* قلنا: لا، إذ في الأصل مناسب(1)، وهو خوف اختلاط المائين، وفي الفرع مناسب آخر وهو التَّرَبُّصُ عن الزوج، وفيهما لقب، وهو اسم العِدَّةِ، فالمشترك طرد غير مناسب، والمناسب غير مشترك.
* فإن قيل: فهل تصححونه استدلالا؟
* قلنا: نعم، بعد إبطال مذهب الخصم في أن الوطء رجعة تقطع العِدَّةَ(2)، إذ المناقضةُ إِنَّما تَستتب إذا كانت العِدَّةُ قائمة مع الإباحة.
* فإن قيل: فما المختار في قول القائل: «حِلُّ الوطء والاحتساب بالأقراء متنافيان؛ بدليل أنَّ المتربصة قبل الطلاق لما حلَّتْ لم تحتسب بالأقراء».
* قلنا: هذا أمثل، وجواب الخصم أوضح منه؛ إذْ يقول: «المتربّصَةُ قبل الطلاق لم تحتسب؛ لأنَّ تربُّصَها لا يؤدّي إلى البينونة، بخلاف تربصها بعد الطلاق؛ إذ يؤدي إلى البينونة».
* فإن تعلَّقَ المحرّم بأنَّ الطَّلاق كما أوجب المصير إلى البينونة، فليُوجب(3) التحريم: انتقض بِحِلَّ المعلق طلاقها على رأس الشهر.
* فإن تعلَّق بأن الاحتياج إلى الرجعة دليل التحريم: رُدَّ بأَنَّ(4) الرَّجعة لقطع البينونة المتوقعة، لا للتحليل.--------------------------------------------
(1) بعدها في «أ» زيادة: (آخر).
(2) قارن بالأبياري (4/ 156).
(3) «أ»: (فلنوجب).
(4) «أ»: (لأن).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)
فَصْلٌ (1)
الاستدلال المقبول عندنا: هو المناسب الذي لا يقويه(2) من ذي الأصل إلا شهادة الأصل له.
والمردود: هو الذي يصادمُ الأصولَ؛ كالمنقول عن مالك أنه يقتل ثلث الأُمَّةِ لاستبقاء ثلثيها؛ دفعاً لأعظم الضررين، فيلزمه شرع العقوبات النادرة على الفواحش النادرة، كقطع الشَّفَة ونحوه؛ استرسالاً في المصلحة.
والمعلوم أنَّ الصَّحابة وقع لهم مثل ذلك، فلم يجاوزوا(3) الحدود المنصوصة، ولما حدث الإكثار من الخمر، لم يهجموا على زيادة في عقوبته، حتى تيقنوا(4) أنه لم يكن محدوداً في زمنه عليه السلام، ومع ذلك قال علي (عليه السلام)(5): «لا أقيم حَدًّا في نفسي منه شيء إلَّا حدَّ الشَّارب؛ لأنه شيء رأيناه بعد النبي صلى الله عليه وسلم»(6).
***--------------------------------------------
(1) انظر: البرهان (2/ 732 - 735)، التحقيق والبيان (4/ 168)، تنقيح الفصول (ص 495)، نفائس الأصول (9/ 4092).
(2) كذا في النسختين، والتعدية بـ: «من» لا تناسب «تقويه»، فلعل المعنى: لا يُقَوِّيهِ قُربًا، أو ربما صوابها: (يُقَرِّبُهُ). ولعل مما يؤيد ذلك قول الجويني (2/ 733): «وبالجملة؛ لا يحدث الناظر الموفق مسلكًا إلا وبينه وبين ما تمهد في الزمن الماضي من السلف الصالح مداناة».
(3) (أ): (يتجاوزوا).
(4) في البرهان: (إلا بعد أن يثبتوا)، صوابها: (إلا بعد أن تَثَبَّتُوا).
(5) «أ»: (رضي الله عنه)
(6) أخرج نحوه البخاري (6778) ومسلم (1707).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)
فصل
يُعترض الاستدلال باعتراضات القياس، خلا المختصَّةِ بالأصلِ، فَيَرِدُ النَّقض والمعارضة وطلب الإخالة، وتقديم ذي الأصل عليه(1).
ويفسد من الاعتراضات عليه ما يفسد على القياس.
ولا يُستعمل الشَّبَهُ استدلالاً؛ إذْ مِنْ ضرورتِه مُشَبَّةٌ، ومُشَبَّةٌ به.
