على الفعل. وعن الثاني: أن الأمور جمع للأمر بمعنى الشأن.
وجواب الثاني: منع تردد الذهن، بل السابق إلى الفهم: الأول، إلا إذا وجدت قرينة صارفة.
الثانية: ذكر القاضي أبوبكر(1) أن الأمر: هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور له. وارتضاه الأصحاب(2). وهو ضعيف؛ لأن المأمور والمأمور به مشتقان من الأمر، ومعرفتهما قبل معرفة الأمر ممتنع، فتعريف الأمر بهما دور.
وقالت المعتزلة: هو قول القائل لمن دونه افعل أوما يقوم مقامه(3). وهو ضعيف، لما تبين أن الرتبة غير معتبرة على أن الأمر يوجد بدون هذا اللفظ بوضع لفظ غيره أو لغة أخرى.
والمختار: أنه القول الدال على طلب الفعل بالاستعلاء(4). ومنهم من أسقط القيد الأخير.
الثالثة: تصور ماهية الطلب معلوم للعقلاء(5) ضرورة،--------------------------------------------
(1) في «التقريب والإرشاد» (2/5)، و «التلخيص» (1/ 242).
(2) انظر: «البرهان» (1/ 203)، و «المستصفى» (2/ 653).
(3) انظر: «التذكرة» لابن متويه (1/ 207)، و «عيون المسائل» للجشمي (ص: 172)، و «المغني» لعبد الجبار (17/ 107).
(4) انظر: «المعتمد» لأبي الحسين (1/49).
(5) في الأصل (وللعقلاء).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
لتفريقهم(1) بين طلب الفعل والترك والمفهوم من الخبر. ويعلمون بالضرورة أن ما يصلح جوابا لأحدهما لا يصلح للآخر. ثم معنى الطلب ليس نفس الصيغة، إذ ماهية الطلب لا تختلف باختلافها، بل هي صفة المتكلم، كعلمه وقدرته، والصيغة الدالة عليها. ويتفرع عليها مسائل:
* الأولى: أن تلك الماهية غير الإرادة. خلافا للمعتزلة(2).
لنا: أنه تعالى أمر أبا جهل بالإيمان ولم يرده منه، لوجهين:
الأول أن صدوره منه - مع علمه تعالى أنه لا يؤمن - محال، فلا يريده بالاتفاق. ولأن الإرادة صفة مرجحة لأحد الجائزين.
الثاني: أن العاقل قد يأمر عبده بما لا يريده، إظهارا لسوء أدبه وإقامة عذره. ولأنه يصح أن يقول: "أريد منك الفعل ولا(3) آمرك به". فلو اتحدا لتناقضا.
احتجوا بوجهين:
الأول: أن أهل اللغة وضعوا لفظة (افعل) للطلب المفهوم لكل عاقل، وغير الإرادة غير معلوم.--------------------------------------------
(1) في الأصل (لتفرقهم).
(2) هذا قول من ينفي كون الإرادة أمرا زائدا على الداعية إلى الفعل، كأبي الهذيل العلاف، وأبي إسحاق النظام، وأبي عثمان الجاحظ، وأبي القاسم الكعبي، في جماعة من البغداديين، خلافا لأبي هاشم وأبي علي في أصحابهما البصريين. انظر: «المعتمد في أصول الدين» لمحمود الخوارزمي الملاحمي (ص: 218)، و «الفائق في أصول الدين» له (ص: 42).
(3) في الأصل (وإلا).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
الثاني: أن الإرادة لو لم تعتبر في الأمر لصح بالماضي والواجب والممتنع، كالخبر.
والجواب عن الأول: أن الطلب النفساني المغاير للإرادة معلوم للعقلاء.
وعن الثاني: يطلب الجامع. على أن من يجوز تكليف ما لا يطاق يجوزه.
الثانية: العقل يقسم الطلب ستة أقسام، ويجيز الحمل عليها أو على أحدها: الأول: أن الطلب يقتضي ترجيح الفعل أو الترك. الثاني: الترجيح(1) المانع من النقيض. والثالث والرابع: مطلق اللفظ الدال على الأول والثاني.
والخامس والسادس: اللفظة العربية الدالة على الأول والثاني.
أما بحسب اللغة، فجعل الأمر اسما للفظ لا للترجيح أولى، لوجوه:
الأول: أهل اللغة قالوا الأمر [من] الضرب(2): «اضرب».
الثاني: لو علق العتق على الأمر، ثم أشار بما يفيده لم يفد العتق.
