليه فيتناوله التكليف. ولأن العقلاء يمدحون من لم يزن على عدم الزنا، وإن لم--------------------------------------------
(1) أخرجه الإمام أحمد في «المسند» (رقم: 25681)، والدارقطني في «السنن» (رقم: 822). والمحفوظ فيه غير هذا اللفظ، انظر: «شرح علل الترمذي» لابن رجب (2/ 889)، و «البدر المنير» (3/ 125).
(2) رواه مالك في «الموطأ» (2/ 654)، وعبد الرزاق في «المصنف» (رقم: 14137) من حديث سعيد بن المسيب مرسلا. وروي موصولا عند المروزي في «السنة» (رقم: 210)، والبزار في «المسند» (رقم: 7785) من حديث أبي هريرة. وفيه نظر، انظر: «العلل» للدارقطني (9/ 183)، و «البدر المنير» (6/ 493).
(3) لم أقف على النقل عن أبي هاشم في كتب أصحابه. وظاهر كلام القاضي عبد الجبار في «المغني» (17/ 137) موافق للجمهور، ولم يحك خلافا. وانظر تحرير الكلام في: «التلخيص» لأبي المعالي (1/ 480)، و «الإبهاج» للسبكي (2/ 790)، و «البحر» للزركشي (2/ 343).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
يخطر لهم الضد. قلت: الإبقاء على العدم إن كان عدما لم يكن مقدورا، وإن لم يكن عدما كان وجوديا، وهو فعل الضد. وإنما يمدحون على ما يقدر(1) عليه، وهو الامتناع، وأنه وجودي.
* * *
السابعة: قد ينهى عن الأشياء على الجمع، كقوله: "لا تفعل هذا ولا ذاك". وعن الجمع، كقوله: "لا تجمع بينهما". وعلى البدل، كقوله: "لا تفعل هذا إن [فعلت] ذاك ". ويرجع إلى النهي عن الجمع وعن البدل. ويفهم منه شيئان: أحدهما: النهي عن جعل الشيء بدلا لغيره. والآخر: النهي عن فعل أحدهما دون الآخر. ثم ما كان منها ممكنا جاز التكليف به، والآخر دخل في تكليف ما لا يطاق. والله أعلم.
* * *--------------------------------------------
(1) في الأصل (ما لا يقدر).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
الكلام في العموم والخصوص
* * *
وفيه أقسام:
* الأول: وله شطران:
أحدهما: في العموم
وفيه مسائل:
الأولى: العام هو اللفظ المستغرق لكل ما يصلح له بحسب وضع واحد. واحتزرنا بالأولى: عن النكرات والتثنية والجمع ولفظ العدد. وبالثاني: عن المشترك والذي له حقيقة ومجاز، فإن عمومه لا يستغرق جميع المفهومات. وقيل: هو اللفظة الدالة على شيئين فصاعدا بلا حصر(1).
* * *
الثانية: اللفظ إما أن يفيد العموم عقلا، كدليل الخطاب عند من يقول به. أو عرفا، كقوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23]. فإنه يفيد تحريم جميع وجوه الاستمتاع. أو لغة، إما على البدل كالنكرات. أو على الجمع، إما لما ينضم إليه، كالمعرف بالألف واللام والجمع المضاف.--------------------------------------------
(1) انظر: «الميزان» للسمرقندي (ص: 396)، و «العقد المنظوم» للقرافي (1/ 177).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
وكالنكرة مع النفي. أو لأنه وضع للعموم، كـ «أي» و «ما» و «من» في المجازاة والاستفهام. و «كل» و «جميع» و «متى» و «أين» و «حيث». ثم هذه تارة تتناول من يعقل فقط، ومن يعقل وغيره ومن لا يعقل.