فصل في الاستصحاب (2)
نُصوّره(3) بالسَّبرِ، فنقول: إذا ثبت حكم في صورة بدليل، فاستمرت بحالها، فالحكم فيها بالدليل الأصلي، لا الاستصحاب، وإطلاق الاستصحابِ هنا لاحتمالِ النَّاسخ غير مقصودِ الفصل.
ويُقابله: أن يثبت في صورة، (فيستصحب في صورة)(4) مقاطعة لها(5)، فهذا ليس استصحابًا، وحاصله احتكام.
فإن ثبت في صورة، فتغيَّرت: فاستصحاب الحكم فيها بعد تغيرها هو--------------------------------------------
(1) في مطبوعة البرهان: (أصل علته)، ولا يظهر لها معنى.
(2) انظر: البرهان (2/ 735 - 739)، التحقيق والبيان (4/ 175)، تنقيح الفصول (ص 497)،
تحرير المنقول (ص 323).
(3) «أ»: (تصوره).
(4) ليست في «أ».
(5) لم يكن للصورة الثانية تعلّق بالأولى، ولم يكن تغيرها مرتبا على الصورة الأولى. ن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)
المختلف فيه:
فقيل: بقبوله دليلا.
وقيل: ترجيحا.
الرَّادُّ: تغيرُ الصُّورةِ يُصيّرها كالصورتين، فالاستصحاب احتكام.
مثاله: قول أبي حنيفة: تُستأنف فريضةُ الشَّياه بعد مائة وعشرين من الإبل؛ استصحابًا للفريضة المبتدأة، ومعارضة الشافعية له باستصحاب فريضة الإبل - وهي الثابتة(1) -.
وكلاهما باطل، واستصحابُ الشَّافعيَّةِ أقرب؛ لأنَّ الشَّياه وجبتْ أَوَّلاً حَذَرَ التشقيص، وتخفيفًا على المقل، ولا كذلك المكثر.
فإن قيل: مَنْ تيقن الطهارة، وشك في الحدث، استصحبتم له يقين(2). الطهارة!
* قلنا: هذا لُبابُ(3) الفصل، وليس المراد مجامعة اليقين للشك وجودًا، ولكن حكم اليقين.
ثُمَّ لانخرام اليقين أحوال:
* قد يخرمه ظن بعلامة بيِّنَةٍ؛ فالظَّنُّ المتَّبَعُ.--------------------------------------------
(1) في الأصل كأنها: (الثانية).
(2) في «أ»: (نفي).
(3) «أ»: (الباب).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)
* وبعلامة خفية - كعلامة التحري في الأواني:
- فإن تقدَّم يقين طهارة أحدهما ونجاسة الآخر، والعلامة للتعيين: اعتُبرت؛ (لتساقط الأصلين)(1)، فتخلو عن المعارض؛
- فإن تقدم يقين(2) طهارتهما(3):
فقيل: تلغو العلامة بالاستصحاب لضعفها.
وقيل: تُعتبر(4).
* وإن لم تكن علامةٌ البَتَّةَ(5): فالاستصحاب. ومستنده الإجماع، ويُقبل دينًا وجَدَلًا، كما لو قال: «الأضحية لا تجب؛ لأنَّ الأصل براءةُ الذِّمَّةِ، ولم تثبت أمارة تَشغَلُها»، فهذا كافٍ؛ فإنْ تَتَبَّعَ الأمارات المتخيلة بالإبطال، فأجدر.
***--------------------------------------------
(1) «أ»: (للتساقط الأصلي).
(2) ليست في «أ».
(3) أي: وثبتت علامة خفية فشككنا في طريان النجاسة. ن. بتصرف.
(4) «أ»: (يعتبر).
(5) أي: وتقدم يقين، وطرأ شك ليس عليه علامة. ن. بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)
كِتَابُ التَّرْجِيْحِ (1)
هو(2): «تغليب أمارة على معارضها؛ لقوتها»(3). واستعمله الظاهرية في الألفاظ، وأنكره جُعَلُ، وهو محجوج بالإجماع المتواتر.
واحتج القاضي لمنكره بسقوطه في البينات.
ورد: بالمنع؛ فقد رجح فيها مالك رضي الله عنه،
ولو سلم: فالفرق غلبةُ التَّعَبدِ في البيِّنات،
ولو سلم: فلا(4) يُعارَضُ القاطع بقياس ظَنِّي.