الثالث: المتبادر إلى الفهم عند سماع لفظ «الأمر» اللفظ دون المعنى.
احتج المخالف(3) بوجوه:--------------------------------------------
(1) في الأصل (أن الترجيح) ثم شطب على (أن).
(2) في الأصل (الأمر والضرب).
(3) المخالف هو القاضي أبو بكر، وينسب لأبي الحسن الأشعري في أصحابه الواقفية، فعندهم أن الأمر اسم للمعنى القائم بالنفس، وأن العرب ما صاغت لهذا المعنى صيغة مفردة تدل عليه بمجردها. انظر: «التقريب لأبي بكر (2/10)، و التلخيص» (1/ 243)، و «التبصرة» (ص: 22)، و «شرح اللمع» (1/ 199)، و «البرهان» (1/ 212)، و «الإحكام» للباجي (1/ 196) و «المستصفى» (2/ 660)، و «الوصول» (1/ 139).
=
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
الأول قوله تعالى: {إذا جاءك المنافقون} الآية [المنافقون: 1]. كذبهم مع صدقهم في اللفظ.
الثاني: قول عمر رضي الله عنه "زورت في نفسي كلاما "(1).
الثالث قول الأخطل(2):
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما … جعل اللسان على الفؤاد دليلا
والجواب عن الأول: أن الشهادة هي الإخبار عن الشيء مع العلم به، فلما لم يكونوا كذلك كذبهم.
وعن الثاني: معناه: جهزته وقدرته، كما يقال: قدرت في نفسي دارا.
وعن الثالث: المنع، بأنه غير عربي. على أنه محمول على المقصود من الكلام.
فرع: الصحيح أن الأمر اسم(3) اللفظ، عربيا كان أو فارسيا، بدليل أنه لو حلف أنه لا يأمر، حنث بالأمر بغير العربية. ولأن العرف يسميه أمرا.--------------------------------------------
= قال السمعاني: "هذا قول لم يسبقهم إليه أحد من العلماء"، «القواطع» (1/ 129). وانظر:
«روضة الناظر» (2/ 595)، «والواضح» (14/ 61)، و «التحبير» للمرداوي (5/ 2177).
(1) أخرجه البخاري (رقم: 6830) بمعناه.
(2) البيت بلا نسبة في «البيان» للجاحظ (1/ 218). ومنسوب إلى الأخطل في «الموشى» لأبي الطيب الوشاء (ص: 8) ولفظه: "من الفؤاد". وليس هو في أصول ديوانه، ذكر ذلك أبو حيان في «التذييل والتكميل» (1/23). وانظر: «رسالة السجزي» (ص: 120)، و «الفصل» لابن حزم (3/ 122).
(3) في الأصل (باسم) كذا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
* الثالثة: دلالة هذه الصيغة على الطلب يكفي في تحققها الوضع بغير إرادة أخرى. وقال أبو علي وأبو هاشم: لابد معه من إرادة(1).
لنا وجهان:
الأول: القياس على سائر الألفاظ. الثاني: لو توقفت على الإرادة لتعذر الاستدلال بالصيغة على الطلب؛ لأن الإرادة أمر باطن.
حجتهما: أنها تميز صيغة الطلب وصيغة التهديد، ولا مميز إلا الإرادة.
وجوابه: أنها حقيقة في الطلب، مجاز في التهديد. والأصل الحقيقة.
الرابعة: ذهب أبو علي وأبو هاشم إلى أن [إرادة] المأمور به [مؤثرة] في [صيرورة] صيغة(2) «افعل» أمرا(3). وهو ضعيف؛ لأن الإرادة هي مدلول الصيغة، فلا تفيدها صيغة، قياسا على سائر المسميات والأسماء.
* الخامسة: المختار أنه لا يعتبر في الأمر على رتبة الأمر. خلافا للمعتزلة(4). لقوله تعالى - حكاية عن فرعون أنه قال لقومه -: {ماذا تأمرون} [الأعراف: 110]. وقال عمرو بن العاص لمعاوية - وكان دونه -(5):--------------------------------------------
(1) هذا قول جماعة من البصريين، ومنهم: أبو علي وأبو هاشم. خلافا لأبي القاسم لكعبي في أصحابه،
انظر: «التذكرة» لابن متويه (1/ 211)، و «المعتمد» لأبي الحسين (1/50)، و «الذريعة» (ص:
58)، و «المعتمد في أصول الدين» (ص: 218)، و «الفائق» للخوارزمي (ص: 42).