* * *
الثالثة: المطلق هو اللفظ الدال على الحقيقة من حيث هي هي عرية عن دلالة شيء من قيودها. وأما الدال عليها مع الكثرة المعينة، فهو اسم العدد. ومع غير معينة، فهو العام. ومع وحدة معينة، فهو المعرفة. ومع غير معينة، فهو النكرة. وقيل: المطلق هو اللفظ الدال على واحد لا بعينه. وهو خطأ فإن الوحدة وعدم التعيين قيدان زائدان.
* * *
الرابعة: ذهبت المعتزلة(1) وجماعة الفقهاء(2) إلى أن لفظ «أي» و «ما» و «من» و «أين» و «متى» في الاستفهام والمجازاة و «كل» و «جميع» للعموم.
وقال أكثر الواقفية(3): إنها مشتركة بينه وبين الخصوص .........--------------------------------------------
(1) انظر: «المعتمد» (1/ 206، 210)، و «المجزي» (1/ 171).
(2) وكذا نسبه أبو يعلى في «العدة» (2/ 489) إلى جماعة الفقهاء. وقال أبو بكر الجصاص في «الفصول» (1/ 104): "هو مذهب السلف في الصدر الأول ومن بعدهم ممن تابعهم". وقال الزركشي في «البحر المحيط» (3/18): "هو مذهب الأئمة الأربعة وجمهور أصحابهم".
وانظر: «التبصرة» (ص: 105)، وشرح اللمع لأبي إسحاق الشيرازي (1/ 308)، و «الإشارة» (ص: 186)، و «الإحكام» للباجي (1/ 239)، و «القواطع» (1/ 249).
(3) كالأشعري في المشهور عنه، وتبعه القاضي أبو بكر في جماعة من أصحابه، «التقريب» (3/50)، و «التلخيص» (2/19). واختلف في النقل عن الواقفية في صفة الوقف على وجهين، هذا أحدها، وهو التوقف في الصيغة لترددها في اللغة بين العموم والخصوص على=
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
وتوقف فيه أقلهم(1).
والكلام في فصول:
* الأول: «من» و «ما» و «أين» و «متى» في الاستفهام للعموم إذا لم تكن قرينة صارفة؛ لأنها لو كانت للخصوص لما حسن [الجواب بذكر كل العقلاء. أو مشتركة بين الخصوص والعموم لوجب](2) الاستفهام عن جميع مراتب الخصوص، لاحتمالها. ولم يجب، لقبحه عقلا ولغة فتعين العموم.
فإن قلت: إنما حسن الجواب بالكل لإفادته المطلوب بكل تقدير. ثم قبح بعض الاستفهامات معارض بحسن بعضها.
والجواب عن الأول: أنه يلزم منه حسن الجواب بذكر النساء والرجال لو قال: من عندك من الرجال؟! إذ يجوز أن يتعلق غرضه بالسؤال عن الجنسين.
وعن الثاني: أن حسن بعض الاستفهامات لا يدل على وقوع الاشتراك، لما نبين إن شاء الله تعالى أن للاستفهام فوائد غير الاشتراك.
* * *--------------------------------------------
= سبيل الاشتراك. وهو ظاهر قول أبي الحسن رحمه الله في «اللمع» (ص: 127)، وكذا نقله عنه أبو بكر ابن فورك عنه في «المجرد» (ص: 165، 191). ويدل عليه تصرف القاضي في «التقريب» (3/7)، (3/ 51)، و «التمهيد» (ص: 355) [ط مكارثي].
(1) هذا هو الوجه الثاني المنقول عن أبي الحسن في صفة الوقف، وهو عدم الحكم بشيء من عموم أو خصوص لهذه الألفاظ لعدم علمنا بذلك.
انظر: «البرهان» (1/ 322)، و «الوصول» (1/ 205)، و «الميزان» (ص: 278)، و «البحر» (3/23).
(2) ما بيان المعقوفتين مستدرك في الحاشية مع التصحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
* الثاني: صيغة «من» و «ما» في المجازات للعموم لوجهين(1):
الأول: أنها لو كانت مشتركة لما حسن الامتثال والإجابة إلا بعد الاستفهام عن الأقسام الممكنة، واللازم منتف.