ولما كانت العلوم متساوية: امتنع الترجيح في القواطع.
***
* مَسْأَلَةٌ(5):
قالت الأئمة: لا ترجيح في المعقولات، أي: المعلومات، أما العوام:--------------------------------------------
(1) انظر: البرهان (2/ 741 - 742)، المنخول (ص 426)، نكت المحصول لابن العربي (ص 514)، التحقيق والبيان (4/ 192).
(2) ليست في «أ».
(3) قارن بالأبياري (4/ 193 - 197).
(4) «أ»: (ولا).
(5) انظر: البرهان (2/ 742)، التحقيق والبيان (4/ 197)، نفائس الأصول (8/ 3673)، البحر المحيط (1/42).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)
فيكفيهم الاعتقادات الصحيحة، ولا بُدَّ لها من أسباب(1)؛ فقد يدخلها الترجيح كالظَّنِّيَّاتِ.
***
* مَسْأَلَةٌ(2):
قالوا: الترجيح لا يستقل دليلا، فلا يُستعمل في المذاهب؛ لأنَّها دعاو.
ويُستدرك بأنَّ(3) العامي لا يتخيَّرُ مُقَلَّدَهُ إِلَّا عن ترجيح، فهو مستنده، ويمكن أن يقال: ترجيحه دليل مثله.
***
* مَسْأَلَةٌ(4):
أجمع المحققون على أنَّ الحكم على مَنْ بَعد مالك وأقرانه: تقليدهم؛ إذْ هُمْ آخِرُ المجتهدين، (وأُعينوا على)(5) {(6) تصفح أدلة الأَوَّلِينَ ومذاهبهم، وعلى تدوين المسائل الواقعة والمتعددة، فبتلك المعونة كَفَوا مَنْ بعدهم المؤنة.--------------------------------------------
(1) عبر الجويني بالمسالك، والتعبير بالأسباب هو من الأبياري (4/ 198).
(2) انظر: البرهان (2/ 743)، التحقيق والبيان (4/ 201)، نفائس الأصول (8/ 3671)، تحرير المنقول (ص 347).
(3) «أ»: (فإن).
(4) انظر: البرهان (2/ 744 - 751)، التحقيق والبيان (4/ 213)، نفائس الأصول (9/ 3966)، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني (ص 527).
(5) «أ»: (فأغنوا عن).
(6) هنا بدأ النقص في الأصل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)
ثُمَّ لا يختار المقلّد مُقَلَّدًا بالتشهي، بل بالترجيح، ومختار الإمام: ترجيح الشافعي، واستدل بطرق:
* منها: أنَّه متأخر، فاتَّبَعَ الأَوَّلِينَ في التأصيل، وانفرد بالتكميل، فترجَّحَ.
لا يُقال: فمن بعده إذا أكمل!
لأنَّا نَقُولُ: ما سَاوَاهُ بعده أحدٌ.
* ومنها: أنه أعرفُ بالأدلة متونا و [معاني](1)، لا يزيدون عليه بالطَّوق(2) بعربيَّته، ومعرفته بالرّجالِ، ومواقع الإجماع، ثُمَّ بترتيب الأدلَّةِ:
إذْ قَدَّمَ الكتابَ، ثُمَّ السُّنَّةَ، ثُمَّ انضبطَ في الرَّأْي؛ فاعتبر المناسب الملائم لمنصوب الصحابة:
فإن عَدِمَه: تَلمَّحَ الأشباه؛ فإن عَدمِهَا: وَقَفَ مع التَّعَبدِ. وقد يسنح له مناسب منقوض فَيُغَلِّبُهُ(3)، فلذلك مَنَعَ القيمة في الزكاة مُتَأَيَّدًا بأنها عبادة،--------------------------------------------
(1) في المخطوط: (و)، ثُمَّ بعدها بياض مقدار كلمة أو نصف كلمة، ولعل المثبت هو الصواب.
قال في البرهان: «فإذا نظر الناظر إلى منصب الشافعي، عرف أنه أعرفُ الأئمة بكتاب الله تعالى؛ فإنَّه عربي مبين … ، ولا يخفى تميزه عن غيره فيما نحاوله، ثُمَّ يتعلق معرفة الناسخ، والمنسوخ، وأسباب النزول بمعرفة الروايات؛ ومقامه لا يخفى في الأخبار، ومعرفة الرجال، وفقه الحديث، والإجماع يتلقى من معرفة الآثار، وما يصح نقله من الوفاق والخلاف؛ وهذا بيان الأصول».