(2) في الأصل (الإرادة المأمور به مؤثر في صيغة) والنظم به، مختل فاجتهدت في إصلاحه.
(3) انظر: ما تقدم.
(4) انظر: «التذكرة» لابن متويه (1/ 207)، و «عيون المسائل» للجشمي (ص: 172)، و «المغني» لعبد الجبار (17/ 107).
(5) البيت وقصة ابن هاشم في «وقعة صفين» لنصر بن مزاحم (ص: 349)، و «الفتوح» =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
أمرتك أمرا حازما فعصيتني … وكان من التوفيق قتل ابن هاشم
ولا الاستعلاء. خلافا لأبي الحسين البصري(1) إذ يقال في العرف: "فلان أمر فلانا على وجه الرفق واللين".
واحتج جمهور المعتزلة باستقباح أهل العرف قول القائل: "أمرت الملك ونهيته".
واحتج أبو الحسين، بأنه لا يقال لمن أمر غيره على سبيل التضرع: إنه أمره. ويقال لمن أمر غيره على سبيل الاستعلاء - وإن كان أعلى رتبة منه: إنه أمره. ولهذا يستقبحونه ويصفونه بالجهل.
وجوابه: منع الاستقباح.
* السادسة: الأمر والنهي قد يجيئان بلفظ الخبر، كقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن} [البقرة: 228]. وقوله عليه السلام: (لا تنكح [المرأة المرأة])(2).
وبالعكس، كقوله عليه السلام: «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت»(3). معناه: صنعت ما شئت. ووجه المجاز: أن الأمر يدل على الوجود. والنهي على العدم، كدلالة الخبر عليهما، فتشابها من هذا الوجه.--------------------------------------------
= لابن أعثم الكوفي (3/ 125) [ط الأضواء]، و «الكامل» للمبرد (1/ 345) [ط الدالي].
(1) انظر: «المعتمد» لأبي الحسين (1/49).
(2) أخرجه بهذا اللفظ أبو بكر بن زياد النيسابوري في «الزيادات على مختصر المزني» (رقم: 437)، والدارقطني في «السنن» (رقم: 3540) من حديث أبي هريرة. ورواه ابن ماجه (رقم: 1882) بلفظ: "لا تزوج". والأشبه أنه من قول أبي هريرة موقوفا عليه، انظر: «المسند» للبزار (17/ 306)، و «العلل» للدارقطني (10/21)، و «التنقيح» لابن عبد الهادي (4/ 297).
(3) رواه البخاري (رقم: 3484) من حديث ابن مسعود.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
القسم الأول: في المباحث اللفظية
وفيه مسائل:
الأولى: صيغة افعل تستعمل في خمسة عشر وجها:
الأول: الإيجاب، كقوله تعالى: {أقيموا الصلوة}.
الثاني: الندب، كقوله تعالى: {فكاتبوهم} [النور: 33]. ويقرب منه التأديب، كقوله عليه السلام: «كل مما يليك»(1).
الثالث: الإرشاد، {واستشهدوا} [البقرة: 282].
الرابع: الإباحة، {وكلوا واشربوا} [الأعراف: 31].
الخامس: التهديد، {اعملوا ما شئتم} [فصلت: 40]. ويقرب منه الإنذار، {تمتعوا قليلا} [المرسلات: 46](2).
السادس: الامتنان، {فكلوا مما رزقكم الله} [النحل: 114].
السابع: الإكرام، {ادخلوها بسلام} [ق: 34].--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (رقم: 5376)، ومسلم (رقم: 2022)، من حديث عمر بن أبي سلمة.
(2) في الأصل (قل تمتعوا … ). ومن التنزيل {قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار} [إبراهيم: 30]، {قل تمتع بكفرك قليلا} [الزمر: 8].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
الثامن: التسخير، {كونوا قردة} [البقرة: 65].
التاسع: التعجيز، {فأتوا بسورة} [البقرة: 23].
العاشر: الإهانة، {ذق إنك أنت العزيز الكريم} [الدخان: 49].
الحادي عشر: التسوية، {فاصبروا أو لا تصبروا} [الطور: 16].
الثاني عشر: الدعاء، {رب اغفر لي} [نوح: 28].
الثالث عشر: التمني، كقوله(1):
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي
الرابع عشر: الاحتقار، {ألقوا ما أنتم ملقون} [يونس: 80].