الثاني: أن «ما» يتناول العقلاء، بدليل قوله تعالى: {وما خلق الذكر والأنثى} [الليل: 3]، وقوله تعالى: {والسماء وما بنها} [الشمس: 5]. وعدم الإنكار على ابن الزبعرى لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم حين نزل قوله تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله} الآية [الأنبياء: 98]، أليس عبدت الملائكة وعيسى؟! حتى نزل قوله تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} الآية [الأنبياء: 101](2).
الثالث: أنه [يصلح] استثناء(3) الآحاد منها، والاستثناء يخرج ما لولاه لدخل فيه؛ لأن صحة الدخول معتبرة في الاستثناء من الجنس وفاقا. فإن قلت: ينتقض بالاستثناء من جموع القلة والسلامة، فإنه للقلة بنص سيبويه(4).
ثم لا نسلم صحة استثناء الملائكة والجن واللصوص. سلمناه، لكن يلزم من دليل اعتبار الوجوب في الاستثناء كون الجمع المنكر للعموم. ثم صحة الاستثناء ينفي العموم، لئلا يكون نقضا--------------------------------------------
(1) كذا، والمذكور ثلاثة.
(2) ذكره ابن إسحاق في «السيرة» [رواية ابن هشام] (1/ 359)، وعنه أخرجه أبو جعفر ابن جرير في «جامع البيان» (16/ 417). ورواه أبو جعفر الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (3/15، 18)، والطبراني في «المعجم الكبير» (12/ 153)، والضياء في «المختارة» (11/ 351) من وجوه عن ابن عباس رحمه الله.
(3) في الأصل (الاستثناء).
(4) في «الكتاب» (3/ 491، 578).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
قلت: أما النقض، فممنوع، إذ لا يحسن قوله: أكلت الأرغفة إلا ألف رغيف. وأما الجمع المنكر، فإذا لم يفد الوجوب [فيه]، فلم لا يفده في غيره. وأما خروج الملائكة والجن فلقرينة الحال. وعموم الجمع المنكر سبق جوابه. وأما أن الاستثناء ينفي العموم، فسيأتي جوابه.
* * *
* الثالث: صيغة «كل» و «جميع» للاستغراق، لوجوه:
الأول: أن قوله: جاءني كل فقيه [يناقضه: ما جاءني كل فقيه](1).
ولولا الاستغراق لما تناقضا، إذ رفع الكل لا يناقض ثبوت البعض.
الثاني: إذا قال: "أعط من دخل داري درهما" فاستوعب. سقط اللوم عنه. وتوجه عليه بالاقتصار على البعض. وذلك دليل العموم.
الثالث: تكذيب عثمان للبيد في قوله:
وكل نعيم لا محالة زائل
بقوله: "نعيم أهل الجنة لا يزول"(2)، دليل العموم، وإلا لما توجه تكذيبه.
الرابع أهل اللغة إذا أرادوا العموم فزعوا إلى لفظ الكل والجميع بخلاف الجموع المنكرة.--------------------------------------------
(1) ما بين المعقوفتين ساقط من النسخة، ولابد منه، وقد سقط على الناسخ لانتقال نظره.
(2) انظر: «المغازي» لابن إسحاق [رواية ابن بكير] (ص: 179) [ط الفكر]، ورواية ابن هشام (1/ 370)، و «المعجم الكبير» للطبراني (9/34).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
* الرابع: النكرة في سياق النفي تعم، لوجهين:
الأول: أنه لولا عمومها لما كان قولنا: {لا إله إلا الله} نفيا للآلهة كلها غير الله تعالى.
الثاني: قولنا: أكلت اليوم شيئا، يناقضه: ما أكلت اليوم شيئا. ولولا العموم لما تناقضا؛ لأن السلب الجزئي لا يناقضه الإيجاب الجزئي.