(2) هذا ظاهر الرسم، والطوق هي القدرة والطاقة. ويحتمل أن تقرأ: (الطرق). وربما هي مصحفة أو محرفة من كلمة أخرى.
(3) أي: التَّعَبُدَ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 300)
فغلب عليها التعبد.
* ومنها: أنَّ الشَّريعة مأمورات ومنهيَّاتٌ، فرجحان نظره في العبادات واضح، وكذلك في المنهيَّاتِ؛ فإنه سَبَرَ القواعد التي نصبها الشارع زواجر عن الفواحش، وحمى منها الذريعة، وهدمها غيره:
- كالقصاص؛ فإنَّه زجر عن القتل، وسقوطه [في] المثقَّلِ يَهْدِم القاعدة؛
- وكحد الزنا؛ وإسقاط البينة(1) بالإقرار، ثُمَّ إسقاط الإقرار بالرجوع يهدمه، فكذلك أبواب الغصب والسرقة، فليُتَّبَعْ(2) فيها نظر الشافعي من غيره.
* ثُمَّ أقرب(3) ترجيح إلى الأفهام:
- قوله عليه السلام: «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيشِ»(4)، والشافعي من بينهم قرشي صريح.
* والإشارة إلى مالك، وأبي حنيفة، فَلْنَذْكُرْ خصائص الثلاثة:
أما أبو حنيفة؛ فذو الفِطْنَةِ الوقادةِ، في عُرف المعاملات وترتيب الحكومات وتفريع المسائل المقدرات؛ غير أنه مُضرب عن النقليات، وربَّما--------------------------------------------
(1) في المخطوط: (بلسه). ولعل المثبت هو الصواب، وهو الأليق بالسياق.
(2) كذا استظهرتها. وهي مهملة في المخطوط.
(3) ويحتمل أن تقرأ: (أقوى).
(4) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (12307)، (12900)، (19777) والطيالسي (968)، (2247) وغيرهما. ومعنى الحديث في الصحيحين، ففي صحيح البخاري (7140) عن ابن عمر مرفوعا: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان». وفي صحيح مسلم (1818) عن أبي هريرة مرفوعا: «الناس تبع لقريش في هذا الشأن … ».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 301)
وقعت له وفاقًا فاعتمدها، لا أنه طلبها فوجدها.
وأما مالك: فذو الأمانةِ الشَّديدة في النقليات، والإحاطة بعلل الروايات والرواة، حتى قال: «أدركتُ بعدد أساطين هذا المسجد من يقول: حدثني أبي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم أرو عن أحدٍ منهم شيئًا». قيل له: «أكنتَ لم تَثِقْ بهم؟» فقال: «لم أتَهُمْ صِدقهم، ولو نُشِرُوا بالمناشير ما كَذَبُوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لم يكونوا من أهل هذا الشَّأْنِ»(1)؛
غير أنه رحمه الله استرسل في المصالح، فرتّب عليها زواجر حادثةً، كالتأديب بالمال المصلح وإبانة الأعضاء؛
- لظاهر(2) مشاطرة(3) عُمَرَ لعَمْرِو وخالدٍ،
- ولظاهر قوله}(4) للمغيرة: - وقد أبان قَذَاةً عن لِحْيَتِهِ - «أَبِنْ ما أبنْتَ، وإلّا أبنتُ يدك(5)»(6).
ولهذه الوقائع تأويلاتُ تَرُدُّهَا إلى الأصول.
وأما الشافعي: فانفرد بأصول الفقه، وهو أوَّلُ مصنّف فيها، وشاركهم في الفروع؛ غير أنه اخترم قبل إكثاره منها، ولا مَعَابَ في الموتِ، فقيَّض الله--------------------------------------------
(1) ينظر: مسند الموطأ (37)، الفقيه والمتفقه (2/ 194)، الانتقاء (ص 16).
(2) في المخطوط: (ولظاهر). ولعل الصواب ما أثبت.
(3) في المخطوط (مشاطر). ولعل الصواب ما أثبت.
(4) هنا ينتهي النقص في الأصل.
(5) «أ»: (يديك).
(6) ينظر: نفائس الأصول (9/ 4091)، حاشية العطار على شرح المحلي (2/ 328).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 302)
له أصحابًا حُذَّاقًا، فرَّعوا على أصوله، فكمُل مذهبه أصولًا وفروعاً.