الخامس عشر: التكوين، {كن فيكون} [النحل: 40].
وقد اتفقوا أنها ليست حقيقة في الكل. واختلفوا في خمسة: الوجوب والندب [والإباحة](2) والتنزيه والتحريم، فقيل: هي مشتركة بينها. وقيل: بين الثلاثة الأول. وقيل: هي حقيقة في أقل المراتب، وهي الإباحة(3).
لنا: التفرقة الضرورية بين قوله: «افعل» «لا تفعل». و «إن شئت افعل» و «إن شئت لا تفعل». وليس ذلك من المترادفات على معنى واحد.--------------------------------------------
(1) لامرئ القيس من معلقته الذائعة، انظر: «ديوان امرئ القيس بشرح السكري» (1/ 241).
(2) في الأصل (والندب) مرتين.
(3) حكاه الشافعي في «الأم» (6/ 369) [ط الوفاء]، عن بعض أهل العلم، ولم ينكره. وستأتي حكاية بقية الأقوال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
الثانية: الحق عند أكثر الفقهاء والمتكلمين أن الأمر للوجوب(1). وعند أبي هاشم للندب(2). وقيل: مشترك بينهما(3). وقيل: حقيقة فيهما(4). وقيل بالوقف، وهو قول الغزالي(5).
* لنا وجوه:
الأول: أنه تعالى ذم إبليس على ترك السجود بقوله: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} [الأعراف: 12]. وليس المراد منه الاستفهام وفاقا.
الثاني: قوله تعالى: {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} [المرسلات: 48].
فإن قلت: إنما ذمهم لأنهم لم يعتقدوا حقيقة الأمر، لا لترك الركوع، بدليل قوله: {ويل يومئذ للمكذبين} [المرسلات: 49]. قلت: استحقاق الويل بالتكذيب، لا بنفي استحقاق الذم بترك الركوع؛ لأن الكافر عندنا كما يعاقب بترك الإيمان يعاقب بترك العبادات.
الثالث: قول بريرة للنبي صلى الله عليه وسلم: "أتأمرني" فقال: «لا، إنما أنا شافع»(6).--------------------------------------------
(1) قال الأستاذ أبو إسحاق: "المعروف من عصر الصحابة إلى وقتنا هذا أن الأمر على الوجوب"، «البحر» (2/ 368)، وحكاه القاضي في «التقريب» (2/27) عن الدهماء من الفقهاء. وانظر: «التقويم» (1/ 78)، و «القواطع» (1/ 137)، و «شرح اللمع» (1/ 206)، و «الإحكام» للباجي
(1/ 201)
(2) انظر: «المعتمد» (1/ 57)، و «المجزي» لأبي طالب (1/ 97).
(3) هذا قول الشريف المرتضى في «الذريعة» (ص: 65).
(4) انظر: «البحر المحيط» (2/ 368).
(5) «المستصفى» (2/ 665). وانظر: «المجرد» لابن فورك (ص: 197)، و «التقريب» للقاضي (2/27)، و «التلخيص» (1/ 261).
(6) أخرجه البخاري (رقم: 5283) من حديث ابن عباس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
نفى الأمر وأثبت الشفاعة المندوبة.
الرابع: أن الصحابة رضي الله عنهم تمسكوا بالأمر في قوله عليه السلام: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب»(1)، وقوله: «فليصلها إذا ذكرها»(2)، على الوجوب، ولم يظهر مخالف، فكان إجماعا، لما يأتي في القياس إن شاء الله تعالى. فإن قلت: لم يوجبوه في قوله تعالى: {فكاتبوهم} [النور: 33]، و {واصطادوا} [المائدة: 2]، و {وآنكحوا} [النساء: 3]، وأمثاله، فوقع التعارض. قلت: التمسك بما لا يفيد الوجوب عليه لا يجوز، وقد يتخلف الحكم عن مقتضيه لمانع.
[الخامس](3): تارك المأمور به عاص، لقوله تعالى: {لا أعصي لك أمرا} [الكهف]. والعاصي يستحق العقاب، لقوله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله} [النساء: 14] الآية. فإن قيل: لو كان عاصيا لزم التكرار في قوله تعالى: {ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم: 6]. ولأن تارك المندوب تارك المأمور، وليس بعاص وفاقا. ثم قرينة الخلود تدل على أنه مختص بالكفار.