تنبيه: النكرة في الإثبات إذا كانت خبرا لا تعم، وإن كانت أمرا عمت عند الأكثرين، للخروج عن العهدة بكل فرد.
* * *
* الخامس: احتج الواقفية بوجوه:
الأول: العلم أن هذه الصيغ للعموم ليس ضروريا ولا عقليا؛ لأنه لا مجال للعقل في اللغات. ولا نقليا متواترا وإلا لعرفه الكل ولا آحادا لأنها(1) إنما تفيد الظن، والمسألة علمية.
الثاني: لو كانت للعموم لما حسن الاستفهام، إذ(2) [طلب] الفهم عند الموجب سفه.
الثالث أن هذه الصيغ تؤكد فتكون تكريرا، وهو عبث. و [يستثنى] عنها بـ «إلا»، فيكون نقضا.
الرابع لو كانت «من» للعموم لامتنع جمعها، لعدم الفائدة، وقد جمعت--------------------------------------------
(1) في الأصل (لا أنها).
(2) في الأصل (وإذا).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
بقول الشاعر(1):
أتوا ناري فقلت: منون أنتم؟!
فلا تكون للعموم لما سبق.
والجواب عن الأول: أنا بعد استقراء اللغات نعلم أنها للعموم ضرورة، على أنه يجوز أن يعلم بالعقل بواسطة النقل، كما سبق. وأما المسألة، فهي عندنا ظنية، وقد بينا أن القطع لا يوجد في اللغات إلا نادرا.
وعن الثاني: أن الاستفهام قد يحسن لا عند الاشتراك، بأن نظنه ساه أو غير متحفظ في كلامه، أو ثم قرينة تقتضي التخصيص، أو طالبا لأقوى الدلالتين، وهو دلالة الخاص. فهذا كله فوائد الاستفهام.
وعن الثالث: أنه معارض بتأكيد ألفاظ العدد، وتأكيد الشيء بنفسه من غير اشتراك. ومن فوائد التأكيد: إبعاد التجوز والتخصيص وتقوية الظن بالعموم.
وعن الرابع: أن «منون» ليس جمعا، بل إشباع حركة(2) بالاتفاق(3).--------------------------------------------
(1) هو في «النوادر» لأبي زيد (ص: 380)، و «شرح أبيات سيبويه» لأبي محمد السيرافي (2/ 174) منسوبا لسمير أو شمير بن الحارث الضبي.
وانظر: «المقاصد النحوية» (4/ 2008). ونسب لتأبط شرا، جابر بن ثابت انظر: «خزانة الأدب» للبغدادي (6/ 170)، و «ديوان تأبط شرا» لعلي شاكر (ص: 254).
(2) انظر: «الكتاب» (2/ 410)، و «المقتضب» (2/ 307)، و «علل النحو» (ص: 428)، و «الخصائص» (1/ 130)، و «اللسان» مادة (من).
(3) في حكاية الاتفاق نظر، ففي كتاب «العين» (8/ 390)، و «المحكم» (10/ 470)، وغيرهما أن منون للجميع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
الخامسة: الجمع المعرف بلام الجنس للعهد ـــ إن كان ـــ، وإلا فللاستغراق. خلافا للواقفية وأبي هاشم(1).
* لنا وجوه:
الأول: أن أبا بكر رضي الله عنه لما طلب الأنصار الإمامة احتج عليهم بقوله عليه السلام:
«الأئمة من قريش»(2).
الثاني أنه يؤكد بـ «كل» و «جميع»، لقوله تعالى: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} [ص: 30]، وذلك يفيد الاستغراق وفاقا، فكذا في أصله، إذ التأكيد تقوية الأصل. ولا ينتقض بتأكيد جمع القلة والنكرة؛ لأنا نمنع تأكيدهما على رأي البصريين، ثم ذلك محمول على المنكر، لما بينا.
الثالث: صحة الاستثناء منه يدل على العموم، لما سبق.