ثُمَّ المختار: أنَّ العاميَّ لا يجب عليه النَّظَرُ، لا في العقليات(1)، ولا في العمليَّاتِ، ووظيفته التَّقليد.
وألزمه(2) الأستاذ النَّظَرَ في العقليَّاتِ؛ وأسرف فقال: وفي العمليَّاتِ القطعيَّاتِ، وهذا مردودٌ؛ فإنَّ المقطوع به مِنْ العَمَلِيَّاتِ يَزِيدُ على مائةِ أَلْفِ مسألة، وأنَّى للعامي هذا الاتساع، فهذا اقتحام على خَرْقِ الإجماع.
* * *
• مسألة(3):
الرُّجْحانُ مزيَّةٌ في الدليل، ولا(4) يُعقل بدونه.
وتخيل بعضهم جواز اعتماده مستقلا، واحتج بأنَّ الصحابة كانوا يقنعون(5) في المحاورات بالترجيح.
• قلنا: بعد تمهيد الأدلَّةِ. نعم، قد يجوز اعتماد الأمارة(6) الضعيفة؛ لضرورة عدم ما هو أقوى كاستصحاب الحال.--------------------------------------------
(1) «أ»: (المعقولات).
(2) أي: العامي.
(3) انظر: البرهان (2/ 750 - 751)، التحقيق والبيان (4/ 238)، شرح مختصر الروضة (3/ 676)، الردود والنقود (2/ 732).
(4) «أ»: (فلا).
(5) «أ»: (يكتفون).
(6) «أ»: (الأمارات).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 303)
القَوْلُ فِي تَرْجِيحَاتِ الأَدِلَّةِ (1)
التَّرْجِيحُ حيث(2) التَّعارُضُ، أي: تعارض صُوَرِ الأَدِلَّةِ.
وهي:
• نقلية: نصوص وظواهر؛ متواترة، وآحاد.
• ومعنوية.
فلا ترجيح بين النَّصَّينِ المتواترين؛ ولكن إن تَأَرَّخَا، فالمتأخّرُ ناسخ.
• مَسْأَلَةٌ(3):
قال الشافعي: إذا تعارض نصَّانِ، وظُنَّ تأخُرُ أحدهما، فناسخُ؛ إذ العمل بأحدهما أولى من السقوط.
وقيل: متعارضان؛ إذ إمكانُ النَّسْخِ وظَنُّهُ مُلغى؛ بدليل إلغائه في النَّص الذي لم يُعارض(4) اتفاقا.--------------------------------------------
(1) انظر: البرهان (2/ 752)، المنخول (ص 426)، نك المحصول (ص 514)، التحقيق والبيان (4/ 240).
(2) (أ): (من).
(3) انظر: البرهان (2/ 752 - 754)، المنخول (ص 428)، التحقيق والبيان (4/ 242).
(4) (أ): (يتعارض).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 304)
الأمثلة(1):
* حديث قيس في المس(2)، وإسلامه قديم، وحديث أبي هريرة فيه(3)، وإسلامه مُتأَخِّرُ، فالظَّاهِرُ أَنَّ حديثه مُتَأَخِّرُ.
* وقوله عليه السلام: «وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ»(4)، وصلاته في مرض موته عليه السلام جالسا، والناس قيام؛ فالظاهرُ أنَّ فِعله هذا بعد قوله.
* وكذلك رواية ابن عُكيمٍ: وَرَدَ عَلَيْنَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ أَنْ «لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبِ»(5). فالظَّاهِرُ تَأخُرُه عن أحاديث الدباغ؛ غير أن حديث ابن عكيم مُرْسَلٌ.
والمختار: العَمَلُ بالمظنون تأخُرُه إِنْ فُقدت الأدلة؛ فإن وُجد - ولو قياس - تساقطا واتَّبَعَ(6)، ولذلك(7) يُستعمل - المتأخّرُ ظَنَّا - ترجيحاً لأحد القياسين المتعارضين.--------------------------------------------
(1) (أ): (المثال).
(2) يعني حديث قيس بن طلق عن أبيه. أخرجه أبو داود (182)، والترمذي (85)، والنسائي في الكبري (160)، وأحمد (16286) وغيرهم.
(3) أخرجه أحمد في المسند (8404)، والشافعي في المسند، ترتيب سنجر (58)، وابن حبان في صحيحه، ترتيب ابن بلبان (1118)، والطبراني في الصغير (110) وغيرهم.