والجواب عن الأول: أنا نحمل قوله تعالى: {ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم: 6]، على المستقبل. وما قبله على الماضي.--------------------------------------------
(1) أخرجه مالك في «الموطأ» (رقم: 759) [ط المغرب]، والشافعي في «الأم» (5/ 408)، وعبد الرزاق في «المصنف» (رقم: 10762) [ط التأصيل]، وابن أبي شيبة في «المصنف» (رقم: 10870) من حديث جعفر بن محمد عن أبيه. قال أبو عمر بن عبد البر: "منقطع، ومعناه يتصل من وجوه حسان" «التمهيد» (8/ 515) [ط التركي]. وانظر: «العلل» للدارقطني (2/ 183) [ط الدباسي]، و «فتح الباري» (6/ 261).
(2) أخرجه مسلم (رقم: 684) من حديث أنس.
(3) في الأصل (السادس). ويحتمل أن الخامس قد سقط على الناسخ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
وعن الثاني: أن تسمية المندوب مأمورا به مجاز، محافظة على عموم قوله تعالى: {ومن يعص الله} [النساء: 14] الآية.
وعن الثالث: أن الخلود هو المكث الطويل.
واحتج منكر الوجوب بوجوه:
الأول لو دل على الوجوب لدل إما العقل، وهو باطل إذ لا مجال له في اللغات. أو النقل المتواتر، وهو باطل أيضا، وإلا لعرفه كل واحد. أو(1) الآحاد، وهو يفيد الظن، والمسألة [علمية]. وهذه حجة من يقول بالوقف.
الثاني: قياس الأمر على السؤال، إذ لا فارق سوى الرتبة وقد أبطلناها.
الثالث: ورد(2) للوجوب وللندب وللإباحة، ولا إشعار له بأحدها، فيجعل حقيقة في المشترك، دفعا للاشتراك والمجاز.
والجواب عن الأول: أنه يجوز أن يعرف الوجود بدليل يتركب من العقل والنقل. ثم يمنع كون المسألة علمية.
وعن الثاني: أن السؤال عندنا يدل على الإيجاب، وإن لم يتحقق الوجوب. وعن المجاز: أن ما ذكرناه من الأدلة يدل عليه(3).--------------------------------------------
(1) ما بين المعقوفتين زدته تقديرا للضرورة. وقد سقط على الناسخ لانتقال النظر فيما يظهر. وفي الأصل ( … المتواتر الثاني الآحاد).
(2) أي الأمر.
(3) يعني على المجاز.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
الثالثة: الأمر عقيب الحظر والإذن للوجوب. خلافا لبعض أصحابنا(1).
لنا: أن المقتضي للوجوب قائم لما سبق والمعارض الموجود لا يصلح معارضا لجواز الانتقال من الحضر إلى الوجوب كالانتقال منه إلى الإباحة وهو معلوم ضرورة.
احتج المخالف بوجهين:
الأول: ورد في الكتاب للإباحة، كقوله تعالى: {فإذا طعمتم فانتشروا}
[الأحزاب: 53]، {وإذا حللتم فأصطادوا} [المائدة: 2]، وأمثاله. والأصل الحقيقة.
الثاني: أن السيد إذا أمر عبده بعد منعه فهم الإباحة.
والجواب عن الأول: أنه معارض بقوله تعالى: {فإذا أنسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5]، فإنه يفيد وجوب الجهاد.
وعن الثاني: المعارضة بقول الأب لابنه المحبوس: "اخرج إلى المكتب"، فإنه يفهم منه الوجوب.--------------------------------------------
(1) فقالوا بالإباحة، ونسبه إلى الشافعي بعض أصحابه وذكروا أنه ظاهر مذهبه «البحر المحيط» (2/ 378)، ولعل مرادهم من كلامه ما ذكره في تصاريف معنى الأمر في كتاب النكاح من «الأم» (6/ 368)، ففيه كلام محتمل لما ذكروه عنه. وهو قول أبي الفرج وأبي تمام وابن خويز منداد من المالكية، «الإحكام» للباجي (1/ 206). وبه قال أكثر الحنابلة، «العدة» (1/ 256)، و «التمهيد» (1/ 179)، و «الواضح» (4/ 112)، و «المسودة» (ص: 16)، «القواعد» لابن اللحام (2/ 737). وانظر: «التقريب» للقاضي أبي بكر (2/ 94).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
تنبيه: من قال: بأن الأمر عقيب الحظر للإباحة، اختلفوا في النهي الوارد عقيب الوجوب، فمنهم من قال: إنه للإباحة، طردا للقياس(1). ومنهم من قال: للتحريم(2).