احتجوا بأمور:
أحدها: أنه لو كان للعموم لكان إذا استعملت في العهد أو في قولهم: جمع الأمير الصاغة يلزم إما الاشتراك أو المجاز. وهما خلاف الأصل.
وثانيها: لو عم، لما كان قولنا: رأيت كل الناس، تكريرا. أو بعض الناس نقضا.--------------------------------------------
(1) انظر: «المعتمد» (1/ 240)، و «المجزي» (1/ 187).
(2) الحديث بهذا اللفظ مروي من وجوه أحسنها ما رواه النسائي في «السنن الكبرى» (رقم: 5909)، والإمام أحمد في «المسند» (رقم: 12307)، وابن أبي عاصم في «السنة» (رقم: 1120)، والبزار في «المسند» (رقم: 6181) من حديث أنس. ولم أقف على احتجاج الصديق به. وفيه كلام من جهة إسناده، انظر: «العلل» للدارقطني (12/19)، و «بيان الوهم والإيهام» (4/ 358)، وتحفة الطالب لابن كثير (ص: 209)، و «البدر المنير» (8/ 530)، و «التمييز» لابن حجر (6/ 2697). وأما المعنى، فثابت من وجوه في الصحيحين وغيرها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
والجواب عن الأول: أنه تخصيص بالعرف، كقولهم: من دخل داري أكرمته، لا يتناول الملائكة واللصوص.
وعن الثاني: أن الأول تأكيد والثاني تخصيص.
* * *
السادسة: الجمع المضاف، كقولنا: "عبيد زيد" للاستغراق، لما تقدم. وأما الكناية، فكقولنا: "فعلوا"، فتارة للاستغراق، وتارة لغيره، كالمكني عنه.
* * *
السابعة: الجماعة إذا أمروا بصيغة الجمع، أفاد الاستغراق، بدليل توجه اللوم على المتخلف منهم. والله أعلم.
الشطر الثاني في ما ليس من العموم
وفيه مسائل:
الأولى: الواحد المعرف ليس للعموم. خلافا للجبائي(1) والفقهاء(2) والمبرد(3)، لوجوه:
الأول: لو قال: لبست الثوب وشربت الماء، لا يفهم منه الاستغراق.--------------------------------------------
(1) انظر: «المعتمد» (1/ 244).
(2) قال القاضي عبد الوهاب أبو محمد: "هو قول جمهور الأصوليين وكافة الفقهاء"، «البحر المحيط» (3/ 98).
(3) انظر: «المجزي» لأبي طالب البطحاني (1/ 185).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
الثاني: لا ينعت بالجمع، ولا يؤكد به. وقوله تعالى: {والنخل باسقات} [ق: 10]، و {والطفل الذين لم يظهروا} [النور: 31]، و {وكل الطعام} [آل عمران: 93]. وقولهم: "أهلك الناس الدراهم البيض"، مجاز لعدم اطراده.
الثالث: لو قال: أنت الطلاق. لم تقع الثلاث إجماعا، فلا يفيد الاستغراق.
احتجوا بوجهين:
الأول: أنه يجوز استثناء الآحاد منه، كقوله تعالى: {والعصر إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا} [العصر]، فيكون عاما، إذ الاستثناء أخرج ما لولاه لدخل.
الثاني: ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، فقوله تعالى: {وأحل الله البيع} [البقرة: 275]، مشعر بأنه حل لكونه تبعا، والحكم يعم لعموم علته.
والجواب عن الأول: أن عدم الاطراد يدل على أنه مجاز. وعن الثاني: أنه اعتبار مغاير للتمسك باللفظ، ونحن نسلمه.
* * *
الثانية: أقل الجمع ثلاثة عند أبي حنيفة(1) والشافعي(2) -رحمهما الله-. وقال بعض--------------------------------------------
(1) نظر: «تقويم الأدلة» لأبي زيد (1/ 374)، و «الميزان» (ص: 293)، و «أصول البزدوي» (ص: 202، 212) مع شرحه «كشف الأسرار» (2/28)، و «أصول السرخسي» (1/ 151).