(4) أخرجه البخاري (689) من حديث أنس، ومسلم (414) من حديث أبي هريرة.
(5) أخرجه أبو داود (4127)، والترمذي (1826)، والنسائي في الكبرى (4561)، (4562)، وابن ماجه (3613)، وأحمد (18780)، (18782 - 18785) وغيرهم.
(6) أي: القياس.
(7) (أ): (وكذلك).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 305)
• مَسْأَلَةٌ(1):
اختلف في ترجيح الآحاد بالكثرة:
المرجح: الأكثر أقوى ظنا.
المخالف احتج بإلغائها في الشَّهادةِ، ومنع؛ فقد رجح فيها مالك بالكثرة.
والمختار: الترجيح بها في الرّواية قطعاً إن فُقدت الأدلة، وهو أولى من تعطيل الواقعة؛ للإجماع الاستقرائي في مثله، وحاصله:
أنَّ الخبر الأكثري إذا عارضه خبر واحدٍ، وَهَى كُلُّ منهما بالآخَرِ. لكنَّ الواحِدَ يَسقط، والأكثري يعود ترجيحاً:
- فإن لم يُظفر بغيرهما: اعتبر الأكثريُّ؛ لأنَّ الترجيح معتبر عند فَقْدِ الأدلة؛
-وإن وجد قياس؛ فإن وافق الأكثري: اعتبر القياس(2)؛ فإن عارضه قياس آخَرُ: رُبِّحَ مُوافق الأكثري؛
وإن كان القياس موافقا للواحد:
احتمل اعتبار القياس؛ لتساقط الخبرين، واحتمل اعتبار الأكثري؛ لظننا--------------------------------------------
(1) انظر: البرهان (2/ 754 - 759)، المنخول (ص 430)، نكت المحصول (ص 515)، التحقيق والبيان (4/ 249).
(2) الذي يقتضيه هذا المسلك النزول عنهما، والتمسك بالقياس. ن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 306)
أنَّ الصَّحابة كانت إذا وجدتْ خَبَرًا كثرت رواته: اطَّرَحت(1) القياس.
فهذه المسألة اجتهادية إذ(2) لم يُظفر(3) فيها بقاطع، بخلاف القطع بتقديم القياس على الخبر المظنون نسخه؛ فإنَّا ظفرنا بالقاطع ثَمَّ على اطراحِ المنسوخ ظَنَّا، وظَنَنَّا ههنا اعتبارهم العدد لإثارته الثقة.
ومن فروعها(4): تعارض خبرين من عدلين: أحدهما أحفظُ، كرواية عبد الله وعبيد الله في المقاسم(5)، فرجح المحدثون خبر(6) عُبيد الله لحفظه.
قال البخاري: «بينهما ما بين الدينار والدرهم، والفضل لعبيد الله».
والمختار فيها: كالأُولى؛ غير أنَّ المقاسم لا يجري فيها إلا قياس جملي يقتضي تفضيل الفارس على الراجل، فتتعيَّن رواية عبيد الله.
فإن تعارضت الثقة والكثرة، فخلافيَّةٌ بين المحدّثين.
والمختار: أنَّها اجتهاديَّةٌ أيضا، والثّقة مقدَّمة؛ إذ لو روى الصَّدِّيقُ خَبَرًا،--------------------------------------------
(1) (أ): (طرحت).
(2) (أ): (إذا).
(3) (أ): (تظفر).
(4) (أ): (فرعها).
(5) روى عبيد الله العمري عن نافع عن ابن عمر قال: «قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ خَيْبَرَ لِلْفَرَسِ سَهْمَينِ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْما». قال: فسره نافع فقال: «إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس فله سهم. أخرجه البخاري (2863) (4228)، ومسلم (1762).
وخالفه عبد الله العمري، فرواه عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يُسهِمُ للخيل للفارس سَهمَينِ وللرَّاجِلِ سَهما». أخرجه عبد الرزاق (9320)، والدارقطني (4182) والبيهقي (12868).
(6) (أ): (حديث).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 307)
وعارضه خبر جماعة، قدّمت روايةُ الصِّدِّيق.
***
• مَسْأَلَةٌ(1):
إذا تعارض إجماع وخبر - (ولو نص)(2) متواتر -: قدم الإجماع، وحمل الخبر على النسخ؛ جمعاً بين الأدلَّةِ؛ وإلا لزم تخطئه الإجماع، ثُمَّ تقتضي العادةُ(3) بَوْحَهم بالناسخ.