الرابعة: الحق أن الأمر يفيد طلب الماهية من غير إشعار بالوحدة أو الكثرة، وتلك تحصل بالمرة الواحدة(3). وقيل: يفيد التكرار(4). وقيل: للمرة الواحدة لفظا(5). وقيل: التوقف(6). وقالت الحنفية: يفيد الفور(7). وقيل: التراخي(8).--------------------------------------------
(1) لم أقف على تعيين قائله.
(2) كالأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، «البرهان» (1/ 265). وانظر: «البحر المحيط» (2/ 383).
(3) هذا قول عامة أصحاب أبي حنيفة، كما في «الفصول» لأبي بكر (2/ 135)، و «أصول البزدوي» (ص: 127) و «أصول السرخسي» (1/20).
(4) هذا قول عامة الحنابلة، «المسودة» (ص: 20). وانظر: «العدة» (1/ 264)، و «الواضح» (4/ 128).
(5) قال الشيخ أبو إسحاق: "هو قول أكثر أصحابنا واختاره القاضي أبو الطيب الطبري والشيخ أبو حامد الإسفراييني" «شرح اللمع» (1/ 220). وبه قال عامة أصحابه، «المقدمة» لابن القصار (ص: 136)، و «الإحكام» للباجي (1/ 208).
(6) وهذا ظاهر قول الأشعري، «المجرد» (ص: 197)، والقاضي أبي بكر في «التقريب» (2/ 117).
(7) نسبه أبو الحسن الكرخي إلى أصحابه، وانتصر له أبو بكر الرازي كما في «الفصول» (2/ 105). والمعروف عند عامة أصحاب أبي حنيفة أنه على التراخي، «أصول البزدوي» (ص: 172)، و «أصول السرخسي» (1/26). وانظر: «ميزان الأصول» (ص: 210).
(8) هذا قول القاضي أبي بكر في التقريب (2/ 208)، وأبي علي وأبي هاشم، «المعتمد» =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
* لنا وجوه:
الأول أنه قد جاء للتكرار وللفور ولغيرهما في الكتاب والعرف.
والأصل الحقيقة، وما ذاك إلا إدخال ماهية المصدر في الوجود. والدال على المشترك لا دلالة له على ما به الامتياز لا بالوضع ولا بالاستلزام، فالأمر لا يدل على شيء من أوصافه.
الثاني: لو قال لغيره: "افعل أبدا أو مرة واحدة، أو في الحال أو غدا" لم يكن الأول تكرارا. ولا الثاني نقضا.
الثالث: كونه للتكرار يقتضي استغراق العمر بفعل المأمور به، فإن اللفظ لا إشعار له بوقت دون وقت، وليس البعض أولى. وهو باطل بالإجماع.
احتج القائل بالتكرار بوجوه:
الأول: أن أبا بكر رضي الله عنه تمسك بقوله تعالى: {وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] على تكرارها، ولم ينكر أحد، فكان إجماعا.
الثاني: التكرار أحوط، إذ فيه أمن المخالفة بتقدير [وجوبه].
الثالث: القياس على النهي.
والجواب عن الأول: أن ذلك دليل خاص.
وعن الثاني أن التكرار قد يفضي إلى المعصية، كما في شراء اللحم، ودخول الدار(1).--------------------------------------------
= (1/ 120)، و «المجزي» (1/ 114). وبه قال القفال وابن أبي هريرة وأبو علي بن خيران، «القواطع» (1/ 158).
(1) يعني في من قال لعبده: "اشتر اللحم"، و"ادخل الدار". فتكرار ذلك قد يوقع في المحظور.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
وعن الثالث أن الانتهاء عن الفعل أبدا ممكن بخلاف الفعل.
وحجة الفور وجوه:
الأول: قوله تعالى: {ما منعك ألا تسجد} [الأعراف: 12]. ولولم يقتض الفور لما حسن ذمه في الحال.
الثاني: قوله تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة} [آل عمران: 133]، وقوله تعالى: {فاستبقوا الخيرات} [البقرة: 148].
الثالث: التأخير لا إلى بدل ينافي الوجوب. وإلى بدل يسقط التكليف إذا أتى به؛ لأن البدل ما يقوم مقام المبدل من جميع الوجوه. وليس كذلك وفاقا.
الرابع: القياس على النهي وعلى أمر السيد لعبده بالسقي.
والجواب عن الأول: أن الذم كان للقرينة.