حكاه ابن برهان عن الفقهاء قاطبة وأكثر الأصوليين، «الوصول» (1/ 295).
(2) في «الأم» (4/ 507) عن الثلاثة أنها "أقل ظاهر الجمع في كلام الناس".
وانظر: «مجرد مقالات الشافعي في الأصول» (ص: 302).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
الصحابة والتابعين(1) والقاضي(2) والأستاذ أبو إسحاق(3): أقله اثنان.
* لنا وجهان
الأول: صيغة الجمع تنعت بالثلاثة، والتثنية بالاثنين، ولا ينعكس.
الثاني: أن أهل اللغة فصلوا بين ضمير الواحد والتثنية والجمع.
احتجوا بقوله تعالى: {إذ تسوروا المحراب} [ص: 21]، وكانا اثنين، لقوله: {خصمان بغى بعضنا على بعض} [ص: 22]. وبقوله تعالى: {وكنا لحكمهم شاهدين} [الأنبياء: 78]، والمراد داود وسليمان. وبقوله صلى الله عليه وسلم «الاثنان فما فوقهما جماعة»(4). ولأن الاجتماع حاصل في الاثنين.
والجواب عن الأولى: أن الخصمان للواحد والجمع، كالضيف قال تعالى: {هؤلاء ضيفي} [الحجر: 68]. وعن الثانية: المراد الحاكم والمتحاكمين؛ لأن المصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول. وعن الخبر، أنه محمول على إدراك فضيلة الجماعة. وقيل: هو تبيين للجماعة في جواز السفر. وعن المعقول، أن النزاع وقع في--------------------------------------------
(1) انظر: «التقريب» (3/ 322)، و «العدة» (2/ 652)، و «المستصفى» (2/ 769)، و «البحر المحيط» (3/ 136).
(2) في «التقريب» (3/ 324): "الذي نختاره أن اسم الجمع يقع على الاثنين، وأن أقل الجمع اثنان". وانظر: «التلخيص» (2/ 173).
(3) حكاه عنه أبو المعالي في «البرهان» (1/ 349).
(4) بهذا اللفظ أخرجه ابن ماجه (رقم: 972)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (رقم: 8811)، والدارقطني في «السنن» (رقم: 1087)، والحاكم في «المستدرك» (رقم: 8170) من حديث أبي موسى. وضعفه ابن رجب في «فتح الباري» (6/38). ومعناه ثابت من وجوه أخرى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
لفظ «الرجال» و «المسلمين» لا في لفظ «الجمع».
* * *
الثالثة: الجمع المنكر يحمل عندنا على أقل الجمع وهو ثلاثة. وعند الجبائي على العموم(1).
* لنا: أنه يمكن نعته بأي عدد شئنا، فوجب جعله للقدر المشترك بين الكل.
واحتج الجبائي: بأن حمله على العموم حمل له على جميع حقائقه. وجوابه: ما بيناه أنه لا حقيقة له إلا القدر المشترك، لكن الثلاثة لابد منها فتعينها كذلك.
* * *
الرابعة: قوله تعالى: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة} [الحشر: 20]، لا يقتضي عموم نفي الاستواء من جميع الأمور؛ لأن نفي الاستواء أعم من نفيه من كل الوجوه أو من بعضها. والدال على المشترك بين القسمين لا إشعار فيه بهما. ولأن قولنا: "يستويان" يقتضي استواءهما في جميع الصفات، وإلا لكان كل شيئين يستويان لاشتراكهما ولو في بعض السلوب. وقولنا: "لا يستويان" نقيضه، ونقيض الكل الجزئي.
* * *--------------------------------------------
(1) انظر: «المعتمد» (1/ 246). ونقل عنه أبو طالب البطحاني في «المجزي» (1/ 187) كقول أبي هاشم، وهو أنه يحمل على أقل الجمع ثلاثة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)