فإن تعارض خبر واحد وأقضية صحابته:
فرجح مالك الأقضية، بل رجّح عَمَلَ المدينة مطلقا على الخبر؛ فإن استند لفضل المدينة: فأجنبي؛ وإن استند لكثرة العلماء بها حينئذ: فمَاس(4).
وعَمِلَ الشَّافعي بالخبر؛ لأَنَّ عَمَلَ البعض ليس بإجماع، فليس بِحُجَّةٍ، بل الخبرُ حُجَّةٌ عليهم، ولو عاصرهم لجادلهم، والموتُ طرد، بل لو ظفر بقياس يناقض عملهم، لعَمِلَ به، ولم(5) يلزمه تقليدهم؛ ثُمَّ إن اتبعوا--------------------------------------------
(1) انظر: البرهان (2/ 759 - 765)، التحقيق والبيان (4/ 260).
(2) (أ): (ونص).
(3) (أ): (المثال).
(4) أي: فقريب. ويحتمل رسمها في الأصل: (فمماس)، وكلاهما صحيح. وأما في «أ»، فظاهر الرسم: (فما بيَّن)، ويحتمل أن يُقرأ: (فماس) كما في الأصل.
قال في البرهان: «وإن كان مذهبه النظر في مذاهب العلماء الذين كانوا، وإنَّما أجرى ذكر أهل المدينة لتوافر العلماء بها في ذلك الزمن: فهذا قريب». وسيأتي فيما بعد استعمال ابن المنير لها في نفس المعنى. انظر: (ص 340).
(5) (أ): (ولا).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 308)
لتحسين(1) الظَّنِّ، فاتباعُ المعصوم يقيناً أولى.
والمختارُ:
إنْ عَلِمْنَا اطلاعهم على الخبرِ النَّصّ: اتَّبعناهم في مخالفته؛ لأنَّها إمَّا لفسق - وهو باطل بالإجماع - أو لنسخ - فيتعين -.
وإن عَلِمْنَا أو ظننا عدم اطلاعهم عليه: اتَّبعناه. والظَّنُّ بالشافعي يقتضي تنزيل إطلاقه على هذا التفصيل.
فإن ظَنَنَّا اطلاعهم عليه ووجدنا مُتَعَلَّقًا غيره وغير الأقضية: اتَّبعناه؛ وإلا فالخبر.
ومن بديع النَّظَرِ أَنَّ الأقضية حيث قدمناها على الخبرِ النَّصّ: فسبب ذلك إيذانها بالمستند، لا أنَّها المستند، ولذلك(2) اعتبرناها معارضةً وأهدرناها خليَّةً عن المعارضة، وطردنا الطريقة في غير الصحابة ما لم نعلم(3) أنَّ مستند المخالف أمر لا نعتقده؛ كمخالفة مالك لحديث خيار المجلس تقديمًا لعمل أهل المدينة مطلقًا.
فإن اختلف رواة الخبر، فعَمِلَ به بعضُهم، وخالفه بعضهم حيث لا محمل للمخالفةِ إِلَّا النَّسخُ: فالمخالِفُ مقدَّم؛ على أنَّ العادة تقتضي البَوْحَ بمستند المخالفة للآخرينَ إِلَّا في صقعين متباعدين.--------------------------------------------
(1) (أ): (ليحسن).
(2) (أ): (وكذلك).
(3) (أ): (يعلم).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 309)
وإن تعارض خبرانِ، عَمِلَ بأحدهما الصَّحابةُ: فقد(1) رجَّحه الشافعي؛ كترجيحه حديث أنس(2) في نُصب الغَنَمِ - لعمل الشيخين - على حديث عليّ(3).
والمختار تعارضهما؛ إذ لم نعلم(4) عِلمَ الشيخين بخبر عليّ؛ ولو عَلِمْنا، لاقتضت الطريقة العمل بمخالفتهما له؛ لإيذانها بالمستند. ثُمَّ حيث حكمنا بالمعارضة: وافقنا الشافعي في العمل بحديث أنس؛ إذ نَظُنُّ عِلْمَهما(5) بحديث عليّ، والنُّصُب لا تَنْقاسُ، فَيُتَمَسَّكُ بالظَّنِّ التَّرجيحي لفقد الأدلَّةِ.
• مَسْأَلَةٌ(6):
إذا تعارض خبران، ووافق أحدهما قياسٌ:
رجَّح به الشافعي، كالمزيَّةِ وأَوْلى.