وعن الثاني: أنه مجاز، إذ المراد من المغفرة ما تقتضيها، وليس في اللفظ ما يعينه.
وعن الباقي: النقض بالواجب الموسع. وبقوله: "افعل في أي وقت شئت".
وحجة الاشتراك: [حسن الاستفهام](1) عن إرادتهما. وورود الأمر بهما. والأصل الحقيقة. والجواب: سيأتي في باب العموم إن شاء الله تعالى.--------------------------------------------
(1) بياض في الأصل، وزدته مقاربة للمعنى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
الخامسة: من قال: المطلق لا يفيد التكرار، [اختلفوا في المعلق بالشرط والصفة، كقوله: "إن كان زانيا فارجمه"](1)، وكقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38]. والمختار أنه لا يفيده لفظا ويفيده قياسا.
بيان الأول: قوله لعبده: اشتر اللحم إن دخلت السوق". ولزوجته: "أنت طالق إن دخلت الدار"، فإنه لا يفيد التكرار. ولأن اللفظ إنما دل على تعليق شيء على شيء، وهو أعم من تعليقه عليه في الكل والبعض، ثم نقيس على [الخبر](2) بجامع دفع ضرر التكرار.
وأما الثاني، فلأن الله تعالى لو قال: "إن كان زانيا فارجمه" كان دليلا على أنه جعل الزنا علة للرجم؛ لأن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بعليته له، وإلا لما قبح أن يقال: "إن كان عالما فأهنه"، وهو مستقبح والحكم يتكرر بتكرر العلة باتفاق القائسين. بخلاف العبد إذا قال: "اعتقت غانما لسواده" حيث لا يعتق سالم مع سواده وإن صرح بالعلة.
السادسة: الأمر أو الخبر المعلق على شيء بـ «إن»، عدم عند عدمه. خلافا لأكثر المعتزلة(3)، والقاضي أبي بكر(4).--------------------------------------------
(1) بياض في الأصل، انظر: «التحصيل» للأرموي (1/ 291).
(2) في الأصل (الحر).
(3) وهو قول أبي عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار، «المعتمد» (1/ 152).
(4) انظر: «التقريب» للقاضي أبي بكر (3/ 363)، و «التلخيص» (2/ 199).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
* لنا وجهان:
الأول: النحاة سموا كلمة «إن» حرف الشرط. والشرط: ما ينتفي الحكم عند انتفائه، بدليل قولهم: "الوضوء شرط للصلاة". و"الحول شرط للزكاة". والأصل الحقيقة. لا يقال: إنها علامات، لئلا يلزم منه المجاز في تسمية ما ليس بعلامة شرطا.
الثاني: قول يعلى بن أمية لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما: "ما بالنا نقصر الصلاة وقد أمنا؟! " فقال: "عجبت مما عجبت منه، فسألت النبي عليه السلام، فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم»(1). وليس التعجب لأن الأصل الإتمام، فإن صلاة الحضر والسفر كانتا ركعتين، وإنما زيدت صلاة الحضر. نقلته عائشة رضي الله عنها(2).
احتجوا بقوله تعالى: {ولا تكرهوا فتيتكم على البغاء إن أردن تحصنا} [النور: 33]. والنهي قائم وإن لم يردن التحصن. وبقوله: {ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة} [البقرة: 283]، ويجوز الرهن مع وجود الكاتب وأمثاله. ولأنه لا يجوز تنجيز الطلاق بعد تعليقه بشرط.
والجواب عن الأول: أنه لا يلزم من عدم الحرمة القول بالحل، فإنهن إذا لم يردن التحصن يردن البغاء، والإكراه على المراد ممتنع.
وعن الثانية وأمثالها: إنما جوزنا مخالفة الظاهر لمعارض. وعن الطلاق: أن المنجز غير معلق.--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم (رقم: 686).
(2) أخرجه البخاري (رقم: 350)، ومسلم (رقم: 685).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
السابعة: الحكم المقيد بعدد لا يدل على نفيه عما زاد أو نقص، إلا(1) لدليل منفصل(2). والحق أن الحكم متى تقيد بعدد [معين] علل به، تعدى إلى الزائد لوجود علته فيه. والناقص(3) عن ذلك العدد، إن دخل فيه - والحكم إيجاب أو إباحة - دخلا فيه. والحظر قد يدخل وقد لا يدخل. وإن لم يدخل، فالحظر قد يثبت فيه بطريق الأولى، والإيجاب والإباحة قد يدخلان، وقد لا يدخلان(4).
واحتج المخالف: بأن الأمة عقلت من تحديد جلد القاذف بالثمانين نفي الزيادة. وجوابه: أن الزيادة منتفية بحكم الأصل.
* * *
الثامنة: الحكم المقيد بالاسم لا يدل على نفي الحكم عما عداه(5). خلافا لأبي بكر الدقاق(6).--------------------------------------------
(1) في الأصل (لا).
(2) هذا اختيار بعض من لا يقول بدليل الخطاب كالقاضي وإمام الحرمين في آخرين، وسيأتي قولهم في مفهوم الصفة. وجمهور الفقهاء على الاحجتاج بمفهوم العدد، انظر: «البرهان» (1/ 453 - 454)، و «البحر المحيط» (4/41).
(3) في الأصل (التناقض).
(4) أصل هذا التقسيم لأبي الحسين في «المعتمد» (1/ 157).
(5) هذا هو قول السواد من أهل الأصول، انظر: «أصول البزدوي» (ص: 311)، و «الوصول» لابن برهان (1/ 332).
(6) محمد بن محمد بن جعفر أبو بكر الفقيه الشافعي القاضي، المعروف بابن الدقاق، صاحب الأصول (تـ 392 هـ). وانظر: «البرهان» (1/ 468)، و «شرح اللمع» (1/ 441). وهذا المشهور عند الحنابلة، «العدة» (2/ 475)، و «المسودة» (ص: 352). وقال الطوفي: =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
* لنا وجهان:
الأول: جواز القول بأن زيدا أكل. مع العلم بأن غيره أكل.
الثاني: لو دل عليه لبطل القياس؛ لأن عدم الحكم في الفرع يثبت بالقياس، وهو مقدم.
حجته: لا فائدة للتخصيص إلا نفي الحكم عما عداه. وجوابه: لعل الغرض اختص بذكر أحدهما دون الآخر.
* * *
التاسعة: الأمر المقيد بالصفة لا ينتفي الحكم عما عداه. خلافا للأشعري(1) والشافعي(2) ومعظم فقهائنا(3).
* لنا وجوه:
الأول: أن الأمر قد يرد مع نفيه عما عداه وفاقا، ومع ثبوته، كقوله تعالى: {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء} [المائدة: 95]، فجعله في المشترك أولى، دفعا للاشتراك والمجاز.
الثاني: لا يدل [عليه] بالمطابقة، إذ نفي الحكم عن صفة ليس نفس--------------------------------------------
"الأشبه الذي تسكن النفس إليه: أنه ليس بحجة، وأنه في المفهومات كالحديث الضعيف في المنطوقات"، شرح مختصر الروضة (2/ 775).
(1) نقله عنه القاضي أبو بكر في «التقريب» (3/ 332)، وأبو المعالي في «البرهان» (1/ 450). وانظر: «المجرد» لابن فورك (ص: 199).
(2) انظر: «الأم» (3/14) [ط الوفاء].
(3) انظر: «شرح اللمع» (1/ 440)، و «الإحكام» للباجي (2/ 520).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
ثبوته في أخرى. ولا بالالتزام، لعدم استلزام ثبوت الحكم في أحد الصورتين نفيه عن الأخرى.
الثالث: القياس على تقييد الحكم بالاسم، عملا بالمشترك. وهو أن الغرض بالتخصيص نفي الحكم عما عداه.
احتج المخالف بوجوه:
الأول: أنه يستقبح عرفا قول القائل: "الإنسان الطويل لا يطير" ويقال(1): القصير أيضا كذلك، فالتخصيص بالطويل عبث. والنقل خلاف الأصل.
الثاني: لابد للتخصيص من فائدة، ونفي الحكم عما عداه أصلح الفوائد، لمبادرة الذهن إليه عرفا.
الثالث: ترتيب الحكم على الوصف يشعر بعليته والأصل تعليل الأحكام المتساوية.
والجواب عن الأول: أنه منقوض بقولهم: "زيد الطويل لا يطير". وبالاتفاق لا ينفي الحكم عما عداه.
وعن الثاني: لا نسلم أن تخصيص القادر يتوقف على مرجح، فإن تخصيص وجود العالم وبعض الصور بالحكم ليس لمرجح.
وعن الثالث: ما سيأتي في القياس، أن الأصل ليس ذلك.--------------------------------------------
(1) (يقال) مستدرك في الحاشية مصححا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)