وأسقطهما القاضي، وتمسك بالقياس؛ إذ الخبرُ يُسقط القياس، فكيف يسقطه(7) القياسُ مُرجحا.--------------------------------------------
(1) ليست في «أ».
(2) أخرجه البخاري (1454).
(3) أخرجه أبو داود (1572).
(4) «أ»: (يعلم).
(5) «أ»: (عملهما).
(6) انظر: البرهان (2/ 765 - 768)، المنخول (ص 432)، نكت المحصول (ص 517)، التحقيق والبيان (4/ 279)، أصول ابن مفلح (1/ 355).
(7) «أ»: (يسقط).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 310)
نعم، إذا تساقطا: انفرد القياس فاعتبر.
وللشافعي المنع، وإنَّما يُسقط القياس خبر لم يعارض.
التفريع:
تَعَارَضَ(1) حديثًا ابنِ عُمَرَ(2) وصالح بن خوات في صلاة الخوف(3)، ووافقت القواعد حديث ابن خُوَّاتٍ؛ فإنَّه أقلُّ مُنافِيَاتٍ(4) للصَّلَاةِ، فَعَمِلَ الشَّافعي بحديث ابن خوات لترجحه بالقياس.
وفي المثالِ نَظَرُ آخَرُ:
وهو أنه يحتمل تجويز الصفتين على أنهما وقعتا، فلا تَعَارُضَ، ويُحمَل ترجيح الشافعي لإحداهما على الأفضلية(5)، وهو المختار.
ويحتمل إفراد الصّفةِ المختارة بالإجزاء، فلا تعارض أيضًا؛ إذ لم تتعرّض إحداهما لإبطال الأخرى، إلا أن يُبنى(6) على اتحاد المجلس(7)،--------------------------------------------
(1) «أ»: (يعارض).
(2) أخرجه البخاري (942)، ومسلم (839).
(3) أخرجه البخاري (4129)، ومسلم (842).
(4) كذا في الأصل. وفي «أ»: (منافات).
(5) في البرهان (2/ 767): (من طريق التفصيل) بالمهملة، والصواب: (التفضيل) بالمعجمة. وكذلك الأمر في قوله في نفس الصفحة: (ورد الأمر إلى التفصيل).
(6) «أ»: (ينبني).
(7) «أ»: (المحل).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)
وتوهيم أحد الراويين غير مُعيَّن - وهو بعيد عن تحسين الظَّنَّ(1) -؛ وحينئذ يتساقطان(2)، ويُتَمَسَّكُ بالقياس.
ورجح القاضي رواية ابن عمر لوجه آخر، وهو مباينتها للمألوف(3).
وتوهيم(4) راوي المألوف لاستحكام العادة عليه أقرب من توهيم المُخرج عنه.
وهو(5) بعيد من تحسين الظَّنَّ(6)، ثُمَّ كلتاهما ناقلة عن المألوف.
ومن فروعها: إذا وافق أحد الخبرين نظم القرآن، مثل: «الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ نُسُكَانِ فَرْضَانِ لَا يَضُرُّكَ بِأَيْهِمَا بَدَأْتَ»(7)، فهو موافق لقوله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}(8)، بخلافِ قوله: «الْحَجُّ جِهَادٌ، وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّع»(9)، وفيه نظر؛--------------------------------------------
(1) «أ»: (النظر).
(2) «أ»: (يتناقضان).
(3) قوله: «مباينتها للمألوف» في البرهان: (نافلةٌ عن المألوف). قال المحقق: «ت: ناقلة»، وهو أولى. وتعبير ابن المنير بـ (المباينة) تعبير الأبياري. قارن بالأبياري (4/ 281).
(4) «أ»: (وتوهم).
(5) «أ»: (فهو).
(6) (أ): (النظر).
(7) أخرجه الحاكم (1730)، والبيهقي في السنن الكبرى (8760) من حديث جابر بن عبد الله، والدارقطني (2718) من حديث زيد بن ثابت. وصحح وقفه. انظر: نصب الراية (3/ 147)، التلخيص الحبير (4/ 1518)، الدراية في تخريج أحاديث الهداية (2/47).
(8) البقرة: 196.
(9) أخرجه ابن ماجه (2989) من حديث عبد الله بن أبي أوفى، والطبراني في الكبير (12252) من حديث ابن عباس، وفي الأوسط (6723) من حديث طلحة بن عبيد الله، والشافعي=
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)